Showing posts with label أيام. Show all posts
Showing posts with label أيام. Show all posts

05 January 2013

الخروج





هناك شيء ما في مقبض باب الحمام. 

انفصل المقبض عن لسان الباب، أحاول أكثر من مرة كأنه يمكن أن يتراجع ويغير رأيه.

أبدأ في استيعاب الموقف. أنا وحدي في المنزل. نيفين لن تعود قبل ساعات. ليس معي الموبايل. شباك الحمام يطل على شرفة صغيرة تطل على المنور نستخدمها كمخزن، الشرفة الصغيرة بابها يفتح من المطبخ وهي مكدسة بالكراكيب. أنا محبوس في الحمام.

"محمد !" وقفت فوق التواليت وأخرجت رأسي من شباك الحمام وهتفت. لا أظن أن المنور سينقل صوتي من الدور الرابع إلى حجرته في الدور الأرضى، كما أنه عادة ما يتجاهل نداءي لكي يوفر على نفسه مشوارا فأضطر للنزول إليه. اكتشفت إني نسيت اسم جارتنا في نفس الدور، تذكرت إني نسيت اسمها لأنهم ينادونها بأم فلان، أم إيه؟  أم إيه؟ .. لا أذكر.

جلست على التواليت واكتشفت أنه لا توجد فوق الغسالة بجانبي أي صحف أو كوميكس، كما اعتدت أن أكومها فوق الغسالة من أجل قضاء الوقت فوق التواليت. تذكرت أن سحر - زوجة محمد البواب - قامت بتنظيف وترتيب الشقة قبل أيام. وكوّمت كل الصحف والأوراق في الصالة.

ما الذي أفعله الآن؟ 

بعد أن تجاوزت كل أفكار المحاولات والتسلية عدت إلى  الفكرة  التي خطرت لي في اللحظة الأولى ولكني تجاهلتها. فكرة الرواية التي بدأت في كتابتها في 2010. عن الفراغ والوحدة والكسل والتوازن النفسي الدقيق بلا يأس أو أمل. عن تأمل العالم من مسافة، تأمل شوارع مصر وهي تسقط في حالة من الانحطاط الاجتماعي المناسب للانحطاط الأخلاقي واسع النطاق، عن عالم يضطرب بالأسفل ويتبادل أفراده إطلاق الرصاص بسبب خلاف على مكان لركن السيارة، في الوقت نفسه الذي يقضي البطل - بطل؟ - أكثر وقته متجولا في أرجاء وحدته، ويموت مرارا بلا جدوى. 

في أحد مرات موته، لم يفلح البطل في فتح باب غرفة النوم. لماذا أصلا يغلق الباب وهو يعيش وحيدا ؟


ليس عنده تليفون، ولا يعرف اسم أي من الجيران. وقف فوق شنطة سفر. لا يوجد شيء مرتفع عن الأرض في غرفة النوم. لا سرير ولا كومود ولا كرسي. ومن فوق شنطة السفر كسر زجاج باب غرفة النوم، وحاول أن يمد ذارعه ليفتح من المقبض الخارجي، أخرج رأسه مع ذراعه ولكنه لم يتمكن من إدارة المقبض، انحشر في الفتحة الضيقة للشباك. حاول التملص بلا جدوى. وفي النهاية استسلم. وظل هكذا. وانتهى العالم.




تذكرت ذلك وأنا جالس على  التواليت، وتذكرت أني استغرقت في التفكير في أن كل ذلك المشهد يتوقف على ارتفاع الباب والمسافة بين فتحة شباكه وبين المقبض، وأبعاد الفتحة. ولكن في حالة البطل يمكن افتراض الأسوأ ببساطة. الرواية كلها تقوم على افتراض الأسوأ. كنت قد ضبطت مزاجي على ذلك الافتراض وضبطت توازنا نفسيا يبتعد بهذا الافتراض عن اليأس مسافة مناسبة، وعن الأمل طبعا. 

استعدت ذلك الضبط وانا أتجه إلى ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011. أصبحت أشعر بالابتذال كلما سمعت كلمة 25 يناير وأشعر به وأنا أكتبها. ولكن ما حدث أني تحركت بمزيج عظيم من المشاعر التي استعدتها ، مزيج من مشاعر الحب والحماس والاحتقار والازدراء والغضب والقرف والرغبة في العنف وفي العودة  سالما بلا خدش، وكان المدهش ان كل هذا المزيج من المشاعر لم يبتعد أبدا عن افتراض الأسوأ وحافظ على توازن متوتر بين اليأس والأمل. تبخر تماما مزاج بطل الرواية الوحيد البعيد وسط هذا الزحام.

ضبطت نفسي متوترا بشدة وأنا أتخيل أن أبقى في الحمام لساعات في انتظار عودة  نيفين لتكتشفني محبوسا في الحمام. وبدون أن أفكر  كثيرا في أبعاد فتحة شباك الحمام ولا في المسافة بين المقبض والفتحة، أدرت عيني سريعا وقررت أن غطاء خزانة التواليت هو الأداة المناسبة. انتزعته سريعا وهشمت زجاج شباك الحمام، أخرجت ذراعي من الفتحة وبحركة لا إرادية وقفت على أصابع قدميّ مما أعطاني طولا إضافيا قليلا مكنني من إخراج كل ذراعي ووصلت إلى المقبض الخارجي وفتحت الباب وخرجت.



لم ينته العالم.
ارتديت ملابسي وخرجت من الشقة وأنا أفكر في مكان أذهب إليه لفعل أي شيء. وقررت أن أعود لألملم شظايا الشباك المكسور في وقت لاحق.

15 May 2012

هيا بنا نفشخ الشعور القومي

الصورة للفنان عمرو ثابت

قال المعتذرون من حكومة حماس أن ماحدث "تصرفات فردية"، وهذه تحديدا هي المشكلة.
مساحة السلطة المتروكة للأمن الداخلي في الشوارع لضبط الناس وتصرفاتهم وفق أهواء الجنود وتقديراتهم عن الأمن والاستقرار والسلوك الإسلامي القويم يبدو أنها كالعادة ومثل باقي الأنظمة القمعية الأمنية تفوق مساحة ضبط القادة السياسيين لجنودهم.
التصرفات الفردية لجنود الأمن في النظم الأمنية هو تفويض لا غنى عنه لتخويف الناس وتربيتهم على الخوف من "النظام" وإيثار السلامة. السياسيون دورهم أن يتحدثوا عن النظام الجميل، والاعتذار عن بعض ما يشوبه من تصرفات فردية ترصدها الكاميرات أو تتوجه إلى من لهم ظهر.
يبدو أن وجودنا في غزة، وكلامنا، قد ذهب فعلا إلى حدود احتمال بعض ضباط الأمن الداخلي فنفد صبره وبدأ في استخدام التصرفات الفردية المعتادة مع وفد دولي، ولكن بقدر من الحذر، بدلا من تكسير العظم بكعوب البنادق أو السحل مثلما يحدث مع الشباب الفلسطيني.
لم أكن أتوقع أن ينفد صبرهم، وبعدما نفد، راجعت نفسي للحظات، باعتباري كنت مشتركا في إنفاد صبرهم. وفكرت إن كان ذلك سيحول دون عودة بالفيست إلى غزة مرة أخرى. رغم تأكيدات المسئولين المعتذرين رفيعي المستوى، من يصدق المسئولين أصلا!
ولكني لم أشك لحظة أننا يجب أن نتجاوز الصمت التضامني مع المستبدين العرب أثناء حروبهم مع الأعداء. لا أحتمل رائحة الرحلات القذرة للتضامن مع صدام حسين والقذافي في حروبهما المتخيلة وصمودهما المتخيل أمام الصهيونية والامبريالية. ولا يفوتني تحية أسلوب الأول في الصمود والممانعة وهو ما انتهي ببلده تحت الاحتلال، وأسلوب الثاني الذي انتهى بالبلد متحررا فوق جثته مع بعض التدخل الدولي. نعم، هي شماتة في الأسلوب القمعي في حماية الشعور القومي من التفتت من أجل مقاومة احتلال أو ممانعة إمبريالية. وها هو الأحمق الثالث بشار الأسد تتداعي سلطته، رغم كل جهوده في القمع الذي أبدع في ابتكار تهمة "إضعاف الشعور القومي" لمحاكمة أصحاب الآراء التي تتجرأ وتنتقد نظامه المقاوم متجاهلة أنه في مواجهة مع إسرائيل وأمريكا. بلا أي ذوق ولا شعور قومي!
سعيد أن كثيرين في وفد بالفيست تجاوزوا تلك الحالة ولم يمنعهم تضامنهم مع غزة تحت حصارها الإسرائيلي- المصري. أن يذكروا "الطرف الثالث" في الحصار: حكومة حماس.  يوسف رخا وخالد الخميسي وسحر الموجي يؤكدون على نفس المعنى.
أحرّض أيضا بعض أصدقائنا الغزّاوية الذين شعروا بوخز الضمير لأن تلك الانتقادات يمكن أن تصب في صالح إسرائيل، أحرضهم على عدم الرفق بـ"الشعور القومي" الذي كان دائما مطية المستبدين مدعي المقاومة الذين ينتهي الأمر دائما على يديهم إلى هزائم قومية مروعة، بدءا من عبد الناصر إلى صدام والبقية تأتي.
المجتمعات الحرة هي التي تضع إسرائيل في الركن عمليا، وتضعف شعورها القومي بالتفوق الحضاري وسط محيط من الجهلة المستبدين.
لا تعنيني المشاعر القومية في كلا الطرفين التي تقود صراعا من أجل حمية قومية أو دينية. وأعتقد أنه حان الوقت لفشخ الشعور القومي وتجاوزه إلى روح الجماعة التي تدافع عن حريتها وكرامتها وحرية وكرامة كل واحد فيها قبل أن تفكر في  الهوية والأراضي والحدود.
أهلا بوفود ما بعد انطلاق الثوات العربية، أدامها الله علينا. سنحيا كراما.

12 May 2012

آيس كريم في قطاع غزة



في 2008 وتحت ضغط حصار خانق على قطاع غزة من جانبين، الاحتلال الإسرائيلي والتخاذل المصري، اقتحم الغزاوية الحدود المصرية إلى سيناء، لقضاء حوائجهم من المواد الغذائية وخلافه.
ساعتها انقسم المصريون بين متعاطف مع الإخوة في غزة وبين مهاجم لفعلتهم النكراء في تجاوز الحدود وانتهاك «السيادة المصرية». ساعتها كتبت في مدونتي عن «تجاوز الحدود» ساخرًا من هؤلاء محبي الحدود أكثر من حبهم للإخوة الفلسطينيين والغاضبين من تجاوزهم للحدود والساكتين عن تجاوز قمعهم للحدود.
أعتقد أن الخلاف بين الفريقين أعمق من الخلاف حول تجاوز تلك الحدود إلى خلاف حول مفهومهم للسياسة نفسها، الخلاف بين رؤية للسياسة باعتبارها وضع حدود أمام حياة البشر من قبل سلطات تدعي حمايتهم، لأنها تعرف الأصلح والأنفع لهم، أم أن السياسة من وجهة نظر المقموعين هي التجاوز المستمر للحدود التي تضعها السلطة ودفعها للتراجع وإفساح المجال أمام الناس، ليعيشوا بحرية وكرامة وليس تحت الحماية والوصاية؟
ها أنا الآن في غزة، ذهبت مع وفد احتفالية فلسطين للأدب «بلفاست» الذي يجوب مدن فلسطين، وهو هذه المرة في غزة  تضامنًا معها ضد حصارها. وهناك أخبرني رجل الأمن الداخلي لحكومة حماس أن أي حركة لي خارج الفندق وخارج  الجدول المخطط هي تجاوز للحدود يجب أن يعلموا بشأنه حتى لو كان للسوبرماركت، وعلمت من الأصدقاء المدونين الغزاوية أن تعبيرهم وحركتهم مهددين دائمًا من قبل أمن حكومة حماس، بعضهم تم اعتقاله، بسبب ما كتبه على «فيس بوك»، وبعضهم تم ضربه واعتقاله، لمشاركته في مسيرات خرجت دون إذن سلطة حماس، سواء كان خروجًا سياسيًا لإنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس الذي يكسر شوكة الوحدة الفلسطينية أو مطلبيًا، احتجاجًا على الإدارة المتردية للطاقة وأزمة الكهرباء.
استمعت من شباب مدونين مستقلين ومن كوادر قيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن ضربهم بالهراوات، لخروجهم في تظاهرات متضامنة مع الثورة المصرية أو السورية أو لخروجهم في مظاهرة الاحتجاج ضد سوء إدارة أزمة الكهرباء، وسمعت من آخرين عن «الأمن الفكري» الذي تقيمه حكومة حماس بالتوازي مع قمع مماثل تقوم به حكومة فتح في الضفة الغربية، حيث تتم مصادرة الصحف التي تصدر من الطرف المعارض سواء في غزة أو الضفة.
شباب آخرون كانوا حذرين من انتقاد ممارسات حكومة حماس ضد حريات المجتمع الفلسطيني، يقولون إننا لا نريد أن نزيد الانقسام الفلسطيني، ومهما كان فنحن إلى جانب المقاومة التي تقوم بها حماس ضد إسرائيل وضد فتح التي تتخذ موقفًا رخوًا من الاحتلال. وكان ردي عليهم هو أنه إذا كانت المقاومة من أجل الحرية فلا يعقل أبدًا أن نتنازل عن الحرية تحت مبررات المقاومة.
كان ما سبق هو ملخص كلمتي التي ألقيتها في الحفل الختامي لاحتفالية فلسطين للأدب في «دار الباشا» بجوار الجامع العمري في غزة. وسط كلماتنا في الحفل كان الأمن الداخلي يصوّر بفجاجة كل المشاركين والحضور، وعندما قامت صديقة فلسطينية بتصوير رجل الأمن وهو يصورنا تقدم آخر إليها بفجاجة واختطف كاميرتها من يدها وسط غضبنا واحتجاجنا.  كانت الكهرباء قد انقطعت عن القاعة وظننت أنها الأزمة العادية للكهرباء، ولكن الزملاء المنظمين قالوا لي إن الأمن قطعه عمدًا، وأمروا صاحب المكان بوقف الندوة فورًا.
احتل رجال الأمن المكان وسط غضبنا وقالوا إننا لا نمتلك تصريحًا ! رغم أن مندوبين لوزارتي الداخلية والثقافة استقبلانا على معبر رفح ورحبا بنا وبالاحتفالية، وأذكر جيدًا تصريح مندوب وزارة الداخلية بأننا يمكن أن نتحرك بحرية بالغة وأن نزور كل ما يعن لنا حتى السجون، لنرى الحالة المتقدمة لحقوق الإنسان!  ولكن من يصدق رجال الأمن؟ 
سألت رجل الأمن، الذي يبدو أنه يقود الكتيبة الباسلة التي أوقفت ندوتنا: «ما الجديد؟ هذا حفلنا الختامي ولنا أربعة أيام نتحدث في ندوات عامة» قال لي: «هذا بسبب كلمتك التي افتريت فيها علينا وقلت إننا نقمع الحريات»، ثم اكتشف بنفسه خطأ كلامه، فأضاف باسمًا «فجئنا نؤكد كلامك!». أي والله قال ذلك.
حاول أن يضيف جادًا أنه يتابع صفحاتنا على الإنترنت وانتقادنا للأمن الداخلي وتابع انتقاد علاء عبد الفتاح  للنظام الفلسطيني على إذاعة من الإذاعات وحاول وعظنا  أن علينا احترام الدولة المضيفة وألا نتحدث عن حكومتها بشكل غير لائق.
«حكومتنا بتتاجر فيكم» قالها لنا شاب من رفح ونحن نسير وفق جدولنا المحدد، لنزور المخيمات البائسة والأنفاق التي تحاول كسر الحصار والمباني والمناطق التي هدمها الاحتلال، وقال لي شباب آخرون إن كل الوفود الأجنبية تدخل لترى استعراض السلطة لبؤس غزة ولنماذج مبالغ فيها من الحصار، لكي تستخدم السلطة تقاريرهم، لتؤكد الظلم الكبير الواقع عليها. وهو حق، ولكنها لا تسمح لهم  برؤية المزيد عن الوضع الداخلي وسوء الإدارة وقمع التحركات المعارضة والحرة والمستقلة ولا الكلام عن ذلك.
أهدانا الشاب من مخيم رفح، الذي شتمنا، آيس كريم وقال:« هذا هدية من الشعب الفلسطيني، نحن لا نموت هنا، لا تدعوا السلطة تتاجر فيكم».
 ندوتنا التي اقتحمها الأمن وكانت خير ختام لاحتفاليتنا التي كشفت الحصار المزدوج، حصار الاحتلال لقطاع غزة اقتصاديًا وحصار سلطة حماس الذي يأخذ المجتمع الغزاوي رهينة تحت مبررات صراعها السياسي مع فتح، وتحت مبررات كونها مقاومة للاحتلال تخشى الخونة والجواسيس. 
خالص تحياتي  للشاب صاحب البقالة في مخيم رفح، وأشكره بحرارة على الآيس كريم وعلى النصيحة.

15 April 2012

هكذا تكلمت كثيرا الأيام الماضية




"أفكار رائعة من أجل أزمة دينية مستمرة". كان هذا عنوان مداخلتي القصيرة في ندوة "أفكار 2012" قبل أيام. ولم تخيب تلك الأفكار الرائعة ظني، فبمجرد البدء في سرد فكرة منها كان شخص ما، يستخدم حساب تويتر ل"سكاي نيوز" التي نظمت الندوة، يسارع بنسبة تلك الفكرة في تويتة/تصريح منسوب إليّ. بينما أنا في الجملة التالية أوضح أن هذه الفكرة محل إعجاب الكثيرين بينما أراها تضع جذور أزمتنا الدينية الماضية والحاضرة والقادمة إن شاء الله!
في هذا الفيديو أذكر بعضا من هذه الأفكار، وللأسف لم أستطع الاستطراد في اللحظة التي بدأت فيها الكلام عن حبيبي كارل بوبر. بعد مشاهدة الفيديو وقراءة كتاب كارل بوبر "المجتمع المفتوح وأعداؤه" أو على الأقل الفصل الأخير منه ستعرفون لماذا هو حبيبي.

الفترة الماضية تحدثت في عدة ندوات، رغم أني لفترة طويلة قررت مقاطعة الندوات مستمعا، لأني قلما وجدت متحدثا شيقا بذل جهدا في تقديم جديد في كلمته، ولأن الوقت دائما ضيق والمتحدثون يأتون متأخرين ويريدون الرحيل سريعا، وبعض حضور الندوة يحاولون النضال من أجل دقيقة زيادة، ومنظمو الندوة يناضلون من أجل البقاء داخل الموضوع والوقت. باختصار، مأساة حلها بسيط وهو أن يفتح هؤلاء الناس مدونات وحسابات على تويتر وفيس بوك.

ولكن الحقيقة أن الندوات وسيلة لطيفة للتعارف السريع وتبادل الأفكار بين مجموعة ضيقة بعينها، قد ينضم لها أفراد متناثرون، وإقامة علاقات عامة مفيدة في الحياة بشكل عام. ولذلك قررت أن أقبل بعض الدعوات، خاصة التي تتضمن سفرا إلى الخارج وصحبة لطيفة، وحاولت جاهدا والله أن أبذل جهدا في تحضير الفكرة التي أطرحها وحاولت أن أفكر نوعا ما في طريقة تجعلني متحدثا أقل إثارة للملل، ولكني أعرف أني أشرد أثناء الكلام وأستمتع مع نفسي بالتفكير في أفكاري أثناء الكلام، ولكن أحيانا الشد والجذب مع أطراف الندوة أو الجمهور يخرجني من هذه الحالة فأستمتع بالسجال أو بالتفكير الجماعي.

مثلا، في ندوة بالجامعة الأمريكية للنقاش حول مشروع البروفيسور تيموثي جارتن آش عن "حدود حرية التعبير" أبديت ضيقي من محاولتنا التفكير في حدود لحرية التعبير أصلا بدلا من أن نقف عند الحدود التي يعتبرها المجتمع والسلطة خارج حرية التعبير ونستشكفها وندافع عن مساحة أوسع من التعبير بدلا من مساعدة المجتمع والسلطة على وضع خطوط بالرصاص لحرية التعبير ويقوم كلاهما بوضع متاريس وقوانين وإقصاء بناء عليها. كان رأيي أن أي تجمع يحاول بين أفراده التوافق حول المقبول واللطيف وغير العدائي من أشكال التعبير، ولكن لحظة الجدل حول حدود حرية التعبير تكشف عن رغبة أصلا في عدم التوافق ورغبة في إظهار العداء والتأهب لمعركة، وكان رأيي ان نفكر في المعركة أصلا بدل الجدل حول مظاهر التأهب لها، ويبدو لي أن المتهمين بخرق حدود التعبير غالبا ما يكونون في موقع مقاومة للسلطة، السياسية والمجتمعية والدينية، وهو ما يجعلني في صفهم غالبا.
كان مدهشا أن الندوة لم تتحول لترحيب وتطبيل بالأستاذ الزائر الذي يروج لمشروعه حول العالم ولكن شهدت نقاشا أصيلا ومحتدما. يمكنكم أن تشاهدوا الندوة هنا وهنا، في الواقع فكرت أن أقوم بتنزيل الفيديو وقص الفقرات الأكثر إثارة منه وتحميلها على يوتيوب ولكن تلك الفكرة أخرت هذه التدوينة أسابيع. وإذا فكرت مرة أخرى فلن أنشر هذه التدوينة أبدا.

في لبنان، استمتعت بصحبة الصديق العزيز فادي العبد الله الذي تطور جزء كبير من صداقتنا عبر هذه المدونة. وكانت فرصة عظيمة أن يدعوني صديقي لنقاش معه على هامش معرض "ثورة ضد ثورة" في بيروت عن "مزاج الثورة". أيوه بقى!
كانت فرصتي لأعبر كيف تتداخل أفكاري ومشاعري عن "الثورة" مع أغنية مي وليد "الليمون" ومع قصيدة أخي محمود عزت"الغجر" ونشيد الألتراس "مش ناسيين التحرير يا ولاد الوسخة"، وكذلك نص شعري شارك به فادي العبد الله في المعرض. وكيف أرى تلك التعبيرات هي الأقرب لمزاج الثورة كما أشعر به ويحركني. يمكنكم أن تستمعوا إلى تسجيل نقاشي مع فادي.

أخيرا، تحدثت في تونس ، التي حاولت زيارتها خمس مرات على الأقل، وفي كل مرة كانت الزيارة تتعطل لسبب مختلف. هذه المرة تمكنت من دخولها رغم أني تأخرت وفوتت طائرتي ثم غيرت موعدها لليوم التالي وتكبدت أموالا طائلة فتأخرت هي ساعات عن موعدها الجديد لكن أخيرا وصلت هناك.
هناك وجدت الحالة متأزمة بين الإسلاميين والآخرين كما عندنا. والمؤتمر الذي شاركت فيه كان عن الأدوار الجديدة للأطراف السياسية بعد اقتراب الإسلاميين من السلطة. اقترحت بدلا من أن نرسم أدوارا محددة لطرف في السلطة وطرف في المعارضة أن نتأمل ديناميكية الصراعات بين القطبين وداخل كل قطب، بتحليل أفعالهم وانحيازاتهم وفق ثلاثة مفاتيح: الميل الثوري مقابل الميل الإصلاحي، والميل للتسلطية مقابل الميل للتحرر، والميل للشعبوية مقابل احترام التنوع والتعدد.
حاولت أن أستخدم هذه المفاتيح لفهم الجدل والصراع والتحوّل داخل كل تيار، وهو الجزء الغاطس تحت السطح، بينما صراعات التيارات تشغل السطح كله. وحاولت أن أوضح ذلك بأمثلة وتفاصيل تمكننا من فهم التحولات الداخلية المهمة داخل التيارات التي تتشكل الآن بدلا من النظر إليها ككتلة صلبة أو لوحة متشكلة بالفعل، حالة الاستقطاب السياسي تجعلنا ميالين للحكم على التيارات أحكاما قاطعة ونهائية. أشك أن مداخلتي ستكون مثيرة إن كنت شعرت بالملل من الفقرة السابقة، ولكن ها هو التسجيل على كل حال.

وسط كل هذا الكلام، افتقدت حديثي الشهري مع سعيد الحلاق، وبدلا منه خضت حوارا ساخنا مع شاب إخواني متحمس كان ينتظر دوره، ولكن في لحظات بعينها بدا وكأنه سيقوم ويطيح بسعيد ويتناول منه المقص والأمواس ويستكمل الحوار معي باستخدامهم، ولكن الله سلّم وتلطف الحوار قرب نهايته، قبل أن يسلّم الشاب رأسه لسعيد الذي جاملني وانا أرحل مؤكدا أنه سيصوّت مثلي لعبد المنعم أبو الفتوح، للأسباب غير الحماسية التي ذكرتها له وراقت له وراق له انحيازي مع عدم حماسي. سعيد هو الآخر حبيب قلبي، ربما أكثر من كارل بوبر.



علّقت يافطة تأييد أبو الفتوح في بلكونة غرفتي في بيت أمي وأبي، لأن زوجتي ليست متحمسة لتأييد أي مرشح وفشلنا في التوافق حول موقف موحد من انتخابات الرئاسة فقررنا تعليق اليافطة هناك وتعليق موقف بلكونتنا إلى حين.
ولكن الثورة مستمرة.

20 January 2012

شوف إزاي أنا هاقلق راحتك!



قال لي: «لو كنت صبرت قليلا داخل الإخوان المسلمين، لكنت الآن أحد شباب حزب (الحرية والعدالة) وأحد كوادر الحزب الحاكم ولديك القدرة على التأثير الإيجابي على مستقبل البلد، بدلا من أن تظل دائمًا في موقع الأقلية المعارضة».

ابتعدت عن «الإخوان المسلمين» مرتين، مرة في أول الدراسة الجامعية، لأنني لم أطق صبرًا على روحها ومواقفها، التي أدمنت الدوران اللانهائي في المكان، وفضلتُ ساعتها الصلابة المبدأية في التيار السلفي، أو في قطاع منه.

والمرة الثانية في نهاية المرحلة الجامعية، بعد أن بلغني من أحد مشرفي «الجماعة» على النشاط الطلابي أن العدد الذي حرّرته من مجلة «التيار الإسلامي» في جامعة القاهرة مليء بـ«كلام اليساريين»، فشكرته واتجهت يسارًا.

لم أكن وحدي، الذي يعيش تحولات سريعة وقلقة، ولكن العديد من أبناء جيلي، جيل بداية الألفية، كانوا كمن يسابقون الزمن في البحث والتجريب، بحثا عن موقف ومخرج من أيام راكدة وبليدة لا تناسب تطلعاتنا.

أبناء هذا الجيل، الذين ساقتهم رحلة التحولات والتجارب إلى داخل جماعة «الإخوان المسلمين» عشت مع العديد منهم لحظة اختيار مفصلية: «الصبر على الركود والتكلس الحركي والفكري داخل الجماعة والبقاء كـ(أقلية قلقة) تبحث عن مساحات حركة في الداخل، وإما الخروج والبحث عن ساحات أخرى».

الآن.. في هذه اللحظة التي أنقذت فيها الثورة جماعة «الإخوان» من الدوران في المكان ومكّنتها من المضي قدما، فإن كل من أعرفهم تقريبا من شباب «الإخوان»، بمن فيهم ممثلو الجماعة في تنسيق احتجاجات يناير الماضي واعتصام التحرير، قد تركوا الجماعة إلى خيارات أخرى أكثر حيوية وتجددًا ومغامرة، من بينها حزب «التيار المصري»، أو انسحبوا من الجماعة، احتجاجا على مواقفها الأخيرة أو انحيازًا إلى «حملة دعم عبد المنعم أبو الفتوح مرشحًا للرئاسة».

وأصبحنا مرة أخرى، أنا والعديد من رفاق النشاط الطلابي الإخواني، مرة أخرى معا في خانة «الأقلية السياسية القلقة».

التعبير الأخير كان عنوان المقال الأحدث لرفيق حبيب في جريدة حزب «الحرية والعدالة»، وحبيب هو نائب رئيس حزب الإخوان، «الحرية والعدالة»، والذي يحلو للكثيرين وصفه بـ«المفكر القبطي».

وتشاء الأقدار أن العديد من الأصدقاء، الذين تكاد الدماء الإخوانية تسري في عروقهم، ينطبق عليهم الآن وصف «الأقلية السياسية القلقة»، بينما السيد «حبيب» يتحدث من فوق كرسيِّ الأغلبية السياسية المنزعجة من تصرفات هذه الأقلية.. دنيا !

خلاصة وصف «حبيب» للأقلية السياسية القلقة أنها «تتكون من مجموعات شبابية وعلمانية»، ليبرالية ويسارية، ترى أن لها دورًا مركزيا في الثورة المصرية، ولكنها لم تنل ثقة الناخبين ولا تجد لها دورًا في المسار السياسي، فهي معادية لعملية التحول الديمقراطي، وتحاول أن تضيف لرصيدها كتلا جماهيرية قلقة من المهمشين وأسر الشهداء والمصابين، وقضيتها المحورية هي القصاص لدماء الشهداء والمصابين حتى تبقى الحالة الثورية في الشارع، وعن طريق استمرار التظاهر والاعتصام تضيف شهداء ومصابين جددًا تتظاهر من أجلهم في دائرة مفرغة- حسب رأيه- وتحاول أن تفرض مسارًا سياسيا انتقاليا (علمانيا) بعيدًا عن صندوق الانتخابات الذي فشلت في أن تكون مؤثرة فيه».

وأشك أن السيد «حبيب» لا يعرف شيئا عن مجموعات شباب «الإخوان»، التي تتحرك الآن خارج الجماعة وسط «الأقلية السياسية القلقة»، لذا يكون من الاختزال ابتداءً وصفها بـ«العلمانية» أو أن حركتها يحكمها محاولة فرض سيناريو «علماني».

ولكن بعيدًا عن الاختزال، فإن هذه المجموعات، التي كان لها دور مركزيٌّ بالفعل في إشعال شرارة الثورة المصرية، لديها مشروع للتحرر من السلطة وتقويمها أكثر من كونها لديها مشروع للحكم والسلطة.

يمكنني أن أتفق مع السيد «حبيب» أن بعض هذه الأقلية قلق بالفعل، لأنه يحاول أن يجادل في الافتراض السابق أو يتجاوزه، وكان لديه من الآمال أكثر من أن تظل هذه الأقلية معارضة نشطة تقوّم حركة السلطة وتصحّحها.

الدعوات المستمرة لأن تنظم قوى الثورة والمجموعات الشبابية نفسها لتحكم، تنبع من هذا القلق وتكرسه، ولكن إن سمحتُ لنفسي أن أتحدث باسم قطاع من هذه «الأقلية القلقة» أراه يعبر عني وربما يرى كلامي معبرًا عنه، إنها أقلية تتسم بالفردية الشديدة والحركة العفوية القائمة على المبادرة والتوافق بعيدًا عن السمع والطاعة التنظيمية والمواقف الجماعية المنظمة، ومحاولتها الإبقاء على الحالة الثورية في الشارع من السخف وصفه بالمؤامرة التي تستهدف المزيد من المصابين والشهداء، ولكنه ببساطة إصرار على أن تفرض الحالة الثورية أكبر مساحة من الحريات في الشارع، وهي الضمانة الأساسية لاستمرار الديمقراطية، التي ليست مجرد ورقة في صندوق تفرح به الأغلبية وتستقر على الكراسيّ.

تلك الأقلية القلقة، ومعها كتل المهمشين إن استمرت حركتها في إضافة مصابين وشهداء جدد، فهي دليل على أن السلطة لا تزال تنتهك حياة المواطنين، وهو ما يثير القلق ممن يدير المرحلة الانتقالية ومن يسكت على هذه الإدارة تذرعا بأنها فترة انتقالية يتم فيها «تأسيس الديمقراطية»، هل يمكن تأسيس الديمقراطية دون حرية الاحتجاج، التي أتت بها أصلا بعد طول غياب؟.

المقلق حقا هو أنه بعدما ارتدت الأغلبية ثياب السلطة أصبح لسانها وجريدتها يتحدثان عن المعارضة بقلق واتهامات: «هي مجموعات مقربة من الخارج.. أقلية تثير القلق وتريد اعتراض المسار الديمقراطي ولا تريد الصبر على مسيرة الإصلاح».. أنا أشم رائحة قلق الحزب الوطني.. دنيا !

قطاع كبير من شباب «الأقلية القلقة» يطالب الآن برحيل «المجلس العسكري» فورًا وبتسليم سلطة إدارة المرحلة الانتقالية لبرلمان هذه الأغلبية يوم 25 يناير، وربما في هذا ما يدحض كل كلام السيد «حبيب».

ولكن ما أحب أن أؤكد عليه أن قطاعًا كبيرًا من هذه «الأقلية القلقة»، ربما يكون أغلبيتها، سيحب دائما أن يستمر في كونه مسمارًا في كرسيِّ السلطة، لكي لا يستريح من هو فوقه آمنا مطمئنا، وربما من الأفضل أن يمارس السلطة واقفا قلقا مستعدًّا للرحيل في أقرب فرصة..

وإن كان قلق من هو على الكرسيِّ سيتصاعد وسينفد صبره الديمقراطي وينتهك الحريات، فإنهم سيحبون أن يكونوا مرة أخرى مسمارًا في نعش سلطته، والله الموفق.




نشر في موقع "المصري اليوم" الخميس 19 يناير 2012
العنوان مقتبس من أغنية لميريام فارس

08 August 2011

عزيزي ناجي ..

أحمد ناجي وعمرو عزت

عزيزي ناجي ..

هكذا أحب أن أناديك، لا إبليس أو بيسو أو أحمد.

أنت تعلم جيدا أني أحبك في الله، مهما لامني عباد الله. لذلك فأنا الآن أشعر بالذنب لأني تلكأت في لقياك قبل سفرك الطويل، وبالغيرة من موود لأنك راسلته، بعدما راسلت أبو عمو ورؤوف.
لسبب غامض لم يتعكر أبدا من قبل صفو الوداد بيننا، الوداد نفسه هو الأكثر غموضا بالنسبة لكثيرين، لذا لا مانع أن أقرر أن أراسلك ردا على رسالتك إلى موود.

كل ما سبق لا علاقة له بأن موود تسبب في زيادة ساعات عملي اليومين الماضيين، بسبب شيء ما له علاقة بالشيوعية، وكل ما سبق لا علاقة لك به، ولكنني أحببت أن أؤكد على أنه لا شيء يمكن أن يجعلني أغضب منك أنت أو موود، شيء ما يجعلني أعرف أننا، أنا وأنت وموود، معا. بينما في جهة أخرى هناك آخرين ولاد وسخة !

أما بعد، فقد استغربت قولك أنك ستنتهي مع موود في الجحيم لأنه لا أحد تعرفانه في الجنة. حزنت لأنك تعرف أنني من أهل الجنة، أنت تعلم جيدا ذلك، سيكون من الظلم جدا ألا يكون كذلك. والسبب الرئيسي هو كوني لطيفا مع كل ولاد الوسخة، ولذلك لا أقول لهم أبدا أنهم ولاد وسخة مهما حصل.
لسبب ما لا يمكنني ذلك، كما لا يمكنك أن تكون ناشطا سياسيا حتى لو تحمست لرابطة الشباب التقدمي وحضرت أحد اجتماعاتها.

هناك شيء له علاقة بالمشاعر يحدد كل ما له علاقة بالسياسة، لذلك استغربت أيضا استهجانك للعلاقة بين السياسة والمشاعر. رغم أنك قلت أن علاقتك بيوم 25 يناير كان مشاركة من تحبهم سعادتهم ونشوتهم في الميدان.
هذا تحديدا ما كتبته بأسلوب آخر في "أول دخولنا الجنينة". لحسن الحظ لم ير عمرو مصطفى تلك التدوينة وإلا اعتبرها تدريبات على المخطط الكبير. لا يمكنني أن أقول أن عمرو مصطفى شخص ابن وسخة رغم أنه يستحق ذلك، أو هو نموذج لذلك، ولكن لأنه - بشكل غامض أيضا – إنسان بعينه، فلا يمكنني ذلك فعلا.

لا أهدف من تذكيرك بتدوينتي أن أشير بأناقة إلى أني سبقتك، رغم أنني فعلت، بينما أنا هنا في هذه الرسالة أحاول بقدر من المراوغة الاقتراب من أسلوبك، خاصة إنني عادة لا أستخدمة عبارات من نوع: ولاد الوسخة.
ولكن ما أشعر به حقا يا ناجي، وأشكرك على إتاحة الفرصة هنا لي لأقول ذلك، أن الثورة وكل ذلك الذي حدث لم يكن – بالنسبة لي – إلا تعبيرا عن احتقارنا لولاد الوسخة .. ولاد الستين وسخة ودولتهم .. ومجتمعهم ابن الوسخة بالمرة.

ببساطة أحببت الاحتجاج دائما لأنه بديل عن السباب العالي الذي يستحقه ولاد الوسخة، ولأني في لحظة التظاهر والاحتجاج أكون مع من أحبهم داخل كردون، يصنع الكوردون لحظة خالصة رومانسية، حالمة ويوتوبية وكأن الكردون يرسم خطا فاصلا بيننا وبين عالم بنت وسخة. أنت تعرف أنه ليست لدي توقعات كبيرة فيما يخص الإنسانية، لذلك فإنني متفائل عادة وأفرح دائما بكل ما يجود به قدري السمح. متسامح مع ولاد الوسخة دائما، ولكن لحظة الاحتجاج كلحظة صوفية أنجذب فيها إلى ما أحب ومن أحب وأعبر عن احتقاري الحاد لما سواه وسواهم.

في الثورة انفجرت لحظاتنا الصوفية، لم نقصد طبعا أن تنفجر أو أن تكون ثورة، ولكن هذا ماحدث. وانتابتني اللوثة: ألقيت حجارة يوم 25 يناير وأنا أهتف تجاه ولاد الوسخة، ثم ألقيت حجارة يوم 28 يناير وأنا أهتف يا ولاد الوسخة ثم ألقيت حجارة يوم 2 فبراير وأنا أجز على أسناني وأسب ولاد الوسخة بما هو أكثر بذاءة، لأنه في تلك المرة الأخيرة أصابوني بحجر في وجهي، إصابة طفيفة ولكنهم للمرة الأولى يتمكنون مني. لو كانت أصابت عيني لكنت الآن أكتب بعين واحدة .. ولاد وسخة!

هذه التدوينة/الرسالة الاستثنائية ستكون دائما مثار جدل بيني وبين كثيرين ممن سيستغربون أني كتبت ذلك، وسأبتسم وأقول أن ذلك ما بدا لي. ولكنك تعرف الآن بشكل ما أن هذه الرسالة، أو هذا الرد، موجه للعديد من ولاد الوسخة، الذين يعكرون مزاجي الآن، وأن عنوان رسالتك إلى موود قد استولى على معظم رسالتي إليك. لا ينبغي لهذا أن يجعلك تظن أن نأيكم عنا يغيرنا / أن طالما غيّر النأي المحبينا..

إليك سلامي وأشواقي، وأحب أن أطمئنك أن الثورة مستمرة، خارج حدود المستطاع ووفق أهواء الخيال. وأعداؤنا من ولاد الوسخة سيماهم على وجوههم من أثر احتقارنا لهم ونحن نسحلهم خلفنا إلى ما لا نعرف تحديدا وما لا يريدون أن يعرفوا. وهذا وحده يثير ابتهاجي ويجعلني أتجاهل شيئا أخلاقيا ينكأني ويذكرني أني شخصيا لا أحب العلاقة بين كون أحدهم من ولاد الوسخة فعلا وما قد يترتب على ذلك من إهانة لأمه.

ولكن الحياة صعبة كما تعرف وغير منصفة، واللغة أيضا.

10 June 2011

بالأمس حلمت بي



كنتُ جالسا أمامي، مبتسما.
تحدثتُ إليّ بكلام كثير، لا أذكر منه شيئا، ولكنه أغضبني مني. استأتُ وتجمهتُ في وجهي، ولكني لم أتوقف عن الكلام.
لم يكن مني إلا أن قمتُ وتركتني، مبتعدا عني.

06 March 2011

ليلة اقتحام أمن الدولة بمدينة نصر: النظام القمعي مقلوبا



بعد الرابعة عصرا بقليل، كنا لا نزال أقل من مائة متظاهر أمام مقر أمن الدولة بمدينة نصر، نحدق في مبانيه الضخمة المهيبة ذات الشكل الهرمي المقلوب. باستثناء بعض الرهبة التي تجاوزناها سريعا كان المشهد لوحة كاملة للنظام القمعي مقلوبا.

كان النشطاء في الطريق يتصلون ببعضهم ويتضاحكون من أنهم للمرة الأولى يتجهون هم بأنفسهم إلى مقر أمن الدولة الذي تم اقتيادهم واستدعاؤهم إليه قبلا. يذهبون هذه المرة لحصاره. الأعداد القليلة تتجمع أمام الناصية التي تلتقي فيها زاوية سور المقر بمبنى قسم الشرطة. الضباط على أبواب القسم لا يتجاوزونه. أعداد من الشباب السلفيين تتوافد، حواجبهم معقودة وبداخلهم غضب مكتوم، واحد منهم يقول: كنت أمر من هنا وأضع عيني في الأرض قهرا، اليوم لن أمشي إلا عندما نخرج ومعنا كل إخواننا المتعقلين بالداخل!

نترك الناصية ونتوجه إلى الرصيف المقابل لأحد الأبواب الإلكترونية التي تسدها مدرعة جيش وعدد قليل من جنود الشرطة العسكرية. الأعداد تزيد، فنتقدم ونحتل الجزيرة الوسطى ونقترب أكثر من الباب. بعض الشباب مهووسون بتنظيم المرور ووضع حد لصفوف المظاهرة لكي لا يتعطل الشارع، آخرون يتفاوضون مع بعض ظباط الجيش. يحاول الضباط تهدئة المتظاهرين بأن العمل مجمد والمقر خال. المتظاهرون يطلبون التأكد بأنفسهم، وضباط الجيش ينظرون إليهم في دهشة!

شاب سلفي اعتلى أكتاف الشباب وبدأ يهتف بحرقة ويقسم: مش هانمشي إلا لما ندخل!

تزداد أعداد المتظاهرين في سرعة إلى عدة مئات ثم عدة آلاف. وتبدو أعداد جنود الجيش والشرطة العسكرية قليلة، ويبدو أنهم لم يتوقعوا إلا مظاهرة رمزية. يتقدم المتظاهرون ويحتلون الشارع أمام المدخل مباشرة ويتركون حارة واحدة لمرور السيارات. عدد كبير من عربات القمامة يمر بشكل يثير ريبة المتظاهرين. يوقفونها ويعتلي الشباب العربات ويفتشونها: لا شيء، مجرد قمامة. أعدادنا تزيد ونحتل الشارع بالكامل. تتوجه مجموعة لإغلاق مدخل الشارع وتوجيه السيارات إلى شارع آخر. يشك الشباب في عربة قمامة أخرى ويعتلونها ويجدون بداخلها أكواما من الورق المفروم. عند المفرق يلحظ أحدهم شارعا جانبيا مؤديا إلى مدخل للسور الكبير الذي يحيط بمقر أمن الدولة لا تحرسه سوى مدرعة واحدة وجندي واحد. يصرخ الشباب ويجرون إلى المدخل. ينظر الجندي فوق المدرعة إلينا في ذعر ودهشة ولا يحرك ساكنا. يتجاوز الشباب المدرعة ويكسرون الباب الحديدي العادي ويدخلون إلى ساحة بها مبان ملحقة ويتجهون فورا إلى باب داخلي مؤد إلى مباني أمن الدولة. المجموعة التي تصعد السلم وتحاول كسر قفل الباب تهتف بالشهادتين وتصرخ: أهلا بالشهادة! حدقت أنظارنا في الداخل، توقعنا طلقات قناصة أو ظهور ضباط أو جنود. ولكن الشباب كانوا يقتحمون الباب ويعتلون السور وهم يصرخون: الله أكبر!

انتشر الشباب في المباني المختلفة، يكسرون الأبواب بأقدامهم وبطفايات الحريق، يقلبون في الأوراق والملفات وينصحون بعضهم بعضا بالحفاظ على كل شيء. أحدهم انتابته هستيريا وأخذ يركل الكراسي ويرمي بالأدراج ويركل المكاتب، فاحتضنه أحدهم هاتفا: مش هانخرب حاجة، حافظوا على كل حاجة!

أمام ثلاجة مياه وقف بعض الشباب يتناقشون حول أحقيتنا في شرب هذه المياه، وأحقيتنا في أخذ تذكارات من مكاتب الضباط.

آخرون يهتفون أن الأولوية هي العثور على أماكن احتجاز المعتقلين. بين حين وآخر يخرج شاب هاتفا أنه كان محتجزا في سجن الاستقبال، بعضهم يشكك ويقول إنهم كانوا من العمال القلائل الباقين في المبنى، يذوبون وسط الزحام ويشتركون في تفتيش المكاتب وحمل الملفات إلى الخارج ويرفضون الحديث مع أحد، بعضهم يبكي وبعضهم يصرخ: تحيا مصر .. تحيا مصر!

سريعا يشكل المقتحمون مجموعة لاستلام الملفات وتجميعها قرب المدخل. شباب سلفيون ينخرطون في بكاء وهم جالسون على مكاتب الضباط يقلبون في الأوراق. بين حين وآخر يدوي هتاف: ملف كنيسة القديسين! ملف عبارة السلام! ملفات الإخوان هنا!

شباب فتحوا أجهزة الكمبيوتر وانتزعوا منها القرص الصلب وسلموه إلى اللجنة بالخارج.

جنود الجيش والشرطة العسكرية يتجولون في الممرات حولنا غير مصدقين ويحاولون إقناع الشباب بالخروج. شاب سلفي يصرخ فيهم: أنا اتعذبت هنا! مش خارجين! يقترح البعض: مش هانمشي إلا لما النيابة تيجي وتستلم المبنى والملفات! ينتشر الاقتراح ويتحول إلى إجماع: لن نسلم الأوراق إلى الجيش، نريد لجنة من النيابة والقضاء لتستلم الملفات والمبنى.

يحاول الجيش إيقاف سيل المواطنين الذين سمعوا بالاقتحام وتوافدوا إلى الداخل. كثيرون يلتقطون صورا تذكارية في مكاتب الضباط، وبعض الشباب وصلوا إلى قمة المبنى الرئيسي وأنزلوا علما فوقه وسط هتافات الشباب.

الشباب يضعون الأعلام على السور خلف أكوام الوثائق والملفات والأقراص الصلبة. أكوام أخرى من الوثائق المفرومة. شاب يصرخ بجانب كومة مفرومة: الجيش اتأخر ليه؟ فرموا الملفات المهمة!

يطلب الجيش من الشباب الابتعاد عن الملفات، ولكن الشباب يرفضون ويتفاوضون مع أحد الضباط ويقنعونه بتشكيل مجموعة لحراسة الملفات مع بعض الجنود. نجلس فوق أكوام الملفات وأمامنا صف من الجنود المسلحين.

يحضر مستشار يعرف نفسه للشباب بأنه المستشار وليد شرابي. يطلب ظابط الجيش منا الرحيل فيرفض المستشار ويطلب اختيار عشرين شابا يبقون معه للمساعدة في نقل الملفات ويختارهم من بيننا.

نعرف أن أعدادا أكثر تتجمهر بالخارج، أنباء عن وصول النائب العام إلى المبنى. نشاهد المستشار زكريا عبدالعزيز يدخل. يطمئن الشباب ويبدأون في طاعة أوامر الجيش بالخروج بعد خضوعهم للتفتيش. في الخارج حشود كبيرة تتجمهر أمام المداخل وتشير بعلامة النصر للخارجين والكل يهتف: أمن الدولة بره! مصر هاتفضل حرة!


15 February 2011

عندما طارد الخيال الواقع في شوارع مصر .. وأسقطه



في كل لحظة كان يقال لنا: "يكفي هذا. ما تحقق جميل، لا تضيعوه"، كنا ننقسم ونتناقش بحدة وعنف وقلق على "ثورتنا". ولكن في النهاية كان خيالا ما يجمعنا ويشجعنا على الاستمرار معا وتخيل لحظة قادمة أجمل.
منذ 25 يناير حين انطلقت الشرارة وحتى 11 فبراير حين أصابت هدفها كان الواقع يتقلب بين إنعاش التفاؤل وإثارة الإحباط. ولكن خيالا ما كان هو سيد هذه المغامرة: لو كنا اكتفينا في كل لحظة بالتي سبقتها لما وصلنا لهذه اللحظة الجديدة، لنمضي قدما!
منذ أن تفرق اعتصام التحرير مساء 25 يناير كان الخيال يجمع المجموعات الصغيرة التي تناثرت في وسط القاهرة لتتجمع ثانية وتستمر في التظاهر حتى فجر اليوم التالي وعندما تعبت الجموع كان هناك إصرار على المعاودة في اليوم التالي.
في شوارع مصر وفضاءاتها الافتراضية كانت جماعة تتشكل منذ سنوات. جماعة أكبر من كل المجموعات الناشطة، جماعة كان يجمعها خيال عنيد: نحن نستحق أفضل من هذا ومستعدون للمغامرة في سبيل ذلك، مستعدون للوقوف في وقفات احتجاجية من عشرات أو مئات، مستعدون للمحاولة مرة بعد مرة.
هذه الجماعة التي بلا مركز ولا رأس، هي أيضا مجرد خيال يجمع أفرادا ومجموعات متناثرة تحاول هنا وهناك في أمل وإصرار. كل هؤلاء الذين قرروا الاعتناء بأنفسهم ولم يتوقفوا عن الأمل والتفاؤل، وعن إبداع وسائل وأشكال جديدة في سبيل ذلك، كانوا يتضفرون في المجال العام بوجهيه: الواقعي والافتراضي، في الشارع وعلى الإنترنت.
منذ أول هتاف للتغيير في 2004: "يسقط مبارك" وحتى الحركة الواسعة في 2010 التي رفضت السكوت على قتل خالد سعيد. كانت الجماعة تتشكل وتضم إليها المزيد من المجموعات والأفراد.
كان العماد الرئيسي لهذه المجموعة هم الشباب الذين على هامش كل كل الجماعات القديمة المنهكة. كان الشباب قد بدأوا يتقدمون الصفوف وتكاد تلهث ورائهم الأجيال الأكبر: شباب المدونين وشباب 6 إبريل والشباب الذين تقدموا حملة ترشيح البرادعي، وتقدموا البرادعي نفسه، وشباب حملة كلنا خالد سعيد.
هذه الجماعة التي لم تكن تدري حجمها الحقيقي ولا تأثيرها، كان شعورها يتصاعد ظهر 25 يناير أنها على موعد.
الذين دعوا إلى التظاهر يوم 25 يناير والذين سخروا من الدعوة، الذين أسموها ثورة والذين دعوا لتخفيض التوقعات، الذين تفائلوا والذين لم يتفائلوا، الذين قرروا المشاركة والذين قرروا التجاهل، كل هؤلاء بدا لهم يوم 25 يناير مختلفا، وانضموا تدريجيا إلى ركب الخيال.
الخيال رفع سقف المطالب لحظيا من التفاصيل إلى "سقوط النظام"، وسطوته هي التي أعادت الجموع أضعافا مضاعفة إلى الشارع يوم الجمعة 28 يناير.
قطع الاتصالات في خطوة غير مسبوقة كان من ناحية إظهارا لمدى قبح ورداءة هذا النظام المرتعد من تواصل تلك الجماعة الآملة من شعبه، ولكنه من ناحية أخرى أبلغ هذه الجماعة رسالة: أنها أقوى مما تتصور مما يستدعي هذا التصعيد الكبير. ورغم التوقع بحدوث مجزرة ضخمة وقمع استثنائي إلا أن الخيال قادها إلى الشوارع وبدت جموع الشرطة في مواجهة هذه الجماعة ومن تعاطف معها عقبة يمكن تجاوزها.
في نهاية اليوم انهارت قوات الشرطة وبدا "النظام" ضعيفا وخائرا بدون سطوته الأمنية التي كانت تطارد الخيال وتحافظ على الأمر الواقع واستقراره وبدأ اعتصام التحرير.
اعتصام التحرير كان تشبث هذه الجماعة بلحظة اكتشافها لنفسها في مواجهة نظام يتشبث بما تبقى من هيبته بعد أن فقد عصاه وخوذته.
اعتصام التحرير بدا خارج السيطرة تماما إلا من سطوة الخيال المغامر الذي ازداد حماسة عند كل تنازل من نظام يتداعى. كانت حسابات الواقع تقلقنا، ويثير أسانا ركون المجتمع إلى الاستقرار والأمان واستعادة الهدوء وحصاره المعنوي لحماستنا إلى المزيد. ولكن سطوة الخيال لم تدع لنا خيارا. من سيبتعد خطوات عن هذه الجماعة مع أي ادعاءات للحكمة يجد نفسه مرة أخرى في الواقع بعيدا عن لمسة الجنون الشائقة للخيال.
لقد ذهب الخيال إلى مداه. طارد الواقع وأمسكه من خناقه ثم - بلغة مواجهات الشارع – سحله خلفه في شوارع مصر... وسقط النظام!
اللحظة الجديدة التي تنتمي للخيال أكثر منها للواقع لا تزال تثير فزع هؤلاء الذين لم يجربوا أن يثقوا في خيالهم وأن يشتركوا في المغامرة. الثورة مستمرة، والمجتمع المصري لم يقفز بعد فوق كل مشاكله. الأمرالواقع سيحاول محاصرة الثورة كل لحظة والخيال سيدفعها نحو المزيد.
ثقوا في خيالكم، تقبلوا المغامرة والمخاطرة. أمامكم حياة لتخترعوها!


12 February 2011

عيشوا كراما تحت ظل العلم



في التاكسي الذي كان ينقلني من مظاهرة صلاح سالم إلى المظاهرة أمام نادي هليوبوليس، بحثا عن أقرب مكان إلى قصر العروبة، سمعت صوتا في الراديو يعلن رحيل مبارك.
كان سائق التاكسي قبل ثوان يحاول إقناعي بأنه لا شيء جديد سيحدث والأفضل أن تتوقف المظاهرات وأن نعود لحياتنا. قلت له أننا في لحظة قوتنا وأنه أصبح مجرد رئيس مثير للشفقة ولا يجب علينا أن نتراجع. كان الجميع يترقبون لحظة النهاية، ولكن رغم ذلك جاء رحيل الرئيس وانهيار النظام الحاكم كله كمفاجأة مدهشة. ضبابية الحلم الطويل الذي نعيشه منذ 25 يناير تتلون الآن بالفانتازيا!
وكأنني لأول مرة أسمع "عيشوا كراما تحت ظل العلم" من أم كلثوم عندما بثتها تلك الإذاعة عقب الخطاب القصير.
وسط الحشود كنت كأنني في لحظة ارتباك بين حلم ويقظة. مذهولا وجذلا، جادا وساخرا، فخورا وخجلا، واثقا ومرتبكا. لم أحتمل الزحام العنيف في ميدان التحرير. اشتريت علما لأول مرة وذهبت إلى مقهى قريب واحتفتت مع رفاق تظاهرنا معا عشرات ومئات لسنوات، وانتشينا عندما كنا آلافا قليلة. ابتهجت بالوجوه التي شاركتها التقلب بين التفاؤل والإحباط ولكننا لم تتوقف عن العناد والحركة بمسئولية ما تجاه أنفسنا وتجاه وجودنا في هذا العالم وأن هذا الإحساس بالمسئولية يعني شيئا ولو كنا أفرادا معدودين ولو لم يحدث شيء.
السنة الماضية كنت أجاهد للنهوض من قاع اكتئاب عنيف منعني من التحرك مع حملة دعم البرادعي أو حملة الاحتجاج ضد تعذيب وقتل خالد سعيد. ولكن كنت أرقب من قريب اتساع نظاق الإحساس بالمسئولية تجاه مصيرنا الجماعي. لم أتوقع أن يكون قد وصل لهذه الدرجة المذهلة، ولكن يبدو أن عطر الياسمين التونسي أنعش خيالنا.
ما حدث أن الخيال سحل كل حسابات الواقع في شوارع القاهرة. كانت كل محاولة للارتفاع ورؤية ما يحدث من أعلى مثيرة للقلق والإحباط. وكانت كل مشاركة على الأرض كنفر من أنفار الثورة مثيرة للبهجة والنشوة والحماسة. وسط تلك الجماعة التي تحركت بمسئولية وتقبلت المغامرة كان الشعور بالألفة والقوة والكرامة.
الأيام الماضية قبلت المغامرة، بلا أدنى رغبة في الموت شهيدا. كنت مستمتعا بكل لحظة ومتشبثا بهذه المتعة والعودة إليها إلى ما لا نهاية. افتقدت الموسيقى والسينما ومقهى الكيت كات وأصدقاء وأحباب لم يجمعني بهم ميدان الثورة.
منذ فارقت الميدان قرب الفجر، لا يزال يغلبني البكاء إلى هذه اللحظة، أعتقد أنه سيتوقف عندما أعود بعد لحظات إلى هناك.
صباح اليوم ابتهجت عندما عثرت على أغنية "مصر التي في خاطري" بصوت دلال أبو آمنة.
"عيشوا كراما تحت ظل العلم!"

لن نشفى من الياسمين أبدا


شيء ما كان بيننا يقول أن هذه المرة ليست ككل مرة، وأن لقاءنا في تلك اللحظة كان هو الموعد.
غضب 25 يناير، الذي لم يكن يريد أن ينتهي، حصد أولى ثماره.
انفتح باب إلى الحرية، وأمامنا مسيرة طويلة وصعبة في سبيلها. لن نُشفى من الياسمين أبدا!

11 February 2011

إلى شوارع جديدة ولحظات جديدة



ملمس الأسفلت أمام مبنى ماسبيرو كان منعشا ليلة أمس.
بعد منتصف الليل، وخطاب مبارك المثير للشفقة أكثر من الإحباط، امتلأ ميدان التحرير عن آخره بشرا وغضبا. كان تقديرنا مبالغا لما تبقى من كرامة مبارك وتقديره للأمور، كنا نظنها تكفي لكي يستسلم لحقيقة أن له لم يعد الاستمرار ممكنا ويكفي هذا.
مبارك يرفض الاستسلام للحقيقة ولكنه ينحني أكثر فأكثر أمام الشارع، إذن: إلى الشارع !
الحشود التي بدأ يضيق بها ميدان التحرير تتجه إلى شوراع جديدة: قصر العروبة ومبنى ماسبيرو، بعد أن تم احتلال شارع مجلس الشعب ومحاصرة مباني البرلمان ومجلس الوزراء. الشوارع الجديدة تفتح الباب أمام لحظات جديدة.
كل لحظة يقال لنا فيها: "ما تحقق جميل وعظيم! يكفي هذا!" تدفعنا لصنع لحظات جديدة. هذه اللحظة لم تكن لتكون لو كنا اكتفينا باللحظات السابقة. غضب 25 يناير لا يريد أن ينتهي .. ولا يجب. أمامنا معركة طويلة من أجل الحرية. إسقاط مبارك ليس إلا مجرد تدشين للمعركة الأكبر. النظام الذي ينحني كل يوم معترفا بأن مطالبنا مشروعة وممكنة عليه أن يستمر في الاستجابة للمزيد منها.
مبادرات الشارع تقود الشارع. كل أصوات مجموعات التمثيل والحوار والتفاوض والمبادرات، المشكورة، تعبر عن أصحابها، المشكورين. على كل المجموعات والمبادرات أن تنطلق وتتحرك بدون محاولة البحث عن تفويض وتمثيل. هذه ثورة شارع شعبية . محاولات توجهيها والتأثير فيها ونقدها مشروعة بالتأكيد. ولكن على كل المحاولات، المنحازة للثورة، أن تحاول ملاحقة إيقاع الشارع والتناغم مع اللحظة الحالية لكي تستطيع أن تساهم في تشكيل اللحظة القادمة.
صوت كل منا وقدمه الموجودة في الشارع ونقاشنا على المفارق والحواجز وعلى الأسفلت يشكل اللحظة الحالية والقادمة.
إلى الشوارع الجديدة!


الصورة من روان الشيمي

26 January 2011

الثالثة تابتة



تمنيت أن أبيت الليلة في ميدان التحرير، كتلك الليلة، ولكن لا بأس.
استلقيت على الأسفلت، هتفت كثيرا، استنشفت بعضا من الغاز المسيل للدموع التي ترقرقت فقط في عيني. ركضت في شوارع وسط القاهرة وسط مجانين أعزاء ودوا لو تظاهروا حتى الصباح، استمعت إلى أوامر من لا أعرفهم وشاهدت تفاوضا عند كل مفرق حول طريق المظاهرة. ألقيت بعضا من الحجارة على الجنود الذين هاجمونا تحت نفق أحمد حلمي ثم هربت مع الجموع إلى حواري السبتية والقللي.
وددت لو تابعت الإصرار المجنون على البقاء في الشارع حتى الصباح ولكنه بدا في الثالثة فجرا في حواري روض الفرج خيارا عبثيا.
في التاكسي ابتهجت بأغنية عمرو دياب القديمة نسبيا، ولأن قفل المرحاض العمومي في ميدان التحرير، الذي كسره الرفاق وفتحوا أبواب المرحاض للجماهير، لا يزال في جيبي.
غدا يوم جديد.

04 January 2011

ربع درجة ستيجماتيزم


قبل خمسة عشر عاما تقريبا قالت لي مِس عزيزة مدرسة الرياضيات، أن شعري خفيف وأني سأصاب بالصلع قبل أن أتم الثلاثين. وأصابني ذلك بالرعب.
لقد أتممت الآن ثلاثين عاما، لم يصبني الصلع. لا زال شعري خفيفا، ولكنه لا زال هناك. وليكن كلامي خفيفا عليه!
قدري السمح لا يزال كريما معي، بل فقدت في عامي الأخير الكثير من وزني ومعظم الكرش. بشكل ما لا أصدق أني سأصاحب في الحياة كرشا بارزا، اعتبرته دائما عرضا زائلا سيفارقني. انتظرت في السنين الفائتة لحظة نشاط وانضباط تعيدني إلى الرياضة لأستعيد قوامي الرياضي الذي أؤمن أنه لي مهما حدث. لم يحدث ذلك حتى الآن ولكن يمكن اعتبار السنة الفائتة للتو برنامج خاص للتخسيس بالعصف الذهني والعصبي والنفسي.
لم يكن هذا جيدا في معظمه ولا كان سيئا كله، ولكنه ما حدث لي. ورغم كل شيء طورت في البانيو عادة "الاسترخاء بينما أيامي ترتجف". كان مدهشا أن يسبقني سارتر إلى ذلك التعبير، كأني وأنا أقرؤه كنت أكتبه.
أنا وجسدي في الماء الساخن وكوب من الشاي الأخضر بالنعناع، مؤخرا أميل لشاي "ديلما" تحديدا، مع صوت موسيقى من السماعات النقية في الصالة، مؤخرا أميل للأدوار التي لحنها داود حسني لتغنيها ليلى مراد.
الاسترخاء والانفصال التام، الحالة اللا إنسانية من الانسحاب من كل منحنيات الحيوية الإنسانية المرهقة:الأنس والوحشة، اللذة والألم، البهجة والأسى، الحنين والفقد. فقط ذلك الخدر الذي لا يمكن وصفه باللذيذ، فقط خدر، توقُف، تعليق لكل شيء إلى حين. يدي تمر على جسدي وهي منه، نظري يتوه عند منابت الشعر في فخذي، كل شيء على ما يرام. الرضا الكامل بيني وبين جسدي وسمعي وبصري وما أتذوقه. فقط الرضا لا الإعجاب، لا شيء يعجبني، لا شيء يزعجني. ما لا أراه لا أذكره.
أستثني نظارتي التي تذكرني بها يدي وهي تبحث عنها لا إراديا، اعتادت ان تعدل من وضعها لكي لا تنزلق فوق أنفي. أبتسم وأهرش في أنفي لكي لا تعود يدي بلا طائل.
بسببها، النظارة، ذهبت أول أمس إلى طبيب العيون نفسه الذي ذهبت إليه أول مرة، وكانت الوحيدة، قبل عشر سنوات. كان هو نفسه لم يتغير كثيرا، وعندما فحص عينيّ قال لي نفس ما قاله منذ عشر سنوات: نظرك جيد، لا تحتاج إلى النظارة، ولكن استعملها في القراءة والكتابة وعند التركيز لتحافظ على نظرك إن كنت تقرأ أو تكتب بكثافة.
رددت عليه بما قلته منذ عشر سنوات ثم أخبرته بأننا نعيد مشهدا قديما بتطابق مدهش، فضحك. قلت له أني أعلم أن نظري جيد لا يزال، انا فقط جئت أريد عمل نظارة جديدة بينما فقدت ورقة الكشف الذي مر عليه عشر سنوات.
عشر سنوات مدة طويلة.
قبل عشر سنوات كنت في السنة الثانية بكلية الهندسة فاقدا كل حماسة لدراسة الهندسة، مفتقدا الشغف الذي جعلني التلميذ الأثير عند مس عزيزة وكل مدرسي الرياضيات الذين عرفتهم، أفكر في الانتقال إلى كلية الآداب أو السياسة والاقتصاد بينما يبدو ذلك مستحيلا عمليا، أقترب من الاستسلام بكامل السعادة لفكرة أني وقعت في غرام زميلتي التي تبقى مثلي في المدرج بين المحاضرات وتأكل سندوتشات أحضرتها معها من المنزل، فأستعيد بعضا من الشغف لأكون الأول في مادتين اخترتهما فقط لألفت نظرها أني فقط قررت ألا أكون مهندسا ولكني لست بليدا، وأني بشكل ما أفعل ما أريد إن مسني الشغف.
شرحت لها هذا فيما بعد، بعد سنة ونصف تقريبا ونحن واقفين في الممر بجوار مبنى قسم العمارة، وقلت لها أن ما أريده وٍسأفعله أني سأدرس الفلسفة وسأعمل صحفيا ولكن بعد بضع سنوات من العمل مهندسا لكي يمكن لنا أن نتزوج سريعا. وعندما انتهيت من قول ذلك انفجرَتْ في الضحك.
أكملتُ بمنتهى الجدية أن عليها أن تستعد لكوني لن أسعى في أي وقت للترف ولن نسافر أبدا إلى الخليج مهما حدث وسأتورط دائما في السياسة ولكن يغلب على ظني أني سأعيش مرتاحا ولن يصيبني أذى كبيرا.
لقد حدث كل ما قلته تماما، بشكل يبدو لي غريبا ومثيرا للإعجاب، إلا أننا لم نتزوج. نظارتي وشعري الخفيف لا يزالا يعجبانني في صور حفل الخطوبة.
قبل ساعات من نهاية السنة انكسر مسند نظارة السنوات العشر. كنت قد حلمت قبل أسابيع أني أشتري نظارة جديدة بدون إطار بأذرع سوداء لامعة بعض الشيء وأرى نفسي في مرآة المحل تحت أضواء قوية تظهر خفة كثافة شعري.
بالأمس اشتريت نظارة جديدة تماما كالتي حلمت بها ولم يبد لي شعري في المرآة خفيفا بدرجة مقلقة. سأستلمها اليوم.

31 October 2010

بكرين


لو كانت السخافة سائلا لكان منسوبها قد تجاوزارتفاع الحاجز الذي أوجع استنادي إليه ظهري في مؤخرة العربة نصف النقل. كانت العربة تشق طريق الظافرية من وسط سيوة لتأخذنا في جولة إلى جبل الدكرور وما حوله. ولو لم نكن وصلنا في تلك اللحظة لكنت قفزت في أي مكان وعدت مشيا إلى أي مكان بعيدا عن هذه الصحبة التي جمعت أتعس القاهريين والسيويين والأوريبيين.

كانت مشاعرنا متبادلة وكنت متأكدا أني أيضا في نظرهم مشارك في صناعة بحيرة السخافة التي نسبح فيها. لا أدري إن كانت سيوة لم ترق لي أم أن سخافة تلك المجموعة غير المتجانسة، التي ورطتني زميلتي المصورة في صحبتهم لليلة في الصحراء، قد انتهكت مزاجي.

انتظرتهم حتى قفزوا جميعا قبلي، كنت أستجمع مزاجي لأتحرك، وفكرت أن أنتظرهم هنا بما أنهم كلهم ذهبوا. ولكن شجعني مرأى بعض أفراد الطريقة المدنية الشاذلية يهمهمون ويتمايلون جالسين في مكان ما منبسط يصعد إليه سلم من سفح التل الذي يسمونه جبل.

تسلقت زميلتي المصورة الجبل لتلتقط الغروب ومعها السيدتان الأوروبيتان. تجول القاهريون مع السيويين قرب السفح . صعدت السلم متجها إلى مجموعة الصوفية. خلعت حذائي قبل أن أخطو على الجصيرة الخضراء، وألقيت السلام. ابتسم رجل وقور بتساؤل فعرّفت نفسي، وسلمت على شاب ذي ملامح أوروربية ولكنه يرتدي الثوب السيوي التقليدي، وكهل أسمر ذي ابتسامة عذبة وعينين طيبتين.

الملامح المتسائلة للرجل الوقور كانت تقول لي: هات أسئلتك يا صحفي. ابتسامة الكهل الطيب سألتني: إنت منين؟ قلت له: من إمبابة. اتسعت ابتسامته أكثر- ولم أكن أظن أن هناك أكثر - وقال: يا الله، انا قضيت تجنيدي في مطار إمبابة. اقترب مني أكثر وربت على كتفي: أنتم أهل كرم والله، كل ما كنت أقعد على قهوة أشرب شاي وبعدين أطلب الحساب، صاحب القهوة أو واحد قاعد يقول لي توكّل على الله يا دفعة، الله معاك! شربت الشاي طوال تجنيدي مجانا. تشرب شاي بقى؟
ابتسمت
: طبعا، بس خفيف، شايكم في سيوة تقيل. يضحك: تحت أمرك يا ... اسم الكريم إيه؟

عرفت أن اسمه بكرين، وأنه من منشدي الطريقة، موظف على المعاش في وزارة الكهرباء وعنده حقل زيتون صغير وستة أبناء.
عندما ذهب ليحضر الشاي، تبادلت مع الشيخ الوقور كلاما رسميا عن الطريقة، وحاولت أن أعرف شيئا عن الشاب الأوروبي، فقال لي أنه فرنسي اسمه ستيفن وأنه كان صحفيا قبل أن يصبح
"حرا مثل الفراشة" يقضي نصف السنة في باريس ونصفها في سيوة مع الصوفية، ولكنه لن يتحدث عن حكايته للصحافة، مال عليّ مستبقا: أعرف أنك ستقول أنك لست كباقي الصحفيين، ولكني لن أتحدث إلى أي صحفي. منظر ستيفن يثير شهية الصحفيين بالتأكيد، الأوروبي وسط صوفيي سيوة.
استأت من ستيفن بدون أن أظهر ذلك، فكرت أني أحب روح بكرين وأحب هؤلاء الذين لا يحتلون صدارة المشاهد بسخافة وفي الوقت نفسه لا يتمنعون عن الظهور في تواضع باطنه الترفع
. أحترم بعض الخصوصية، المزيد منها ضد شغلي بوضوح، والوجود في جانب كبير منه ظهور ومشاركة. فكرت أني بالتأكيد سأكتب شيئا عن بكرين، وربما أجعل شيئا يخصه افتتاحية ما سأكتبه عن أعياد سيوة.

كنا قبل يومين من بداية الأعياد، وأعضاء الطريقة يستعدون بمراجعة الأشعار والأناشيد. عاد بكرين بالشاي وأتى صبي ومعه أوراق بها نصوص الأشعار وجلس أمام بكرين مستعدا للإنشاد. طلبت نسخة من الأوراق، فقال ستيفن أنه سيعد واحدة لي غدا، ومال عليّ وأخبرني أنه يبيع شريحة ذاكرة عليها تسجيلات للقصائد وأخبرني السعر. اشتريتها منه فورا وأنا أبتسم وأقول في نفسي في سخرية، مبعثها أنه أحرجني قليلا، أني عرفت من أين تأكل الفراشة!

ولكني فكرت أيضا متعاطفا أنه قد يكون صوفيا هائما أو من هؤلاء الروحانيين المهاويس الذين يجوبون العالم يجربون كل تجليات الروحانية وربما كان باحث أنثروبولوجي يتم هنا بحثه الميداني، وفي كل الأحوال يساعد نفسه ببيع هذه الشرائح للسياح والمهتمين.

أكملت مع نفسي بعض الاحتمالات، منها: قد يكون مندوب شركة تسجيلات فرنسية ستسوّق هذه التسجيلات، ولكن لو كان كذلك لما باعها لي.

انتشلني من أفكاري إنشاد بكرين وهو يعلم الصبي. قصائد بسيطة وعذبة، المعاني نفسها في معظم قصائد الصوفية ولكن بتعبيرات مختلفة: "وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها/ ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي". و"تيهتموني في بديع جمالكم/ فلم أدر في بحر الهوى أين موضعي".

في صوت بكرين شجن متعاطف يتلوّن كلما مر على التفاتة رقيقة. كنت على وشك البكاء بالفعل من وقع صوته ورقة القصائد التي كانت تجعلني أشرد متذكرا أحلام الليلة الماضية، زارني فيها بعض من أفتقدهم وبعض من فقدتهم وبعض من لا أعرفهم. تعيدني تلونات صوته إلى الانتباه مرة آخرى مع قصيدة جديدة.

أوقف ستيفن بكرين وسأله عن معنى قصيدة:" لو تهتكنا عليكم لا نلام"، كان بكرين يحاول أن يشرحها له ولكن لم تسعفه التعبيرات. أنا نظرت إليه صامتا، قال لي: إنت عارف معناها؟ قلت له مبتسما : أيوه، بس أنا صحفي ومش هاقول لك؟ فابتسم وضحك بكرين.

كان الصبي قد قام وأكمل بكرين الإنشاد وحده فتناولت الورقة التي تركها الشيخ الوقور وأنشدت معه حتى وصلنا إلى شطر بيت بعينه أخذ بكرين يكرره: "إليكم تذل النفس وهي عزيزة" ولا ينتقل إلى الشطر الآخر. توقفت عن الترديد معه ووضعت الورقة ونظرت إليه. انتبه لذلك فتوقف وقال لي: تعبت؟ ابتسمت وأنا أقول له: تعبت جدا، ولم أدر في بحر الهوى أين موضعي. كفاية ذل بقى!

ضحك وأكمل: إليكم تذل النفس وهي عزيزة/ وليست تذل النفس إلا لمن تهوى.

فكرت أنه يحاول أن يضبط إنشاده على الإيقاع المميز الذي لم أستسغه في البداية حتى اشتركت في الإنشاد ففهمته وأحببته. أخذت أتأمله وهو يردد نفس البيت مرة أخرى، شعرت تجاهه بمزيد من الألفة جعلتني أقاطعه: بخصوص الذل، رامي عياش بيقول: يا حلاوتك وإنت على قلبي قاسي، يا غلاوتك وإنت هاجر وناسي.

انفجر بكرين ضاحكا، وابتسم ستيفن: إيه الكلام ده؟ قلت: دي قصيدة "يا مسهر عيني"، انت فاهم كلام الأغنية؟ هز رأسه أن نعم. فقلت: هو ده التهتك.

هز بكرين رأسه مؤمنّا واتسعت ابتسامته الدائمة مرة أخرى.


الصورة: أنا وبكرين، خلفنا بعض متاع أهل الطريقة وعلى يسراي آثار معركة مع ناموس سيوة - تصوير: مصطفى أحمد