Showing posts with label ما بدا لهم. Show all posts
Showing posts with label ما بدا لهم. Show all posts

15 February 2011

بعيدا عن حكم العسكر: ما يجب أن يقلقنا حقا من الجيش



لا يبدو أن تحول تحرك الجيش لصالح الثورة إلى انقلاب لصالح حكم عسكري هو المقلق حقا. ولكن المقلق هو أن يحاول الجيش محاصرة الحركة الجماهيرية الدافعة للثورة وإعادة بناء الدولة برؤية تضيق بالحريات العامة وحرية المطالبة الاجتماعية والفئوية التي تعد الضمانات الأهم للديمقراطية الحقيقية والجذرية. مقال هام للصديق عمرو عبد الرحمن، الباحث السياسي والزميل في هيئة تحرير "البوصلة" صوت اليسار الديمقراطي.

الانقلاب الثانى: أسباب وجيهة للتفاؤل .. وللقلق أيضاً

عمرو عبد الرحمن

تشكل الإشارات المتناقضة التى تنطوى عليها بيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال اليومين الماضيين مصدراً لتخوف الكثيرين من أن يكون التدخل العسكرى لإزاحة مبارك مقدمة لتصفية الحركة الجماهيرية الواسعة وإعادة تأسيس دعائم النظام القائم منذ يوليو1952. غنى عن الذكر أن الانقلابات العسكرية لم تكن حدثاً مطمئنا للقوى الديمقراطية فى أى يوم من الأيام، وإذا أخذنا فى الاعتبار ما أفضى إليه تدخل العسكر فى مصر لاكتسب القلق مبرراً إضافياً. إلا أنى أحسب أن القلق فى هذه الحالة فى غير محله أو على الأقل لا ينصب على مايستدعى القلق بالفعل. أظن أنه من غير الوارد تراجع الجيش عن وعوده بشأن تعديل دستورى موسع وانتخابات حرة وغيرها من إجراءات إصلاح سياسى جدى. إلا أن ذلك لا يعنى انتفاء دواعى القلق والتى لا تنصب بالضرورة على موقف الجيش من هذه الإجراءات بقدر ما تنبع من قراءة لطبيعة العلاقات المدنية-العسكرية المركبة التى تم غزلها خلال حقبة الرئيس مبارك نفسها، وهى العلاقات التى قد تقف بحد ذاتها كحجر عثرة فى طريق مد مفاعيل الانتفاضة الديمقراطية إلى ما هو أبعد من ميدان التحرير، حتى فى ظل إقرار الإصلاحات الديمقراطية.

لنبدأ بدواعى التفاؤل... للوقوف على فهم أفضل لطبيعة التدخل العسكرى الأخير لا مفر من مقارنته بانقلاب يوليو 1952 والذى أسس للنظام الحالى. ما حدث فى يوليو كما هو معروف لم يكن انقلاباً باسم الجيش بقدر ما كان انقلاباً قادته مجموعة سياسية داخل الجيش ضد قيادتها وضد القصر فى ذات الوقت. هذه المجموعة السياسية كانت معروفة بتوجهاتها المعادية للديمقراطية الليبرالية وتحميلها مسئولية الأزمة التى عصفت بالنظام السياسى المصرى القائم منذ إقرار دستور 1923. هذا الملمح وسم طيف واسع من الانقلابات العسكرية خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات فى الكثير من المجتمعات حديثة العهد بالاستقلال. أما ما نحن بصدده فهو تدخل للجيش بصفته المؤسسية وبكامل قيادته الموحدة ولسنا بصدد انقلاباً يقوده تنظيماً أو حزباً سياسياً داخل الجيش، وهذا الوضع الجديد، والذى يبدو أنه ناتج عن إجماع داخل هذه القيادات، قد يسهم فى حصار أية ميول سلطوية تخرج عن المهمة التى حددها الجيش لنفسه تحت ضغط الانتفاضة. كذلك لا يبدو أن هذه القيادة تكن عداءاً للديمقراطية الليبرالية، بل ولا يبدو عليها مظاهر تسييس من أى نوع. هى قيادة تشكلت فى ظرف تاريخى مغاير لحقبة التحرر الوطنى وتأثرت بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة طوال الثلاثين عاماً الماضية، وتكشف الأحداث الأخيرة عن عمق تنسيقها مع الإدارة الأمريكية فى كافة تحركاتها. ومن الواضح فى هذا السياق أنها تشربت بعقيدة جديدة قوامها أن حكم القانون وقدر من الديمقراطية الليبرالية هى مبادئ لا غنى عنها لتحقيق أهداف التحديث بالمعنى المجرد للكلمة والمهيمن على عقل مؤسسات الدولة فى مصر. وأخيراً، يأتى التدخل الثانى للجيش فى هذا الصدد على خلفية انتفاضة شعبية فتية دفعته دفعاً لحسم موقفه فى مواجهة سلسلة من التحركات العبثية فى كافة الاتجاهات لاتستهدف إلا ابقاء مبارك فى السلطة ولو على حساب الحد الأدنى من مبادئ الدولة الحديثة وبما يهدد مصالح الكتلة الحاكمة ككل بما فيها المؤسسة العسكرية. بالتالى فنحن بصدد انقلاب هو أقرب ما يكون إلى سلسلة التدخلات العسكرية التى سهلت أو أسست لموجة جديدة من موجات التحول للديمقراطية الليبرالية مع منتصف السبعينيات ونهاية الثمانينيات فى جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية. من البرتغال فى منتصف السبعينيات إلى البرازيل مع نهاية الثمانينيات، ما كان لعملية تصفية الأوضاع السلطوية أن تنجح بدون ضمانات من المؤسسة العسكرية بوصفها مصدر القوة وأداة القهر الرئيسية القادرة على فرض حكم القانون فى مواجهة تحلل أجهزة الدولة المستمر بفعل التكلس السلطوى أو السطوة الأوليجاركية. بل فى الكثير من الأحيان، كالبرتغال مثلا، تولى العسكر تصفية الإرث السلطوى الذى خلفّه عسكرٌ آخرون. أظن أننا بصدد وضع مشابه لهذه التجارب أكثر من كوننا بصدد انقلاب ينتمى لمرحلة التحرر الوطنى: أى أن الجيش يحاول أن يستبطن منطق الدولة أكثر من محاولته الانقلاب علي الدولة. وهذه المحاولة وإن كانت تتمايز عن منطق الانتفاضة إلا أن دعمها، ولو مرحلياً، كان واجباً لحماية الانتفاضة نفسها فى مواجهة مناورة واضحة هدفها شراء الوقت والبدء فى إجراءات ثورة مضادة بالمعنى الحرفى للكلمة.

إلا أن إشكاليات تدخل الجيش بالمعنى المؤسسى السابق ذكره لا تقتصر على مدى وفاء الجيش بتعهداته من عدمه. فالمؤسسة العسكرية كأى مؤسسة تخترقها علاقات القوى الإجتماعية وتتحدد مواقفها واستراتيجياتها فى محيط من الصراعات السياسية والأيديولوجية بما قد يحولها من رصيد للتحول إلى حجر عثرة فى طريقه. بعبارة أخرى، حتى لو أوفى الجيش بكامل تعهداته، ستبقى طبيعة العلاقات العسكرية-المدنية كما نعرفها فى مصر نقطة إشكالية بحد ذاتها. وتعلمنا خبرة السياقات المذكورة سابقاً أن ضمان العسكر للتحول الديمقراطى لا يعنى بالضرورة قبولاً بأن تمتد مفاعيل هذا التحول إلى مواقع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل القطاعات المدنية وأوضاعها المتميزة التى تراكمت عبر عقود، بل إن تصفية هذا النفوذ كان مجال الصراع الأساسى فى العديد من هذه التجارب بهدف دعم هذا التحول الديمقراطى وتحصينه.

فى هذا الصدد، يمكن الحديث عن ثلاثة إشكاليات تثيرها طبيعة العلاقات العسكرية-المدنية فى الحالة المصرية: إشكاليتان تتعلقان بمرحلة الانتقال والأخرى مرشحة للاستمرار إلى ما هو أبعد من ذلك. من جهة أولى، لا يبدو أن المؤسسة العسكرية بحكم طبيعة علاقتها بالميراث الاستبدادى للدولة المصرية وتشربها بمنطقها الأبوى تبدى قدراً من التفهم لتواتر الاحتجاجات الإجتماعية والتى تتجه لتشكل حلقة ثانية أكثر جذرية من حلقات الانتفاضة المصرية. فمن الواضح أن المجلس العسكرى يسعى إلى حصر الأمر فى نطاق التحول الدستورى ويصور خطابه اتساع نطاق الاحتجاجات كما لو كان خروجاً عن مسار الانتفاضة الوطنى وارتداداً إلى صراعات "فئوية الطابع". فى هذا السياق تعتبر التقارير الأخيرة عن حالات الاعتقال وقائع التعذيب المنهجى فى السجون الحربية أو معسكرات التدريب خلال فترة الانتفاضة مؤشراً على المدى الذى يمكن أن تصل إليه هذه الذهنية فى التعاطى مع الاحتجاجات المدنية. من جهة ثانية، يبقى موقف المؤسسة العسكرية تجاه القوى السياسية الحاضرة فى هذه الانتفاضة نفسها محل غموض. أغلب الظن أنه موقف مشبع بترسبات خبرة نظام يوليو مع الإسلام السياسى بصورة أساسية واليسار الراديكالى بدرجة أقل. يخاطب المجلس العسكرى فى بياناته كائنات غامضة تسمى "بالمواطنين الشرفاء"، وهى عبارة موروثة من البلاغة الناصرية التى اعتبرت كل مواطن منصرف عن السياسة بالمجمل هو "المواطن" بألف لام التعريف. غنى عن الذكر أن بدء مسار الإصلاح بتهميش الإسلاميين أو غيرهم لن يؤدى إلا إعادة إنتاج مصادر الخلل الرئيسية فى المجال السياسى المصرى والمتمثلة فى تهميش كل ما هو فاعل وذو حضور والابقاء على كل ما هو هامشى وعاجز. من ناحية ثالثة وأخيرة، قد تشكل طبيعة العلاقات المعقدة التى غزلتها المؤسسة العسكرية مع مؤسسات السوق الرأسمالى والأوليجاركية المتخندقة حول مبارك بدورها عائقاً إضافياً يحول دون مد مفاعيل الثورة الديمقراطية إلى نطاق أوسع. تننتمى غالبية الوجوه العسكرية التى تولت مناصب تنفيذية أو سياسية رفيعة فى العقد الأخير إلى هذا المركب العسكرى- الأوليجاركى (أحمد شفيق نفسه يعد مثالاً صريحاً على هذا التداخل منذ إلتحاقه بلجنة السياسات عام 2002 ثم حكوةمة نظيف فى 2004). هنا تتحرك القوى الديمقراطية فى حقل ألغام غير مطروق وقواعد الاشتباك داخله غير معلومة. المؤكد أن السوابق غير مبشرة سواء تعلق الأمر بنضالات مباشرة على الأرض فى هذه القطاعات أو بمدى القبول بتناول هذه العلاقات بالنشر والتعليق. شهد الصيف الماضى على سبيل المثال واقعة إحالة عدداً من العمال المضربين فى أحد المصانع الحربية إلى محاكمة عسكرية عاجلة، وهى واقعة لا يفصلنا عنها سوى شهور معدودة. كما لا يجب أن ننسى فى هذا الصدد أن ترسانة القوانين المقيدة للحريات، والتى أٌعلن عن نية مراجعاتها فى المرحلة الانتقالية تحت سلطة المجلس العسكرى، تحتفظ فى غالبيتها بمكانة متميزة للمؤسسة العسكرية تحصنها ضد النقد أو التعامل الإعلامى (التشريعات المنظمة للنشر الصحفى تعد مثالاً صارخاً من ضمن أمثلة عدة).

إلا أن الإشكاليات السابقة تطورت خلال حقبة مبارك وستلازمنا لمدة طويلة من الزمن على ما يبدو. وبالتالى لا تنتقص من افتراضنا الرئيسى بأن حسم الجيش كان ضرورياً فى هذه المرحلة وأن التطورات اللاحقة تشير إلى إمكانية إلتزامه بتعهداته الخاصة بانتقال سلمى للسلطة. أما مواجهة إشكاليات العلاقات العسكرية-المدنية فهى مسألة مرهونة بقدرة الحركة الشعبية على تطوير أدوات نضالها بما يتجاوز التظاهر الدائم وتوسيع رقعة هذا النضال إلى ما هو أبعد من ميدان التحرير، وهى الاشكاليات التى ينبغى أن تستحوذ على عقل الثوار بدلاً من الجزع المبالغ فيه بشأن نوايا العسكر.


06 February 2011

خلف حدود الخيال



بلادك خوفك؟
لا بأس
ما أجمل البلد الآمن المطمئن هنالك
خلف حدود الخيال
بلادك ما أنت تصنعه
فتصور، وخَف، وارتعش
وأقم في مهب احتمالات هذا الزمان
ولا تتوسم به أي وجه لأي احتمال

جودت فخر الدين
ديوان "ليس بعد"، رياض الريس، بيروت 2006


الصورة من أبي العربي

22 December 2010

شيء ما حدث لي


,,
ذات مساء من أكثر من عشرين سنة، كان جياكومتي، النحات والمصوّر السويسري، يعبر ميدانا فصدمته سيارة وأصيب بجرح والتوت ساقه. وفي الإغماءة اليقظة التي راح فيها شعر أولا بنوع من البهجة: "أخيرا شيء ما حدث لي!".

إني أعرف راديكاليته، فقد كان ينتظر الأسوأ، إن هذه الحياة التي يحبها إلى الدرجة التي لم يكن يتمنى معها حياة أخرى، كانت حياة مقلوبة، وربما محطمة بحماقة عنف الصدفة. وكان يقول لنفسه: "لم أوجد إذا لأنحت، ولا حتى لأعيش، لم أوجد لشيء".
إن ما كان يحمسه هو نظام السببية المهدد عندما يُرفع عنه القناع فجأة، ويُحرق في أضواء المدينة وفي الناس وفي جسمه هو نفسه وقد تلطخ بالوحل بتلك النظرة المحجرة ككوارث الطبيعة.
إني أعجب بهذه الإرادة التي تقبل كل شيء. وإن كنا نحب المفاجآت فينبغي أن نحبها حتى ذلك الحد، حتى ومضاتها النادرة التي تكشف للهواة أن الأرض لم تخلق لهم.

في مقتبل عمري كنت أدعي أني لا أحب غير المفاجآت. كان على كل خيط من نسيج حياتي أن يكون غير متوقع وأن تنبعث منه رائحة الطلاء الجديد. كنت أقبل مقدما الظروف الطارئة والحوادث المزعجة، ولكي أكون عادلا يجب أن أقول أني كنت أقبلها قبولا حسنا.
وذات مساء انطفأت الكهرباء بسبب عطل، وناداني أحدهم من غرفة أخرى، وتقدمت مندفعا فاصطدم رأسي بمصراع الباب، وكانت الصدمة قوية بحيث كسرت لي سنا من أسناني. شعرت بنوع من المرح وضحكت له رغم الألم، كما سوف يضحك جياكومتي بعد ذلك بسبب ما حدث لساقه.
الأمر أنني كنت قد قررت مسبقا أن تكون لقصتي نهاية سعيدة، فرأيت في هذه السن المكسورة علامة، تنبيها غامضا سوف أفهمه فيما بعد.
ربما فقدت ذراعا أو ساقا أو عيني. ولكن لأن كل شيء يتوقف على الأسلوب فإن مصائبي لن تكون أبدا سوى محن، سوى وسائل لعمل كتاب. تعلمت أن أتقبل الأحزان، ورأيت فيها بواكير "موتي الانتصاري" والدرجات التي ينحتها ليرفعني إليها.
إن هذه العناية الفظة قليلا لم أكن أستقبحها، وكنت مهتما بأن أظهر جديرا بها. كنت أعتبر الأسوأ شرط الأفضل. إن أخطائي نفسها كانت تفيد، وهذا يعني أني لم أكن أقترف أخطاء. سوف أكسب الحرب من كثرة خسارة المعارك.

لقد أهملت الوقاية ونسيت أن أرتدي معطفي وكوفيتي. أفضل دائما أن أتهم نفسي على أن أتهم العالم، لا عن سلامة قلب، ولكن لكي لا أكون متعلقا إلا بنفسي. إن هذا التكبر لم يكن يمنع التواضع، وكنت أعتقد طوعا بأني كنت عرضة للخطأ بقدر ما كان ضعفي أقصر طريق طبيعي إلى "الخير". وكنت أرتب أمري لأشعر في حركة حياتي بجاذبية لا تقاوم كانت لا تنقطع في إجباري، حتى على الرغم مني، على تحقيق تقدم جديد.

كثيرا ما كان يقال لي: إن الماضي يدفعنا. ولكني كنت واثقا أن المستقبل يشدني. لقد دسست في نفسي "تقدم البرجوازيين" المتصل، وجعلت منه محركا ذا اشتعال داخلي، وهبطت بقيمة الماضي أمام الحاضر، والحاضر أمام المستقبل. وحولت التطورية الهادئة إلى نوبات ثورية متقطعة.

لقد أسات التصرف أمس. لانه كان أمس. وأحس اليوم الحكم القاسي الذي سوف أصدره على نفسي غدا. إني أمنع نفسي من الاقتراب من ماضيّ. المراهقة والسن الناضجة وحتى السنة التي مضت للتو، كل ذلك سوف يكون دائما العهد القديم. الجديد يبدأ في الساعة الحاضرة، ولكنه ليس مشيّدا على الإطلاق، إنه سيهدم غدا مجانا ... وقد أوتيت حماقة الافتتان بذلك.

أعترف في بشاشة وتواضع ماكر: أنا موهوب للنقد الذاتي. وأتلذذ بصفاء بصيرتي. منذ بداية عمري "أدركت" حقا كل شيء من غير معرفة ولا كلمات، ربما بشكل أعمى. موتي هو سبب ولادتي، وولادتي تقذفني نحو موتي. مشدود حتى التمزق بين هذين الطرفين. أموت وأحيا عند كل خفقة قلب. أصبحت آخرتي مستقبلي: كان ذلك يضرب كل لحظة بالعبث، مهما كان مضمونها. وكان ذلك في عمق مركز انتباهي، وشرودي الأعمق، وتسليتي الأشد عمقا. كان ذلك في فراغ كل امتلاء وفي الوهمية الخفيفة لكل واقع.

يكاد ذلك يقتل أحيانا طعم الحلوى في فمي، والأحزان والأفراح في قلبي. ولكن ذلك كان أيضا ينقذ أتفه اللحظات، فاللحظة في النهاية تأتي وتدفعني قدما. لقد أعطتني آخرتي الصبر على الحياة، فانتظرت.
في كل دقيقة كنت أنتظر الدقيقة المقبلة لأنها كانت تشد إليها الدقيقة التي تليها. عشت هانئا في العجلة المتناهية، وطورت عادتي "السيئة": أن أحاول الاسترخاء بينما أيامي ترتجف. متقدما دائما على نفسي، كان كل شيء يستغرقني، ولكن لا شيء يوقفني. يا له من عزاء!
،،
سارتر
"الكلمات"
نص مزيج من ترجمتي سهيل إدريس عن دار "الآداب" وخليل صابات عن دار "شرقيات" مع تصرف وتعديلات وإعادة ترتيب مني، بناء على معرفتي الشخصية الأوثق بسارتر وبإذن خاص منه في مقابلة تمت مساء أمس في مقهاي المفضل في الكيت كات.
قلت له أني أتمنى دراسة الفرنسية لأعيد ترجمة "الكلمات" مرة أخرى. فابتسم وعاتبني أولا على الاهتمام برفيقه اللدود ميرلو-بونتي السنة الماضية وهنأني - جادا وساخرا- بذكرى ميلادي، ثم قال لي: "أعد ترتيب كلماتي كما تشاء، نحن متفاهمان بالكامل رغم حواجز اللغة والترجمة. متفاهمان أنه لا يجب الجزع أبدا من سوء التفاهم، لأن هذا ما لدينا دائما، فقط نكتشفه عندما تختلف خططنا".

28 October 2010

أنا ومنتصر وسارتر وتامر حسني



في مقالات هذا الكتاب يصر أحمد منتصر على الخلط بين البنيوية والتفكيكية وأشياء أخرى ويرفض نصيحتي بمراجعة ذلك، ولكن ذلك ليس مهما.

الأهم أن هناك تفاهم كبير مضمر بيني وبين منتصر، ولذلك أكتب هذه المقدمة. التفاهم لا علاقة له بالاتفاق أو بالاختلاف مع ما يكتبه ولكن بـ"كيف يفكر أحمد منتصر؟". لا أقصد الكيفية التي يفكر بها فعلا، ولكن اختياره لعبارة "كيف يفكر أحمد منتصر؟" كعنوان لسلسة كتاباته في صفحته على الفيس بوك التي كانت المسودات الأولى لمعظم مقالات هذا الكتاب.

مصدر التفاهم، المتوهم من جانبي على الأقل، تلك الروح التي تطل من خلف العبارة تعلن الاعتزاز الشديد والمفرط أحيانا بالذات وما تعبر عنه، مع بعض السخرية منها استباقا لأي سخرية مضادة وتبسطا مع الذوات الأخرى التي من حقها أن تعتز بنفسها أيضا وأن تعبر عن ذلك.

الكثير من الفلاسفة الكبار كانوا سيخجلون من اختيار عنوان لهذا. فضلا عن أن معظم دارسي الفلسفة ومدرسيها يفنون أعمارهم يحققون في أفكار الآخرين: "كيف يفكر أفلاطون؟" مثلا. وذلك سؤال- وغلاوتك عزيزي القاريء- إجابته قد تكون صعبة على أفلاطون نفسه. والنتيجة الطبيعية أن معظم المتفلسفين يظلون حتى نهاية تلك الأعمار الفانية بدون أن يعرفوا حقا وبدقة كيف فكر أفلاطون، وبالتالي يخجلون من إطلاعنا على أفكارهم هم، إن كانوا قد جرءوا على ذلك ولم يحبطهم أنهم لم يفهموا جيدا أفكار ناظر مدرستهم القديمة.

أعتقد أن هناك فارق رئيسي بين من نعدهم فلاسفة وبين من نعتبرهم مجرد دارسين ومدرسين للفلسفة، يتمثل في الجرأة على قول "أنا أقول لكم كذا". وجاهة الـ"كذا" أو عدمها موضوع آخر.

أنا ومنتصر متفاهمان بخصوص تلك الجرأة. فلا منتصر يخجل من أن يخوض في هذا الكتاب في محاولات تنظير بلغة مستهترة أحيانا بتراث التنظير قبله ولغته واصطلاحاته، ولا أنا أخجل من أن أكتب مقدمة لذلك، بل إن آخرين أيضا لم يخجلوا وكتبوا مقدمات مجاورة لنفس الكتاب.

لا داعي للخجل على الإطلاق، فأولا: الزمن وحده كفيل بإطلاعكم على الأهمية البالغة لواحد منا على الأقل. ثانيا: أن الكتب ليست تقديسا لبعض الكلام ورفعه درجة فوق باقي الكلام غير المنشور في كتب، ولا المقدمات هي الغلاف المحلّى بماء الذهب الذي يتصدر أوراق الكتاب، ولذلك فإن كلانا ليس بحاجة أصلا لتلك الأهمية.

أما ثالثا: بخصوص الجرأة على التنظير، فالأمر ببساطة يعبر عنه جان بول سارتر الذي أعتقد أن تفاهما مضمرا آخر بيني وبينه كان سببا في محبتي المفرطة له. يقول سارتر في أحد حواراته: "نحن نعرف أنفسنا قليلا جدا، ما زلنا لا ننفتح على بعضنا البعض بشكل كامل ... بينما حقيقة الكتابة أن تقول : أنا أمسك بالقلم، اسمي سارتر، هذا ما أفكر به".

لا أعتقد أني أكن تقديرا كبيرا لهؤلاء الكتاب الذين يكتبون مشيرين إلى البعيد محاولين أن يمنحوني معرفة "موضوعية" بالعالم والإنسانية. أنا أقدر أكثر الكاتب، أو أي مؤلف ومبدع، عندما أشعر أنه يشير إلى نفسه لأنه سيحاول أن يمنحني معرفة أعمق بذاتيته، يكشف لي بوضوح أكثر عن نفسه، عندما أشعر أنه يقول ببساطة: أنا اسمي سارتر – أو تامر حسني - وهذا ما أفكر به. عندما يحاول أن يفسح قليلا، أو يقترب كثيرا، لأشاركه رؤية العالم والإنسانية من منظور موقفه الوجودي المتفرد.

آه! بخصوص الوجودية والتفكيكية والبنيوية والبراجماتية والماركسية والمثالية والمادية، وكل ذلك الكلام الكبير الذين يتحدث عنه منتصر هنا وهناك في مقالاته. فأنا أنصح القاريء أن يعود إلى كتابات رموزها إن كان لديه وقت ويريد أن يعرف ماذا كانوا يقصدون حقا بهذه المصطلحات. ولكن إن كان القاريء غير مهتم ويريد فقط أن يعرف كيف يفكر أحمد منتصر، لأنه يشاركنا - أنا وسارتر وتامر حسني - تقديره لهذا النوع من التعبير الوجودي، فسيعرف من خلال هذا الكتاب.أنا أقدر في منتصر صراحته وجرأته وطريقة تعبيره "الحقيقية" وفق ما يقوله سارتر عن "حقيقة الكتابة". انظر كيف يحدثنا منتصر عن طريقة خداعه لنا وعن تفاصيل مؤامراته البراجماتية خلف قناعاته المعلنة، رغم أن الإفصاح عن ذلك ليس براجماتيا أبدا. كيف يمكن أن أكون ممتنا أكثر يا منتصر؟

مممم .. كنت سأكون ممتنا أكثر لمنتصر لو أنه لم يعد صياغة كتاباته الأكثر عفوية التي نشرها على الفيس بوك في قالب المقال الأكثر تقليدية. وأنا نصحته بالرجوع عن ذلك ولكنه لم يسمع نصيحتي.


مقدمة كتبتها قبل أسابيع لكتاب أحمد منتصر "ربنا يهديك" الذي صدر قبل أيام

24 July 2010

الاعتداء على صورتنا


,, صور التعذيب كانت في الغالب، أثار لكدمات، جلد محترق، جثث مشوهه. أو فيديوهات تقدم الوقائع لمشهد ضابط يضرب مواطنا على قفاه، أو يضع جسم ما في مؤخرته. مشاهد بشعة بالتأكيد لكن التكرار أضعف من أثرها. أصبحت صور معادة ومكررة مثل صور ضحايا التفجيرات في العراق، أو القصف الإسرائيلي لغزة.
أما حالة خالد سعيد فقد كانت استثناء لما سبق. لم يكن هناك فيديو، كما أن الأمر المؤثر أكثر لم تكن صورة جثة خالد بعد الضرب وتشريح الطبيب الشرعي الذي قال أنه قد مات نتيجة الاختناق. كانت الصورة الأكثر تأثيراً صورة خالد قبل الحادثة كشاب وسيم لا يزال في بداية حياته يبتسم متفائلاً. المسافة بين الصورتين كانت هي الأكثر تأثيراً. حالة خالد سعيد كان نقلة جديدة في عصر الصور الذي نعيش فيها، فالصورة هنا لا تلعب على مساحة الكشف بل على مساحة الخيال. تترك الصورتين المساحة للمشاهد ليتخيل بشاعة ما حدث، لهذا كان أثر حادثة خالد أقوى من أثر حالات التعذيب الأخرى. ولهذا كان اهتمام الإعلام بقضية خالد أقوى من اهتمامه ببقية قضايا التعذيب حتي تلك التي تكشفت بعد حادثة خالد،،

,, ليس استخفافا بالموت، ولكن وجه خالد سعيد الجذاب في الصورة أظهر جانبنا الأسوأ. استمر التعذيب المنهجي في مصر لعشرين عاما أو أكثر ولكنه كان دائما موجها ضد "هوامشنا". ضد هؤلاء الناس الذين لا نعتبرهم فعلا"ناس": فقراء العشوائيات، الجانحين، أطفال الشوارع، العاهرات والإسلاميين الجهاديين.
حالة خالد سعيد فقط هي التي أثبتت "أننا" يمكن أن ننزلق في أي لحظة لنواجه مصير "هوامشنا" ،،

14 January 2010

الشاعر يذهب إلى البحر





(1)

كل صباح ٍ
أفكر أنه الآن..



سأقوم الآن و أبدّل ملابسي
أختار كتابا
أصنع شايا و أشربه
أحشو جيبي بالنقود
و أترك ورقة لمن يهمه الأمر
على طاولة السفرة ْ



ذلك أنه في صباح ٍ عادي ٍ
في يوم عادي ّ
في منتصف الأسبوع
أكون فيه عادة في المدرّج
أستمع إلى تمثال نصفي
يشرح دورة حياة التماثيل النصفية
أو مصلوب على عمودي الفقريّ
أتأمل صنيع المخلوقات اللا مرئية
بمهندس الكوكب
سأكون عند البحر..
أبلل قدمي بالماء
و أكتبُ


كل صباحٍ ..
تذوي روحي على حافة المدرّج
أتقيأ روحي على باب المدرّج
ثم أسير فارغا بقية اليوم..


(2)

قال الشاعرُ
_ الذي يرغب في أن أكون شاعرا _
" كم شاعرا تقابل في الطريق..؟
إذن..
كم طبيبا تفكر فيه حين تسعل فجأة ؟
لا مقارنة يا صديقي
انضم إلى القبيلةِ
لا تنضم إلى الجميع... "


يقول أبي
_ الذي يفضل أن أكون طبيبا _
" الأطباء ينامون مبكرا
و يأكلون الخُضَر
الأطباء مهذبون و حليقو اللحية و وسيمون
كن طبيبا
ثم كن بعدها أي شي ء آخر... "


يقول المعنيّ بالأمر..
_الذي يفضل أن يكون نائما على ظهره الآن
يبلل رأسه الموج _ :

" دعوني الآن قليلا..."

(3)


الآن عليّ أن أذاكر شيئا
عن كرات الدم الحمراء
بينما أكتب ذلك..


كرات الدم الحمراء
التي كان من الممكن أن يخلقها الله بنفسجية ْ
فيسير الناس في الطريق
بوجنات زرقاء..
و تلمع عيونهم بضوء داكن ٍ
و ينزفون من جروحهم الصغيرة
بقعاً بنفسجية مبهجة ..


كان سيقول الشعراء :
آه يا قلوبنا البنفسجية ْ
يا شقيقات الورد البنفسجي
و كان سيكون بابا ضخما
في كتاب أمراض الدم
ذلك الذي يحكي عن كرات الدم البنفسجية..
فلا أكون الآن متوترا
من أي كرات حمراء في هذا الكون
تهرول ورائي كالذنب الصغير
صاعداً في القصيدة..



كرات الدم الحمراء
التي لو كان الناس يشترون القصائد
كعلب الدواء
المكدسة في الدرج وفوق الكومودينو
لكنت الآن
لا أعرف عنها أي شيء
ولا أود
فقط أذهب إلى البحر
أغمرُ قدمي في الماء
و أكتبُ..


(4)

حين أكتب الشعر
حين أدرك أنني أكتب الشعر
حين أفكر أنني أدرك أنني أكتب الشعر
فيندفع الضوء الأزرق
في الشعيرات الدموية الكثيفة
في رأسي ..
و أتحسس اللذة..
التي تتصاعد ُ كمنسوب النهر
إلى حافة القلب السفلى
ثم تغمره تماما


أعرفُ يقينا..
أنني قبلا لم أكن أعلمُ من اللحظة
لم ركب الله بين رئـتيّ قلبا
ثم قال : عِش ْ


وأعرف ما الذي جعل كل هؤلاء
_ كفافيس..
و ناظم حكمت..
و السيّاب.. _
يقفزون إلى عربة القطار الأخيرةِ
الذاهبة إلى البحر..


يلوحون للواقفين على الجانبين
جوار حقائبهم الثقيلة المعتمة..
يلوحون
و يصيحون...


أريد أن أذهبَ إلى البحر..
أريد أن أذهبَ إلى البحر...

(5 )


الشاعر..
هو الذي تفوته كل المحطات
ليصل إلى محطة واحدة
لم يقصدها
فيقفز إليها بغتة ْ
الراكب في القطار الخطأ
إلى المدينة الخطأ
و يلوح للناس من النافذة ْ
المتمني في روحه
لو تتحول الساعات إلى آنية للسمك
يروح و يجيء فيها الوقت بسَكِينة ْ
فلا يخاف من الفقد


الشاعرُ ..
وددت لو أقابله
سأصافحه و أشدّ على يديه
أطلب توقيعه
ثم اكتب هاتفه على راحتي
الشاعر..
الذي لا يشبه الشعراء
الذين لا يشبه كل منهم الآخر
أفكر فيه كثيرا
كلما فكرت في أحدهم
يسافر إلى الإسكندرية صباحا
بدلا من المدرّج
يبلل قدميه
و يغني..


(6)


أريد أن أذهب إلى البحر..
هذا فقط ما أطلبه من الجميع
لن يصابَ أحد بسرطان الرئة
لن تصابوا بالجذام
لست طبيبا..
فقط دعوني أذهب إلى البحر



أريد أن أذهب إلى البحر
من ديوان "عن الكائنات النظيفة"
ميريت 2010



6 ب شارع قصر النيل بجوار سينما ومسرح قصر النيل - وسط القاهرة

31 July 2009

شويكار



السيدة
بوسعها ان تخفض رأسها
إذا ما قال لها الحبيب القديم على الهواء
"وحشتيني"
بعدما تخطت الستين بعقد ونصف.
تطرق برأسها
كيلا نلمح، نحن المشاهدين الأشرار،
الحيرة الممتزجة بالخجل
في عينيها،
لكن المخرج الشاب
يفسد اللحظة الفاتنة
بمشاهد الأبيض والأسود
حيث السيدة يافعة جدا
وجريئة
تعرف كيف تقول لحبيبها
"خذني"


06 July 2009

هل هي خطوات نحو حافة الهاوية ؟


ماحدث في إيران لا يمكن اختزاله في صدام بين إصلاحيين ليبراليين موالين للغرب وبين محافظين أصوليين معادين له، أو بين مرشح الفقراء ومرشح الطبقة الوسطى. ولكنه "عودة المكبوت" بعد أن أغلق النظام الإسلامي في إيران طاقة المشاركة الشعبية الخلاقة التي أبدعت في إنجاز الثورة الإيرانية.
هكذا قرأ سلافوي جيجيك الأحداث الإيرانية الأخيرة في مقاله التالي، الذي أراه جديرا بالقراءة والنقاش. وأشكر الصديق سامح سمير على ترجمته إلى العربية.
لا يمكن فهم موقف جيجيك إلا على خلفية انتقاده لأنماط الديمقراطية الليبرالية التي توفر انتخابات دورية ولكن تتقلص فيها روح المشاركة الشعبية إلى حد أدنى بشكل يجعله متعاطفا مع "العنف الشعبي"، ويجعله يرى في كل من بيرلسكوني ونجاد نموذجا للفاشي الشعبوي ولو وصل إلى السلطة بانتخاب "ديمقراطي".
لم يسهب جيجيك في هذه النقطة، ولكني أظن أن زاوية تناوله تفتح الباب لأسئلة ضرورية عن علاقة كل نظام ديمقراطي بمعانيه الأساسية: المشاركة وما يلزمها من الحريات. وكيف يمكن أن تفرغ سلطوية "إجراءات ديمقراطية" معنى وروح الديمقراطية في نظام ليصبح مثل القط الذي يمشي فوق هاوية. خاتمة المقال توضح أن جيجيك يرى أن هذه الأزمة ليست فقط إيرانية.

هل يسقط القط الواقف على حافة الهاوية؟

سلافوي جيجيك
ترجمة: سامح سمير

عندما يدنو نظام شمولي من أزمته النهائية فإن تحلله، كقاعدة عامة، يتم على مرحلتين. قبل أن يسقط فعليا يحدث انقطاع غامض: فجأة يدرك الجميع أن اللعبة قد انتهت، ببساطة لم يعد يخيفهم شيء بعد الآن. لا يفقد النظام القائم شرعيته فقط بل إن نمط ممارسته للقوة يتخذ المظهر العاجز لرد فعل مذعور.
نحن نعرف جميعا هذا المشهد الكلاسيكي من عالم الكارتون: يصل القط إلى حافة الهاوية لكنه يستمر فى السير متجاهلا حقيقة عدم وجود أرض تحت قدميه، ولا يبدأ في السقوط إلا حين ينظر لأسفل و يرى الهاوية.
عندما يفقد النظام سلطته يغدو كقط على حافة الهاوية: لكي يسقط يجب فقط تذكيره بالنظر لأسفل . في "الشاهنشاه"- والذي يعتبر شهادة كلاسيكية علي الثورة الخومينية - حدد " رزار كابوسنسكي " بدقة لحظة هذا الانقطاع : في مفترق طرق بطهران رفض أحد المتظاهرين أن يتزحزح من مكانه عندما صاح به شرطى كي يتحرك، فما كان من الشرطي الذى أسقط في يده إلا أن انسحب ببساطة .
في خلال ساعات قلائل كانت طهران بأكملها على علم بالواقعة وعلى الرغم من المعارك الدائرة في الشوارع على مدى أسابيع أدرك الجميع بشكل ما أن اللعبة قد انتهت. هل يحدث الآن شي مشابه لذلك؟
ثمة العديد من الروايات للاحداث الجارية فى طهران . البعض يرى في هذه الاحتجاجات تتويجا لجهود حركة الإصلاح الموالية للغرب على غرار الثورات البرتقالية في أوكرانيا و جورجيا .. إلخ، رد فعل علمانى ضد ثورة الخوميني. ويؤيدون الاحتجاجات باعتبارها خطوة أولى نحو ايران جديد ليبرالي - ديمقراطي علماني خال من الأصولية الإسلامية.
فى المقابل ثمة متشككون يعتقدون، علي العكس امن ذلك،أن أحمدي نجاد قد فاز بالفعل: إنه صوت الأغلبية في حين ن موسوى يعتمد علي دعم الطبقات الوسطى وشبابها المضلل. باختصار: فلنكف عن الأوهام و لنواجه حقيقة أن ايران قد عثرت مع أحمدى نجاد على الرئيس الذى تستحقه.
وثمة هؤلاء الذين لا يعولون كثيرا على موسوي على اعتبار أنه مجرد عضو في مؤسسة رجال الدين لا يميزه عن أحمدي نجاد سوى فروقات شكلية: فموسوى يعتزم أيضا مواصلة البرنامج النووى، و هو ضد الاعتراف بإسرائيل بالإضافة إلى تمتعه بالدعم الكامل للخوميني عندما كان يشغل منصب رئيس الوزراء خلال سنوات الحرب مع العراق.
وأخيرا، فإن أكثر هذه المواقف إثارة للأسى هو موقف اليساريين المؤيدين لأحمدى نجاد: ما يعنيهم في المقام الأول هو استقلال إيران. لقد فاز أحمدي نجاد بالانتخابات لأنه دافع عن استقلال البلاد، فضح فساد النخبة، واستخدم عوائد النفط لتحسين دخول الأغلبية الفقيرة.
هذا هو- هكذا يقال لنا- أحمدي نجاد الحقيقي خلف الصورة التى يروجها الإعلام الغربى، صورة المتعصب الذى ينكرالهولوكست.
إن ما يحدث بالفعل في إيران الآن، طبقا لتلك الرؤية، هو تكرار لانقلاب 1953 ضد مصدق: انقلاب ممول من الغرب ضد رئيس شرعى .
هذا التوصيف لا يتجاهل الحقائق فقط : النسبة المرتفعة للمشاركة الانتخابية - قفزت من نسبة 55% المعتادة الي 85%- لا يمكن تفسيرها إلا كتصويت احتجاجى.
بل هو يعكس عجزا بالغا عن إدراك مثل هذا التجلي الأصيل للإرادة الشعبية، مفترضا باستعلاء أن احمدي نجاد هو الشخص المناسب تماما لقيادة الشعب الإيراني المتخلف الذى لم ينضج بعد بما يكفى كي يحكم بواسطة اليسار العلمانى.
بالرغم من التعارض القائم بينها، تتفق هذه التفسيرات كلها في قراءتها للا حتجاجات الايرانية من خلال محور الإسلاميين المتشددين في مقابل الإصلاحيين الليبراليين الموالين للغرب مما جعلها تجد صعوبة بالغة فى تحديد موقع موسوى : هل هو إصلاحي مدعوم من قبل الغرب يرغب في منح المزيد من الحريات الشخصية واقتصاد السوق ، أم هو عضو في مؤسسة رجال الدين لن يكون لفوزه، حال حدوثه، أى تأثير جدي على طبيعة النظام؟
يؤشر هذا الـتأرجح الشديد بكل وضوح على قصور هذه القراءات جميعها عن إدراك كنه هذه الاحتجاجات.
فاللون الأخضر الذى يتخذه أنصار موسوى شعارا لهم و صيحات "الله أكبر" التي تتعالى من فوق أسطح المنازل بطهران في ظلام الليل تشير بوضوح إلى أنهم يرون فى ما يقومون به تكرارا لثورة الخومينى عام 1979، عودة لجذورها، و تصحيحا لما اعتراها من فساد فيما بعد .
لا تتعلق تلك العودة للجذور بالبرنامج فقط، بل تتعلق أكثر بنمط فعالية الجماهير: الوحدة المتينة للشعب، تضامنهم الشامل، التنظيم الذاتى الخلاق، ارتجال أساليب للتعبير عن الاحتجاج، المزج الفريد بين التلقائية و الانضباط، على سبيل المثال المسيرة الرهيبة التى ضمت آلافا من البشر يسيرون في صمت تام.
نحن بصدد انتفاضة شعبية أصيلة للذين غرر بهم من أنصار ثورة الخومينى. ثمة نتائج بالغة الأهمية يمكن استنباطها من هذه الرؤية. أولا، أحمدى نجاد ليس بطلا شعبيا للفقراء المسلمين بل هو إسلاموي-فاشستي شعبوى فاسد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
النسخة الإيرانية من بيرلسكونى، يجمع في مزيج فريد بين سلوكيات بهلوانية وسياسة القوة الخشنة ويسبب حرجا حتى للغالبية العظمى من آيات الله. علينا ألا ننخدع بما يقوم به من توزيع ديماجوجي للفتات علي الفقراء: لا يوجد خلفه أجهزة قمع بوليسى و جهاز علاقات عامة علي النمط الغربي فقط، بل أيضا طبقة قوية من الأغنياء الجدد تعتبر افرازا طبيعيا لفساد النظام.
(الحرس الثوري الايراني ليس ميليشيا للطبقة العاملة بل مؤسسة عظمي، أقوي مراكز الثروة في البلاد)
ثانيا، يتعين علينا أن نفرق بوضوح بين المرشحين الرئيسيين ضد أحمدى نجاد: مهدى كروبى و موسوي.
فكروبى إصلاحى بكل ماتحمله الكلمة من معنى، يطرح بصفة أساسية النسخة الإيرانية من سياسة الهوية ويتعهد بمراعاة مصالح كل الجماعات الخاصة.
الأمر مع موسوي مختلف كلية، فاسمه يقترن بمشروع إعادة إحياء - بكل ماتحمله الكلمة من معنى- للحلم الجماهيرى الذى ساند ثورة الخومينى. حتى وإن كان هذا الحلم محض يوتوبيا، علينا أن ندرك ما ينطوى عليه من يوتوبيا أصيلة للثورة. ما يعنيه ذلك هو أنه لا يمكن اختزال ثورة الخومينى عام 1979 الى مجرد تولي متشددين إسلاميين مقاليد السلطة، لقد كانت أكثر من ذلك بكثير.
لقد حان الوقت كي نتذكر الفوران العظيم للعام الأول الذى تلا قيام الثورة و ما صاحبه من تفجر، يحبس الأنفاس، في الإبداع السياسى و الاجتماعي و التجارب التنظيمية و المناظرات التى كانت تعقد بين الطلاب و الناس العاديين. وحقيقة أن هذا التفجر قد تعين كبته دليل واضح على أن ثورة الخومينى كانت حدثا سياسيا أصيلا، انفتاحا لحظيا أطلق قوى تحول اجتماعى- لم يسمع بها من قبل - من عقالها لحظة " بدا خلالها كل شيء محتملا".
ما حدث بعد ذلك كان بمثابة إغلاقا تدريجيا عبر تولى "مؤسسة الإسلام" مقاليد السيطرة السياسية. بمصطلحات فرويدية تمثل الاحتجاجات الراهنة "عودة المقموع" فى ثورة الخومينى.
أخيرا و ليس آخرا، ما يعنيه هذا هو أن الاسلام ينطوى علي طاقة تحريرية – لسنا بحاجة إلى العودة الي القرن العاشر كي نعثر على الإسلام "الجيد"، فهو حاضر هنا أمام أعيننا.
وأن المستقبل غامض، وأغلب الظن أن القوى المسيطرة سوف تتمكن من احتواء الانفجار الشعبى والقط لن يسقط في الهاوية بل سيتمكن من استعادة الأرض تحت قدميه . و مع ذلك فالنظام لن يكون هو ذاته بعد الآن بل مجرد نظام أوتوقراطي فاسد بين آخرين .
أيا كانت النتائج فإنه لمن الأهمية بمكان أن نعي أن ما نشهده الآن هو حدث تحريري عظيم لا يمكن استيعابه في إطار الصراع بين الليبراليين الموالين للغرب والأصوليين المعادين للغرب.
لو أننا - بسبب من براجماتيتنا العدمية- فقدنا القدرة على إدراك هذا البعد التحريرى إذن فنحن- فى الغرب- مقدمون بالفعل على عصر مابعد –ديمقراطي وعلينا أن نستعد من الآن لاستقبال نسخنا الخاصة من أحمدى نجاد . الإيطاليون يعرفون اسمه بالفعل: بيرلسكونى. الآخرون ينتظرون فى الطابور.

--------
* سلافوى جيجيك: فيلسوف و عالم اجتماع ماركسى ولد عام 1949 فى سلوفينيا . اشتهر بتوظيفه لأعمال عالم النفس الفرنسى الشهير جاك لاكان فى إعادة قراءة منتجات الثقافة الجماهيرية . كتاباته تشمل مجالات عديدة وتغطي حقول معرفية متعددة من فلسفة وعلم اجتماع و نقد ثقافى وتحليل نفسى . كتب في العديد من الموضوعات مثل الحرب على العراق والأصولية والرأسمالية والتسامح والعولمة وحقوق الانسان و مابعد الحداثة و التعدد الثقافى ، و يصف نفسه كمفكر شيوعى ماركسى . أهم مؤلفاته "شيء الأيديولوجية السامى" الذى أكسبه شهرة عالمية .
** الصورة من
Andy Miah .

22 June 2009

لنناقش أهمية الهواء




’’ بنى اليسار الشعبوي سورا عاليا بين النضال من أجل الديمقراطية والكفاح ضد الإمبريالية، حيث تم إخضاع الأول لصالح الثاني واعتبر الكفاح ضد الإمبريالية أولوية. وعموما أجاد " آية الله المناوئ للإمبريالية" فعل ذلك جيدا فأصبحت المعركة من أجل الحريات في الشوارع والجامعات والمصانع - والتي فى جوهرها معركة ضد الحكام الإسلاميين- تلهي، بل وتعوق، الكفاح ضد الإمبريالية و أصبح علينا أن نضحي بكل شيء في سبيل كفاح مزيف ضد الإمبريالية يديره في القمة الحكام الإسلاميون لإيران.

لكن حتى هؤلاء الذين لم يقتنعوا بهذه الفرضية خففوا من حدة النضال الديمقراطي. لذا أدار اليسار رأسه للجهة الأخرى عندما خرجت النساء بالآلاف في يوم المراه العالمى الاول بعد الثورة (مارس 1979) في مسيرة ضد اشتراط ارتداء الحجاب لدخول المكاتب الحكومية : فبعد كل شيء ما هؤلاء بالنسبة لهم إلا نساء "معطرات" مدللات من الضواحي الأغنى . كذلك صمت اليسار مرة أخرى بعد أشهر قليلة عندما نهب مجموعة من البلطجية مكاتب صحيفة أيانديجان اليومية، فهي صحيفة "ليبرالية" وبالتالي لا علاقة لنا بها. في خلال سنة تم كذلك إغلاق صحف تقدمية مثل بختار إيمروز، وفي النهاية تمت تصفية صحافة اليسار السرية ودخل المشهد الصحفي الإيراني في ظلام كامل لخمس عشرة سنة.

اعتبر اليسار أن الديمقراطية السياسية تنتمي للبرجوازية، و عصر "الثورات البرجوازية" في أحسن الأحوال ما هو إلا سلم يقود للاشتراكية. الحريات الشخصية مثل حرية التعبير مطالب "ليبرالية" يمكن تجاهلها أو تحملها –في الوقت الحاضر- ولكنها ليست على رأس أجندة الأولويات، وبالفعل استعمل لفظ "ليبرالي" للاستهجان، كأنه سُبة. أما الملالي "المناهضون للإمبريالية" فكانوا أفضل كثيرا بالنسبة لليسار ، وهكذا حفر اليسار قبره بيده جراء ذلك التصنيف

الديمقراطية والحريات السياسية، بما فيها الحريات الفردية، هي الهواء الذي يتنفسه اليسار ‘‘

لا ينقص الكلمات السابقة لكي تكون معاصرة جدا إلا فتح قوس بعد اليسار الشعبوي في أول جملة ليضم أيضا معظم التيارات القومية والإسلامية ونخبها التي تزدري الآن احتجاجات الشباب الإيرانيين من الطبقة الوسطى والمدن، لأنها لا تنتمي لحركة جموع الفقراء في الريف والأقاليم ولأنها في مواجهة أحمدي نجاد المقاوم الشرس للغرب وأمريكا.
توجيه اللوم تحديدا لبعض فصائل اليسار يرجع إلى أن هذه الملاحظة كتبها - كنوع من المراجعة ذاتية - مهدي كيا، الكاتب والناشط اليساري الإيراني، عام 1999 في مقال بعنوان "دروس من الثورة الإيرانية"، وترجمته مريم النقر ونشر في العدد الخامس لـ"البوصلة" تحت عنوان "ثمانية دروس لليسار من الثورة الإيرانية".


21 June 2009

أبعد من نجاد وموسوي

بدلا من الاستسلام للدعاوى التي تنظر لما يحدث في إيران وتتذرع بالشرعية الشعبية لنجاد، متناسية سياق هذه الشعبية، أوشرعية مقاومته للغرب والإمبريالية، متناسية الهدف الأصلي من هذه المقاومة، يطرح الصديق محمد نعيم القناوي - في ما كتبه سريعا كملاحظة على صفحته على الفيس بوك - نقاطا موجزة وبعض المعلومات المنسية أو التي يتم تجاهلها ويقترح أن نضعها في اعتبارنا لرؤية صورة أوسع .

لنتمهل ونتأمل المشهد في إيران

في الشأن الإيرانى، قد ينسى الكثيرون من اليساريين والتقدميين والوطنيين التقليديين الحقائق القديمة والبسيطة عن معنى أن تمضي حياتك تحت حكم الإسلاميين، لأنهم لم بدركوا أبدا تبعات أن تولد وتشب تحت نير حكم كهذا.

فى ظل حكم تلك النظم تكف كأحد أبناء الطبقة الوسطى من تلقاء نفسك عن تذكر فسادها، لأنك تناضل يوميا فى مواجهتها من أجل لون لباسك أو طول شعرك أو شكل حجابك أو نوع الموسيقى التي تهواها.

تفاصيل الحياة اليومية بطعم القهر والوصاية. شوارع شمال طهران نظيفة وآمنة ولكنها آمنه ضد الجميع . المجال العام مغلق إلا فى ستاد آزاد الدولي الممنوع على النساء دخوله قانونا، والمتنفس إن وجد - وقطعا هو لفئات بعينها- لا يتعدى الحفلات الصاخبة داخل المنازل لأبناء الطبقة الوسطى، وأحيانا لا تكتمل إلا برشوة منتسبى الحرس الثورى الإيرانى كي لا يقتحموا المكان بحجة اختلاط الجنسين فى خلوات غير شرعية عقوبتها تتفاوت بين الغرامة والجلد والسجن.

الطبقة العاملة في إيران تعيش وحيدة وتموت وحيدة وتبعث وحيدة. وما تلاقيه من قهر تجاوز حتى حدود معرفته.
منذ عام ونصف نظم عمال النقل العام فى إيران إضرابا استمر أسبوعين، رفعوا خلاله شعارات مستجدية من نوع: انصفونا فنحن أبناء الثورة الاسلامية أيضا، ومن نوع اشفع لنا يا خمينى من الآخرة. ثم أعدم ثلاثة من قادة الاضراب!
ترى هل يتذكر أحد ؟ عفوا! هل عرف أحد ؟

هل يعلم الكثيرون أن رواتب العاملين فى جهاز الدولة فى إيران أضعاف أقرانهم فى القطاع الخاص . هل تناسى البعض أن إيران بلد بترولي سخي الانتاج شأنه شأن السعودية، وأن المنتسب للجهاز الحكومي فى بلد بترولي "مؤمَّم البترول"، هو من فئة الناجين من عذاب الدنيا فى بلد نامٍ .
هولاء هم من يدعمون أحمدي نجاد باللباس المدني و المسدسات والرصاص الحي فى الشارع، كما دعموا شاه إيران بنفس العنف من قبل، قلة محظوظة وفية لنظام يرفعها ماديا وحياتيا بما لا بقاس بعموم الناس. نفس القلة القادرة - ولكن بدون مرتبات مجزية هنا - على تعبئة الريفيين البسطاء بخمسين جنيها مقسومة نصفين أو بوجبة أو فرصة عمل موعودة فى المجالس البلدية . تلك هى الآلية فى إيران، وشدة شبهها بمصر هو ما يجعلنا نتأمل ما يدور هناك، فهى الدولة الكبيرة الاخرى فى الشرق الاوسط.

اختزال الأمر فى مظاهرات ناتجة عن دعاوى تزوير فى انتخابات رئاسية بين عدة مرشحين هو بلاهة مقصودة.
فموسوي أو ما يسمى بالإصلاحيين فى إيران يرتجفون خوفا من إحكام سيطرة المركب العسكرى " الحرس الثورى والباسيج " على منظومة السلطة الايرانية. يرتجفون لأن العسكر قد يقدموهم كبش فداء فى سلسلة مسرحيات ضرب الفساد والمفسدين فى مصالحة مع قطاعات من الجماهير باسم قطع أيدى سارقى قوت الشعب، وهم كذلك بالفعل.
هولاء العسكر يريدونه حكما كالذى تعلمونه جميعا تعلمونه جيدا وبدون أى هوامش حركة من تلك التى سئمنا حتى كراهيتها فى مصر.

الذين يقتلون فى الشوارع أخذوا مسألة التزوير ضد موسوي مطية، الأمر تخطى موسوي الذى طالب قبل أيام مؤيديه بعدم المشاركة فى المظاهرات، فنزل مئات الآلاف بعد ساعتين! الإيرانيون ببساطة منفجرون والسلطة الاسلامية الجهول أكثر غباء وغرورا من أن تقدم تنازلات، وسوف تراهن على الوقت.

العجيب أن بعض ممن يخشون وصول التيار الإسلامي للسلطة فى مصر يؤيدون أكثر تياراته رجعية داخل مركب السلطة فى إيران، ولم لا ماداموا هناك يصحنون كفوفهم ويخرجون لسانهم للولايات المتحدة، وسحقا للشعب الإيرانى فله رب يحميه، وليعانى هو الآخر فلماذا ننفرد نحن بالمعاناة!

من ينظر لتطور الاحداث بروح المتابع لمناكفة انتخابية عليه أن يتمهل . من يرى أحمدى نجاد رئيسا منتخبا وأن انصار موسوى يريدونها ثورة برتقالية على غرار أوكرانيا فليضحى بالقليل من وقته على ويكيبيديا، ليتعرف على المعلومات الأساسية عن نظام الحكم فى إيران.
ومن يتناسى أو يتنطع فليتذكر 40 ألف حكم بالاعدام على مناضلين يساريين ومثقفين تقدميين، فليتذكر أن احمدى نجاد ومير حسين موسوي كلاهما- وهما فى ريعان شباب سلطتهما- عطلوا الدراسة بالجامعات الإيرانية 4 سنوات من عام 1980 الى 1984، حتى لا تتسرب إليها عناصر غير اسلامية، فلنقرأ ونتأمل و نتمهل حينها قد نتفاعل.


17 June 2009

منطق الإمبراطورية

المزيد من الكلام عن زيارة أوباما وخطابه ربما يكون مملا أو سيبدو كمبالغة في تقدير أهميتهما. ولكني أدعوكم إلى استثناء مقال شريف يونس عن "المنطق الإمبراطوري" والمنشور في العدد الأخير من أخبار الأدب. فهو ينقل مفهوم "الإمبراطورية الأمريكية" من مجاز انتقادي أو تهويلي إلى أداة لتحليل وفهم التحول من سياسات الصدام البوشية إلى السياسات الاحتوائية لأوباما. كما أنه يقدم ما أراه أفضل تحليل لتفضيل أوباما توجيه خطابه إلى "العالم الإسلامي" تحديدا، ودلالات ذلك.

منطق الإمبراطورية

شريف يونس

وجه أوباما خطابا سياسيا مهما، يتناول الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية المقبلة فى "الشرق الأوسط الكبير" وأشياء أخرى، إلى كيان عام هلامى يسمى المسلمون، أو سكان البلدان الإسلامية. لماذا يتجه رئيس أقوى دولة فى العالم لإلقاء خطاب "علاقات عامة"، كما أسماه البعض، غير موجه لرئيس الدولة المصرية، ولا لمجموع الرؤساء العرب، أو رؤساء "الدول ذات الأغلبية المسلمة"- بتعبير أوباما، ولا لمؤسسات إسلامية بعينها؟ ولماذا قوبل هذا "التخطى" بارتياح وسُمح به أصلا؟

هذا حدث لا يمكن فهمه بغير وضع مجموعة من الاعتبارات الخاصة بالمنطقة ووجود الولايات المتحدة فيها، فى العراق وغير العراق. أهمها أن ما يُعرف بالإرهاب الإسلامى لم يكن بمبادرة من حكومات فى المنطقة، بل من بعض سكانها. وأن أعمالهم لقيت نوعا من الاستحسان، ولو المتحفظ أو المشروط، من قبل قطاعات واسعة، كضربة موجهة للولايات المتحدة، راعية إسرائيل. من وجهة نظر أمريكية، هذه الظاهرة لا يمكن مواجهتها بمجرد الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لبعض النظم الحاكمة فى المنطقة مقابل تعاونها. بعبارة أخرى.. لقد دخل الرأى العام فى المنطقة بقوة إلى ساحة السياسة الأمريكية، وبالتالى أصبح قوة يجب على الولايات المتحدة أن تتعامل معها.

منطق بوش فى المواجهة لم يكن سوى منطق المنتصر فى الحرب الباردة، الذى يعيب على غيره من التيارات السياسية فى الولايات المتحدة عدم اقتناص الفرصة وترسيخ سيطرة أمريكية عالمية. وأتت أحداث 11 سبتمبر لتقدم له تحديا وفرصة فى نفس الوقت لتجربة هذا النهج. غير أن التحدى كان أكبر من منطقه الدولتى (غير الإمبراطورى، وسنرى الفرق لاحقا). فكما ذكرنا، لم يأت التحدى من الحكومات، حتى يمكن قهرها. بحثا عن حكومة، وجد بوش فى عراق صدام نموذجا صالحا، فنهشها نهشة قاتلة. ولكن التحدى لم يأت أساسا من الحكومات، وهكذا واجه بوش، مرة أخرى، بعد "انتصاره"، جماعات مسلحة وراءها رأى عام ساخط يحميها، ويستحيل تحطيمها تحطيما تاما، وتنتهز دول مختلفة الفرص لزيادة مشاكل الولايات المتحدة بتدعيمها. باختصار أصبح الرأى العام فى المنطقة قوة على درجة من الاستقلال، بما اجتذب أطرافا مختلفة سعت لاستعماله فى الصراعات الدولية (مثلا جهود الدولة المصرية فى إثارة قضية الرسام الدانمركى بعد نشر الرسوم بستة شهور كهجوم مضاد على الضغوط الغربية).

أدركته الإدارة "البوشية" قضية صعود الرأى العام الساخط بقوة بعد أن استمرت مصاعبها بعد تحطيم حكومتى طالبان وصدام، ولكن استجابتها كانت الضغط على الحكومات المعنية لإفساح مجال للرأى العام والمعارضة، لامتصاص السخط. ولكن الصيغة التى تم بها "دفع" قضية الديمقراطية انطوت على تحدٍ للنخب الحاكمة المحلية، ولم تثر أى تعاطف واسع فى المنطقة. فقد بدت الديمقراطية فى التصور "البوشى" كمجرد مصلحة أمريكية خاصة لا تعنيها بأية درجة مصالح الشعوب نفسها. وبالتالى أثارت عداء النظم المحافظة فى المنطقة، وأتاحت لكل القوى المعادية النفخ فى العداء للولايات المتحدة، ليس فى المنطقة فحسب، بل فى كثير من أنحاء العالم الأخرى.

سياسة أوباما بنت تحالف مختلف فى المجتمع الأمريكى، جاء به إلى السلطة. وبالتالى كان من الطبيعى أن يأتى خطابه متحررا من الافتراضات البوشية، وجديدا بشكل نوعى (دون أن يعنى هذا أنه لم يستفد من انتصارات بوش). النقطة الجوهرية هى أن خطاب أوباما خطاب إمبراطورى، بالمعنى العميق للكلمة. الإمبراطورية تختلف جوهريا عن الدولة القومية، فهى تقوم وتستمر وتقوى على مراعاة واحترام التوازنات المحلية، والتصرف كنوع من الحكم المقبول فى النزاعات. كل إمبراطورية تقوم على مجموعة رئيسية من السكان (الأموية على عرب الجزيرة العربية، العباسية على الفرس فالترك، مثلا)، ولكنها لا تحكم بغير تعاون المجموعات السكانية الأخرى، ونخبها المحلية. لهذا السبب تقبلت الحكومة المصرية، وغيرها من الحكومات التى خاطب أوباما شعوبها مباشرة هذا "التخطى" لها، بغير أن تشعر بأنه يمثل أى اعتداء على سيادتها. فالإمبراطورية المطروحة توافقية.

ولكن لماذا حظى الخطاب الجديد أيضا بالقبول على نطاق واسع من الجمهور نفسه، المستهدف الأساسى به؟ ببساطة لأن السياسة "البوشية" جعلت الناس يشعرون، وبعضهم يدركون، أنه لا يوجد حتى الآن أى حل خارج الإمبراطورية، فالعولمة تفرضها فرضا، والعولمة ليست اختيارا، بل واقع، وبالتالى الحل المتاح هو ممارسة الصراع من داخل منطق الإمبراطورية، وبهدف تعديل توازنات القوى داخلها.

لا أدل على ذلك من أن الرؤى المختلفة فى المنطقة دخلت بدورها فى طريق مسدود فى الحقبة "البوشية". الراديكاليون، سواء بشعارات إسلامية أو قومية، كانوا يروجون صراحة أو ضمنا لهدف خيالى، هو "مواجهة" أو "مقاومة" تفضى إلى "تحرير فلسطين من النهر للبحر"، معتمدين على ما تثيره سياسات بوش من ميل قوى إلى التقوقع والدفاع عن النفس بأى طريقة كانت. ولهذا فإنهم يميلون بشكل طبيعى إلى التقليل من شأن خطاب أوباما. فالاعتماد متبادل بينهم وبين "البوشية"، بمعنى أن كلاهما تعتمد مصداقيته على وجود الآخر كعدو. أما منطق الحل الوسط مع إسرائيل، أو طريق السلام، فلا مصداقية له فى الحالة "البوشية"، التى يفتقر العرب فيها إلى أى تحالف يستطيع أن يضغط على إسرائيل.

طريق "الديمقراطية" فى بلدان المنطقة، ليس أقل انسدادا. فالشعار ترفعه قوى تنادى بـ"ديمقراطية فى حدود الشريعة"، أو "ديمقراطية فى حدود الخط السياسى القومى"، أو "ديمقراطية بلا إسلاميين". والدعاة الإسلاميون متحمسون لتوطيد "سيادة إسلامية" خالية من أى محتوى: عرقلة بناء وترميم الكنائس، ورفض حق البهائيين فى أبسط حقوق المواطنة، والإصرار على رفض حرية العقيدة الفردية وحرية الإبداع، أى خليط من "ديمقراطيات" سلطوية بطبيعتها. أما حدود "أزهى عصور الديمقراطية" فى ظل النظام الحاكم فمعروفة للجميع. باختصار، ليس صحيحا أن الحلول متوافرة ولا ينقصها إلا أن تبتعد عنا الولايات المتحدة، وبالتالى المجال مفتوح بطبيعته ذاتها .

على خلفية الإفلاس العام (الذى يطول أيضا السياسة الإسرائيلية، ولكن المجال لا يتسع لشرحه) طرح أوباما اقتراحه الإمبراطورى تحت عنوان الإنسانية، أو ما أسماه "عقيدة الإيمان بالآخرين"، ومطالبة ببدء صفحة جديدة بناء عليها. ومن هنا الطابع المتوازن العام للخطاب. غير أن ما يعنينا هنا أنه بصرف النظر عن الاختلاف مع سياسة أو أكثر من السياسات التى جاءت فى الخطاب، وبعض حججه، فإن المبادئ العامة التى بُنى عليها الخطاب تبدو الأنسب والأجدر بالتشجيع، لأنه يمكن معارضة ما يتم الاختلاف عليه فى خطاب أوباما بناء على نفس المبادئ التى وردت فيه: الشراكة والبحث عن أرضية مشتركة، الحرية الدينية والتسامح واحترام حقوق الأقليات، تحالف الحضارات، قبول التعددية السياسية، رفض التعذيب وقتل المدنيين، حقوق المرأة وحريتها الدينية.

وعلى سبيل "العربون"، قدم أوباما اعترافا بأخطاء الولايات المتحدة فى المنطقة، منها المسئولية عن الانقلاب ضد مصدق فى إيران فى 1951، والتعامل مع المنطقة كمجرد مخزن للبترول، وغزو العراق "الاختيارى"، والمعتقلات والتعذيب، وترويج صورة نمطية للإسلام كمرادف للإرهاب. كما قدَّم بعض الوعود، مثل عدم الإبقاء على قواعد عسكرية أمريكية فى العراق أو أفغانستان، أو المساعدة على مسارات التنمية الاقتصادية. وفى هذا السياق استطاع الجمهور أن يتخلى عن التعصب العربى الدفاعى، بتقبل، ولو دون قبول كامل، إدانة مذابح دارفور، أو صواريخ حماس، أو الإشارة إلى الأقباط. باختصار، نجح أوباما فى تقديم خطاب يبدو موجها لفئة دينية (المسلمين)، ولكنه يتضمن قيم الحداثة ويسعى لفك توترات هذه الفئة مع الغرب وفى المنطقة، وفى منافسة الخطاب القومى والدينى على قلوبها وعقولها.
ما لم يكن المرء يجرى وراء وهم نهاية الولايات المتحدة كالقوة العالمية الأكثر تأثيرا فى المنطقة، أو يتخيل أننا على وشك أن نرى عالما يخلو من التباين الشاسع بين قواه، يبدو أن رفض هذه الأسس والمبادئ، وهذا السعى لاستخراج جمهور المسلمين من الجب القومى/ الدينى، مجرد دفاع من جانب قوى منتهية الصلاحية تاريخيا، ورفض لصعود رؤى عربية جديدة قادرة على الاشتباك الإيجابى مع رؤية أوباما الإمبراطورية واستثمارها لصالح شعوب المنطقة وحل قضاياها.

29 May 2008

ما وراء ابتسامات القديسين


محمود عزت يكشف أخيرا عن صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الثقافية المصرية.

و في الصورة يبدو محمود ممتنا لـخالد عبد القادر الشاعر الصعيدي، و أحد مطاريد الحركة.. و أهم الفاعلين "الحقيقيين" في هذه الصفحات و صفحات أخرى تتكشف لاحقا.

22 May 2008

اللقطة الطلقة


’’ صورة تصدرت الصفحة الأولى لجريدة الأخبار اللبنانية التي يمولها حزب الله.. ربما لخصت مجمل الأزمة اللبنانية الأخيرة ... ،،

هاني درويش
البديل 18 مايو 2008