Showing posts with label مسخرة. Show all posts
Showing posts with label مسخرة. Show all posts

21 July 2012

طرف السجادة الحمراء أو الحقيقة وراء عمر سليمان


في الثامنة صباحا تقريبا من كل يوم، كان رجلا وحيدا يفتح البوابة ويرتب الكراسي والطاولات في الحديقة. وينظف السجاجيد الحمراء التي تصنع طريقا فوق السلم العريض من الممر إلى داخل الفيلا.

بعد ان ينظف السجاجيد المستطيلة كان يضعها بعناية بحيث تبدو وكأنها سجادة واحدة طويلة من أول السلم إلى آخره. فكرت كثيرا، وأنا أراقبه من نافذة مطبخ المكتب في انتظار غليان المياه لأشرب الشاي، أن شراء سجادة  واحدة بطول مناسب ستوفر وقتا طويلا للرجل، الذي كان يضطر أحيانا لطلوع السلم ونزوله أكثر من مرة والابتعاد قليلا ليلقي نظرة على محاذاتها عن بعد.

بعد أن ينتهي من  بعض الاعمال، التي يبدو أنه يقوم بها في داخل الفيلا، كان يخرج  ويجلس على كرسي في الحديقة تحت الشمس. ينتفض دائما عندما تأتي العاشرة صباحا بالظبط ويقف بجوار الباب،  تدخل السيارة السوداء في موعدها. تقف في الممر بالقرب من الكراسي، ينزل اللواء عمر سليمان وبيده كيس سندوتشات. تكمل السيارة طريقها إلى آخر الممر وتقف. لم ينزل السائق منها أبدا.

يتجه عمر سليمان إلى الكراسي ويجلس ويضع كيس السندوتشات أمامه على الطاولة. كثيرا ما لمحني أحدق فيه من نافذة الشباك فظل بصره مثبتا عليّ بلا أدنى حركة أخرى. فكرت دائما أنه ربما يفكر في قصتي وفي مج الشاي في بدي مثلما أفكر في قصته وفي كيس السندوتشات أمامه.
كان ذلك يستمر أحيانا كلعبة بلا معنى ولا مغزى إلى أن يقطعه ذلك الرجل الذي يأتي ويجلس بجانبه ومعه حزمة من الصحف. كان بصر سليمان يتجه إليه ويراقبه وهو يحاول أن يفك الحبل الذي يربط الحزمة. في مرة استعصت عليه وطالت محاولة الرجل في فك الحبل، فقام عمر سليمان وأمسك حزمة الصحف ورماها على الأرض ووضع إحدى قدميه عليها وباليد الأخرى فكها بسرعة كما يفعل بائعو الصحف المحترفون. وفي مرة أخرى لم تفلح هذه الطريقة فوضعها على الطاولة واستعمل أسنانه في قطع الحبل.
في النهاية كان الرجل يمسك الصحف ويتصفحها وهو يشير لعمر سليمان إلى أخبار وصور ويقرأ له بصوت مرتفع. كان عمر سليمان وقتها يفتح كيس السندوتشات ويتناول واحدا ويأكله، كان دائما يحاول أن يقدم نفس السندوتش للرجل لكنه كان دائما يهز رأسه ويربت على كتف اللواء، بالتأكيد كان يقول له: سبقتك يا سيادة اللواء.

كانت السندوتشات في عيش بلدي ومعها دائما قطع من المخلل. كان اللواء عمر سليمان يأكل ببطء ويحرك فكه بشكل ملحوظ يبدو لي من نافذتي. كنت كثيرا ما كنت أراه يتابع ببصره كلب أو قطة أو حركة الرجل الذي يضع السجاجيد وأعتقد أنه كان  يشرد تماما بينما الرجل يقرأ له من الصحف. 
في مرة قام  وذهب إلى ركن الحديقة ورمى بجانب قطة راقدة هناك قطعا من الخبز والمخلل، يبدو لي أنها كانت تلد وأثارت شفقته.  في تلك اللحظة أشار الرجل الذي يقرأ الصحف للرجل الذي يضع السجاجيد بيده يعني أنه لا يعرف ماذا يفعل اللواء، فأشار رجل السجاجيد إلى رجل الصحف مجموعة من الإشارات التي تعني بوضوح: يا عم نفض وكل عيش دا راجل أهبل.

في بعض الأحيان كان رجل الصحف يتوقف ويلفت انتباه عمر سليمان  بشدة  لشيء ما، فيهز سليمان رأسه كثيرا وهو يمضغ بحركة مميزة من فكه تشبه حركة فك نوع معين من الكلاب لا أدري اسمه، كان الرجل ينظر إليه ينتظر رد فعله، طال ذلك أحيانا واستغرق نصف ساعة  مثلا. وفي النهاية كان عمر سليمان يشير بإصبعه وينقر به مرتين على الصحيفة. فيُخرج الرجل من حقيبة معه "كاتر" ويقطع قصاصة من الصحيفة ويمدها لعمر سليمان، الذي يتوقف عن الأكل ويضع الساندوتش في الكيس ويخرج من جيبه مناديل يمسح بها يده وفمه ثم يعيد المناديل إلى جيبه ويتناول القصاصة من يد الرجل ويتأملها للحظات، بلغت أحيانا نصف الساعة أيضا، ثم يدسها في نفس الجيب الذي يخرج منه المناديل ويضعها فيه.

مرات كانت تمر لحظات وعمر سليمان ومعه رجل الصحف بلا أي تغيير ولا قص قصاصة ولا أي شيء مثير. كان اللواء أحيانا ما تتهدل رأسه خلفه على الكرسي ويذهب في النوم، وينتهي الرجل من مهمته ويرحل وهو يهز رأسه عجبا. وأحيانا أخرى كان اللواء يقف على  بعد خطوات يحدق في أرض الحديقة أو يحاول النظر للشمس رافعا يده أمام عينه أو محدقا في وأنا أحدق فيه من نافذتي.
كنت قد بدأت أقضي الكثير من الوقت في مراقبته من نافذة المطبخ. يستغرق مني إعداد الشاي ساعة متنقلا بين الغلاية وبين النافذة، وأحيانا كنت أقضي مثلهم أشرب الشاي وانا أتأمله. بعد الظهر كان آخرون يتوافدون بسياراتهم ويدخلون إلى الفيلا ويتحدثون إلى رجل السجاجيد ويشيرون إلى عمر سليمان فيذهب إليه ويخبره فيتوجه وراءهم إلى داخل الفيلا.

في مرة كان نائما واضطر الرجل لحمله وهو مستغرق تماما في النوم، ولكن عادة كان اللواء يقوم من مقعده ويسير من الحديقة إلى الممر حيث يضع يده في جيبه ويخرج المناديل الوسخة ويرميها على أرض الممر، فيما يبدو كان يحافظ على نظافة الحديقة الخضراء، وفي مرة من المرات يبدو لي أنه رمى قصاصات الأخبار أيضا.

تكرر كثيرا أن يتعثر اللواء في طرف السجادة الحمراء بعد درجتين أو ثلاث. كان ذلك مبررا إضافيا لكي أفكر أنه من الأجدى لهم أن يجدوا سجادة حمراء واحدة طويلة بدلا من القطع التي يتعثر اللواء عند تقاطعها.

في يوم ما لاحظت تعليق أعلام مصر بطول الفيلا، وكانت هناك صورة كبيرة لعمر سليمان بنظارة سوداء رافعا يده. شاهدت قبلها بأيام  مصورا يحاول أن يأخذ له صورة مناسبة ويعاني بسبب شرود اللواء في متابعة كلب أو قطة أو تحديقه فيّ وانا واقف في النافذة. اللحظة  التي نظر فيها اللواء إلى الشمس ورفع يده أمام عينه، رغم نظارة الشمس السوداء، أعتقد أن المصور وقتها أشار بإبهامه للواء وذهب إليه وجعله يشاهد شيئا في الكاميرا. حدق اللواء في الكاميرا لساعة إلا ربع قبل أن يربت على كتفه ويقبله في خده.

أعتقد أنها هذه الصورة التي علقوها في أعلى شرفة في الفيلا. ولكن اللواء شاهدها وهي تسقط بعدها بأيام وهو يأكل السندوتشات واستمر هو ورجل الصحف في التحديق فيها لساعة إلا ثلث قبل أن يأتي رجل السجاجيد ويحملها ويذهب إليهما ويريه الحبل المقطوع الذي كان يحملها. سكن الجميع للحظات ثم هز اللواء رأسه فأخذ رجل السجاجيد اللوحة ووضعها في الحقيبة الخلفية لسيارة اللواء.

في تلك الفترة كانت الفيلا نشيطة، وفي الحديقة وعلى الكراسي كانت اجتماعات كثيرة تجري، وكان اللواء دائما يأكل سندوتشاته ببطء ويقضم من المخلل ووكعادته يشرد في متابعة القطط والكلاب أو محاولة التحديق في الشمس أو  يبادلني النظرات المعتادة الخالية من التعبير.

مرة واحدة فقط كان مشهد مميز يجري هناك في هذه الفيلا الغريبة. خرج  واحد يجري من الفيلا وتدحرج على درجات السلم ووراءه خرج عمر سليمان يجري بسرعة أقل ولكن بخطوات واسعة. كانت رأسه مدفوسة قليلا في البذلة الرسمية التي يرتديها، كأنه يخفض رأسه يخشى الاصطدام بشيء أو أنه يحاول التركيز في هدفه.
 طارد اللواء عمر سليمان الرجل في أرجاء الحديقة ودارا أكثر من دورة حول الكراسي والطاولات. في النهاية كانت خطوات اللواء الواسعة كفيلة بأن يقترب من الرجل من الخلف فضربه بالشلوت من الوضع طائرا، فوضع الرجل يده على مؤخرته  وهنا توقف كلاهما. اقترب اللواء من الرجل وضربه شلوت آخر في عضوه الذكري، فانحنى الرجل متألما وسحبه اللواء من شعره وأجلسه على كرسي. ساعتها انتبهت أن في يد عمر سليمان آلة حاسبة. جلسا واللواء يجري عمليات بمنتهى البطء على الآلة وفي وسط البطء والسكينة يرفع كفه ويصفع الرجل ويبصق عليه. في نهاية الجلسة قام ورفعه من على الكرسه وخبطه "روسيّة" ورماه على أرض الحديقة وركله ثم جلس على ركبتيه ورفع رأسه إلى السماء وحدق تجاهي مباشرة. بدا لي أنه يبكي.

لم أر هذا الرجل ثانية، لكن استمرت حياة اللواء كما هي، السيارة وكيس السندوتشات ورجل السجاجيد ورجل الصحف والقصاصات والشرود والقطط والكلاب وتعثره المعتاد عند تقاطع السجاجيد. يقضي قليلا من الوقت بالداخل ثم يخرج ويتجه إلى السيارة التي لم ينزل سائقها أبدا فيركبها ويرحل.

المرة الأخيرة التي تعثر فيها كانت الأسوأ، كان نازلا ففقد توازنه تماما وظل يجدف بيده كأنه يسبح قبل أن ينقلب على وجهه ويتدحرج حتى وصل إلى أرض الممر. سكن تماما وظل المشهد هكذا لدقائق حتى خرج رجل السجاجيد وظل يحدق فيه لدقائق أيضا. رفع الرجل السجاجيد من على السلم وذهب بها إلى مكان ما خلف الفيلا ثم عاد واخرج موبايله والتقط صورة للواء ثم انهمك في موبايله، خمنت أنه يرسل الصورة عبر تويتر أو فيس بوك. أجرى مكالمة سريعة رفع فيها صوته بشكل ملحوظ كأنه يستغيث، وخلال دقائق كانت طائرة هليوكوبتر تهبط في الحديقة  ويخرج منها الرجل الذي كان يجري خلفه اللواء ويضربه، ومعه آخرون. 
توجهوا إلى جسده الساكن تماما. تفحصه أحدهم وهز رأسه لهم. الرجل الذي تلقى الشلوت سابقا ضرب رأس اللواء بالشلوت وبصق عليه ثم أخرج موبايله والتقط له صورة وانهمك هو الآخر في موبايله قليلا بينما حمل الباقين جسد عمر سليمان إلى الهليوكوبتر التي حملته وانطلقت بعيدا. 
صرخ الرجل المنهمك في موبايله تجاه الهليوكوبتر ثم أمسك موبايله وأخذ يصرخ فيه إلى أن عادت الهليوكوبتر وركبها وطارت ثانية.

رأيت رجل السجاجيد يأتي بالسجاجيد مرة أخرى ويضعها مكانها بدون عناية كبيرة ثم يذهب ويلتقط مناديل رماها اللواء في الممر بين السلم والحديقة ويهز رأسه ويتجه لرميها في سلة المهملات ثم يذهب إلى السيارة ويكلم السائق الذي لا ينزل أبدا فترحل السيارة هذه المرة بدون اللواء.

 كانت هذه آخر مرة أرى أحدا من كل هؤلاء في الفيلا. وظلت الكراسي والطاولات وأعلام مصر وبعض السيارات في مكانها وظللت أحدق فيها كل يوم وأنا أعد لنفسي الشاي وأشربه. وفي اليوم الأخير قبل أن ننتقل لمكتب آخر رأيت اثنين يجلسان بالقرب من البوابة، كما لاحظت أن دواسة لونها بني كانت موجودة في الممر عند بداية السجاجيد الحمراء.
 أخرجت موبايلي والتقطت صورة للذكرى وندمت أني لم ألتقط صورا لكل ما كان يحدث. ولكن نظرة اللواء المحدقة فيّ  لم تفارقني، كنت أحيانا أنفجر في الضحك لمجرد تخيلها.

20 June 2012

بالمستقبل متفائلين





في الحلم كنا غدا، الخميس، يوم إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، ولكننا كنا في تونس، أنا وآخرين أعرفهم. محتشدون في شارع بورقيبة بالقرب من مبنى وزارة الداخلية التونسية. نتطلع إلى الشاشات الكبيرة في المقاهي وشاشات أخرى ضخمة منصوبة خصيصا.
كنت واقفا بجوار لوحة إعلانات لشركة "تونيزيانا" أشرب الشاي في المج الذي أهدتني إياه هبة كتذكار من نيويورك عليه صورة وودي آلان. تذكرت كيف فشلت كل محاولاتي لتشغيل إنترنت الموبايل مع شريحة "تونيزيانا"، وكيف قضيت وقتا طويلا في مقارهم أمام لوحتهم الدعائية "بالمستقبل متفائلين" قبل أن يعلنوا لي مرة بعد مرة أن كل شيء على ما يرام بخصوص شريحتهم والإعدادات وفي الوقت نفسه لا أمل في تشغيل الإنترنت. 

قطعت أفكاري ضوضاء بدء المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة، الكل متوتر. توقعات بفوز مرسي. النتيجة: فوز شفيق. 
لحظة تم تفريغها سبقت الانفجار. وجدتني أطيح بالمج وأكسر لوحة الإعلانات، لا أستطيع أن أستبعد حنقي المسبق بسبب موضوع الإنترنت. ولكنني كنت غاضبا أكثر طبعا بسبب النتيجة. شفيق؟ ولم أكن وحدي. أحدهم كان بالفعل قد كسر الشاشة والآخر حمل كرسيا وأطاح به وسط الشارع. الشارع كله انفجر غضبا. 
حشود من جنود الشرطة فجأة ظهرت بيننا وكذلك حشود من السلفيين بقمصان سوداء. تتطور الاشتباكات وتندلع حرائق هنا وهناك. "الشعب يريد إسقاط النظام ... يا ولاد الوسخة!" . أفقد كل من أعرفهم وسط الجري والاشتباكات. أجد نفسي وسط مجموعة من السلفيين، كلهم يرتدون قمصانا سوداء. تطاردنا مجموعة من الجنود فنهرب إلى شارع جانبي. يخرج أحد السلفيين من حقيبته الجلدية زجاجة مولوتوف جاهزة مشتعلة. ويرميها باتجاه الجنود فيتراجعون. تشب النار في سيارة كانت بجوارهم. نتجه إليها ونقلبها ونتخذها ستارا. نرميهم بالطوب والمولوتوف وصوت رصاصهم يخبط جسم السيارة أمامنا. 
يهدأ التراشق قليلا. فينظر السلفيون إلي ويبدو لي أنهم يجدونني غريبا عنهم. يأتيني أحدهم ويحدثني بلهجة مصرية بها مسحة تونسية: عندكم في مصر الزمن متأخر أسبوع، لسه مش عارفين نتيجة تزوير الانتخابات. والإعلام الوسخ في كل مكان بيقول السلفيين بيحرقوا تونس علشان معرض فن تشكيلي. 


10 February 2012

مخطط 6 أبريل لإسقاط الدولة في 11 فبراير


هناك مخطط شائع تردده وسائل الإعلام ومؤخرا نواب الشعب في البرلمان وهو البدء بإسقاط الشرطة ثم إسقاط الجيش وبذلك تنهار وتسقط الدولة. كأن العمود الفقري للدولة المصرية هو العسكر، داخلية وحربية، وستسقط بسقوط العسكر.

إن كانت هذه حقا هي الدولة فبالفعل أنا شخصيا أتمنى إسقاط دولة الشعسكر أو بمعنى أصح أتمنى قيام الدولة المدنية من تحت بيادة العسكر الذين أسقطوها وجثموا على قلبها. أما مؤسسات الدولة الطيبة الصابرة الفاشلة الرابضة تحتهم فأنا أتمنى دائما إسقاطها كلما اضطررت لاستخراج وثيقة أو قضاء مصلحة، ولكني أعتقد أن عليها أن تتوقف قليلا عن ممارسة أعمالها من وضع الرقود تحت حكم العسكر بداء من يوم 11فبراير. وعلى المواطنين مساعدة مؤسسات الدولة على التوقف والنهوض بالتوقف المماثل عن التعامل معها ما دامت تحت حكم العسكر. وذلك حتى يضطروا لتسليم السلطة لمدنيين فورا وبدون شروط أو مميزات لهم والعودة إلى ثكناتهم ليتركوا لنا الدولة مدنية من غير سوء. هذا هو ببساطة معنى العصيان المدني.

هل أتخيل أن ينجح العصيان المدني؟ لا أعرف،

ولكني لم أكن أعرف إن كانت جمعة الغضب ستسقط دولة الداخلية لتنطلق الثورة، ولم أكن أعرف أن هتاف "يسقط حكم العسكر" سينتقل من شعار لمئات قليلة قبل عام إلى شعار هادر ينطلق في كل أرجاء مصر الآن. ولم أكن أعرف أن الجيش المصري سيتحول من "خط أحمر" إلى "وسيلة إيضاح" لفشل ورداءة إدارة العسكر بهذه السرعة، وأنها لن تكون كارثة وانهيار للوطن كما زعموا. ما أتخيله دائما أن كل ما حدث ويحدث يدعم ثقتنا بأنفسنا وبان هذا المجتمع، على علاته، أكثر تماسكا من أن يكون عموده الفقري هو مؤسسات عسكرية، وأن المجتمع أكثر تماسكا من دولته الفاشلة ومؤسساته المتعثرة. ولكن أتخيل أيضا أن هناك تحت سطح صراعات الثورة صراع محتدم بين الخيال المغامر والخيال المريض. وأتخيل أن هناك أناس لا يثقون إلا في السلطة ويصابون بالذعر ولا يستطيعون النوم عندما تهتز وآخرون يكرهون السلطة ويثقون في معارضة تتحول في لحظة إلى سلطة أخرى، ثم لا يستطيعون النوم أيضا ويتملكهم الغضب عند تهديدها بالاهتزاز - الكلام موجه للإخوة الرفاق في الإخوان المسلمين- ولكن هناك أيضا من يثقون بالأساس في أنفسهم. المشاركون الأكثر أصالة في الثورة هم من النوع الأخير.

يعرف كل من شارك في احتجاجات الشارع منذ 25يناير أو قبلها أن أمامك خياران: أن تشك في كل ما لا تعرفه وساعتها من الأفضل أن تعود إلى بيتك مذعورا من هذه الحشود الكثيرة التي لا تعرفها كلها شخصيا وربما كانت لديها مخططات لا تعرفها. أو أن تثق بنفسك وبذلك الواقف إلى جانبك وذلك الواقف إلى جانبه، وتقدم حسن ظنك بالناس وبحسن نيتهم، وأن تثق في قدرة مبادرتكم الجماعية التي نزلتم من أجلها على الاستمرار في طريقها وفي قدرتها على تصحيح مسارها بل وأن تتقدم في مسارات أخرى تطورها المبادرة ويلوح بها الخيال والأمل. وفي النهاية أنت تثق أنك يمكن ببساطة أن تنسحب إن كانت الحشود أو المبادرة تسير لوجهة أخرى.

الذين شاركوا وجربوا الثقة في أنفسهم وفي الناس وفي خيالهم يضحكون عندما يسمعون عن المخططات، ذلك لأنهم يعرفون أنها ليست إلا حركتهم الحرة، ويعرف المبادرون منهم أن المخططات الحقيقية بسيطة ومعلنة، ولكن ما يحدث على الأرض معقد ومتشابك ومستعصِ فعلا على المواجهة والتحجيم لأن دوائر الواثقين في أنفسهم، الذين ينزلون من بيوتهم اعتدادا بها قد اتسعت بشكل كبير وتشابكت خيوط المبادرة والمشاركة والتضامن وأصبحت لوحة الثورة جدارية كبيرة لمئات الآلاف من الفنانين.

اللوحة المعقدة المرسومة التي لا تنتمي لخطة مسبقة تثير فيّ الحماسة والبهجة، حتى لو تلطخت بالدم أحيانا، أو سكب عليها العسكر طلائهم الكريه موحد اللون ودعوا للانضباط والانتظار في البيوت، أو حتى حاول البرلمان أن يكبتها في حدود “اللائحة”.
مشاهد الحشود التي تتجدد في الشوارع رغم استمرار القتل والكذب، وتحديا لهما، وتشبثا بالحياة وبالرغبة في مستقبل أفضل، تحيل كل خيالاتهم المريضة عن المخططات إلى مساخر، من مخطط "الوقيعة بين الجيش والشعب" إلى مخطط "حرق مصر يوم 25يناير" وأخيرا مخطط "إسقاط الدولة"،

أما عن حركة 6أبريل، فأنا لست عضوا بها، ولم أحادث أصدقائي بها من فترة ولا أعرف شيئا عن خططهم لهذا اليوم، ولكن عنوان المقال هو خديعة وجزء من المخطط الكبير لاستفزاز الخيال المريض المذعور الذي يصدّق البيانات المذعورة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ويعتقد أن كل هؤلاء الواثقين بأنفسهم هم أعضاء حركة 6أبريل. هذا الهذيان الذي يفضح كونهم غير قادرين فعلا على فهم وتحمل اللوحة المعقدة للمشاركين في الثورة.

أدعوكم إلى الثقة بأنفسكم عندما ترون السلطة تهتز مذعورة أمامكم تكذب وتهذي وتتراجع بخطى بطيئة. هذا هو كل اقتراحي لمخطط 11فبراير.


نشر في بوابة "المصري اليوم" الخميس 9 فبراير 2012
كاريكاتير "أنديل"

27 November 2009

يا بني إحنا عندنا ناس متسولين !


لأسباب شخصية، ربما، يبهرني الاعتراف البسيط بارتكاب الشر مع تسميته كذلك، اللجوء إلى سلوك مع وصفه بالانحطاط بلا مواربة. يبهرني أن غريزة ما تفصح عن نفسها بلا أي محاولة للتبرير في الوعي ولا أي محاولة للتحايل على اللغة المسكونة بالأخلاق. الغضب طاقة عظيمة تفجر الصراحة وتهدر اللياقة والمجاملة والتغاضي.
أعتقد أن كل هؤلاء - اللغة والأخلاق واللياقة والمجاملة والتغاضي- كادوا أن يوقفوا الشاب الجزائري صاحب الفيديو الشهير عندما وصل إلى نقطة مهمة : "دلوقتي مع وصول التذكرة إلى 5000 دينار جزائري، اللي راح يروح السودان دول ...". يتوجب عليه هنا أن يصف وصفا غاضبا مخيفا وملوحا بالشر والانحطاط المرعب، هو لن يتراجع ولكنه تخفيفا سيعتذر عن تخليه عن التغاضي عما يعتقده من انحطاط بعض أشقائه:" يعني إخواتي الجزائريين ما يتضايقوش من هذه النقطة .. راح يروح حثالة المجتمع ! اللي ما يشتغلش، اللي أمه مش هاتبكي عليه!".
كان هذا الفيديو بالطبع قبل المباراة الفاصلة في السودان. التي أخذ "المصريون" فيها على حين غرة، في كرة القدم وفي الانحطاط. أعرب الكثيرون من المصريين على شاشات الفضائيات وفي الصحف عن أسفهم من أننا لم نتمكن من حشد انحطاطنا المقابل، "لم نحشد أبناء إمبابة وبولاق وشبرا"، "أرسلنا جمهورا مهذبا وطريا".
الشاب المصري الذي رد عليه أكد أن "حثالتهم" ليسوا شيئا مقارنة بـ"حثالتنا" ويبدو أن أمر الخمسة آلاف دينار جزائري قد استفزه فقال: "يابني إحنا عندنا ناس متسولين!". ربما يقصد لدينا مستوى خاص من الانحطاط - بحسب نفس التصنيف الطبقي الذي اعتمده الجزائري - لا يملك حتى هذه الدنانير. ولكن المشكلة أن الحكومة المصرية لم تدعم الانحطاط - ويلومها الكثيرون الآن بوضوح على ذلك- ولذلك لم يتمكن "المتسولون" من الذهاب إلى الخرطوم لمواجهة أقرانهم.
لا يبدو لي هذا التفسير كافيا. نحتاج الآن للتسليم أن "حثالتهم" أكثر انحطاطا وشراسة من "متسولينا" الذين لم يتمكنوا هنا سوى من كسر زجاج سيارة المنتخب الجزائري، وحتى هذه الواقعة مشكوك في أمرها. ولكن الواضح وضوح الشمس أن طاقة الغضب التي فجرت طاقات النخب الإعلامية والفنية والثقافية في الجانبين قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن "حثالتنا" الحقيقة هي التي تتقاضى عشرات ومئات الآلاف والملايين لكي تعبّر.
لقد كان الإعلام المصري دائما رائدا، في كل العصور والاستعمالات والأغراض. وعندما حان الوقت ظل أيضا رائدا ومبهرا، على الأقل بالنسبة لي، في اللجوء لصراحة الغضب التي تطفح بما في القلب بلا لياقة أو مجاملة أوتغاض، في "تسوله" المزيد والمزيد من الطاقة المبهرة للغضب من "الحثالة التقليدية" التي لا دنانير لديها لتذهب ولا منابر لديها لتعبّر، في تعبيره بدلا منهم وباسمهم عن الأسف لعدم التمكن من اللجوء للشر مع تسميته بذلك، واستبداله بالانحطاط مع وصفه بذلك،.
"إحنا عندنا فعلا ناس متسولين!"



الصورة لعمرو أديب ومصدرها منتدى "المصريون الآن".
الفيديو من موقع المصري اليوم من إخراج بسام مرتضى

19 October 2009

إنت بتقول إيه ؟


دعوة مررها صديق إلى بريدي الإلكتروني عن ندوة مع أكاديمي عن "الهجرة الداخلية في مصر" ينظمها السيداج في المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة. كمواطن نابه وصحفي ثمين الوقت أحيانا أتصل لأتأكد من موعد الفاعليات. أكثر الأشياء التي أكرهها هي أن أتكبد عناء الرحلة عبر هذه المدينة القاهرة لأجد الموعد قد تأجل أو تم إلغاؤه.
تليفون المركز الثقافي الفرنسي يقودك لتضغط العديد من الأرقام لكي تصل إلى بغيتك، أسلوب لطيف لحفظ وقت المواطنين والموظفين. خضت الرحلة في أكثر من مسار ولم يرد أحد إلا عندما أخذت مسار طلب التعرف على نبذة عن البرنامج الثقافي. رد على أحدهم ....
- مافيش ندوة يا أستاذ
- الندوة اللي منظمها السيداج ؟
-آه، دي في مقر السيداج يا أستاذ
- متأكد
- أيوه، في مقر السيداج اللي في وسط البلد
- آه، أعرفه. شكرا، كويس إن أنا أتصلت اتأكد، في الدعوة مكتوب أنه عندكم.
- أي خدمة
أمام مقر السيداج في السادسة إلا خمس دقائق، موظف يجلس خلف زجاج يبدو عليه نوع من القوة توهمك أن صوتك لا يصل ولكن هناك فتحة ما.
- مافيش ندوة يا أستاذ
- إزاي؟ ندوة الهجرة الداخلية ؟
- مافيش أي ندوات النهاردة.
- السيداج هو اللي منظمها.
- آه، صح فيه ندوة النهاردة. لكن تقريبا في فندق مش هنا.
- فندق إيه؟
- ما أعرفش
- طيب عاوز أكلم حد يعرف.
- مافيش حد هنا. كلهم مشيوا.
- مين المسئول عن تنظيم الندوات دي؟
- نقريبا راحوا هم كمان الفندق
- فندق إيه؟
- اللي فيه الندوة
- طيب ما عندهمش تليفونات ؟
- .... ( يهز رأسه نفيا ببلاهة وهو يتفحصني بعينيه وكأنه يختبر نفسه كممثل)
- طيب، أنا هاتصل بحد يعرف
أرفع الموبايل وأتصل بصديقي الذي مرر إليّ الدعوة.أعتقد أنه يعرف أحدا هنا، صديقي لا يرد، يبدو أن مشغول. ولكن قبل أن أغلق الخط يائسا كان الموظف قد ظهر عليه القلق، وربما خاف أن أتصل بشخص يمكن أن يكون من رؤسائه، فرفع سماعة تليفونه.
- ثانية واحدة يا أستاذ
- نعم
-هاكلم السكرتيرة وهي تقول لنا الندوة فين
- ... !؟
لم يستغرق ذلك عشرين ثانية
- بتقول الندوة في المركز الفرنسي في المنيرة
- سألت هناك قالوا هنا !
يعود إليها ويخبرها، فأسمع صراخها في التليفون: الندوة في المركز ومكتوب في الدعوة إنها في المركز !
- في المركز يا أستاذ في المركز
- طيب ممكن نمرة المركز أتأكد (اتصلت أول مرة من المنزل)
يهز رأسه ثانية ويقول ببطء
- مش عندي
-...... ( أحدق فيه لثلاث ثوان)

- طيب ثانية واحدة أشوفه
يخرج دفتر ضخم يقلب فيه ويخبرني بالرقم. أسجله على هاتفي وأشكره في اقتضاب وأنا أبتعد.

أطلب المركز وأنا أحاول إيقاف تاكسي يأخذني إلى المنيرة حيث المركز
- المنيرة يا أسطى ؟
- فين في المنيرة؟
- شارع علي يوسف
- لا ، ما أعرفوش

وينطلق مسرعا !
واحد آخر ...
- المنيرة ؟
- فين ؟
- على يوسف
- تعالى
أركب وأنا أسأله :
- إنت تعرف مين على يوسف ده ؟
ينظر إلىّ ويضحك ...
- لا والله ، أعرف مكانه بس.

أواصل الضغط على الأرقام لأصل إلى "نبذة عن البرنامج الثقافي"، يرد واحد، لا أدري هل هو نفسه أم غيره، ولكن لا وقت لذلك ...
- مافيش ندوة يا أستاذ

- ندوة السيداج ؟
- في مقر السيداج يا أستاذ
- أنا لسه جاي من هناك، وبيقولوا إنه في المركز الفرنسي في المنيرة
- لا يا أستاذ، مافيش ندوة هنا

- إنت متأكد
- أيوه
-طيب أنا جاي لك !
- ..... ؟
- سلام
السائق: أكمل على المنيرة ولا إيه ؟
- أيوه
- لا إله إلا الله !

أمام بوابة الفرنسي أسأل رجل الأمن عن الندوة...
- الندوة بدأت من نص ساعة يا أستاذ
- متشكر جدا! هو مين بيرد عندكم على التليفون ؟
- (مستغربا وممتعضا) مش عارف
- طيب، هي فين الندوة ؟
يشير بيده : أول باب على الشمال.
عشرة أشخاص متناثرين في القاعة الواسعة، والأكاديمي فوق المسرح يتحدث بلهجة ريفية عن معدلات الهجرة الداخلية إلى القاهرة وخطورة ذلك ومحاولات الدولة للحد منه. يرص أرقاما وبيانات ورسومات وإحصاءات. بعد إنتهاء فقرة الأرقام، يسأله الحضور استفسارات معظمها يتعلق بعلاقة الأرقام بظواهر اجتماعية فيجيب بترديد الأرقام مرة أخرى - أو أنني لاحظت ذلك عمدا لأني متحامل. يسأله رجل يعرف نفسه بأنه سوري، لكنته فرنسية وتبدو عليه الهيبة: لماذا يستمر معدل تحول الريف إلى حضر في مصر- كما قلت- بينما توقف ذلك في معظم الدول العربية بعد عقود تحديث من أجل الحفاظ على المساحة الزراعية ؟
يصمت الدكتور لعدة ثوان وينظر إلى السوري ...
-معلش، ممكن السؤال تاني ؟
- سؤالي واضح ..
ويعيد السؤال. يصمت الدكتور وينظر هذه المرة للسقف وملامحه تتقلص ..
- أيوه، معدل الهجرة الداخلية إلى الحضر يؤثر على المساحة الزراعية.

بعد الندوة أذهب إلى الدكتور زاهدا في أي سؤال، أعرفه بنفسي وأنني صحفي وأكتفي بطلب البيانات والأرقام التي سردها في سرعة، فينظر إليّ بريبة ويعاملني كمندوب مبيعات ...
- خلينا على اتصال
- طيب ممكن رقم تليفونك؟
- ممكن تعدي عليّ بكره في الجامعة وتاخد البيانات من على الكمبيوتر
لم يكن قد أغلق الكمبيوتر أمامه بعد ...
- أنا معايا فلاش ميموري وممكن آخدها دلوقتي
ينظر إليّ مرة أخرى بريبة عظيمة
- لا عديّ علي بكره في الجامعة أنا عندي ورق مطبوع
(اللهم طوّلك يا روح)
-ممكن أعدي على الساعة كام؟
- أي وقت بعد الساعة 12 ظهرا
- تمام، لحد كام ؟
- ما تتأخرش عن الساعة 2 لأن عندي سيمينار

-طيب كويس الساعة 1 ؟
- مممم، مش عارف والله احتمال آجي على السيمنار الساعة 2 على طول
- .... ؟!
-.... !
- طيب ممكن رقم تليفونك علشان لو حبيت أستفسر عن رقم معين ؟
ينظر إليّ نفس النظرة ...
- الشريحة بايظة من يومين، ومش شايل موبايل
- ..... !
- ..... !
- طيب، سلام عليكم
- وعليكم السلام
- أنا متشكر جدا
- ..... !

يلقي إليّ بنظرة أخيرة وهو يلتفت إلى بعض الفتيات اللاتي يبدو عليهن أنهن تلميذاته، وأنا أبتعد أسمعه يسألهن: هو الراجل السوري كان عاوز يقول إيه ؟




- أعتذر لميريام فارس عن إقحامها في هذه المسائل الشخصية.

09 December 2008

غاية النتانة في أصول الضمان والصيانة


في مثل هذا الوقت من السنة، قبل سنتين، احتفلت مع الصارم الحاسم وحمدية التيتي باللاب توب الجديد. ولكن في هذا الوقت من هذه السنة، وبعد أن أنفقت عليه صيانة مثل ثمنه، فاللاب توب أصبح يحتفي بنفسه كل مرة أفتحه فيها، فيصدر خوارا عظيما يقض مضاجع الجيران.
ولأنني قد اشتريته من أحد منافذ "نور الهدى جروب" في مول الكمبيوتر بميدان سفنكس، فآخر ما أفكر فيه هو الذهاب إلى الضمان، لأن الهدى هو طريق تسلكه بلا أي ضمانات، وإن سألت عنها فأنت لم تهتد بعد.

وكان ذلك في الغالب سبب امتعاض الشاب الذي باعني اللاب توب من "نور الهدى جروب" عندما سألته عن وثيقة الضمان، فرفع وصل الشراء بعد أن شبك فيه كارت لـ"نور الهدى جروب" وقال أن هذه هي. ورغم أن الشاب الممعتض بدأ معي الصفقة باسما وحييا ومرحبا وخافضا جناحه، وكاد أن يدعوني للعشاء وأنا أسأله بغرض الشراء، لكن أول ما انتقلت النقود من يدي إلى يده، والوصل من يده إلى يدي، تنهد ارتياحا، وتغيرت نظرة عينه وبدأ النصف الأيسر من شفته العليا في الاقتراب من أنفه تلقائيا. وبعدما كان الهارد الديسك - الذي تشككت في أن سعته قليلة بعض الشيء- في رأيه يسع وزياده وسيقسمه لي إلى أربعة أقسام، أصبح في رأيه الجديد، بعد استلام النقود، لا يحتمل إلا قسمين، وانفراجة إضافية لشفته العليا تقول وحدها " وما توجعش دماغنا ".
التمست له عذرا، فهو لا يستطيع أن يبقى شفته تحت السيطرة كل هذه المدة، تكفي فترة التفاوض الأولى. وأشفقت عليه عندما سيطر عليها مرة أخرى لأن واحدا آخر دخل يسأل عن مواصفات لاب توب بينما كنت أهم بالرحيل.

بعد بضعة أيام لاحظت شيئا ما في أحد مفصلي الشاشة، فتوجهت لتوكيل الشركة المنتجة للاب توب، فعلمت منهم أن هناك وثيقة ضمان كان يجب أن أحصل عليها من الشركة التي باعتني اللاب توب. أما في حالتي هذه فيجب أن أتوجه إلى "نور الهدى جروب" وهي المسئولة عن ضمان جهازي. توجهت إليهم مستفسرا، وكان جوابهم أن الجهاز كان ضمن شحنة بلا وثائق ضمان، وعندما أبدت استيائي البالغ ولم تردعني شفته المشرعة، سيطر عليها مؤقتا، واعتذر طالبا أن أطمئن لأنهم سيقومون بالواجب وزيادة. وأعطاني عنوان قسم الصيانة بالشركة وزميل له يؤكد لي "اطمئن تماما، "نور الهدى جروب" شركة كبيرة مش صغيرة، وإحنا ناس ملتزمين وحقوقك محفوظة".

ذهبت إلى مقر قسم الصيانة في شارع السودان، فإذا بكل العاملين به من الملتحين لابسي الجلابيب، بينما كان كل العاملين الذين رأيتهم في منافذ الشركة بالمول من غير الملتحين، وإن كانوا جميعا إخوة في "نور الهدى جروب". استقلبني واحد يقال له باشمهندس، قال لي بعد ثانيتين أن هذا عيب مستخدم وأن صيانته ستكون على حسابي. جادلته قليلا ولكنه كان ممن لا يحبون الجدال ولا حتى بالتي هي أحسن، فهو يغمض عينيه وأنت تكلمه وأول ما تنتهي يقول "شوف، الخلاصة .." ثم يفتح عينيه ويعيد ما قاله سابقا دون أن يرد على شيئا مما قلته مهما كان، كما هي عادة السلفيين الجدد الذين يعتنقون كراهية السماع حتى لا تكون فتنة تحرفهم عن الحق الذي تنطق به ألسنتهم.

الخلاصة، أني تركت جهازي للفحص، لكي يحدد الباشمهندس إن كانوا يستطيعون الإصلاح، والتكلفة التي سأتحملها. وأخذت منه موعدا ثم مواعيد أخلفها كلها، ولكنه كان يبهرني بثباته وهو يرد على توبيخي وتبكيتي له على الإهمال وإخلاف المواعيد بجمل تبدأ دائما بـ"الخلاصة،.. " ثم يضرب الموعد الآخر بدون أن يدفعه غضبي إلى محاولة التأكيد أنه آخر المشوار. وآخر المشوار هنا لا يتضمن الصيانة- تذكر حيدا- بل يتضمن نتيجة الفحص، الذي كانت "خلاصته" أنهم توصلوا إلى ضرورة تغيير المفصل، ولكن لا توجد قطعة غيار متوفرة الآن، وعليّ أن آتي لاستلام جهازي حتى تتوفر ويتصلون بي لا قدر الله.

أتيت لاستلام جهازي، ووصلت في الموعد المحدد تماما ولكن تصادف أن كان ذلك عقب أذان العشاء بنحو ساعة، ولم يكونوا قد عادوا بعد من الصلاة في المسجد المجاور. انتظرت حتى عادوا جميعا وسألتهم عن الباشمهندس، فقالوا أنه قد رحل لتوه ، فقلت إلى الجنة إن شاء الله، وطلبت جهازي. طلبته منهم واحدا واحدا فأخبروني واحدا واحدا أن الباشمهندس والذين معه، هم المسؤولون عن تسليم الأجهزة الواردة إلى قسم الصيانة. ولكن واحدا منهم، كفاعل خير، طلب مني أن أنتظر قليلا هناك وهو سيحاول الاتصال بأحدهم، وأوصاني إن رأيت واحدا منهم يدخل- وكأنهم تعرفهم بسيماهم- أن أتشبث به لكي أستعيد جهازي سريعا. ولكن لأن هؤلاء الشباب في "نور الهدى جروب" فتية آمنوا بربهم، فإنني وجدت جهازي في المكان الذي طلب مني الشاب فيه الانتظار. بل ووجدته متصلا بالإنترنت وعملية تحميل لبعض البرامج تقترب من نهايتها.

خرجت إليهم وسألتهم واحدا واحدا مرة أخرى عمن شغّل جهازي واستخدمه دون إذني، فأجابوني واحدا واحدا أن العلم عند الله طبعا. فما كان مني إلا أن عدت إلى جهازي وأوقفت التحميل وأغلقته وحملته معي وهممت بالرحيل دون أن يسألني أحدهم ماذا أحمل معي وإن كان هذا الجهاز يخصني.
ولما كان الباشمهندس قد أعطاني وصلا باستلام جهازي، فقد دخلت على بعضهم، وكانوا يتناقشون في مسألة فقهية، وقلت لهم: "إخوتي في الله، هذا وصل استلام جهازي من الصيانة،إن كان يعنيكم في شيء، وهذا جهازي والله على ما أقول شهيد. أعتذر لكم عن مقاطعتي لتحميل أحدكم بعض البرامج عليه، ولكني للأسف مرتبط ببعض المواعيد. وأود أن أشكركم واحدا واحدا والسلام أمانة للباشمهندس خلاصة، والخلاصة أنني ممتن جدا من تعاملي مع "نور الهدى جروب" وأعدكم أني سأخبر كل من أعرفهم، ومن لا أعرفهم إن استطعت، عن أماكن فروع "نور الهدى جروب" لأن الاحتياط واجب".
وقد وفيت، وليغفر الله لي التأخير.

19 November 2008

الشرطة والجنس والجريمة



هناك بالتأكيد سوء تفاهم كبير يقف وراء "النشاط الجنسي" المتصاعد مؤخرا للشرطة المصرية. ويبدو أن المتسبب فيه هم من طالبوا الشرطة ببذل المزيد من الجهد لمواجهة ظاهرة التحرش الجنسي، ومن ظلوا يرددون أن مدونين ونشطاء هم الذين اخترقوا حالة الصمت تجاه هذه الظاهرة وكشفوها على الإنترنت وتناقشوا حولها قبل أن تتحرك وسائل الإعلام.
الشرطة فهمت أن المطلوب هو حصار النشاط الجنسي للمصريين، ونظرا لصعوبة هذه المهمة فإنهم استعانوا بنفس التقنية المبهرة: الإنترنت، تلك الساحة التي تنكشف فيها الظواهر الخفية.
وفي الغالب قضى ضباط ساهرون لحماية الشعب والوطن، وقتا طيبا ولذيذا في تصفح المنتديات وساحات الدردشة التي يمرح فيها الأشقياء، وشاهدوا كما لا بأس به من الفيديوهات المثيرة للشكوك قبل أن يخرجوا بقضايا خطيرة وتهم كل مصري: القضية التي عرفت بـ"تبادل الزوجات"، وقضية فيديو النجم الكبير سعد الصغير والراقصة قليلة الحياء في فرح شعبي.
أما عن قضية "تبادل الزوجات"، التي يذكرني اسمها بتبادل الطوابع، فلا أظن أنها تهمني بأي حال أوتهم الكثيرين ممن يشاركونني الميكروباص على خط إمبابة- الجيزة، الذين تتلخص مشكلتهم يا حضرات في أن الميكروباص بعد أن يقسم الرحلة إلى رحلتين أو ثلاث، كل واحدة مقابل أجرة كاملة، يرفض في النهاية أن يتخطى نفق إمبابة ليصل إلى محطته النهائية عند كشري أبو مداح، فيما عرف بظاهرة "إمبابة أول النفق"، التي تنتشر بلا رادع.
وإن كانت الشرطة لا تفضل العمل على الانضباط في مثل هذه المجالات ثقيلة الظل، وتفضل مطاردة المتبادلين في أوكارهم، فأنا أفضل أن تبدأ بمطاردة هواة تبادل الطوابع. على الأقل هؤلاء المدللون لا يزالون يثيرون حنقي منذ أن كنت طفلا أراهم يتبادول الزيارات بصناديق وأكياس الطوابع ويجلسون في خشوع يتأملونها ويتبادلونها بينما كان يجبرني أبي على قضاء الإجازة الصيفية أتعلم الكاراتيه. ولأنه حقا يجب ردع هؤلاء، بعيدا عن الحساسيات الشخصية، لأن طوابع الدول ليست لعبة، الحكومات تطبعها لغرض محدد وهو اللصق على الرسائل البريدية وليس للعب والكلام الفارغ.
وأما عن كليب سعد الصغير، فأعتقد أنها خطوة غير محسوبة من جهاز الشرطة. قد تبدو لهم خطوة تجاه معين لا ينضب من فيديوهات القضايا الجاهزة لمطربين وراقصات من المحتمل أن يكونوا قريبا نجوما للغناء الشعبي أو نجمات للاستعراض، وهو ما يعني مساحات كبيرة في الصحف تنقل أسماء السادة الضباط من صفحة الحوادث إلى الصفحات الأولى. يكفي فقط أن تبحث عن "فرح شعبي" في أي محرك بحث أو موقع تحميل لملفات الفيديو لتعرف ما أعنيه. ولكن في المقابل قد يغري ذلك البعض ليطالبوا الشرطة بضبط الجناة متلبسين، وهو ما يعني اضطرارهم إلى مداهمة الأفراح الشعبية في أحراش العشوائيات ومنازلة الشعب المصري على أرضه وبين جمهوره.
الأفراح الشعبية، مثل تلك التي يغني فيها سعد في الفيديو القضية، هي مناسبات يستغلها قطاع كبير من السكان الأصليين لمصر لتكون فرصتهم للتمتع بليلة من المجون والانفلات، بالإضافة للخمور والمخدرات المجانية التي يوزعها أهل الخير والكرم، لذا فهم ليسوا بحاجة لعراقي كردي يهودي ليغويهم على منتدى إلكتروني.
هناك بروتوكول غير مكتوب بين الشرطة وسكان الأحياء الشعبية أن صوان الفرح منطقة حرة، يتم التغاضي عن كل ما داخلها بدءا من إغلاق الشارع تماما وسرقة الكهرباء إلى التبادل العلني للمخدرات والخمور المغشوشة، مرورا بكلمات الأغاني وحركات الراقصة والمطرب. وتجاهل هذا البروتوكول لم يحدث أبدا من قبل الشرطة التي تعرف جيدا العواقب، ولكن ما حدث هو أن تطورات أخيرة تسببت في سوء تفاهم آخر. فمن جهة نقلت كاميرات الموبايل الأمر إلى المواطنين الجدد الذين يظنون أن الأفراح الشعبية هي التي يغني فيها حكيم، فأصيبوا بالصدمة. ويبدو أن ذلك حدث أيضا للضباط حديثي التخرج الذين يقضون يومهم في النقر على الكيبورد وعلى رأسهم الهيد فون، والذين اكتشفوا الفيديوهات على اليوتيوب.
سوء التفاهم يحدث أيضا من تغير الخريطة العمرانية للمناطق الشعبية. وهو ما حدث في "أرض الجمعية"، موطني الأصلي والحالي، والموطن المختلط لأغلبية من البرجوازية الصغيرة الصاعدة من أبناء إمبابة وأقلية من السكان الأصليين.
كانت المرة الأولى التي يقام فيها "فرح شعبي" في أرض الجمعية، وحدث ذلك في شارعنا، لأفتح النافذة ذات ليلة، لأجد الشارع وقد أغلق من الجانبين وامتلأ بطاولات مستديرة يجلس حولها المدعوون وأمامهم زجاجات البيرة وأنواع أخرى من الخمور لم تسعفني ثقافتي لأعرف اسمها، وأكوام من سجائر لا يحتمل إلا أن تكون سجائر حشيش وبانجو، وكان هناك أيضا أكواب غامضة يضع فيها المدعوون أنوفهم، علمت فيما بعد أنها أكواب حشيش. وفي أحد طرفي المساحة المحررة من الشارع كان مسرح كبير عليه فرقة موسيقية ومطرب يرتدي بدلة حمراء وراقصة من الوزن الثقيل.
كان فرح ابن أحد الفاكهانية، وكان ذلك مثيرا لفزع أهل الشارع الذين يستعد أولادهم للامتحانات الجامعية،. كان عندي صباحا امتحان في تصميم المنشآت المعدنية، وهو ما كان أحد أسباب حنقي وتوتر مزاجي تلك الليلة، فتشاورت مع أبي في أن نقوم بإبلاغ الشرطة، على الأقل ليجبروهم على إنهاء الفرح مبكرا بدلا من الاستمرار حتى الصباح.
وكإمبابي أصيل يعرف مدى عدم لياقة إفساد فرح أحد الجيران، مهما انتمى لحيز حضاري مختلف، فإن أبي أجرى اتصالاته ليعرف من هم أصحاب الفرح وليتشاور مع أهل الرأي من باقي جيراننا. ولكن كان بعضهم قد سبقنا بالفعل وأبلغ الشرطة. وجاءت الشرطة وحصل لنا الشرف. وقف الضابط ممتقعا عند أول الشارع، واستقبله المطرب ذو البدلة الحمراء بتحية حارة، وشكر جهاز الشرطة وسرد عددا من أسماء العمداء واللواءات، وختمهم باسم الباشمهندس إسماعيل هلال وكيل أول وزارة الكهرباء ونائب مجلس الشعب عن إمبابة، الذي يسكن أيضا في أرض الجمعية وفي شارع متقاطع مع شارعنا، وشكره على توفيره الكهرباء لهذه الليلة الحلوة.
كان ذلك تعارفا سريعا، عرف عندها الضابط حدوده جيدا واستمر واقفا يفكروبجواره بضعة أفراد أمن يتمنون لو كانوا داخل هذا الفرح، بينما يتطلع العديد من أهل الشارع إليه من البلكونات ينتظرون ماذا سيفعل.
أنقذه رجل من أهل الفرح، وذهب إليه مسرعا يدعوه للجلوس. ولكن بعد محادثة قصيرة بينهما حدثت صفقة، على إثرها قام الرجل بتسليم الضابط صندوقا من البيرة، أمر الضابط رجاله بكسر كل زجاجاته على جانب الطريق قبل أن يشير بإصبعه إلى ساعته مخاطبا المطرب فوق المسرح وهو يبتسم ابتسامة عشم. وعلى الفور قطع المطرب أغنيته صائحا "أوام أوام يا سعادة الباشا، مسافة السكة" وضحك ضحكة ساخرة وطلب من الفرقة " أحلى سلام لكل باشوات أرض الجمعية وإمبابة ومديرية أمن الجيزة يا جدع إنت" وعزفت الفرقة اللحن الشهير للفنان شعبان عبد الرحيم "ما بخافش وإنت عارف، أنا أقدر أعمل إيه!".


-العنوان لاعلاقة له بكتاب"النفس والجنس والجريمة"، ولكنه مجرد عنوان "شعبوي" مناسب للتدوينة، ولضرورات الحملة الانتخابية في مسابقة "البوبز" للمدونات.
- والصورة بالطبع لشعبان عبد الرحيم، الذي لا علاقة له بأي مشكلات مع الشرطة أو الجنس أو الجريمة.. حتى الآن.

11 November 2008

تعرف إيه عن المنطق ؟

حريق الغد
تصوير: عز الدين عبده

يحتاج الأمر لأكثر من المنطق البسيط لكشف المؤامرات المدبرة بأقل قدر من العناية، لكن يمكنه وحده أن يكشف المساخر الفجة.
ما يزيد عن 6 عربات أمن مركزي وعشرات من الضباط وأفراد الأمن بالملابس المدنية انتشروا في ميدان طلعت، وكانوا في انتظار أقل من عشرين شخصا أعلنوا عزمهم الوقوف أمس في الميدان أمام مقر حزب الغد المحترق، تضامنا مع الحزب ضد التخريب الذي تم في غيبة كاملة من الأمن الحاضر على الدوام في الميدان وأمام الحزب. وعندما انتقلت الوقفة إلى سلم نقابة الصحفيين بعد حصار المتظاهرين وتهديدهم، انتقل الأمن معهم إلى هناك حرصا على الواجب وشرف المهنة، ولمساعدة الصحفيين على التقاط صور الوقفة بلوازمها من الجنود.
ولكن عندما عزم الباشمهندس موسى مصطفى موسى على تنظيم مسيرة تتجه إلى الميدان لاستعادة مقر الغد فيه، وهو المقر المؤقت الذي لا يزال قانونا ملكية خاصة لأيمن نور، لم يشاهد أحد ظل جندي عابر في الميدان.
وربما لو كان الأمن تواجد كعادته وفتح الأبواب عنوة لأنصار موسى بحجة تنفيذ الأحكام التي قضت بأحقيته في رئاسة الحزب، كان سيمكن تفسير الأمر على أنه مشاجرة بين الطرفين داخل المقر وتضيع مسئولية الحريق بينهما.
الباشمهندس موسى أيضا لم يكلف نفسه عناء التفكير قليلا فجر يوم المؤامرة ليخصص بعضا من الألاضيش لتسيير موكبه، وبعضا آخر تكون مهتمهم إشعال النيران وتخريب العمارة وما حولها. ليكشف عمر الهادي في "البديل" أن الذين كانوا يفسحون الطريق لموكب موسى هم الذين كانوا يشعلون النيران في أبواب المبنى ويخربون السيارات ويعوقون عمال المطافيء.
حريق الغد ليس واحدا من سلسة الحرائق الأخيرة التي اجتاحت مصر. فهذه السلسة كانت كلها مساخر يكشف المنطق البسيط دور الإهمال فيها، بينما تتجاهل نظريات المؤامرة كليهما- الإهمال والمنطق - وتهيم وراء ما يثير خيالها. أما الإهمال في حريق الغد فكان إهمالا في المؤامرة جعلها مسخرة لا تدع ثغرة للخيال.

15 August 2008

في حضرة الهباب

لم تدعني زميلتي في جريدة "البديل" لحضور "حفل خلع حجابها"، كما أني لم أسمع به أو ألحظه، ومن زار "البديل" يعرف جيدا أن مقرها شقة ليست بالمترامية الأطراف .. ولكن لم يمنعني كل هذا من أن أكذب عيني وسمعي وأصدق "المصريون". بل لم أصدق أيضا تكذيب الزميلة نفسها في تقرير "العربية"، بعد أن أصبح حجابها قضية دولية.
لقد اختبرت مصداقية "المصريون" بنفسي، وفي عدة مناسبات. أهمها وأبلغها عندما ثار الجدل حول فيلم "الأسانسير" الذي شاهدته وكتبت عنه. وما بدا لي على الشاشة أن الفيلم لم يكن به سوى ممثلة وحيدة تقوم بدور فتاة محجبة يتعطل الأسانسير وهي بداخله ولا تجد من يساعدها، فتستسلم للأمر وتجلس وتفك إيشاربها وتلهو بمحتويات حقيبتها ثم تجاري شابا يحاول الاتصال بها مرارا وتدردش معه قليلا إلى أن ينفذ رصيده وينتهى الأمر. ورغم ذلك فإنني لم أبادر بتكذيب "المصريون" التي نشرت أن الفيلم يضم مشاهد إباحية بين شاب وفتاة تخلع حجابها في الأسانسير. بل أرسلت إلى مسئول أعرفه في الجريدة وأخبرته بما شاهدته، فما كان منه إلا أن ذكرني أن مؤسسة الجزويت الكاثوليكية اشتركت في إنتاجه، وأن ذلك لن يكون بلا معنى، كما أنه يثق في محرر الجريدة ويعيذني من أن تغيرا في مرجعيتي وثقافتي هو الذي جعلني لا أرى ما يمس الإسلام والمسلمين والمسلمات وحجابهن.
لم أعرف تحديدا كيف ستحول مرجعيتي وثقافتي بيني وبين رؤية هذا الشاب وهذه المشاهد الإباحية. ولكن بعد احتدام الجدل حول الأمر، وكان الظاهر من الأمر أن "المصريون" في وضع حرج لأن أحدا غيرها لم يشاهد الشاب والمشاهد الإباحية في الفيلم القصير، كانت المفاجأة..
نشرت "المصريون" تقريرا يقول أن نسخة الفيلم التي شاهدها كل الناس في المركز الفرنسي وفي ساقية الصاوي وفي أماكن عدة أخرى، ليست هي النسخة التي عرضت في أقبية الجزويت الخاصة التي يكاد فيها للإسلام بليل. ولك أن تتخيل كيف وصل الحال بمتآمري الجزويت إلى صنع نسختين من فيلم، واحدة لتشيد بها الصحف وتحصل على الجوائز، وواحدة يعرضونها فيما بينهم ويضحكون ضحكتهم الشريرة تشفيا في الإسلام وفي السذج الذين يمدحون النسخة الأخرى.
وبهذا الكشف المبين، أسقط في يد الجميع ورفعوا قبعاتهم احتراما للجريدة المطلعة على الأسرار والخبايا، والتي لا يرقى شك إلى مستواها المهني الصحفي كما يظهر في هذا الخبر وذاك.
لا يخفى على الملاحظة بالطبع، أن تقريري "الأسانسير" و"حفلات خلع الحجاب" يتعلقان بالحجاب، وهو الأمر الذي لا يمكن الهزل بشأنه. فهو من ناحية يحظى بحساسية خاصة عند محرري الجريدة، كما أنه من المعلوم من الواقع بالضرورة أن حربا على الحجاب هي جزء من حرب كبيرة على الإسلام تدور رحاها، وإدراك هذه الحرب الشاملة يغني عن أي إثبات أو تثبت من صحة وقوع جولات منها هنا وهناك. وهذا ما يفسر أيضا مسارعة صحف ومواقع بنقل تقارير "المصريون"، فبالإضافة لمصداقية الجريدة التي لا أشك فيها، فإن تورط مؤسسة مسيحية أو جريدة يسارية في مؤامرة على الإسلام هو أمر منطقي وفقا لمنطق المؤامرة المعروف. وعند "المصريون" ومن تبعها فإن المنطقي حقيقي وليس العكس، وهو ما لا يمكن أن أناقشه لأنني رسبت في المنطق، والعاقبة عندكم في المسرات.

29 May 2008

ما وراء ابتسامات القديسين


محمود عزت يكشف أخيرا عن صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الثقافية المصرية.

و في الصورة يبدو محمود ممتنا لـخالد عبد القادر الشاعر الصعيدي، و أحد مطاريد الحركة.. و أهم الفاعلين "الحقيقيين" في هذه الصفحات و صفحات أخرى تتكشف لاحقا.

14 May 2008

ليس إلا خدش خفيف غير ظاهر في باطن القدم

اخترق المسمار الشبشب و نغز قدمي، في نفس اللحظة التي اصطدم فيها أمامي التوك توك بالتاكسي .

أود أن أقول أنني أمشي بالشبشب و ملابس البيت، فقط في تلك الضاحية المباركة من أرض إمبابة التي تسمى "أرض الجمعية"، حيث أسكن منذ ولدت، و حيث أعرف تحديدا أي كلب سيقابلك في أي شارع فيها.

الأمر يزداد خصوصية إذا كنت أتحرك على خط المائة متر التي تفصل بيتي عن بيت أهلي. نوعا ما أعتبر هذا الطريق طرقة داخل نصفي بيت لا زلت أعيش به منذ أكثر من ربع قرن.

استطرادي هذا مدفوع بالرغبة في أن أضع هامشا على صورتي بالشبشب، لكل أقول أنني لم أصل بعد للمرحلة التي يتجول فيها المرء بالشبشب والفانلة الداخلية في وسط البلد .

ربما لم يكن يلزمني الاستطراد، لأني أظن أن كلمة " الحذاء " لغة تشمل الشبشب أيضا، كما أن الأحذية ليست محصنة ضد اختراق المسامير.. نعم, كانت كلمة الحذاء ستمر دون أن يتأثر مظهري ... مؤقتا ، لأن لم يكن هذا ليجدي في النهاية .

كما أنه كان من الأولى في ظروف أخرى أن أتجاوز سريعا ما يتعلق بقضية تافهة مثل الشبشب، لأخبركم عما حدث في قضية الاصطدام التي تبدو بلا شك أهم .

و لكن الحقيقة أن ألم باطن قدمي الذي لم يكن عظيما، قد شتت انتباهي كثيرا و أظن أنه أضاع تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بالقضية الأهم .

ولكن أذكر جيدا أن سائق التاكسي نزل و مظهره يوحي بالثقة و الاعتداد بالذات بينما سائق التوك توك ظل على حاله مسكا بمقود مركبته فيما يوحي برغبته في الفرار، التي يحاول وجهه أن ينكرها بأمارات الصياعة و الشراسة : فم مفتوح و جبين مقطب و عينين مفتوحتين عن آخرهما مع رفع الحدقة لأعلى المقلة .

و يبدو أن وجه سائق التوك توك لم يبد مقنعا لسائق التاكسي الذي أخذ يلكزه بقبضته و أصابعه في وجنتيه و ذقنه نزولا إلى عنقه .. بينما الأول يحاول جاهدا أن يبقى وجهه متجها إلى خصمه الذي يهينه من جهة اليسار بينما يداه لا تزالان على المقود .

لم أنتبه كثيرا لما تناثر من كلامهما، لأني كنت وقفت و أمسكت بالشبشب أنظر في أمر المسمار.

المسمار الذي التصقت رأسه بظهر الشبشب ، بدا منه بالكاد جزء من الناحية الأخرى و لكنه كان كافيا ليخدش باطن قدمي دون أن يسبب جرحا .

لست مستريحا للتطرق مرة أخرة لأمر الشبشب , و لكن كنت بحاجة إلي ذلك لأشرح عدم تمكني من إكمال طريقي . كان علي أن أخرج هذا المسمار .

وجدت حجرا بجانبي ، كان في الغالب أحد طرفي مرمى في مباراة قريبة. حاولت أن أدق على الجزء الظاهر منه ,و لكنه كان بالكاد ظاهرا فلم يتمكن الحجر من تحريكه .

كان من الواضح أن موقفي ميئوس منه تماما, فزفرت مغتاظا و لوحت بيديّ – واحدة بها الشبشب و الأخرى بها الحجر - و لم أنتبه إلا على أنني أقف تماما خلف سائق التوك توك الذي تم إجباره على ترك مقود مركبته بكيفية ما ، لكي يتراجع هكذا أمام سائق التاكسي الممسك بخناقه، و يكاد يصطدم ظهره بي .

رفعت يداي بسرعة – واحدة بالشبشب و أخرى بالحجر – و وضعتها في ظهره فأوقفت تقهقر سائق التوك توك الذي نظر لي - و للشبشب و الحجر - ظانا أني أدعمه، و نظر لي سائق التاكسي شذرا ربما بنفس الظن .

كان موقفي حرجا و فكرت أن أي شرح له سيبدو بالغ الحمق في هذه الظروف . لكن لحسن الحظ أن الأمر كان يتجه لنهايته و لم يكن علي أن أوضح أي شيء.

ذلك لأن جمهرة من فاعلي الخير كانوا قد تجمعوا بالفعل و كانوا يتحركون معهما . وعندما وقفا و صرت معهما، كانت اللحظة المناسبة لكي يمسكوا بهما و يبدءوا في ترضيتهما ...

ثم حدث أن سمعت واحدا، يبدو من نبرة صوته أنه فاعل خير عريق و خبير، و لكن يبدو أنه قد أتى لتوه فحسب ليصيح : " حصل خير ... خلاص يا إسطى ارجع عربيتك مافيهاش حاجة... و أنت يا إسطى ارجع التوك توك و خلي بالك .. و أنت يا كابتن خلاص إلبس الشبشب و سيب الحجر ده ! ".

30 January 2008

عن القرار الأصعب

في مواجهة المخاطر التي تهدد النظام العام و السلام الاجتماعي, من جراء شعور المواطن المصري السماوي بوطأة و قسوة وجود اسم ديانة غير سماوية في خانة ديانة بطاقة هوية أخيه البهائي الواقف بجانبه في الأتوبيس أو طابور العيش .. اتخذت محكمة القضاء الإداري قرارها الأصعب, و تجاوزت عن قسوة و خطورة وجود الأخ البهائي نفسه و وجود دينه المشكلة هذا في رأسه, و قضت له في خطوة شجاعة بحقه في وضع شَرطة أفقية قصيرة, وصفتها المحكمة بهذه الدقة و إن لم تحدد طولها, بدلا من إلزامه بكتابة دين سماوي كما أصرت محكمة سابقة في سابقة غير مسبوقة .
هذا الحكم ,و هذه الشَرطة, شجاعة خالصة لا اضطرار فيها, فالخيارات المنطقية الأخرى كانت متاحة أمام هيئة المحكمة. أبسطها أن تمنحهم -بدلا من الإلزام - مهلة للإقتناع بدين سماوي معترف به فيدخلون فيه أفواجا و السلام, و إن رفضوا فيمكن العمل بنظام الـ" بدون " في مصر, و البهائي سيظل مصريا فالموطنة لا جدال فيها, و لكنه سيكون مصريا "بدون بطاقة", يمكنه أن يلتحق بإخوانه من الـ"بدون" و الطيور الجارحة و الضباع في جبال الصعيد أو مجاهل الصحراء ... و إن تعنت البهائيون في قبول هذه الحلول المعقولة يظل هناك خيار المذبحة الجماعية التي اقترحها نواب الإخوان باعتبار أن البهائيين في حكم المرتدين.
شجاعة المحكمة تجاوزت كل هذه الحلول الممكنة, و وازنت بين ضيقها بهذه الأقلية الممتنعة الوجود فلسفيا و دينيا, و بين رغبتها في "إثبات حقوق هذه الفئة " مع مراعاة " منع اندساسهم بين أصحاب الديانات الثلاث " بحسب نص الحيثيات .
و لكن شجاعتها تجاوزت كل الحدود في حكمها الآخر برفض إثبات تحول محمد حجازي المسلم إلى بيشوي المسيحي, عندما أثبتت في حيثياتها أن " كافة الدساتير المصرية قد أقرت جميعها حرية الاعتقاد", أي نعم و لكن " الأديان السماوية قد أنزلت من رب العزة في تسلسل زمنى يجعل من الارتداد من الدين الأحدث إلى الدين الذي يسبقه خروجا عن المألوف ولذا فمن أسلم وآمن فأنه قد مارس بالفعل حريته في العقيدة ولا يجوز له الارتداد عن الإسلام وإلا كان مرتداً ومتلاعباً بهذا الدين الحنيف ".
و بهذا يقدم القضاء المصري أطروحته الجديدة في تفسير معني حرية الاعتقاد في الدستور التي تعتمد على "حداثة" الدين, و تحدد التنقل حصرا من الأقدم إلى الأحدث. و عليه, يكون من حق اليهودي نقلتان و للمسيحي نقلة واحدة, بينما- أعزائي المستمعين - للأسف الشديد .. لا حرية اعتقاد للمسلم في هذا البلد !



. العبارات بالخط و المنطق المائلين من نص حيثيات المحكمة

24 October 2007

يا باسط !


أمام الصحفيين المصريين تحديات أجدى كثيرا مما يلفظه الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. هناك أشياء, و أشخاص, التعامل معهم جديا هو من قبيل الافتقار لحس الدعابة .. و إلا فكيف يمكن أن يتعامل المرء مع القذافي مثلا, أو رؤساء تحرير الصحف القومية و "مركز نداء لمقارنة بين الأديان" و مفسر الأحلام سيد حمدي و المطرب حسام حبيب و المفكر جهاد عودة.
سيد طنطاوي تحديدا يتبوأ مكانة بارزة في الوجدان الديني المصري, فذكر اسمه في نقاش ديني بين مهتمين يعني خروج النقاش من الجد إلي الهزل, إما أن أحد الأطراف يسخر من نفسه فيستشهد بكلامه, أو أنه يسخر من آخر بتشبيه كلامه بكلام " المفتي" و " شيخ الأزهر ",و طنطاوي هو صاحب امتياز الصفتين بشخصه باعتبار ما كان و ما هو كائن.
ما كان و ما هو كائن هي مجرد ظواهر خادعة, بينما لا شيء يتغير حقا عند طنطاوي و عند آخرين. الفرق الجوهري بين طنطاوي و الآخرين ممن يتحدثون من عالم آخر عن عالم آخر, هو أن الآخرين يتجاهلون تغير العالم لأنه ليس مكتوبا عندهم في الكتاب. بينما طنطاوي يتجاهل وجود العالم و الكتاب لأسباب غامضة, لا شأن للنفاق و لا للخوف أو الطمع بها, هذه اتهامات "جديّة" استبعدها ابتداء .
الأمر أقرب لمشكلة وجودية تتعلق بانسجام الإنسان مع موقعه في العالم, حيرة الإنسان أمام المسخرة التي ترفعه فوق ما يتوقع و يستطيع, " الفقي لما يسعد ", "الفقي " الذي استيقظ ليجد نفسه في عباءة العز بن عبد السلام, فتأرجح بين تقمص هيبة العباءة و الاستسلام لهزلية كونه داخلها.

26 June 2007

! عاجل : أربعة منهم لا يؤدون ركعات السنة

كيف كان لمحامي الدفاع أن يرد علي قاضي الدولة عندما يخبره الأخير أن العلة في إلحاق الطفل بدين أبيه المسلم بينما هو في حضانة أمه المسيحية " أن الإسلام أصل الفطرة و خير الديانات ", و المحكمة يجب أن تلحق الطفل بأفضل الدينين ... كيف للمحامي المسيحي أن يدخل في جدل ديني و يناقش تلك الأمور الخاصة و الحساسة بالنسبة لقاض مؤمن غض بصره عن المباديء الدستورية و القوانين المنضبطة طمعا في سماع تتر نهاية مسلسل " القضاء في الإسلام " في ختام الجلسة . ربما كان علي المحامي و هو يحاول الاستغاثة بمباديء المواطنة و مساواة المواطنين أمام القانون و مدنية الدولة, أن يجاري رصانة الحيثيات القضائية المعاصرة, فيصوغ خطابه في نباهة قائلا : " سيدي الرئيس .. حضرات المستشارين ... موسى نبي.. و عيسى نبي.. و محمد نبي ...و كل من له نبي يصلي عليه .. مش كده و لا إيه ؟ "

لست واثقا من نتيجة ذلك, و لكن علي الاقل لنحاول الدخول في المسخرة و السير علي هوى العدالة التي استبدلت العمى بعاهات أخري لتدهشنا بالجديد وغير المتوقع , و إلا فكيف سنحاول أن نفكر في موقف ذلك المحامي الآخر - المسلم هذه المرة - الذي جفل و أخذ يبحث في ما تعلمه في كلية الحقوق , وحتي في معلوماته عن فرائض الدين, عندما وجد نيابة أمن الدولة تسأل موكليه المتهمين بكونهم " قرآنيين" – و العياذ بالله – عما إذا كانوا يصلون السنة .. أي و الله, "ما إذا كانوا يصلون السنة ". ثم أسقط في يده تماما, و أغضى بصره داعيا لهم بالهداية و الرحمة عندما أثبتت النيابة في التحقيقات أن أربعة منهم لا يؤدون ركعات السنة !

05 June 2007

الأهم فالمهم

أفادت مصادر مطلعة أن "مجمع البحوث الإسلامية", نيابة عن الأمة جمعاء, يعتبر نفسه في حالة انعقاد دائم لمواجهة التحديات و المستجدات ...بعد طهارة بول النبي ستتم مناقشة حكم قتل الديناصورات, ثم أحكام تناول لحم عروس البحر و مرقة العنقاء و عجة بيض التنين.

30 April 2007

العدالة ترجع إلي الخلف


لو عاش ابراهيم عليه السلام بيننا اليوم علي أرض المحروسة, لم يكن ليفلت من الإلقاء في النار, ففي انتظاره وزارة الداخلية و المحكمة الإدارية العليا .
و ذلك لأن ابراهيم تحير و تفكر , و تنقل في عدد قليل من الآيات من عبادة الكواكب لعبادة القمر ثم الشمس حتي اهتدي إلي عبادة الله . و هو بذلك فضلا عن كونه متلاعب بالأديان, يكون قد اعتنق في رحلته عدة ديانات غير معترف بها , كما أنه كمواطن صالح لا شك سيتوجه لوزارة الداخلية لتسجيل ما انتهي إليه يقينه في خانة الديانة أولا بأول , مما سيثير حنق الوزارة , و لو توجه كمواطن صالح للمحكمة لاختصامها , فسيواجه حنقا آخر, مستقلا بالمناسبة , إن لم يكن آخر ما انتهي إليه هو الدين الرسمي المسجل في دستور الجمهورية . و سيلجيء المحكمة للتتعاون مع وزارة الداخية لتقييد عدد مرات التنقل الديني بمرة واحدة فقط , خاصة لو كان التنقل للإسلام الذي هو في رأي فقهاء مرور القاهرة اتجاه واحد .
القانون و المحكمة و الداخلية لا يعرفون زينب , لأن زينب التي تنصرت من فترة ثم عادت للإسلام في فترة قياسية لم تواجه تهمة اللعب في الدين , لأنها أدلت بخلاصة تجربتها الروحية العميقة في غرف الدردشة لمصطفي بكري ليفرد لها صفحة كاملة في الأسبوع بجوار صفحة هيكل لنشر وقائع التغرير المسيحي بعقول شباب المسلمين علي الإنترنت .
أما ما عدا زينب من المسيحيين المساكين الذين اضطرهم جمود الكنيسة و عنادها , لتغيير الديانة للإسل للحصول علي طلاق بدلا من تبادل تهم الزنا . فهم يواجهون الآن عناد الداخلية و المحكمة الإدارية اللذين يرفضان تغيير ديانتهم مرة أخري إلي المسيحية , لأنها رأتهم متلاعبين بالدين , و يستحقون أن يبقوا مسلمين عقابا لهم !

أفهم عناد الداخلية و صلفها , ليشفهم الله أو لنتشفي فيهم , و لكن ما بال عناد أهل القانون و العدالة العمياء.
أصبحت للعدالة عيون ماكرة و بصيرة تطلع علي خبيئة النفوس لتعاقب علي النوايا , بدلا من الاكتفاء بالظواهر و الأدلة التي يمكن مناقشتها و إثباتها و دحضها . كما أنها - العدالة - أصبحت حانقة علي المصريين و دين آبائهم , و لا تبالي بظلم مواطن يريد تغيير ديانته عن قناعة حقيقية , في سبيل ألا تدع بعض المتلاعببين يفلتون . رحم الله القضاة الذين لا يزالون يذكرون مبدأ غابرا ينص علي أن تبرئة عدد من المذنبين أهون من إدانة بريء واحد .
ثم لو كانت خبيئة كل المسيحيين المتلاعبين مكشوفة بالفعل للمحكمة , و كانت بصيرة المحكمة دليلا دامغا , لذا فهم يستحقون عقابا – دع عنك الآن حرية العقيدة , لا تذكرني - فهل تسجيل الإسلام في يطاقاتهم عقاب ! انا كمسلم يحز في نفسي هذا كثيرا . لم لا يبتدع فتحي سرور أو شهاب, أو أيا من أهل البدع القانونية و الأهواء الرسمية , قانونا ينص علي عقوبة تأديبية للمتلاعبين بالأديان و المتسكعين بينها . بدلا من العناد الأحمق و مواجهة الخطأ بخطأ مقابل . و لولا أن المحكمة سابقة عهد بالاجتهاد في المنطق و بديهيات القانون, لطار عقلي عجبا من العناد العجيب للعدالة الذي يخلف وضعا أحمق شديد الخطورة و مؤهل للانفجار: مسيحيون مسجلون كمسلمين في الأوراق الرسمية!

أذكر من أيام المدرسة ,أن أوقع الحظ العاثر طالبا أحمق ليجلس أمام طالب همجي , فكان الهمجي يتسلي بصفع الأحمق علي قفاه أثناء المحاضرات, فإذا التفت إليه قال له ساخرا : انظر أمامك يا حمار . فيضطر الأحمق لمعاودة النظر أمامه . و هكذا , حتي ثارت نخوة الأحمق وتفتق ذهنه عن حل ذكي ينقذ كرامته... و مع الصفعة التالية , ثم أمر الهمجي إياه بالنظر أمامه .. عاند الأحمق و ظل ملتفتا خلفه ينظر للهمجي بتحد و عزة معلنا أنه لن ينظر أمامه , فأتي المدرس بعد أن تعب من الصياح و صفع الأحمق علي قفاه لينظر أمامه ثم صفعه علي وجهه, ثم أخذه من تلابيبه إلي الخارج , بينما هو – الأحمق - ملتوي العنق مصوب النظر لعيني الهمجي في عناد.

12 December 2006

نريد خدمة نظيفة

na7'no

تعرفون بالطبع أن لسوء خدمات الإنترنت بعدا سياسيا .
فساحة الإنترنت هي واحدة من الساحات - أهمها في الحقيقة - التي تكون فيها المعارضة المصرية أغلبية ساحقة , و يقتصر وجود الحكومة فيها علي جيوب فكاهية .
الأمر إذن يحتاج لوقفة , فنحن هنا , في هذه الساحة المباركة, الأكثرية الشعبية و لا نحتاج حتي للمطالبة بحكومة وحدة وطنية أو حكومة نظيفة .

لنبدأ تجمعنا هنا في هذا الميدان , و ليروي كل منا شهادته عن معاناته مع خدمات الإنترنت المصرية .
و لأن تجمع الخامس من كانون الأول يريد التأكيد علي أنه ليس طائفيا بل هو معارضة وطنية وطنية وطنية , لذا قررت اللجنة المركزية للتجمع امتثالا للإرادة الشعبية أن تتخلي عن قرارها السابق بحصر الحملة علي شركة لينك دوت نت و أن تفتح الباب لجميع البائسين من كل طوائف المشتركين لهجاء شركاتهم . و قيادة التجمع كلها ثقة بأن الديمقراطية في النهاية تصل بالجماهير إلي ما تريده القيادة .
هدف الحملة المباركة هو مساعدة شركتكم المفضلة علي تقليص عدد مستخدميها رغما عن أنفها , إلي حين تستطيع ان تفي بوعودها و تقدم خدمة عملاء أفضل .
و وسليتنا هي رواية مآسينا - و هل للمعارضة وسائل أخري - عن معاناتنا مع هذه الشركات لتوعية المستخدمين الجدد لتجنب شركاتنا المفضلة و اختيار أخري جديدة ليرووا شهاداتهم عنها لاحقا ..و هكذا .
كما أن هناك جائزة مقدمة من أبي الليل لأردأ خدمة إنترنت مصرية . و هذه الجائزة مفاجاة خاصة للجميع و لأبي الليل أيضا .

علي بركة الله ...


شهادات..
أنا ... طي المنقطع
بلو روز .. أنا و لينك و العذاب
شبكة " روايات " التفاعلية :
فلنقاطع شركة Link.net
دنانير
أبو الليل
لست أدري
لست أدري (2)
صحاب
سانتا كريم
أبو العربي
الديب
عبد الرحمن
شموسة
أبو زيد
عزبي

أضف شهادتك أو رابط لها في التعليقات

شعارات ..
1- 2 - 3

أضف رابط لشعار جديد في التعليقات

* رد من شركة لينك دوت نت


05 December 2006

طيّ المنقطع


أعزائي ..

أكتب إليكم و لا أدري أكان من الأفضل أن أرسل كلماتي هذه هكذا , أم أطويها و أضعها في زجاجة قد تصلكم أسرع و هي تتهادي علي سطح النيل ...
لقد بلغ مني القرف مبلغه – بمناسبة القرف – و أنا في انتظار لحظة اتصال جيدة في الوقت المستقطع الذي أكون متصلا فيه وسط سرمدية انقطاع الاتصال التي شملتني بعد أن اشتركت في خدمة الانترنت فائق السرعة – أي و الله فائق السرعة – المزعومة عبر شركة لينك دوت نت .
بدأت قصتي – و أتمني ألا تذرفوا من الدمع أكثر مما ينبغي قبل فراءة قصتي كاملة – بدأت عندما قررت كمواطن برجوازي صغير أن أودع مرحلة الاتصال عبر التليفون إلي مرحلة الايه دي اس ال , فتوجهت لا ألوي علي شيء لشركة لينك دوت نت المزعومة في منتصف سبتمبر المنصرم و سددت الاشتراك كاملا و يشهد الله علي ذلك , فحصلت علي ابتسامة واسعة و عهد بأن أكون متصلا بعد أسبوعين علي الأكثر ... و بعد أكثر من شهرين من الانتظار و المكالمات الدافئة ثم الساخنة مع موظفي و موظفات قسم المبيعات .. زفوا إلي بشري اتصالي فقلت يغفر الله لهم ما قد سلف ..
و لكنني الآن بعد أسبوعين من الاتصال الوهمي المتقطع و بعد أن زارني مرتين مبيض محارة يزعم أنه مهندس صيانة , أشعر أني أتصل بالانترنت لا عبر تليفون المنزل , بل عبر تليفون أقرب بقال أو كشك سجائر .
حسنا ... أنا الآن علي يقين أنه لا خدمة أردأ من خدمات لينك دوت نت .و من يرد منكم ان يتصل بالانترنت فمن الأفضل له إن لم يستطع الاشتراك عبر شركة أخري , أن يستخدم الحمام الزاجل أو الرسائل المطوية في زجاجات من أن يشترك عبر هؤلاء الملاعين .
و أعلن أني أبدأ هنا الحملة علي الشركة و أدعو كل ضحايا اشتراك الانترنت عندهم لتسجيل شهاداتهم عن كيفية انتهاك حقهم في الاتصال . و لتكن حملة علي غرار " اتكلموا " و لتتصاعد لتصل إلي مظاهرات مسلحة تستهدف مقرات الشركة و قياداتها ...و إن لم نستطع فالمحكمة الدولية .. المحكمة الدولية .. . و لن ينالوا من عزمنا لن ينالوا ... و كما وعدتكم دائما أعدكم مجددا !
أحب أن أنوه ان تجمع قوي الخامس من كانون الأول المبارك هذا ليس طائفيا و لكنه لم و لن يسمح بذكر أية محاسن لخدمات هذه الشركة و لا بذكر مثالب أي شركات أخري . بل يحبذ القيام بدعاية لأي من الشركات المنافسة بما فيها شركات النقل البري و هيئة السكك الحديدية و البريد المصري العادي و خدمة البرق .

أما هؤلاء ... فها أنا أحذرهم الآن , في بدء هذه الحملة المباركة و التجمع المنصور بإذن الله . إن أرادوا إصلاحا فليعتبروا الآن و يراجعوا أنفسهم بشان اشتراكات الإمبابيّين عندهم بدلا من أن يتعللوا بأن سنترال إمبابة هو السبب . مهينين بذلك حضرة سيدي اسماعيل الإمبابي الذي يقع مقامه علي مرمي حجر من السنترال و الذي روي عنه – رضي الله عنه - أنه كان يتصل بأحبابه من البحرين إلي شاطيء الأطلسي اتصالا روحيا فائق السرعة بلا اشتراكات قبل أن يتصل أجداد هؤلاء بجداتهم .

وصل الله عذابهم في جهنم سبعين ألف سنة اتصالا جيدا بلا انقطاع !
و السلام .

عمرو بن عزت الإنبابي
الخامس من كانون الأول من عام الحجاب