22 December 2010

شيء ما حدث لي


,,
ذات مساء من أكثر من عشرين سنة، كان جياكومتي، النحات والمصوّر السويسري، يعبر ميدانا فصدمته سيارة وأصيب بجرح والتوت ساقه. وفي الإغماءة اليقظة التي راح فيها شعر أولا بنوع من البهجة: "أخيرا شيء ما حدث لي!".

إني أعرف راديكاليته، فقد كان ينتظر الأسوأ، إن هذه الحياة التي يحبها إلى الدرجة التي لم يكن يتمنى معها حياة أخرى، كانت حياة مقلوبة، وربما محطمة بحماقة عنف الصدفة. وكان يقول لنفسه: "لم أوجد إذا لأنحت، ولا حتى لأعيش، لم أوجد لشيء".
إن ما كان يحمسه هو نظام السببية المهدد عندما يُرفع عنه القناع فجأة، ويُحرق في أضواء المدينة وفي الناس وفي جسمه هو نفسه وقد تلطخ بالوحل بتلك النظرة المحجرة ككوارث الطبيعة.
إني أعجب بهذه الإرادة التي تقبل كل شيء. وإن كنا نحب المفاجآت فينبغي أن نحبها حتى ذلك الحد، حتى ومضاتها النادرة التي تكشف للهواة أن الأرض لم تخلق لهم.

في مقتبل عمري كنت أدعي أني لا أحب غير المفاجآت. كان على كل خيط من نسيج حياتي أن يكون غير متوقع وأن تنبعث منه رائحة الطلاء الجديد. كنت أقبل مقدما الظروف الطارئة والحوادث المزعجة، ولكي أكون عادلا يجب أن أقول أني كنت أقبلها قبولا حسنا.
وذات مساء انطفأت الكهرباء بسبب عطل، وناداني أحدهم من غرفة أخرى، وتقدمت مندفعا فاصطدم رأسي بمصراع الباب، وكانت الصدمة قوية بحيث كسرت لي سنا من أسناني. شعرت بنوع من المرح وضحكت له رغم الألم، كما سوف يضحك جياكومتي بعد ذلك بسبب ما حدث لساقه.
الأمر أنني كنت قد قررت مسبقا أن تكون لقصتي نهاية سعيدة، فرأيت في هذه السن المكسورة علامة، تنبيها غامضا سوف أفهمه فيما بعد.
ربما فقدت ذراعا أو ساقا أو عيني. ولكن لأن كل شيء يتوقف على الأسلوب فإن مصائبي لن تكون أبدا سوى محن، سوى وسائل لعمل كتاب. تعلمت أن أتقبل الأحزان، ورأيت فيها بواكير "موتي الانتصاري" والدرجات التي ينحتها ليرفعني إليها.
إن هذه العناية الفظة قليلا لم أكن أستقبحها، وكنت مهتما بأن أظهر جديرا بها. كنت أعتبر الأسوأ شرط الأفضل. إن أخطائي نفسها كانت تفيد، وهذا يعني أني لم أكن أقترف أخطاء. سوف أكسب الحرب من كثرة خسارة المعارك.

لقد أهملت الوقاية ونسيت أن أرتدي معطفي وكوفيتي. أفضل دائما أن أتهم نفسي على أن أتهم العالم، لا عن سلامة قلب، ولكن لكي لا أكون متعلقا إلا بنفسي. إن هذا التكبر لم يكن يمنع التواضع، وكنت أعتقد طوعا بأني كنت عرضة للخطأ بقدر ما كان ضعفي أقصر طريق طبيعي إلى "الخير". وكنت أرتب أمري لأشعر في حركة حياتي بجاذبية لا تقاوم كانت لا تنقطع في إجباري، حتى على الرغم مني، على تحقيق تقدم جديد.

كثيرا ما كان يقال لي: إن الماضي يدفعنا. ولكني كنت واثقا أن المستقبل يشدني. لقد دسست في نفسي "تقدم البرجوازيين" المتصل، وجعلت منه محركا ذا اشتعال داخلي، وهبطت بقيمة الماضي أمام الحاضر، والحاضر أمام المستقبل. وحولت التطورية الهادئة إلى نوبات ثورية متقطعة.

لقد أسات التصرف أمس. لانه كان أمس. وأحس اليوم الحكم القاسي الذي سوف أصدره على نفسي غدا. إني أمنع نفسي من الاقتراب من ماضيّ. المراهقة والسن الناضجة وحتى السنة التي مضت للتو، كل ذلك سوف يكون دائما العهد القديم. الجديد يبدأ في الساعة الحاضرة، ولكنه ليس مشيّدا على الإطلاق، إنه سيهدم غدا مجانا ... وقد أوتيت حماقة الافتتان بذلك.

أعترف في بشاشة وتواضع ماكر: أنا موهوب للنقد الذاتي. وأتلذذ بصفاء بصيرتي. منذ بداية عمري "أدركت" حقا كل شيء من غير معرفة ولا كلمات، ربما بشكل أعمى. موتي هو سبب ولادتي، وولادتي تقذفني نحو موتي. مشدود حتى التمزق بين هذين الطرفين. أموت وأحيا عند كل خفقة قلب. أصبحت آخرتي مستقبلي: كان ذلك يضرب كل لحظة بالعبث، مهما كان مضمونها. وكان ذلك في عمق مركز انتباهي، وشرودي الأعمق، وتسليتي الأشد عمقا. كان ذلك في فراغ كل امتلاء وفي الوهمية الخفيفة لكل واقع.

يكاد ذلك يقتل أحيانا طعم الحلوى في فمي، والأحزان والأفراح في قلبي. ولكن ذلك كان أيضا ينقذ أتفه اللحظات، فاللحظة في النهاية تأتي وتدفعني قدما. لقد أعطتني آخرتي الصبر على الحياة، فانتظرت.
في كل دقيقة كنت أنتظر الدقيقة المقبلة لأنها كانت تشد إليها الدقيقة التي تليها. عشت هانئا في العجلة المتناهية، وطورت عادتي "السيئة": أن أحاول الاسترخاء بينما أيامي ترتجف. متقدما دائما على نفسي، كان كل شيء يستغرقني، ولكن لا شيء يوقفني. يا له من عزاء!
،،
سارتر
"الكلمات"
نص مزيج من ترجمتي سهيل إدريس عن دار "الآداب" وخليل صابات عن دار "شرقيات" مع تصرف وتعديلات وإعادة ترتيب مني، بناء على معرفتي الشخصية الأوثق بسارتر وبإذن خاص منه في مقابلة تمت مساء أمس في مقهاي المفضل في الكيت كات.
قلت له أني أتمنى دراسة الفرنسية لأعيد ترجمة "الكلمات" مرة أخرى. فابتسم وعاتبني أولا على الاهتمام برفيقه اللدود ميرلو-بونتي السنة الماضية وهنأني - جادا وساخرا- بذكرى ميلادي، ثم قال لي: "أعد ترتيب كلماتي كما تشاء، نحن متفاهمان بالكامل رغم حواجز اللغة والترجمة. متفاهمان أنه لا يجب الجزع أبدا من سوء التفاهم، لأن هذا ما لدينا دائما، فقط نكتشفه عندما تختلف خططنا".

31 October 2010

بكرين


لو كانت السخافة سائلا لكان منسوبها قد تجاوزارتفاع الحاجز الذي أوجع استنادي إليه ظهري في مؤخرة العربة نصف النقل. كانت العربة تشق طريق الظافرية من وسط سيوة لتأخذنا في جولة إلى جبل الدكرور وما حوله. ولو لم نكن وصلنا في تلك اللحظة لكنت قفزت في أي مكان وعدت مشيا إلى أي مكان بعيدا عن هذه الصحبة التي جمعت أتعس القاهريين والسيويين والأوريبيين.

كانت مشاعرنا متبادلة وكنت متأكدا أني أيضا في نظرهم مشارك في صناعة بحيرة السخافة التي نسبح فيها. لا أدري إن كانت سيوة لم ترق لي أم أن سخافة تلك المجموعة غير المتجانسة، التي ورطتني زميلتي المصورة في صحبتهم لليلة في الصحراء، قد انتهكت مزاجي.

انتظرتهم حتى قفزوا جميعا قبلي، كنت أستجمع مزاجي لأتحرك، وفكرت أن أنتظرهم هنا بما أنهم كلهم ذهبوا. ولكن شجعني مرأى بعض أفراد الطريقة المدنية الشاذلية يهمهمون ويتمايلون جالسين في مكان ما منبسط يصعد إليه سلم من سفح التل الذي يسمونه جبل.

تسلقت زميلتي المصورة الجبل لتلتقط الغروب ومعها السيدتان الأوروبيتان. تجول القاهريون مع السيويين قرب السفح . صعدت السلم متجها إلى مجموعة الصوفية. خلعت حذائي قبل أن أخطو على الجصيرة الخضراء، وألقيت السلام. ابتسم رجل وقور بتساؤل فعرّفت نفسي، وسلمت على شاب ذي ملامح أوروربية ولكنه يرتدي الثوب السيوي التقليدي، وكهل أسمر ذي ابتسامة عذبة وعينين طيبتين.

الملامح المتسائلة للرجل الوقور كانت تقول لي: هات أسئلتك يا صحفي. ابتسامة الكهل الطيب سألتني: إنت منين؟ قلت له: من إمبابة. اتسعت ابتسامته أكثر- ولم أكن أظن أن هناك أكثر - وقال: يا الله، انا قضيت تجنيدي في مطار إمبابة. اقترب مني أكثر وربت على كتفي: أنتم أهل كرم والله، كل ما كنت أقعد على قهوة أشرب شاي وبعدين أطلب الحساب، صاحب القهوة أو واحد قاعد يقول لي توكّل على الله يا دفعة، الله معاك! شربت الشاي طوال تجنيدي مجانا. تشرب شاي بقى؟
ابتسمت
: طبعا، بس خفيف، شايكم في سيوة تقيل. يضحك: تحت أمرك يا ... اسم الكريم إيه؟

عرفت أن اسمه بكرين، وأنه من منشدي الطريقة، موظف على المعاش في وزارة الكهرباء وعنده حقل زيتون صغير وستة أبناء.
عندما ذهب ليحضر الشاي، تبادلت مع الشيخ الوقور كلاما رسميا عن الطريقة، وحاولت أن أعرف شيئا عن الشاب الأوروبي، فقال لي أنه فرنسي اسمه ستيفن وأنه كان صحفيا قبل أن يصبح
"حرا مثل الفراشة" يقضي نصف السنة في باريس ونصفها في سيوة مع الصوفية، ولكنه لن يتحدث عن حكايته للصحافة، مال عليّ مستبقا: أعرف أنك ستقول أنك لست كباقي الصحفيين، ولكني لن أتحدث إلى أي صحفي. منظر ستيفن يثير شهية الصحفيين بالتأكيد، الأوروبي وسط صوفيي سيوة.
استأت من ستيفن بدون أن أظهر ذلك، فكرت أني أحب روح بكرين وأحب هؤلاء الذين لا يحتلون صدارة المشاهد بسخافة وفي الوقت نفسه لا يتمنعون عن الظهور في تواضع باطنه الترفع
. أحترم بعض الخصوصية، المزيد منها ضد شغلي بوضوح، والوجود في جانب كبير منه ظهور ومشاركة. فكرت أني بالتأكيد سأكتب شيئا عن بكرين، وربما أجعل شيئا يخصه افتتاحية ما سأكتبه عن أعياد سيوة.

كنا قبل يومين من بداية الأعياد، وأعضاء الطريقة يستعدون بمراجعة الأشعار والأناشيد. عاد بكرين بالشاي وأتى صبي ومعه أوراق بها نصوص الأشعار وجلس أمام بكرين مستعدا للإنشاد. طلبت نسخة من الأوراق، فقال ستيفن أنه سيعد واحدة لي غدا، ومال عليّ وأخبرني أنه يبيع شريحة ذاكرة عليها تسجيلات للقصائد وأخبرني السعر. اشتريتها منه فورا وأنا أبتسم وأقول في نفسي في سخرية، مبعثها أنه أحرجني قليلا، أني عرفت من أين تأكل الفراشة!

ولكني فكرت أيضا متعاطفا أنه قد يكون صوفيا هائما أو من هؤلاء الروحانيين المهاويس الذين يجوبون العالم يجربون كل تجليات الروحانية وربما كان باحث أنثروبولوجي يتم هنا بحثه الميداني، وفي كل الأحوال يساعد نفسه ببيع هذه الشرائح للسياح والمهتمين.

أكملت مع نفسي بعض الاحتمالات، منها: قد يكون مندوب شركة تسجيلات فرنسية ستسوّق هذه التسجيلات، ولكن لو كان كذلك لما باعها لي.

انتشلني من أفكاري إنشاد بكرين وهو يعلم الصبي. قصائد بسيطة وعذبة، المعاني نفسها في معظم قصائد الصوفية ولكن بتعبيرات مختلفة: "وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها/ ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي". و"تيهتموني في بديع جمالكم/ فلم أدر في بحر الهوى أين موضعي".

في صوت بكرين شجن متعاطف يتلوّن كلما مر على التفاتة رقيقة. كنت على وشك البكاء بالفعل من وقع صوته ورقة القصائد التي كانت تجعلني أشرد متذكرا أحلام الليلة الماضية، زارني فيها بعض من أفتقدهم وبعض من فقدتهم وبعض من لا أعرفهم. تعيدني تلونات صوته إلى الانتباه مرة آخرى مع قصيدة جديدة.

أوقف ستيفن بكرين وسأله عن معنى قصيدة:" لو تهتكنا عليكم لا نلام"، كان بكرين يحاول أن يشرحها له ولكن لم تسعفه التعبيرات. أنا نظرت إليه صامتا، قال لي: إنت عارف معناها؟ قلت له مبتسما : أيوه، بس أنا صحفي ومش هاقول لك؟ فابتسم وضحك بكرين.

كان الصبي قد قام وأكمل بكرين الإنشاد وحده فتناولت الورقة التي تركها الشيخ الوقور وأنشدت معه حتى وصلنا إلى شطر بيت بعينه أخذ بكرين يكرره: "إليكم تذل النفس وهي عزيزة" ولا ينتقل إلى الشطر الآخر. توقفت عن الترديد معه ووضعت الورقة ونظرت إليه. انتبه لذلك فتوقف وقال لي: تعبت؟ ابتسمت وأنا أقول له: تعبت جدا، ولم أدر في بحر الهوى أين موضعي. كفاية ذل بقى!

ضحك وأكمل: إليكم تذل النفس وهي عزيزة/ وليست تذل النفس إلا لمن تهوى.

فكرت أنه يحاول أن يضبط إنشاده على الإيقاع المميز الذي لم أستسغه في البداية حتى اشتركت في الإنشاد ففهمته وأحببته. أخذت أتأمله وهو يردد نفس البيت مرة أخرى، شعرت تجاهه بمزيد من الألفة جعلتني أقاطعه: بخصوص الذل، رامي عياش بيقول: يا حلاوتك وإنت على قلبي قاسي، يا غلاوتك وإنت هاجر وناسي.

انفجر بكرين ضاحكا، وابتسم ستيفن: إيه الكلام ده؟ قلت: دي قصيدة "يا مسهر عيني"، انت فاهم كلام الأغنية؟ هز رأسه أن نعم. فقلت: هو ده التهتك.

هز بكرين رأسه مؤمنّا واتسعت ابتسامته الدائمة مرة أخرى.


الصورة: أنا وبكرين، خلفنا بعض متاع أهل الطريقة وعلى يسراي آثار معركة مع ناموس سيوة - تصوير: مصطفى أحمد

28 October 2010

أنا ومنتصر وسارتر وتامر حسني



في مقالات هذا الكتاب يصر أحمد منتصر على الخلط بين البنيوية والتفكيكية وأشياء أخرى ويرفض نصيحتي بمراجعة ذلك، ولكن ذلك ليس مهما.

الأهم أن هناك تفاهم كبير مضمر بيني وبين منتصر، ولذلك أكتب هذه المقدمة. التفاهم لا علاقة له بالاتفاق أو بالاختلاف مع ما يكتبه ولكن بـ"كيف يفكر أحمد منتصر؟". لا أقصد الكيفية التي يفكر بها فعلا، ولكن اختياره لعبارة "كيف يفكر أحمد منتصر؟" كعنوان لسلسة كتاباته في صفحته على الفيس بوك التي كانت المسودات الأولى لمعظم مقالات هذا الكتاب.

مصدر التفاهم، المتوهم من جانبي على الأقل، تلك الروح التي تطل من خلف العبارة تعلن الاعتزاز الشديد والمفرط أحيانا بالذات وما تعبر عنه، مع بعض السخرية منها استباقا لأي سخرية مضادة وتبسطا مع الذوات الأخرى التي من حقها أن تعتز بنفسها أيضا وأن تعبر عن ذلك.

الكثير من الفلاسفة الكبار كانوا سيخجلون من اختيار عنوان لهذا. فضلا عن أن معظم دارسي الفلسفة ومدرسيها يفنون أعمارهم يحققون في أفكار الآخرين: "كيف يفكر أفلاطون؟" مثلا. وذلك سؤال- وغلاوتك عزيزي القاريء- إجابته قد تكون صعبة على أفلاطون نفسه. والنتيجة الطبيعية أن معظم المتفلسفين يظلون حتى نهاية تلك الأعمار الفانية بدون أن يعرفوا حقا وبدقة كيف فكر أفلاطون، وبالتالي يخجلون من إطلاعنا على أفكارهم هم، إن كانوا قد جرءوا على ذلك ولم يحبطهم أنهم لم يفهموا جيدا أفكار ناظر مدرستهم القديمة.

أعتقد أن هناك فارق رئيسي بين من نعدهم فلاسفة وبين من نعتبرهم مجرد دارسين ومدرسين للفلسفة، يتمثل في الجرأة على قول "أنا أقول لكم كذا". وجاهة الـ"كذا" أو عدمها موضوع آخر.

أنا ومنتصر متفاهمان بخصوص تلك الجرأة. فلا منتصر يخجل من أن يخوض في هذا الكتاب في محاولات تنظير بلغة مستهترة أحيانا بتراث التنظير قبله ولغته واصطلاحاته، ولا أنا أخجل من أن أكتب مقدمة لذلك، بل إن آخرين أيضا لم يخجلوا وكتبوا مقدمات مجاورة لنفس الكتاب.

لا داعي للخجل على الإطلاق، فأولا: الزمن وحده كفيل بإطلاعكم على الأهمية البالغة لواحد منا على الأقل. ثانيا: أن الكتب ليست تقديسا لبعض الكلام ورفعه درجة فوق باقي الكلام غير المنشور في كتب، ولا المقدمات هي الغلاف المحلّى بماء الذهب الذي يتصدر أوراق الكتاب، ولذلك فإن كلانا ليس بحاجة أصلا لتلك الأهمية.

أما ثالثا: بخصوص الجرأة على التنظير، فالأمر ببساطة يعبر عنه جان بول سارتر الذي أعتقد أن تفاهما مضمرا آخر بيني وبينه كان سببا في محبتي المفرطة له. يقول سارتر في أحد حواراته: "نحن نعرف أنفسنا قليلا جدا، ما زلنا لا ننفتح على بعضنا البعض بشكل كامل ... بينما حقيقة الكتابة أن تقول : أنا أمسك بالقلم، اسمي سارتر، هذا ما أفكر به".

لا أعتقد أني أكن تقديرا كبيرا لهؤلاء الكتاب الذين يكتبون مشيرين إلى البعيد محاولين أن يمنحوني معرفة "موضوعية" بالعالم والإنسانية. أنا أقدر أكثر الكاتب، أو أي مؤلف ومبدع، عندما أشعر أنه يشير إلى نفسه لأنه سيحاول أن يمنحني معرفة أعمق بذاتيته، يكشف لي بوضوح أكثر عن نفسه، عندما أشعر أنه يقول ببساطة: أنا اسمي سارتر – أو تامر حسني - وهذا ما أفكر به. عندما يحاول أن يفسح قليلا، أو يقترب كثيرا، لأشاركه رؤية العالم والإنسانية من منظور موقفه الوجودي المتفرد.

آه! بخصوص الوجودية والتفكيكية والبنيوية والبراجماتية والماركسية والمثالية والمادية، وكل ذلك الكلام الكبير الذين يتحدث عنه منتصر هنا وهناك في مقالاته. فأنا أنصح القاريء أن يعود إلى كتابات رموزها إن كان لديه وقت ويريد أن يعرف ماذا كانوا يقصدون حقا بهذه المصطلحات. ولكن إن كان القاريء غير مهتم ويريد فقط أن يعرف كيف يفكر أحمد منتصر، لأنه يشاركنا - أنا وسارتر وتامر حسني - تقديره لهذا النوع من التعبير الوجودي، فسيعرف من خلال هذا الكتاب.أنا أقدر في منتصر صراحته وجرأته وطريقة تعبيره "الحقيقية" وفق ما يقوله سارتر عن "حقيقة الكتابة". انظر كيف يحدثنا منتصر عن طريقة خداعه لنا وعن تفاصيل مؤامراته البراجماتية خلف قناعاته المعلنة، رغم أن الإفصاح عن ذلك ليس براجماتيا أبدا. كيف يمكن أن أكون ممتنا أكثر يا منتصر؟

مممم .. كنت سأكون ممتنا أكثر لمنتصر لو أنه لم يعد صياغة كتاباته الأكثر عفوية التي نشرها على الفيس بوك في قالب المقال الأكثر تقليدية. وأنا نصحته بالرجوع عن ذلك ولكنه لم يسمع نصيحتي.


مقدمة كتبتها قبل أسابيع لكتاب أحمد منتصر "ربنا يهديك" الذي صدر قبل أيام

22 October 2010

هذا الحزب من ذاك البلد

هناك دفاع شهير وشائع ضد أي انتقادات تشير إلى مشكلات وعيوب مؤسسة أو جماعة: “إنها ثقافة المجتمع الذي يحيط بهذه المؤسسة أو الجماعة ويؤثر فيها".

يستخدم هذا الدفاع من جانب شباب الحزب الوطني بكثافة عالية ضد الانتقادات الأكثر حدة التي توجه إليهم. مثلا: التعايش مع استغلال النفوذ والفساد، القبول بخلل الميزان الديمقراطي وزيادة ثقل اختيارات القيادات العليا عن اختيارات" شعب الحزب" من أسفل، قلة الاهتمام بالأفكار السياسية في مقابل التوجه نحو العناية الكثيفة بالإدارة عبر تقديم الخدمات ومحاولة حل المشكلات التي تظهر هنا وهناك.

هناك زاوية نظر ترى أن بعض ملامح الثقافة الاجتماعية السائدة تدعم دفاعهم: المقاومة الضعيفة للفساد في مستوياته الصغيرة، استبداد صغير في الأسرة وأماكن العمل واستغلال نفوذ صارخ عبر أسلوب "الواسطة" وتجاهل عادي ويومي للقانون، التذمر من أجل الحصول على خدمات أفضل وحل المشكلات مع غياب التفكير على مستوى سياسي في مجتمع مختلف يتجاوز مشكلاته بشكل جذري.

وفق وجهة النظر هذه يمثل الحزب الوطني "جماعة طبيعية" من المجتمع المصري تحمل عيوبه، ويكون اختياره من قبل الشباب الراغب في الدخول إلى ساحة السياسية اختيارا وجيها. فهو من جهة ساحة عملية لممارسة السياسة ومواجهة هذه المشكلات على أرضها بدلا من الإشارة إليها من بعيد عبر شعارات وأحلام سياسية لا يفهمها الجمهور. وهم في الوقت نفسه يعترفون بكل الخطايا والآثام التي يحملها المجتمع ومعه مجتمع أعضاء حزبه الحاكم، مع بعض الاعتذاريات والتبريرات والتخفيفات هنا وهناك.

ولكن الجانب الآخر لهذه الصورة ليس في صالح دفاع شباب الحزب الوطني عن اختيارهم. فالحزب الذي تتجلى فيه جوانب هذه الثقافة لا يبدو في نظر الكثيرين أنه ساحة للفعل السياسي الواقعي الذي يحاول تجاوز مشكلات هذه الثقافة. فزاوية النظر الأخرى ترى أن ساحات الحزب قد تكون محضنا لانتعاش هذه الثقافة وازدهارها وإعادة تصديرها للمجتمع، بحكم كونه في موقع السلطة وكونه قارب الراغبين في عسلها. وعن طريق اشتراك أعضاء الحزب أو سكوتهم عما يحدث وعن قمع أقرب الخيارات البديلة فهم شركاء أيضا في سيادة طريقة واحدة في التفكير في أي تغيير: التغيير من داخل السلطة نفسها، وبالإيقاع الذي يفضله القابضون عليها، إن كانوا يفضلون، وبدون الطموح إلى أي أفكار ومقترحات بديلة أو خيال سياسي مختلف.

بين المجتمع والحزب، الذي يحتل منذ نشأته موقع السلطة، علاقة جدلية معقدة، ولا يمكن تحديد ضربة البداية، فهي بعيدة الغور في تاريخ المجتمعات ووعيها السياسي والاجتماعي. والنتيجة حتى هذه اللحظة من المباراة وليدة الشد والجذب المتبادل بين السلطة والمجتمع، وقد يكون تأمل بعض التفاصيل والوجوه مفيدا من أجل رؤية الصورة المتداخلة والجدلية بين صورتين سائدتين مستخدمتان في الهجوم والدفاع: المجتمع المجني عليه في مقابل الحزب الجاني، أوالمجتمع المهتريء في مقابل الحزب الذي يحاول ستر عورته والسهر على نهضته.

افتتاحية ملف عن شباب الحزب الوطني في "الشروق" بعنوان: شد وجذب مع ميكيافيللي

11 September 2010

"إيه .. في أمل"


لا يعلم المعلق المجهول كم أسعدني هذا الصباح.
بالنسبة لكاتب لا تقدير أعظم من أن ينتظر احدهم كلمته. لا فكرة أكثر مدعاة للسخرية من "أنا أكتب لنفسي". الكراسات الوردية ذات القفل البلاستيكي التي تسجل فيها المراهقات خواطرهن تباع في محال الهدايا. ولذلك فأنا أبتهج بالاهتمام والتقدير ولو أتى بأشكال ومن جهات غير متوقعة.
حوار جريدة "وشوشة" جدد لدي الآمال في أن تتاح لي الفرصة لأتحدث في التليفزيون يوما ما عن رأيي في فلسفة موريس ميرلو بونتي، ولكن ليس في قناة النيل الثقافية. أنا أعرف تقريبا كل من يشاهدونها، وفكرة "أكتب ليحبني أصدقائي أكثر" تستدعي قدرا أقل من السخرية ولكن معها قدر لا بأس به من الشفقة، يمكن للكاتب أن يحكي لهم حكايات جميلة على المقهى بدلا من تعب الكتابة.

المعلق المجهول الذي لا أعتقد أني جالسته على أي مقهى، يقرّعني بعنف لأني لم أكتب عن قضية كاميليا شحاته ويذّكرني بدفاعي الحار عن حقوق الأقليات الدينية. حرقته تقدير آخر، أنا أشكره بشدة على تعبيره الحار عن تأثير كلماتي الباقية في حلقه إلى هذه اللحظة، والتي دفعته لزيارته المدونة خصيصا لكي يتابع ويعلّق، رغم ذلك الثقل الذي أعتقد أني لا أشعر به وحدي عند التعليق على المدونات مقارنة بالتعليق السهل واللطيف في الفيس بوك.

لم أكتب ردا على تعليق المعلق المجهول، فاسم المدونة يعفيني مقدما. أنا انبريت، نعم انبريت، للكتابة مدفوعا تحديدا بالبهجة التي مدني بها تعليقه، فتجاوزت تلك الحالة من عدم الرغبة في الكتابة. لأن ما أشعر به الآن به بعض العنف وهو ما لا أحبه، فأنا لم أكن أود أن أقول أن رأيي فيما يخص قضية كاميليا شحاته هو أن الكثير من المسيحيين المصريين مثلهم مثل الكثير من المسلمين المصريين، كان أهلهم – على حد تعبير صديقة في سياق آخر- في رحلات سفاري في الوقت المخصص لتربيتهم، فتعلموا في الشوارع المزدحمة العامرة بالفوضى كيفية الانخراط الفوري في دراما "الصراع المنحط" الذي يدور بلا نهاية بين لا أخلاقيين أقوياء ولا أخلاقيين في موقع الضعيف. كلاهما يتبنى أخلاق البلطجة و التسلط وعدم الاكتراث بالآخرين وتجاهلهم وقت امتلاك القوة وفي الطرف الآخرإما التخاذل الجبان أو التوق إلى احتلال موقع البلطجي وممارسة التسلط والقهر والجهل فوق جهل الجاهلين.

لم أكن أود أن أقول ذلك لأنه يصيبني بالإحباط، فكيف يمكن أن يأمل كاتب أن يحظى بمزيد من الاهتمام والتقدير في بلد كهذا، خاصة إن كان رأيه في أهله بهذا الشكل ولا يود أن يعبر عنه بقدر من التخفيف والاستعارة اللطيفة مثلما يفعل عمرو خالد.
ولكن عزائي أني أعتقد أن الأخلاق التي تحكم العلاقات الاجتماعية ليست أوصافا لصيقة بالأفراد بقدر ما هي أسلوب انخراطهم معا في جماعة، بينما هم فرادى أناس مثيرون للإعجاب والشفقة والحب والغضب ولا يمكنني إلا في أحوال نادرة أن أبدل ابتسامتي تجهما في مواجهتهم. أنا من كبار أعضاء رابطة متفهمي أبناء المأساة والملهاة الإنسانية.


ولذلك تحديدا فكرت هذا الصباح وأنا أقرأ تعليقات كريهة من طرفي "العركة"، في أن كل ما تريده كاميليا هو الهدوء. كم هي مقرفة وحقيرة تلك الضغوط من الدائرة القريبة حولها، وكم هي مفزعة تلك النداءات البعيدة :"أعيدوا لنا كاميليا"!
أحيانا يكون المجال العام الخاضع لهذه الدراما المنحطة أسوأ بيئة يمكن أن تحصل فيه كاميليا لى حقها وحريتها. وخروج شأنها إلى المجال العام هو دليل توق الكثيرين إلى الانخراط في هذه الدراما.
أنا لا أدري ما الذي يمكن قوله أو عمله، فهي في الغالب ستتمسك بموقف يضمن لها الهدوء، إلى أن تتمكن، إن كانت تريد، أن تعاود الكرة وهي تحاول ألا تخرج قصتها إلى المستنقع الكبير. وقد لا تكون لديها الرغبة أو الشجاعة في ذلك، أو أن تكون غيرت رأيها بالفعل. ما أدارنا. هناك أشياء لا يسعنا إلا قبولها عزيزي المعلق المجهول وتركها للوقت.


أنا مثلا، منذ حفل زياد رحباني الأخير في القاهرة، الذي تزامن مع تحولات شديدة الوطأة في حياتي، أشعر بوخزعميق في منتصف الصدر كلما سمعت موسيقاه. وخز عضويّ تماما، في ذلك الموقع الذي لا أشك أن هايدجر كان لابد سيشير إليه مع كلمة (هنا) لو أنه قرأ كلامه الذي يقول فيه:”إن سبب الشجن لا يرجع إلى أي كائن داخل العالم، ولا إلى أي منطقة محددة في العالم. إن ذاك الذي يسبب الشجن هو (هنا)، هو قريب حيث يقطع علينا الأنفاس ويشد على حنجرتنا".

ولكن ذلك الذي يسبب الشجن (هنا) يتعلل بتلك الأشياء وهؤلاء الناس الذين نحبهم ونعانيهم. والوقت يعالج يا عزيزي المعلق المجهول. وبمرور الوقت قد تخف حرقتك، وقد يخف الوخز الذي أعانيه ويشغلني عن كتابة ما أود قوله والذي للمفارقة يزيد معاناتك وحرقتك.
ولكن هناك دائما احتمال أن نقبل ما لم نستعد لقبوله.
فمنذ بدأت سماعه في دورات متكررة في الصباح وإلى الآن لم يمر الكثير من الوقت ولكني تقبلت ألبوم أنغام الأخير وأراه الآن لا بأس به. وقد يكون وقت كاف قد مر لأستمع، مع وخز أقل حدة، إلى موسيقى زياد مع صوت فيروز في ألبومهما المرتقب الذي أتلهف لسماعه منذ أن عرفت أن اسمه "إيه .. في أمل".

هذا الأمل (هنا) أيضا وليس في أي مكان في العالم يا عزيزي. الكتابة فعل آمل رغم كل ديباجات اليأس والقنوط. وعندما يمكنني أن أجازف أكثر بأن أملا ما هناك، فيما بيني وبينك، سأكتب أكثر.

24 July 2010

الاعتداء على صورتنا


,, صور التعذيب كانت في الغالب، أثار لكدمات، جلد محترق، جثث مشوهه. أو فيديوهات تقدم الوقائع لمشهد ضابط يضرب مواطنا على قفاه، أو يضع جسم ما في مؤخرته. مشاهد بشعة بالتأكيد لكن التكرار أضعف من أثرها. أصبحت صور معادة ومكررة مثل صور ضحايا التفجيرات في العراق، أو القصف الإسرائيلي لغزة.
أما حالة خالد سعيد فقد كانت استثناء لما سبق. لم يكن هناك فيديو، كما أن الأمر المؤثر أكثر لم تكن صورة جثة خالد بعد الضرب وتشريح الطبيب الشرعي الذي قال أنه قد مات نتيجة الاختناق. كانت الصورة الأكثر تأثيراً صورة خالد قبل الحادثة كشاب وسيم لا يزال في بداية حياته يبتسم متفائلاً. المسافة بين الصورتين كانت هي الأكثر تأثيراً. حالة خالد سعيد كان نقلة جديدة في عصر الصور الذي نعيش فيها، فالصورة هنا لا تلعب على مساحة الكشف بل على مساحة الخيال. تترك الصورتين المساحة للمشاهد ليتخيل بشاعة ما حدث، لهذا كان أثر حادثة خالد أقوى من أثر حالات التعذيب الأخرى. ولهذا كان اهتمام الإعلام بقضية خالد أقوى من اهتمامه ببقية قضايا التعذيب حتي تلك التي تكشفت بعد حادثة خالد،،

,, ليس استخفافا بالموت، ولكن وجه خالد سعيد الجذاب في الصورة أظهر جانبنا الأسوأ. استمر التعذيب المنهجي في مصر لعشرين عاما أو أكثر ولكنه كان دائما موجها ضد "هوامشنا". ضد هؤلاء الناس الذين لا نعتبرهم فعلا"ناس": فقراء العشوائيات، الجانحين، أطفال الشوارع، العاهرات والإسلاميين الجهاديين.
حالة خالد سعيد فقط هي التي أثبتت "أننا" يمكن أن ننزلق في أي لحظة لنواجه مصير "هوامشنا" ،،

19 May 2010

ما نعود إليه


بلا تردد فكرت في عم علي عندما طلب مني صديقي السكندري أن أساعده في البحث عن شقة في أرض الجمعية. قبل أربع سنوات وبعد بحث مضن في كافة أنحاء القاهرة أتاني عم علي بالشقة التي ناسبتني تماما ولا تزال. سألت أبي عن عم علي السمسار فأعطاني رقمه وقال أنه بواب العمارة التي يسكن فيها صديقه اللواء.
لا زلت أذكر لواء أمن الدولة الدمث الهاديء وشقته الواسعة وزوجته اللطيفة وابنته الذكية ذات العينين لامعتي السواد والابن ذا الشعر الفاتح. رقم عم علي خارج الخدمة. مررت على العمارة قبيل منتصف الليل، وأنا أقترب حاولت أن أخمن في أي طابق كانت شقة اللواء، ربما كانت في الدور الأول حيث توجد البلوزة الزهرية التي ربما تخص البنت والفستان الرمادي الذي يناسب الأم. دخلت إلى حوش المنزل وكان باب حجرة البواب مفتوحا وعندما اقتربت رأتني المرأة وقامت وهي تقول: "أيوه". سألتها عن عم علي فقالت وهي تعدل طرحتها وتخرج من الحجرة: "مش هنا والله". سألتها إن كان في مكان قريب فقالت وهي تشيح بوجهها وتستعد لدخول الحجرة مرة أخرى: "ولا أعرف".
لم تسمعني أشكرها فخرجت وأنا أفكر أن ردها يشي بحزن وعتاب، وتجاهلها يخفي غضب مكتوم. قد تكون غاضبة من غياب زوجها هذه الساعة وتركها وحيدة ترد على الأغراب.
وأنا خارج حاولت أن أتذكر مرة أخرى مكان شقة اللواء، فتذكرت مشهدا في شقتهم عالقا بذاكرتي. عيد ميلاد البنت أو الولد، ربما كنت في العاشرة أو أصغر قليلا، كل الأولاد وقفوا في صف واحد لكي يمثلوا "قطارا" عندما بدأت أغنية "توت توت" لعبد المنعم مدبولي. إلا أنا، لم أتحرك رغم إلحاحهم. قام معهم كهل أعتقد أنه زميل اللواء، قد يكون عميدا أو عقيدا مثله آنذاك، ويبدو أنه شعر بالإهانة من اشتراكه معهم بينما أنا جالس أتفرج. تركهم وجلس بجانبي وأصر على أن يعرف لماذا لم أقم معهم لنلعب لعبة القطار. لم أعرف كيف أرد عليه ولكني هززت كتفي وصمتت. جاءت زوجة اللواء اللطيفة وقالت له: "ما تسيبه بمزاجه"، وأعطتني قطعة جاتوه معظمها شيكولاته. ابتسمت وقلت بخجل أني لا أحب الشيكولاته وأفضل الكريمة. ضحكت وقبلتني وهي تقول: "أمرك يا سيدي!" وذهبت لتغيّرها بينما استمر الرجل السمج في مجادلتي قائلا: إنت بتحب تبقى "خالف تعرف"؟ نظرت إليه ولم أعرف حقا كيف أرد عليه ولماذا فهززت كتفي مرة أخرى وكدت أقوم لأنضم إلى القطار هربا منه.
في وقت متأخر من اليوم التالي ذهبت مرة أخرى ودخلت حوش العمارة. رأتني زوجة عم علي فقامت. سألتها عنه فقالت: "لا والله يا أستاذ مش هنا". قلت أني أريده لأني أبحث عن شقة. فقالت: "ما أعرفش والله". خرجت بنت صغيرة من الحجرة فضربتها وهي تعيدها إلى الداخل: "خشي يا بنت الكلب!" قلت لها:" طيب تليفونه معايا بس مش بيرد". ردت: "أنا ولا أعرف تليفونه خالص!" شكرتها ومشيت. وفكرت أنها غاضبة منه جدا، ربما يكون قد تزوج بأخرى أو يخونها أو يضربها أو بينهما خلاف كبير يدعوه لهجرها بهذا الشكل.
وأنا خارج كانت فتاة طويلة شقراء تدخل العمارة وهي تضع مفاتيح سيارتها في حقيبتها. لا تبدو شبيهة بالبنت التي أعتقد أنها كانت قصيرة وشعرها فاحم السواد. تذكرت أنها كانت متفوقة وأنها حصلت على منحة لدراسة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية وأن أخاها دخل كلية الهندسة، ربما كان اسمه أحمد أو محمد ولكن كنا نقول له ميشو. وظل هو لفترة طويلة يقول لكل من يناديه بذلك: "أنا مش ميشو. أحمد لو سمحت". أو محمد، لا أذكر. أذكر مشاهد ضعيفة الإضاءة في حديقة شاليه في الإسماعيلية، أذكر جيدا الضحكة الصاخبة للبنت، وصورة لي مع أبي أظنها من هذه الإجازة، يجلس هو على كرسي ويضع رجلا على رجل وأنا أستند إلى كرسيه وكأني أضع رجلا لى رجل وأنا واقف.
ذهبت إلى بيت أبي وسألته إن كان معه رقم آخر لعم علي وسألته عن أخبار أسرة اللواء. لم يكن هناك رقم آخر وبدأ يحكي لي أن البنت تخرجت وتعمل في بنك في دبي وأن ميشو - هكذا قال - يعمل مهندسا ولا يزال يسكن مع أبيه اللواء الذي تقاعد في مدينة نصر بعد أن تركوا شقة أرض الجمعية. ثم أضاف أني بالتأكيد أذكر إصابة الزوجة بالسرطان ووفاتها بسرعة، وأن ذلك حدث من فترة طويلة.
تذكرت أني زرت زوجته وهي مريضة مرة مع أمي، ونحن عائدين بكت أمي بكاء حارا ففكرت أنها تحبها كثيرا رغم أنهما لا يتزاوران عادة، ولم أفهم إلا عند وفاتها بعد ذلك بقليل. حاولت أن أتذكر ملامح ابنتها وابنها وهما أكبر سنا فلم أجد في ذاكرتي إلا صورا طفولية. فكرت أني لم ألحظ أبدا وجود بواب في عمارتهم، ثم تذكرت أني لم أر عم علي أبدا وأن أبي هو الذي قابله وقتها وأني أتخيله يشبه نجاح الموجي.
وأنا أقترب من العمارة في اليوم التالي في وقت متأخر أيضا انقبض قلبي وكأني رأيت وجه الزوجة في شرفة. ليست هي.
وجدت المرأة تكنس الحوش. سلمت عليها فردت بود. فكرت أنها أحسن مزاجا الليلة وأن عم علي قد عاد أو انصلحت الأمور. سألتها فسألتني: "هو مش إنت اللي جيت قبل كده يا أستاذ وسألت عليه؟". أجبتها فردت: "ما أنا قلت لك إن عم علي مشي من العمارة دي من شهور. ومش عارفين راح فين. وإحنا جينا بداله".


اللوحة لهبة خليفة

06 May 2010

لأني لن أتعلم أبدا


لا أصدق أني كدت أغلق باب ثلاجة العصائر دون أن أشتري شيئا لأني لم أجد عصير برتقال بينما كنت على وشك فقدان الوعي من هبوط ضغط الدم. لا أصدق أيضا أني اندفعت في لعب الكرة ونسيت شهيتي المنقطعة تقريبا منذ ثلاثة أشهر، وأني تناولت وجبتين قليلتين فقط في اليومين السابقين.
بدا لي أدائي مبشرا أثناء الإحماء، بالنسبة لمن لم يلعب مباراة منذ أكثر من عشر سنوات تقريبا. وفي بداية اللعب كذلك، لم أكن سيئا جدا، أعتقد أن من راقبني كان يجب أن يقول أني كنت لاعبا جيدا لا يحتاج إلا بعض الوقت.
بعض الخفة والحماسة دفعاني لربع ساعة، بعدها بدأ رأسي يدوخ . طلبت من صديقي أن يحل محلي سريعا واتجهت بأقصى سرعة تسمح بها حالتي إلى طيف ثلاجة تذكرت أني رأيته وأنا خارج من غرفة خلع الملابس. في الطريق الرملي الأحمر الذي يلف الملعب كان شباب وكهول وسيدات وفتيات يهرولون وهم يتبادلون الأحاديث بينما أهرول في إعياء أتمنى أن أصل قبل أن أفقد الوعي. كنت أفكر أني ساكون مثار سخرية لو فقدت وعيي بعد ربع ساعة فقط من اللعب، وذلك بعد أن أكون مثار شفقة حتى يعثر عليّ أصدقائي بعد أن ينتهوا من المباراة.
وصلت إلى الثلاجة وأنا أتماسك بالكاد، فتحتها وبحثت عن عصير برتقال فلم أجد. لا أحب عصير التفاح ولا الجوافة ولا ذلك الكوكتيل العجيب، وكدت أغلق باب الثلاجة. بدا لي ذلك جنونيا عندما انتبهت لكوني أبحث عن عصير البرتقال بالتحديد وأعتقد أني وجهت لنفسي أو لمزاجي سبابا ما وأنا أمد يدي ألتقط أقرب علبة عصير وأفتحها وأشربها وأنا واقف أمام الباب المشرع للثلاجة. أتبعتها بواحدة أخرى وانتبهت ساعتها أنه عصير تفاح، ثم أخذت زجاجة مياه وكدت أنسى أن أدفع للرجل الذي كان ينظر لي مندهشا بلا كلام..
جلست على حافة حوض زهور إلى جانب الطريق أتأمل المارين من رواد النادي وأستعيد توازن رأسي تدريجيا. كنت بحاجة لمسند أريح إليه ظهري، فاستندت بيدي على الطين وسط زهور الحوض لأرخي ظهري قليلا ورفعت رأسي للسماء التي لا يخدش ظلمتها كل تلك الأضواء الكاشفة في الملاعب ولا حتى البدر التام تلك الليلة. تذكرت وقوفي بجانب سور هذا النادي مساء كل خميس قبل خمس سنين أنتظر الميكروباص وظهري يئن من الجلوس على كراسي الصالون الكلاسيكية في بيت أهل خطيبتي السابقة، بعد يوم طويل من العمل بظهر منتصب أمام الكمبيوتر لعشر ساعات على الأقل، ثم الرحلة المتعبة في المترو أو في تاكسي.
خفضت بصري وتأملت "الشورت" الذي يتسع الآن لحجم قبضة يد بجانب فخذي بينما كان ضيقا جدا عليّ قبل سنة في الإجازة الأخيرة وأنا أحتفل بالذكرى الثانية لزواجي الذي أصبح سابقا أيضا.
كان وعيي يعود ومعه المزيد من تفاصيل كل تلك الأشياء السابقة التي أحاول تجاوزها ولكنها تعود لتحتل أحلامي، وتجعلني أقوم من نومي كل صباح ناسيا كم قطعت من المسافة بعيدا عنها فأبدأ من أول الحزن.
تركت نفسي أحدق في شاب وفتاة يرتديان ملابس رياضية ويجلسان على الأرض في ركن الطريق ويتبادلان حديثا ضاحكا. شغلت نفسي عني بتخيل باقي القصة التي لن أعرفها أبدا. تخيلت باق طويل مبهج وتمنيته لهما وشعرت أني أفضل حالا.
قمت وقد دب فيّ نشاط وبعض العناد وسرت إلى حيث يلعب أصدقائي المشغولين عني بالمباراة الحماسية، جلست لبعض الوقت حتى أراد أحدهم أن يرتاح فقمت بدون تفكير وأخذت مكانه.
بدوت لي مرة أخرى بحالة جيدة، وانفردت بالمرمى مرتين، وقلت لنفسي أن ذلك بسبب ذاكرتي التي تحفظ جيدا إجادتي السابقة للتحرك بدون كرة أو بسبب زهد لاعبي الفريق المنافس في مراقبتي. في النهاية أضعت هدفين بغرابة تبدو لي أليفة هذه الأيام. مازحت زملاء الفريق أني سأضيعهم هذه الليلة. كنت خجلا من لطفهم الذي يكبح لومهم المتسق أكثر مع حماستهم للفوز.
بدأ التعب يتمكن مني ثانية ولكني اقتبست بعضا من حماستهم وأنا أواجه ذلك اللاعب الذي يرتدي فانلة زرقاء. بدا وكأنه سيمرر الكرة عن يساري ولكنه غير فجأة اتجاهه ومر من يميني. كنت مندفعا ففقدت توازني وحاولت قدماي تحاشي السقوط ولكن رأسي الذي دار فجأة جعلني أتعثر وأسقط على ذراعي اليمنى. تذكرت أني مررت من حارس مرمى في حوش الأورمان الثانوية في شتاء 1996 بنفس الطريقة فسقط وضحكت جدا وأنا أضع الكرة في المرمى الخالي وأعود بهدوء وكلتا يديّ في جيبيّ وأحدهم يحتضنني وهو يهتف: وجيه! اسم شهرتي بين زملاء فصل الفائقين الذي أطلقه عليّ حسين قنديل بسبب كفيّ اللذين كانتا دائما في جيبيّ، أو واحدة منهما على الأقل، أثناء الحصص.
ابتسمت وأنا مستلق على ظهري ما زلت على الأرض وعضضت على شفتي السفلي في مزيج من الخجل والسخرية من نفسي وفكرت أني فقدت مع بعض الوزن الكثير من التوازن. قمت بعد لحظات وأنا أتحسس مكان خدش خفيف في ذراعي وارتحت لتلميح أحدهم في مرح: "ضايع"، لطفهم الصامت كان مخجلا أكثر من اللازم، قلت له ضاحكا أنه لم ير شيئا بعد.
قضيت الليلة في بيت صديق انفصل لتوه عن رفيقة سنوات طوال. ولم يخجل كلانا من الترقرق المفاجيء للدموع في العيون أثناء الحوارات المرحة أوالاستعادة المقتضبة للذكريات. نمت عنده وحلمت بأني أتناول وجبة سمك في الإسكندرية مع كل الفريق، وأعتقد أن ذلك كان على حسابي كنوع من التعويض، رغم "أننا" فزنا في النهاية.
في الحمّام صباحا وقفت أمام المرآة أتأمل الخدش في ذراعي. آلمني عندما مسته المياه الساخنة. أصابني ضيق مفاجيء وقلت لنفسي ومزاجي يكاد يتعكر ويستعيد خدوشا أخرى: لحد إمتى هاتعمل في نفسك الحاجات الغربية دي!
ولكن تذكرت فجأة أن لاعبا واحدا من الفريق الآخر كان يأكل معنا في الحلم، هو اللاعب الذي يرتدي فانلة زرقاء وسقطتُ لما مر مني. انتبهت لابتسامتي في المرآة فضحكت وأنا أتأمل الخدش الأهون والحلم الأقل مراوغة، وقلت لنفسي: قلبك أبيض، تعيش وتاخد غيرها.

30 April 2010

الخسارات


1
أضع ساقا فوق ساق أحاول أن أقنع نفسي أني هنا أعرف شيئا وأستريح في ركن أعرفه في هذا العالم الذي يحيرني ويثيرني ويقطع أنفاسي. تتساقط الجنيهات المعدنية من جيبي المائل مع ساقي المرفوعة، وتتدحرج كيفما اتفق لاستدارتها وحافتها الخشنة وتكوينات البلاط المخدوش المترّب للمقهى المكشوف. لا تعرف عيني قانون حركتها ولا تحاول إلا البحث في المساحة التي تطولها يدي مستهينة بالقدر الهين للخسارة. للمرة الثانية يقاطعني الرنين الوقح للجنيهات المعدنية يخدش ارتياحي واستهانتي. هذه المرة أقوم بطيئا وتتجاهل عيني أي محاولة للتقصي، أتحسس جيبي أتأكد أن كل الجنيهات المعدنية راحت وأجلس على راحتي.

2
فكرت أن الريح ستطوح تلك السجادة الخفيفة التي وضعتها من منتصفها على المنشر. قلت سأثبتها بعد أن أنشر كل السجاد المبلل الذي كان يطفو بالأمس فوق بركة الماء التي لفظتها مواسير ضيقة الروح فغمرت الشقة ومنحتني سببا إضافيا واهيا وغريبا للبكاء وأنا عائد آخر الليل متعبا أريد أن أستريح من معارك كثيرة خاسرة أقضي وقتي على أرضها ألملم ما تبقى وأحفظ شيئا جميلا لي من هنا أوهناك.
قد تكون الريح التي أتت بعصفورة لطيفة حطت فوق السجادة الثقيلة الجميلة التي علمت أني سأفقدها لأسباب أخرى هي نفسها الريح التي أزعجتها فطارت ولكن بعد أن التقطت لها صورة ونسيت السجادة الخفيفة التي لم أرها تسقط ولم أرها ثانية.

18 April 2010

أم رامي

كان قد بدأ يغالب النوم وهو يقود السيارة نصف النقل على الطريق الضيقة المظلمة من الجوادية إلى بلقاس ليوصلنا إلى موقف البيجو المتجه إلى القاهرة، ولكن المصوّر المحشور بيني وبينه أنعشه بسؤاله عن الراقصات.

ابتسم وقال إن الصغيرة منهما- كانتا اثنتين- تابت أكثر من مرة ورجعت، و الفرح الذي كنا فيه هو ثالث فرح لها بعد العودة من التوبة الأخيرة. أما الأكبر سنا فهي أم رامي. ضحكنا لسماع الاسم، فأكمل أن أم رامي راقصة مشهورة في المنطقة وأنها مختلفة جدا – مثل اسمها- عن باقي الراقصات.

في الفرح كانت أم رامي ترتدي بدلة حمراء ضيقة بها فتحات يبرز منها لحمها المضغوط، وعلي ثديها الأيسر وشم يبدو من بعيد كختم النسر. ورغم أن الراقصة الأصغر كانت أجمل بقوامها الملفوف المائل للامتلاء- تشيه منة شلبي في أول ظهورها- إلا أن الجمهور كان أكثر إقبالا على مشاركة أم رامي الرقص. الراقصة الأصغر- التي نسيت اسمها فعلا- لم تكن بنفس الحماسة. بينما أم رامي كانت مبتهجة بشكل يبدو حقيقيا. كانت تأخذ المايك أحيانا لتشارك في الغناء. أو لتؤدي فواصل مع الفرقة. مثلا: يهتف النوبتجي: "بنحيي الحاج أيمن" فترد أم رامي" الحاج أيمن أخلاق". "بنحيي بلقاس- بلقاس أخلاق" وهكذا.

الجمهور المتسابق على الرقص مع أم رامي ملأ المسرح، مما اضطر العريس إلى التنبيه على النوبتجي الذي أعلن أن العريس لا يريد أن يرقص أي أحد مع "البنات"- سألت وعرفت أن البنات هن الراقصات- وأضاف النوبتجي أن العريس نفسه لن يرقص مع البنات!

العريس كان وسيما وميالا للهدوء ويرفض القيام للرقص. وكان مشهدا عظيما والسيدة ذات العباءة البنفسجية تمر بين الجمهور الغارق في أنهار البيرة وسحابات الحشيش وتصعد المسرح وهي ممسكة بالصينية بيد وتقلب بالأخرى كوب شاي وتناوله للعريس، الذي قام لها شاكرا وأخذ رشفة من الشاي باستمتاع ووضعه بجانبه قبل أن يتبادل ضحكة مع عروسه التي كانت ساكنة تماما معظم الوقت مختبئة خلف مكياجها الثقيل.

قال وهو ينحرف إلى طريق أوسع: “أنا اشتريت لأم رامي كمبيوتر لأني بافهم في الحاجات دي ودخلت بيتها وركبته. أم رامي فعلا أغرب رقاصة عرفتها". كان يحكي وعيناه مفتوحتان عن آخرهما أنه وجدها في بيتها ست بيت عادية. زوجها إداري في مستشفى، وابنها شاطر في المدرسة ويفهم جيدا في الكمبيوتر. أضاف أن الراقصات الأخريات يتزوجن كثيرا لمدد قصيرة من هذا وذاك، ولكن أم رامي عندها أسرة مستقرة وزوجها هذا أول من تزوجها. سأله زميلي المصور:" وهو ما يعرفش ولا إيه إنها رقاصة؟". أجاب مستنكرا:”ما يعرفش إزاي. يعرف طبعا. كل الناس عارفة. أم رامي مشهورة".

ترك عجلة القيادة وأشاح بيده وهو يقول "مشهورة"، ثم أضاف أن أم رامي هي الراقصة الوحيدة التي يعرفها و تسكن وسط قرية بشكل مستقر بدلا من أن تختبيء في زحام مدينة بعيدة أو تتنقل بين القرى تقيم فترة مع فلان وعلان.

"لا مش بس كده. دي كمان أم رامي هي اللي بانية البيت اللي ساكنة فيه". ابتسم وهز رأسه متعجبا: "الله يمسيكي بالخير يا أم رامي" ثم انتبه إلى الانطباع الذي يتركه ذلك المسا فأردف جادا:”على فكرة أم رامي مالهاش في الغلط مش زي الباقيين".

قبل رحيلنا من الفرح صعد إلى المسرح وسلم على بعض أعضاء الفرقة وعلى أم رامي. كان مطرب ثقيل الظل قد بدأ يغني لأم كلثوم ثم يشير لأم رامي كل فترة لكي تخفف قليلا من وطأة سخافته بفاصل من الرقص وكلام تقوله بصوت أجش ولكنه مترع بالشبق. كان المايك رديئا والموسيقى صاخبة ولم أفهم من كلامها سوى عبارة واحدة كانت تكررها :"إحنا النسوان الحريفة".

16 April 2010

بتر العلاقة


صفِّ رغبتك، قطرةً، قطرةً. انس ما كان غدا.

قاوم الدمع ثوانٍ، ليأتي بأعمق ما فيك من الفقد.

ما تزرعه حبا، تحصده برقة، أوتقتلعه بعنف.


05 April 2010

سعيد


سألني سعيد الحلاق أربعة عشر مرة إن كنت متزوجا.
منذ وفاة محمود عبد العزيز، الحلاق، قبيل أول العام الماضي إلى الآن، ولأني أحلق مرة في الشهر تقريبا، ولأني ذهبت دائما إلى سعيد باستثناء مرة واحدة، فإنهم فعلا أربعة عشر مرة.
يتذكر سعيد بدقة كيف أحب أن أقص شعري وكيف لا أحب أي تحديد للحيتي مفضلا ترك التناثر العشوائي للشعر يشكل حدودها، وأنني لا أحب أي نوع من الكريمات ولا الشامبو ولا البلسم ولا أي شيء من تلك المنتجات الملونة الكثيرة المرصوصة عنده، ولكنه لا يتوقف أبدا عن هذا السؤال.

من المحتمل أني لم أبد له أبدا مقنعا كمتزوج. ربما هي لهجتي تجاه الحياة، تنقصها "النضج"- أبتسم عادة أمام هذا الاستخدام للكلمة، فالناضج يؤكل - أو هو نقصان اليقين أو ربما فائض القلق. بشكل عام أنا لست مقنعا لسعيد، أي حوار بيننا ينتهي بصمت ما. كأننا ندور في مدارين منفصلين ونتبادل إشعارات الوجود وتحديد المسافة في لحظات عشوائية، نراوح بين البون الشاسع والقرب الذي يكاد ولكنه لا يكون.

أعتقد أنه من الصعب محاورة سعيد فضلا عن إقناعه لأنه بالأساس غير مكترث، غير مكترث بعمق وأصالة. لا يبدي اهتماما لا بالكرة ولا بالدين ولا بالموسيقى ولا بالأفلام ولا بالسياسة ولا بالنساء ويبدو فاترا وحازما في تعامله مع أصحابه، لا يمدح أو يتذمر من أي شيء. أمر واحد فقط يؤرقه، أنه متزوج ولا يزال مقيما في بيت أبيه. أعتقد أن هذا ما يدفعه دائما لسؤالي نفس السؤال، وإجابتي التي لم تكن أبدا مقنعة له لكي يتذكرها، كافية لكي يسألني بعد جوابي إن كانت لدي شقة أو أنني مقيم في بيت أهلي، ثم يتبع ذلك بشكوى صادقة من إقامته وزوجته عند أهله ويتمنى صادقا أن يحصل على شقة لكي ينتقل للسكن في بيت يخصه.

آخر مرة، قبل يومين، عندما سألني سعيد هذا السؤال، بدت لي الإجابة الدقيقة معقدة ولا تناسب عدم اكتراث سعيد ولا غرضه من السؤال. لذا فإني إجابتي كانت مقتضبة: لا.
لم يبد عليه أي تعبير، فقط انقطع مسار الحوار المعتاد وضاعت فرصته هذه المرة. وكان ذلك مريحا لي للحظات، ولكنه كان أسرع وصول إلى الصمت، بدا سعيد مختلفا وأنا أعلم أنه يبتلع شكواه الوحيدة من هذا العالم، ولم يعد ذلك مريحا.
أضفت مبتسما: مش متجوز لكن مش قاعد عند أهلي، عندي شقة.
نظر لي سعيد عبر المرآة وابتسم بشيء من الحرج: إيه ده! هو أنا حكيت لك؟
قلت وأنا أفكر أن ذلك قد يضع نهاية لأحد حواراتنا الأهم والأكثر استقرارا منذ عرفته: كل مرة تحكي لي، خمسة عشر مرة فقط يا سعيد !
لم أحسب بدقة ساعتها.
قهقه سعيد بعنف وتوقف عن الحلاقة، ابتعد قلبلا واستند بذراعيه على الكرسي الذي أجلس عليه وهو ينظر إلى الأرض يخفي وجهه عن المرآة ولكني رأيت احمرار أذنيه وهو يقول: لا مؤاخذة يا باشا. كادت دمعة تطفر من عيني وأنا أشاركه الضحك ولكني هززت رأسي ممتنا ومعجبا بسعيد وذاكرته الصافية إلا من همه: يخرب عقلك يا سعيد !


لا تشبه صورة جوني دب في "ماذا يقلق جيلبرت جريب" سعيد. ولكني شاهدت الفيلم بالأمس ، ويبدو لي أن شيئا مشتركا يقلقنا أنا وسعيد وجيلبرت.

02 April 2010

بعد التعب


لقد كان ذلك أقسى ما عشت. وربما ما سأعيش.
تعبت جدا، لا يمكن أن أماري في ذلك. ولكن أيضا لا أبالغ، فعناية ما لا تزال تخجلني، وتجعل سدا بيني وبين قسوة العالم، تلك التي أتصورها.
كلما جف حلقي واستوحشت روحي وسقطت من الإعياء، كحصان حصدوا ركبتيه بمنجل، وقلتُ: الآن سأعرف! ينزل الندى وآنس وأرقد مطمئنا على أرض حانية.
بين شكي وإيماني، خجلي من أن يعاتبني الله: بدا لك ذلك مصادفة؟

قد تكون عناية أو هو الرضا، ترضيني حقا أشياء بسيطة في هذا العالم. ربما هي فرحتي الكبيرة بما كان لي: كل لحظة طيبة يجود بها قدري السمح تملأ أعماقي فرحا.
ربما هو امتناني العظيم للفتات اللطف والمحبة والود. لا أريد غيرها. ربما هو دفء القرب من كل هؤلاء المدهشين حولي، ممن مستهم بهجة الوجود وقلقه، فرقت قلوبهم وتخففوا من العالم قليلا. لا أريد غيرهم.
ربما كان زهدي في الكثير، أو هو هوسي الشبقيّ الجامح والعنيد بأهوائي القليلة، القليلة جدا، التي ترضيني.

متهاون أنا فيما يخص الحد بيني وبين الآخرين. ولكن عنايتي بي لا حد لها. تنهار أعصابي على الحد بين عنايتي بنفسي وعنايتي بمن أحببت. تعب جميل، لا أتخفف منه، ولا أريد لنفسي سوى ذلك.
لا أشعر بالذنب وأطلب الصفح. حد الحقيقة والحق بين الناس تصنعه الحرب، ولكن التلطف إحسان. والمودة تعطيك روحك عندما تبذلها.

23 March 2010

حركة ثانية من سوناتا


يا ورطة الوجود المتعبة
يا منحة الوجود المبهجة

ها أنا أشتاق إلى مادتك الأولى الصافية
لأحيا
ولا أخشى البدء من جديد

الحماسة التي لا تخشى الندم
الإحجام الذي لا يخشى الفوت

أشتاق إلى مادتك الأولى الصافية

12 March 2010

هدوء نسبي

قلت له:
"لا يهون شيء لديّ
ولا أهُون عليّ"

وابتسمت مخففا حملي عنه
فابتسم وأعاده إليّ.

03 March 2010

ما تجده في النسيان


منتصف اليوم، قبل أن ينتهي السلم، بحثت في جيبي عن المفاتيح: "الحمد لله. لم أنسها". دخلت، حاولت أن آكل، حاولت أن أنام، حاولت أن أكتب، حاولت أن أحكي لنفسي ولآخرين حكايات لطيفة، ولكني نسيت.
منتصف الليل، أخذت حماما وشربت شايا وخرجت. أغلقت الباب خلفي، وجدت المفاتيح في الباب من الخارج :"الحمد لله. كدت أنساها".


اللوحة لـفاروق حسني

04 February 2010

ذلك الأمر


خططت ليوم مشحون بلقاءات العمل. استيقظت مبكرا ونشيطا، تناولت فطوري على عجل وأنا أسمع موسيقى سريعة وأمرر عيني بخفة على عناوين الصحف كصحفي نابه يفعل كل شيء بسرعة لكي يجد وقتا أطول للكلام عن العالم.
لا شيء أفكر فيه إلا الكلام الكثير الذي سأقوله وأسمعه اليوم وأنا أفكر في الكلام الأقل الذي سأكتبه بعد أن أفكر بتمعن أكثر في بعض الكلام الكثير. لا شيء سأفكر فيه أبعد من هذا. أما ذلك الأمر الذي فكرت فيه كثيرا بالأمس وأتعبني فنمت اثنتي عشرة ساعة، فسأفكر فيه لعشر دقائق. عشر دقائق فقط وأنا منهك القوى في التاكسي آخر الليل، وسيقضى على ما تبقى مني لأضع رأسي أسرع على الوسادة وأنام.

قبل أن أغادر تأجل أول موعد. دقائق وأُلغي الثاني. ووجدت نفسي أمام نصف يوم فارغ. فكرت بسرعة في خطة بديلة، حدقت في الكتب الجديدة المتناثرة في كل مكان. حاولت بسرعة أن أستدعي كل ما يجب عليّ فعله ولا أجد الوقت. لم أجد شيئا ولا وقتا، وجدتني وحدي وذلك الأمر. ذلك الأمر الذي يلغي فجأة كل المواعيد بين اثنين ويتركهما أمام نصف حياة لا يعرفان للحظات ماذا يفعلان بها. يمكنني أن أفعل ذلك بنفسي، نفسي فقط، ولذلك أنا لست شجاعا بما يكفي لمواجهة ذلك الأمر، ولست قاسيا بما يكفي لتحمل ذلك الأمر. سيظل يغلبني البكاء، فأترك عينيّ ورأسي له حتى يأخدني منه تعب مخيف فأهرب إلى النوم.

سرت مع نفسي حتى حجرة النوم وجلست على السرير، أنا أرغب بشدة في أكون وحيدا. أنا لست منزعجا من كوني وحيدا. فقط أنا مرتعب من ذلك الأمر، فقط أنا مذعور من ذلك الأمر. لم أنزعج وأنا أجدني أقول لنفسي بصوت مسموع أنني متعب جدا، وأهز رأسي. أنا فقط أشفقت على نفسي في مواجهة ذلك الأمر،أنا فقط متعب من ذلك الأمر.
خلعت ملابسي على مهل ورميتها بتراخِ أينما اتفق ووضعت نفسي على السرير، ونمت.

14 January 2010

الشاعر يذهب إلى البحر





(1)

كل صباح ٍ
أفكر أنه الآن..



سأقوم الآن و أبدّل ملابسي
أختار كتابا
أصنع شايا و أشربه
أحشو جيبي بالنقود
و أترك ورقة لمن يهمه الأمر
على طاولة السفرة ْ



ذلك أنه في صباح ٍ عادي ٍ
في يوم عادي ّ
في منتصف الأسبوع
أكون فيه عادة في المدرّج
أستمع إلى تمثال نصفي
يشرح دورة حياة التماثيل النصفية
أو مصلوب على عمودي الفقريّ
أتأمل صنيع المخلوقات اللا مرئية
بمهندس الكوكب
سأكون عند البحر..
أبلل قدمي بالماء
و أكتبُ


كل صباحٍ ..
تذوي روحي على حافة المدرّج
أتقيأ روحي على باب المدرّج
ثم أسير فارغا بقية اليوم..


(2)

قال الشاعرُ
_ الذي يرغب في أن أكون شاعرا _
" كم شاعرا تقابل في الطريق..؟
إذن..
كم طبيبا تفكر فيه حين تسعل فجأة ؟
لا مقارنة يا صديقي
انضم إلى القبيلةِ
لا تنضم إلى الجميع... "


يقول أبي
_ الذي يفضل أن أكون طبيبا _
" الأطباء ينامون مبكرا
و يأكلون الخُضَر
الأطباء مهذبون و حليقو اللحية و وسيمون
كن طبيبا
ثم كن بعدها أي شي ء آخر... "


يقول المعنيّ بالأمر..
_الذي يفضل أن يكون نائما على ظهره الآن
يبلل رأسه الموج _ :

" دعوني الآن قليلا..."

(3)


الآن عليّ أن أذاكر شيئا
عن كرات الدم الحمراء
بينما أكتب ذلك..


كرات الدم الحمراء
التي كان من الممكن أن يخلقها الله بنفسجية ْ
فيسير الناس في الطريق
بوجنات زرقاء..
و تلمع عيونهم بضوء داكن ٍ
و ينزفون من جروحهم الصغيرة
بقعاً بنفسجية مبهجة ..


كان سيقول الشعراء :
آه يا قلوبنا البنفسجية ْ
يا شقيقات الورد البنفسجي
و كان سيكون بابا ضخما
في كتاب أمراض الدم
ذلك الذي يحكي عن كرات الدم البنفسجية..
فلا أكون الآن متوترا
من أي كرات حمراء في هذا الكون
تهرول ورائي كالذنب الصغير
صاعداً في القصيدة..



كرات الدم الحمراء
التي لو كان الناس يشترون القصائد
كعلب الدواء
المكدسة في الدرج وفوق الكومودينو
لكنت الآن
لا أعرف عنها أي شيء
ولا أود
فقط أذهب إلى البحر
أغمرُ قدمي في الماء
و أكتبُ..


(4)

حين أكتب الشعر
حين أدرك أنني أكتب الشعر
حين أفكر أنني أدرك أنني أكتب الشعر
فيندفع الضوء الأزرق
في الشعيرات الدموية الكثيفة
في رأسي ..
و أتحسس اللذة..
التي تتصاعد ُ كمنسوب النهر
إلى حافة القلب السفلى
ثم تغمره تماما


أعرفُ يقينا..
أنني قبلا لم أكن أعلمُ من اللحظة
لم ركب الله بين رئـتيّ قلبا
ثم قال : عِش ْ


وأعرف ما الذي جعل كل هؤلاء
_ كفافيس..
و ناظم حكمت..
و السيّاب.. _
يقفزون إلى عربة القطار الأخيرةِ
الذاهبة إلى البحر..


يلوحون للواقفين على الجانبين
جوار حقائبهم الثقيلة المعتمة..
يلوحون
و يصيحون...


أريد أن أذهبَ إلى البحر..
أريد أن أذهبَ إلى البحر...

(5 )


الشاعر..
هو الذي تفوته كل المحطات
ليصل إلى محطة واحدة
لم يقصدها
فيقفز إليها بغتة ْ
الراكب في القطار الخطأ
إلى المدينة الخطأ
و يلوح للناس من النافذة ْ
المتمني في روحه
لو تتحول الساعات إلى آنية للسمك
يروح و يجيء فيها الوقت بسَكِينة ْ
فلا يخاف من الفقد


الشاعرُ ..
وددت لو أقابله
سأصافحه و أشدّ على يديه
أطلب توقيعه
ثم اكتب هاتفه على راحتي
الشاعر..
الذي لا يشبه الشعراء
الذين لا يشبه كل منهم الآخر
أفكر فيه كثيرا
كلما فكرت في أحدهم
يسافر إلى الإسكندرية صباحا
بدلا من المدرّج
يبلل قدميه
و يغني..


(6)


أريد أن أذهب إلى البحر..
هذا فقط ما أطلبه من الجميع
لن يصابَ أحد بسرطان الرئة
لن تصابوا بالجذام
لست طبيبا..
فقط دعوني أذهب إلى البحر



أريد أن أذهب إلى البحر
من ديوان "عن الكائنات النظيفة"
ميريت 2010



6 ب شارع قصر النيل بجوار سينما ومسرح قصر النيل - وسط القاهرة