06 يوليو 2009

هل هي خطوات نحو حافة الهاوية ؟


ماحدث في إيران لا يمكن اختزاله في صدام بين إصلاحيين ليبراليين موالين للغرب وبين محافظين أصوليين معادين له، أو بين مرشح الفقراء ومرشح الطبقة الوسطى. ولكنه "عودة المكبوت" بعد أن أغلق النظام الإسلامي في إيران طاقة المشاركة الشعبية الخلاقة التي أبدعت في إنجاز الثورة الإيرانية.
هكذا قرأ سلافوي جيجيك الأحداث الإيرانية الأخيرة في مقاله التالي، الذي أراه جديرا بالقراءة والنقاش. وأشكر الصديق سامح سمير على ترجمته إلى العربية.
لا يمكن فهم موقف جيجيك إلا على خلفية انتقاده لأنماط الديمقراطية الليبرالية التي توفر انتخابات دورية ولكن تتقلص فيها روح المشاركة الشعبية إلى حد أدنى بشكل يجعله متعاطفا مع "العنف الشعبي"، ويجعله يرى في كل من بيرلسكوني ونجاد نموذجا للفاشي الشعبوي ولو وصل إلى السلطة بانتخاب "ديمقراطي".
لم يسهب جيجيك في هذه النقطة، ولكني أظن أن زاوية تناوله تفتح الباب لأسئلة ضرورية عن علاقة كل نظام ديمقراطي بمعانيه الأساسية: المشاركة وما يلزمها من الحريات. وكيف يمكن أن تفرغ سلطوية "إجراءات ديمقراطية" معنى وروح الديمقراطية في نظام ليصبح مثل القط الذي يمشي فوق هاوية. خاتمة المقال توضح أن جيجيك يرى أن هذه الأزمة ليست فقط إيرانية.

هل يسقط القط الواقف على حافة الهاوية؟

سلافوي جيجيك
ترجمة: سامح سمير

عندما يدنو نظام شمولي من أزمته النهائية فإن تحلله، كقاعدة عامة، يتم على مرحلتين. قبل أن يسقط فعليا يحدث انقطاع غامض: فجأة يدرك الجميع أن اللعبة قد انتهت، ببساطة لم يعد يخيفهم شيء بعد الآن. لا يفقد النظام القائم شرعيته فقط بل إن نمط ممارسته للقوة يتخذ المظهر العاجز لرد فعل مذعور.
نحن نعرف جميعا هذا المشهد الكلاسيكي من عالم الكارتون: يصل القط إلى حافة الهاوية لكنه يستمر فى السير متجاهلا حقيقة عدم وجود أرض تحت قدميه، ولا يبدأ في السقوط إلا حين ينظر لأسفل و يرى الهاوية.
عندما يفقد النظام سلطته يغدو كقط على حافة الهاوية: لكي يسقط يجب فقط تذكيره بالنظر لأسفل . في "الشاهنشاه"- والذي يعتبر شهادة كلاسيكية علي الثورة الخومينية - حدد " رزار كابوسنسكي " بدقة لحظة هذا الانقطاع : في مفترق طرق بطهران رفض أحد المتظاهرين أن يتزحزح من مكانه عندما صاح به شرطى كي يتحرك، فما كان من الشرطي الذى أسقط في يده إلا أن انسحب ببساطة .
في خلال ساعات قلائل كانت طهران بأكملها على علم بالواقعة وعلى الرغم من المعارك الدائرة في الشوارع على مدى أسابيع أدرك الجميع بشكل ما أن اللعبة قد انتهت. هل يحدث الآن شي مشابه لذلك؟
ثمة العديد من الروايات للاحداث الجارية فى طهران . البعض يرى في هذه الاحتجاجات تتويجا لجهود حركة الإصلاح الموالية للغرب على غرار الثورات البرتقالية في أوكرانيا و جورجيا .. إلخ، رد فعل علمانى ضد ثورة الخوميني. ويؤيدون الاحتجاجات باعتبارها خطوة أولى نحو ايران جديد ليبرالي - ديمقراطي علماني خال من الأصولية الإسلامية.
فى المقابل ثمة متشككون يعتقدون، علي العكس امن ذلك،أن أحمدي نجاد قد فاز بالفعل: إنه صوت الأغلبية في حين ن موسوى يعتمد علي دعم الطبقات الوسطى وشبابها المضلل. باختصار: فلنكف عن الأوهام و لنواجه حقيقة أن ايران قد عثرت مع أحمدى نجاد على الرئيس الذى تستحقه.
وثمة هؤلاء الذين لا يعولون كثيرا على موسوي على اعتبار أنه مجرد عضو في مؤسسة رجال الدين لا يميزه عن أحمدي نجاد سوى فروقات شكلية: فموسوى يعتزم أيضا مواصلة البرنامج النووى، و هو ضد الاعتراف بإسرائيل بالإضافة إلى تمتعه بالدعم الكامل للخوميني عندما كان يشغل منصب رئيس الوزراء خلال سنوات الحرب مع العراق.
وأخيرا، فإن أكثر هذه المواقف إثارة للأسى هو موقف اليساريين المؤيدين لأحمدى نجاد: ما يعنيهم في المقام الأول هو استقلال إيران. لقد فاز أحمدي نجاد بالانتخابات لأنه دافع عن استقلال البلاد، فضح فساد النخبة، واستخدم عوائد النفط لتحسين دخول الأغلبية الفقيرة.
هذا هو- هكذا يقال لنا- أحمدي نجاد الحقيقي خلف الصورة التى يروجها الإعلام الغربى، صورة المتعصب الذى ينكرالهولوكست.
إن ما يحدث بالفعل في إيران الآن، طبقا لتلك الرؤية، هو تكرار لانقلاب 1953 ضد مصدق: انقلاب ممول من الغرب ضد رئيس شرعى .
هذا التوصيف لا يتجاهل الحقائق فقط : النسبة المرتفعة للمشاركة الانتخابية - قفزت من نسبة 55% المعتادة الي 85%- لا يمكن تفسيرها إلا كتصويت احتجاجى.
بل هو يعكس عجزا بالغا عن إدراك مثل هذا التجلي الأصيل للإرادة الشعبية، مفترضا باستعلاء أن احمدي نجاد هو الشخص المناسب تماما لقيادة الشعب الإيراني المتخلف الذى لم ينضج بعد بما يكفى كي يحكم بواسطة اليسار العلمانى.
بالرغم من التعارض القائم بينها، تتفق هذه التفسيرات كلها في قراءتها للا حتجاجات الايرانية من خلال محور الإسلاميين المتشددين في مقابل الإصلاحيين الليبراليين الموالين للغرب مما جعلها تجد صعوبة بالغة فى تحديد موقع موسوى : هل هو إصلاحي مدعوم من قبل الغرب يرغب في منح المزيد من الحريات الشخصية واقتصاد السوق ، أم هو عضو في مؤسسة رجال الدين لن يكون لفوزه، حال حدوثه، أى تأثير جدي على طبيعة النظام؟
يؤشر هذا الـتأرجح الشديد بكل وضوح على قصور هذه القراءات جميعها عن إدراك كنه هذه الاحتجاجات.
فاللون الأخضر الذى يتخذه أنصار موسوى شعارا لهم و صيحات "الله أكبر" التي تتعالى من فوق أسطح المنازل بطهران في ظلام الليل تشير بوضوح إلى أنهم يرون فى ما يقومون به تكرارا لثورة الخومينى عام 1979، عودة لجذورها، و تصحيحا لما اعتراها من فساد فيما بعد .
لا تتعلق تلك العودة للجذور بالبرنامج فقط، بل تتعلق أكثر بنمط فعالية الجماهير: الوحدة المتينة للشعب، تضامنهم الشامل، التنظيم الذاتى الخلاق، ارتجال أساليب للتعبير عن الاحتجاج، المزج الفريد بين التلقائية و الانضباط، على سبيل المثال المسيرة الرهيبة التى ضمت آلافا من البشر يسيرون في صمت تام.
نحن بصدد انتفاضة شعبية أصيلة للذين غرر بهم من أنصار ثورة الخومينى. ثمة نتائج بالغة الأهمية يمكن استنباطها من هذه الرؤية. أولا، أحمدى نجاد ليس بطلا شعبيا للفقراء المسلمين بل هو إسلاموي-فاشستي شعبوى فاسد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
النسخة الإيرانية من بيرلسكونى، يجمع في مزيج فريد بين سلوكيات بهلوانية وسياسة القوة الخشنة ويسبب حرجا حتى للغالبية العظمى من آيات الله. علينا ألا ننخدع بما يقوم به من توزيع ديماجوجي للفتات علي الفقراء: لا يوجد خلفه أجهزة قمع بوليسى و جهاز علاقات عامة علي النمط الغربي فقط، بل أيضا طبقة قوية من الأغنياء الجدد تعتبر افرازا طبيعيا لفساد النظام.
(الحرس الثوري الايراني ليس ميليشيا للطبقة العاملة بل مؤسسة عظمي، أقوي مراكز الثروة في البلاد)
ثانيا، يتعين علينا أن نفرق بوضوح بين المرشحين الرئيسيين ضد أحمدى نجاد: مهدى كروبى و موسوي.
فكروبى إصلاحى بكل ماتحمله الكلمة من معنى، يطرح بصفة أساسية النسخة الإيرانية من سياسة الهوية ويتعهد بمراعاة مصالح كل الجماعات الخاصة.
الأمر مع موسوي مختلف كلية، فاسمه يقترن بمشروع إعادة إحياء - بكل ماتحمله الكلمة من معنى- للحلم الجماهيرى الذى ساند ثورة الخومينى. حتى وإن كان هذا الحلم محض يوتوبيا، علينا أن ندرك ما ينطوى عليه من يوتوبيا أصيلة للثورة. ما يعنيه ذلك هو أنه لا يمكن اختزال ثورة الخومينى عام 1979 الى مجرد تولي متشددين إسلاميين مقاليد السلطة، لقد كانت أكثر من ذلك بكثير.
لقد حان الوقت كي نتذكر الفوران العظيم للعام الأول الذى تلا قيام الثورة و ما صاحبه من تفجر، يحبس الأنفاس، في الإبداع السياسى و الاجتماعي و التجارب التنظيمية و المناظرات التى كانت تعقد بين الطلاب و الناس العاديين. وحقيقة أن هذا التفجر قد تعين كبته دليل واضح على أن ثورة الخومينى كانت حدثا سياسيا أصيلا، انفتاحا لحظيا أطلق قوى تحول اجتماعى- لم يسمع بها من قبل - من عقالها لحظة " بدا خلالها كل شيء محتملا".
ما حدث بعد ذلك كان بمثابة إغلاقا تدريجيا عبر تولى "مؤسسة الإسلام" مقاليد السيطرة السياسية. بمصطلحات فرويدية تمثل الاحتجاجات الراهنة "عودة المقموع" فى ثورة الخومينى.
أخيرا و ليس آخرا، ما يعنيه هذا هو أن الاسلام ينطوى علي طاقة تحريرية – لسنا بحاجة إلى العودة الي القرن العاشر كي نعثر على الإسلام "الجيد"، فهو حاضر هنا أمام أعيننا.
وأن المستقبل غامض، وأغلب الظن أن القوى المسيطرة سوف تتمكن من احتواء الانفجار الشعبى والقط لن يسقط في الهاوية بل سيتمكن من استعادة الأرض تحت قدميه . و مع ذلك فالنظام لن يكون هو ذاته بعد الآن بل مجرد نظام أوتوقراطي فاسد بين آخرين .
أيا كانت النتائج فإنه لمن الأهمية بمكان أن نعي أن ما نشهده الآن هو حدث تحريري عظيم لا يمكن استيعابه في إطار الصراع بين الليبراليين الموالين للغرب والأصوليين المعادين للغرب.
لو أننا - بسبب من براجماتيتنا العدمية- فقدنا القدرة على إدراك هذا البعد التحريرى إذن فنحن- فى الغرب- مقدمون بالفعل على عصر مابعد –ديمقراطي وعلينا أن نستعد من الآن لاستقبال نسخنا الخاصة من أحمدى نجاد . الإيطاليون يعرفون اسمه بالفعل: بيرلسكونى. الآخرون ينتظرون فى الطابور.

--------
* سلافوى جيجيك: فيلسوف و عالم اجتماع ماركسى ولد عام 1949 فى سلوفينيا . اشتهر بتوظيفه لأعمال عالم النفس الفرنسى الشهير جاك لاكان فى إعادة قراءة منتجات الثقافة الجماهيرية . كتاباته تشمل مجالات عديدة وتغطي حقول معرفية متعددة من فلسفة وعلم اجتماع و نقد ثقافى وتحليل نفسى . كتب في العديد من الموضوعات مثل الحرب على العراق والأصولية والرأسمالية والتسامح والعولمة وحقوق الانسان و مابعد الحداثة و التعدد الثقافى ، و يصف نفسه كمفكر شيوعى ماركسى . أهم مؤلفاته "شيء الأيديولوجية السامى" الذى أكسبه شهرة عالمية .
** الصورة من
Andy Miah .

02 يوليو 2009

ماركسي على سنة الله ورسوله


يوحي هذا التعبير- الذي كان يحلو لعبد الوهاب المسيري أن يصف به نفسه في حواراته الأخيرة - أن إنتاجه الفكري كان من عينة محاولات متواضعة شائعة للتوفيق بين عناصر مختلفة بدلا من تحمل كلفة الانحياز لأحدها.
ولكني على العكس، أجده قبل كل شيء دالا على حسه المرح في التعبير عن موقفه المركب والمميز. انحيازاته الأخيرة واضحة في إنتاجه، ومما أحبه فيه أنه كان يتحلى ببساطة الانحياز وحراراته سواء في فكره أو حركته، ولكنه أيضا كمفكر أصيل ذي تجربة لا يمكنه إنكار تأثير كل جوانب التجربة على موقفه النهائي.
الهوية - كما يقول تيري إيجلتون- هي ما لا يمكننا أن نتخلى عنه. هذا إن صحت ذاكرتي لأني لم أستطع الرجوع الآن إلى مصدر قوله هذا.
المسيري أيضا كان كثيرا ما ينسى الإحالة للمراجع في كثيرا من أعماله الفكرية- أو يتجاهلها عمدا في رأي نقاده الأعنف- ويمكن أن نلومه على ذلك. ولكن المفاهيم الكثيرة التي اقتبسها من الفلسفة والفكر الغربيين، لا تمنع اعتقادي أنها في سياق أفكار المسيري كانت تنبض نبضا مختلفا، ربما بسبب أصالة همه الفكري، الذي لم ينفصل عن تجرية كشف عن جوانبها في سيرته الذاتية/ الموضوعية. وهي من أكثر السير التي قرأت إمتاعا وثراء.
التعبير عن هذا تحديدا كان طموح مقالي عن المسيري، الذي حاولت فيه أن أركز على التشابك ما بين التجربة الشخصية والإنتاج الفكري، وبين جوانب هذا الإنتاج الفكري المترابط والمتناغم. وأتمنى أن يكون خطوة تحضيرية للتعامل النقدي مع أفكار وأطروحاته.
المقال كتبته بعد وفاة المسيري مباشرة، كمشاركة في ملف عنه تعده مجلة "القافلة" السعودية. ولم ينشر بسبب سوء تفاهم حول المساحة المخصصة. ولكني أشكرهم على التعامل مع سوء التفاهم هذا بقدر فائق من الاحترام. وهو ما يندر تواجده في عالم الصحافة اليوم.
مرور عام على وفاة المسيري، قد يكون لحظة مناسبة لنشر المقال، وهو حجة أيضا لأعلن عن مدونتي الجديدة: أشغال عامة. والتي أجمع فيها كتاباتي الصحفية التي لا تشجعني طبيعتها على إضافتها هنا إلى ما بدا لي. كنت أود تأجيل ذلك حتى أستكمل إضافة أرشيف ما كتبته في صحف ومجلات أخرى قبل الشروق. ولكن يبدو أن ذلك بعيد الأمد، والله المستعان.
كما أني أتمنى أن تحقق هذه المدونة هدفها وأن أحظى بآرائكم وتعليقاتكم إن كان في محتواها ما يثير اهتمامكم، وبالطبع تصويباتكم ومراجعاتكم بخصوص ما لا يعجبكم.

أشعر الآن أن هذه التدوينة مثل: "كوهين ينعى ولده ويصلح ساعات"! ولكني كثيرا ما أستخدم هذه المدونة للدعاية لكل ما يبدو لي أن أنحاز إليه. وياء المتكلم في عنوان هذه المدونة هي بالطبع أكثر ما أنحاز إليه، لأن غير ذلك في الحقيقة لا يمكن أن يكون، وعلينا أن نتحلى ببساطة الاعتراف بهذا الانحياز البسيط المشروع الذي لا يمكن الفكاك منه.

26 يونيو 2009

بطلي المثالي





بطلي المثالي .. فيروز كراوية
من كلمات عمر طاهر
وألحان شريف الوسيمي


أنتظر بشغف الجديد الذي ستقدمه فيروز في حفلها غدا في الساقية.

22 يونيو 2009

لنناقش أهمية الهواء




’’ بنى اليسار الشعبوي سورا عاليا بين النضال من أجل الديمقراطية والكفاح ضد الإمبريالية، حيث تم إخضاع الأول لصالح الثاني واعتبر الكفاح ضد الإمبريالية أولوية. وعموما أجاد " آية الله المناوئ للإمبريالية" فعل ذلك جيدا فأصبحت المعركة من أجل الحريات في الشوارع والجامعات والمصانع - والتي فى جوهرها معركة ضد الحكام الإسلاميين- تلهي، بل وتعوق، الكفاح ضد الإمبريالية و أصبح علينا أن نضحي بكل شيء في سبيل كفاح مزيف ضد الإمبريالية يديره في القمة الحكام الإسلاميون لإيران.

لكن حتى هؤلاء الذين لم يقتنعوا بهذه الفرضية خففوا من حدة النضال الديمقراطي. لذا أدار اليسار رأسه للجهة الأخرى عندما خرجت النساء بالآلاف في يوم المراه العالمى الاول بعد الثورة (مارس 1979) في مسيرة ضد اشتراط ارتداء الحجاب لدخول المكاتب الحكومية : فبعد كل شيء ما هؤلاء بالنسبة لهم إلا نساء "معطرات" مدللات من الضواحي الأغنى . كذلك صمت اليسار مرة أخرى بعد أشهر قليلة عندما نهب مجموعة من البلطجية مكاتب صحيفة أيانديجان اليومية، فهي صحيفة "ليبرالية" وبالتالي لا علاقة لنا بها. في خلال سنة تم كذلك إغلاق صحف تقدمية مثل بختار إيمروز، وفي النهاية تمت تصفية صحافة اليسار السرية ودخل المشهد الصحفي الإيراني في ظلام كامل لخمس عشرة سنة.

اعتبر اليسار أن الديمقراطية السياسية تنتمي للبرجوازية، و عصر "الثورات البرجوازية" في أحسن الأحوال ما هو إلا سلم يقود للاشتراكية. الحريات الشخصية مثل حرية التعبير مطالب "ليبرالية" يمكن تجاهلها أو تحملها –في الوقت الحاضر- ولكنها ليست على رأس أجندة الأولويات، وبالفعل استعمل لفظ "ليبرالي" للاستهجان، كأنه سُبة. أما الملالي "المناهضون للإمبريالية" فكانوا أفضل كثيرا بالنسبة لليسار ، وهكذا حفر اليسار قبره بيده جراء ذلك التصنيف

الديمقراطية والحريات السياسية، بما فيها الحريات الفردية، هي الهواء الذي يتنفسه اليسار ‘‘

لا ينقص الكلمات السابقة لكي تكون معاصرة جدا إلا فتح قوس بعد اليسار الشعبوي في أول جملة ليضم أيضا معظم التيارات القومية والإسلامية ونخبها التي تزدري الآن احتجاجات الشباب الإيرانيين من الطبقة الوسطى والمدن، لأنها لا تنتمي لحركة جموع الفقراء في الريف والأقاليم ولأنها في مواجهة أحمدي نجاد المقاوم الشرس للغرب وأمريكا.
توجيه اللوم تحديدا لبعض فصائل اليسار يرجع إلى أن هذه الملاحظة كتبها - كنوع من المراجعة ذاتية - مهدي كيا، الكاتب والناشط اليساري الإيراني، عام 1999 في مقال بعنوان "دروس من الثورة الإيرانية"، وترجمته مريم النقر ونشر في العدد الخامس لـ"البوصلة" تحت عنوان "ثمانية دروس لليسار من الثورة الإيرانية".


21 يونيو 2009

أبعد من نجاد وموسوي

بدلا من الاستسلام للدعاوى التي تنظر لما يحدث في إيران وتتذرع بالشرعية الشعبية لنجاد، متناسية سياق هذه الشعبية، أوشرعية مقاومته للغرب والإمبريالية، متناسية الهدف الأصلي من هذه المقاومة، يطرح الصديق محمد نعيم القناوي - في ما كتبه سريعا كملاحظة على صفحته على الفيس بوك - نقاطا موجزة وبعض المعلومات المنسية أو التي يتم تجاهلها ويقترح أن نضعها في اعتبارنا لرؤية صورة أوسع .

لنتمهل ونتأمل المشهد في إيران

في الشأن الإيرانى، قد ينسى الكثيرون من اليساريين والتقدميين والوطنيين التقليديين الحقائق القديمة والبسيطة عن معنى أن تمضي حياتك تحت حكم الإسلاميين، لأنهم لم بدركوا أبدا تبعات أن تولد وتشب تحت نير حكم كهذا.

فى ظل حكم تلك النظم تكف كأحد أبناء الطبقة الوسطى من تلقاء نفسك عن تذكر فسادها، لأنك تناضل يوميا فى مواجهتها من أجل لون لباسك أو طول شعرك أو شكل حجابك أو نوع الموسيقى التي تهواها.

تفاصيل الحياة اليومية بطعم القهر والوصاية. شوارع شمال طهران نظيفة وآمنة ولكنها آمنه ضد الجميع . المجال العام مغلق إلا فى ستاد آزاد الدولي الممنوع على النساء دخوله قانونا، والمتنفس إن وجد - وقطعا هو لفئات بعينها- لا يتعدى الحفلات الصاخبة داخل المنازل لأبناء الطبقة الوسطى، وأحيانا لا تكتمل إلا برشوة منتسبى الحرس الثورى الإيرانى كي لا يقتحموا المكان بحجة اختلاط الجنسين فى خلوات غير شرعية عقوبتها تتفاوت بين الغرامة والجلد والسجن.

الطبقة العاملة في إيران تعيش وحيدة وتموت وحيدة وتبعث وحيدة. وما تلاقيه من قهر تجاوز حتى حدود معرفته.
منذ عام ونصف نظم عمال النقل العام فى إيران إضرابا استمر أسبوعين، رفعوا خلاله شعارات مستجدية من نوع: انصفونا فنحن أبناء الثورة الاسلامية أيضا، ومن نوع اشفع لنا يا خمينى من الآخرة. ثم أعدم ثلاثة من قادة الاضراب!
ترى هل يتذكر أحد ؟ عفوا! هل عرف أحد ؟

هل يعلم الكثيرون أن رواتب العاملين فى جهاز الدولة فى إيران أضعاف أقرانهم فى القطاع الخاص . هل تناسى البعض أن إيران بلد بترولي سخي الانتاج شأنه شأن السعودية، وأن المنتسب للجهاز الحكومي فى بلد بترولي "مؤمَّم البترول"، هو من فئة الناجين من عذاب الدنيا فى بلد نامٍ .
هولاء هم من يدعمون أحمدي نجاد باللباس المدني و المسدسات والرصاص الحي فى الشارع، كما دعموا شاه إيران بنفس العنف من قبل، قلة محظوظة وفية لنظام يرفعها ماديا وحياتيا بما لا بقاس بعموم الناس. نفس القلة القادرة - ولكن بدون مرتبات مجزية هنا - على تعبئة الريفيين البسطاء بخمسين جنيها مقسومة نصفين أو بوجبة أو فرصة عمل موعودة فى المجالس البلدية . تلك هى الآلية فى إيران، وشدة شبهها بمصر هو ما يجعلنا نتأمل ما يدور هناك، فهى الدولة الكبيرة الاخرى فى الشرق الاوسط.

اختزال الأمر فى مظاهرات ناتجة عن دعاوى تزوير فى انتخابات رئاسية بين عدة مرشحين هو بلاهة مقصودة.
فموسوي أو ما يسمى بالإصلاحيين فى إيران يرتجفون خوفا من إحكام سيطرة المركب العسكرى " الحرس الثورى والباسيج " على منظومة السلطة الايرانية. يرتجفون لأن العسكر قد يقدموهم كبش فداء فى سلسلة مسرحيات ضرب الفساد والمفسدين فى مصالحة مع قطاعات من الجماهير باسم قطع أيدى سارقى قوت الشعب، وهم كذلك بالفعل.
هولاء العسكر يريدونه حكما كالذى تعلمونه جميعا تعلمونه جيدا وبدون أى هوامش حركة من تلك التى سئمنا حتى كراهيتها فى مصر.

الذين يقتلون فى الشوارع أخذوا مسألة التزوير ضد موسوي مطية، الأمر تخطى موسوي الذى طالب قبل أيام مؤيديه بعدم المشاركة فى المظاهرات، فنزل مئات الآلاف بعد ساعتين! الإيرانيون ببساطة منفجرون والسلطة الاسلامية الجهول أكثر غباء وغرورا من أن تقدم تنازلات، وسوف تراهن على الوقت.

العجيب أن بعض ممن يخشون وصول التيار الإسلامي للسلطة فى مصر يؤيدون أكثر تياراته رجعية داخل مركب السلطة فى إيران، ولم لا ماداموا هناك يصحنون كفوفهم ويخرجون لسانهم للولايات المتحدة، وسحقا للشعب الإيرانى فله رب يحميه، وليعانى هو الآخر فلماذا ننفرد نحن بالمعاناة!

من ينظر لتطور الاحداث بروح المتابع لمناكفة انتخابية عليه أن يتمهل . من يرى أحمدى نجاد رئيسا منتخبا وأن انصار موسوى يريدونها ثورة برتقالية على غرار أوكرانيا فليضحى بالقليل من وقته على ويكيبيديا، ليتعرف على المعلومات الأساسية عن نظام الحكم فى إيران.
ومن يتناسى أو يتنطع فليتذكر 40 ألف حكم بالاعدام على مناضلين يساريين ومثقفين تقدميين، فليتذكر أن احمدى نجاد ومير حسين موسوي كلاهما- وهما فى ريعان شباب سلطتهما- عطلوا الدراسة بالجامعات الإيرانية 4 سنوات من عام 1980 الى 1984، حتى لا تتسرب إليها عناصر غير اسلامية، فلنقرأ ونتأمل و نتمهل حينها قد نتفاعل.


19 يونيو 2009

حفلة




رغم أني نمت مبكرا جدا، في الثامنة من مساء أمس، إلا أني أعتقد أنني رأيت كل ما حدث لاحقا في تلك الليلة بشكل أوضح ربما مما كان عليه.
لقد كانا - هي وهو- يحتفلان بكونهما معا، فى أعلى نقطة من مبنى يشبه القصر يحتل منتصف المدينة. وفي اللحظة نفسها عمت الفرحة المدينة واحتفلت كلها معهما.
لقد كنت نائما فلم أعرف أن المدينة فرحت، ولم تكن رغبتي في الحياة قوية بما يكفي لأطيع المنبه وأحظى بفرصة أن أكون معهما على قمة الفرح.
ولكن ماحدث أني استيقظت بشكل لا إرادي، وبحكم عادة بضع شهور، في الثانية بعد منتصف الليل -بالضبط- وفتحت التليفزيون على قناة إنفينيتي وشاهدت "فريزر" وتابعت أخبار المدينة سريعا على الإنترنت خلال فواصل الإعلانات، فعرفت ما فاتني وعدت للنوم وأنا أحلم بالمشهد.
حتى أني رأيت ملامحها وهي تحييهم كأميرة وتريهم دبلة الخطوبة من فوق ثمانية طوابق- تقريبا - بينما هم في الأسفل يلوحون بالأعلام الملونة ويرقصون.

17 يونيو 2009

منطق الإمبراطورية

المزيد من الكلام عن زيارة أوباما وخطابه ربما يكون مملا أو سيبدو كمبالغة في تقدير أهميتهما. ولكني أدعوكم إلى استثناء مقال شريف يونس عن "المنطق الإمبراطوري" والمنشور في العدد الأخير من أخبار الأدب. فهو ينقل مفهوم "الإمبراطورية الأمريكية" من مجاز انتقادي أو تهويلي إلى أداة لتحليل وفهم التحول من سياسات الصدام البوشية إلى السياسات الاحتوائية لأوباما. كما أنه يقدم ما أراه أفضل تحليل لتفضيل أوباما توجيه خطابه إلى "العالم الإسلامي" تحديدا، ودلالات ذلك.

منطق الإمبراطورية

شريف يونس

وجه أوباما خطابا سياسيا مهما، يتناول الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية المقبلة فى "الشرق الأوسط الكبير" وأشياء أخرى، إلى كيان عام هلامى يسمى المسلمون، أو سكان البلدان الإسلامية. لماذا يتجه رئيس أقوى دولة فى العالم لإلقاء خطاب "علاقات عامة"، كما أسماه البعض، غير موجه لرئيس الدولة المصرية، ولا لمجموع الرؤساء العرب، أو رؤساء "الدول ذات الأغلبية المسلمة"- بتعبير أوباما، ولا لمؤسسات إسلامية بعينها؟ ولماذا قوبل هذا "التخطى" بارتياح وسُمح به أصلا؟

هذا حدث لا يمكن فهمه بغير وضع مجموعة من الاعتبارات الخاصة بالمنطقة ووجود الولايات المتحدة فيها، فى العراق وغير العراق. أهمها أن ما يُعرف بالإرهاب الإسلامى لم يكن بمبادرة من حكومات فى المنطقة، بل من بعض سكانها. وأن أعمالهم لقيت نوعا من الاستحسان، ولو المتحفظ أو المشروط، من قبل قطاعات واسعة، كضربة موجهة للولايات المتحدة، راعية إسرائيل. من وجهة نظر أمريكية، هذه الظاهرة لا يمكن مواجهتها بمجرد الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لبعض النظم الحاكمة فى المنطقة مقابل تعاونها. بعبارة أخرى.. لقد دخل الرأى العام فى المنطقة بقوة إلى ساحة السياسة الأمريكية، وبالتالى أصبح قوة يجب على الولايات المتحدة أن تتعامل معها.

منطق بوش فى المواجهة لم يكن سوى منطق المنتصر فى الحرب الباردة، الذى يعيب على غيره من التيارات السياسية فى الولايات المتحدة عدم اقتناص الفرصة وترسيخ سيطرة أمريكية عالمية. وأتت أحداث 11 سبتمبر لتقدم له تحديا وفرصة فى نفس الوقت لتجربة هذا النهج. غير أن التحدى كان أكبر من منطقه الدولتى (غير الإمبراطورى، وسنرى الفرق لاحقا). فكما ذكرنا، لم يأت التحدى من الحكومات، حتى يمكن قهرها. بحثا عن حكومة، وجد بوش فى عراق صدام نموذجا صالحا، فنهشها نهشة قاتلة. ولكن التحدى لم يأت أساسا من الحكومات، وهكذا واجه بوش، مرة أخرى، بعد "انتصاره"، جماعات مسلحة وراءها رأى عام ساخط يحميها، ويستحيل تحطيمها تحطيما تاما، وتنتهز دول مختلفة الفرص لزيادة مشاكل الولايات المتحدة بتدعيمها. باختصار أصبح الرأى العام فى المنطقة قوة على درجة من الاستقلال، بما اجتذب أطرافا مختلفة سعت لاستعماله فى الصراعات الدولية (مثلا جهود الدولة المصرية فى إثارة قضية الرسام الدانمركى بعد نشر الرسوم بستة شهور كهجوم مضاد على الضغوط الغربية).

أدركته الإدارة "البوشية" قضية صعود الرأى العام الساخط بقوة بعد أن استمرت مصاعبها بعد تحطيم حكومتى طالبان وصدام، ولكن استجابتها كانت الضغط على الحكومات المعنية لإفساح مجال للرأى العام والمعارضة، لامتصاص السخط. ولكن الصيغة التى تم بها "دفع" قضية الديمقراطية انطوت على تحدٍ للنخب الحاكمة المحلية، ولم تثر أى تعاطف واسع فى المنطقة. فقد بدت الديمقراطية فى التصور "البوشى" كمجرد مصلحة أمريكية خاصة لا تعنيها بأية درجة مصالح الشعوب نفسها. وبالتالى أثارت عداء النظم المحافظة فى المنطقة، وأتاحت لكل القوى المعادية النفخ فى العداء للولايات المتحدة، ليس فى المنطقة فحسب، بل فى كثير من أنحاء العالم الأخرى.

سياسة أوباما بنت تحالف مختلف فى المجتمع الأمريكى، جاء به إلى السلطة. وبالتالى كان من الطبيعى أن يأتى خطابه متحررا من الافتراضات البوشية، وجديدا بشكل نوعى (دون أن يعنى هذا أنه لم يستفد من انتصارات بوش). النقطة الجوهرية هى أن خطاب أوباما خطاب إمبراطورى، بالمعنى العميق للكلمة. الإمبراطورية تختلف جوهريا عن الدولة القومية، فهى تقوم وتستمر وتقوى على مراعاة واحترام التوازنات المحلية، والتصرف كنوع من الحكم المقبول فى النزاعات. كل إمبراطورية تقوم على مجموعة رئيسية من السكان (الأموية على عرب الجزيرة العربية، العباسية على الفرس فالترك، مثلا)، ولكنها لا تحكم بغير تعاون المجموعات السكانية الأخرى، ونخبها المحلية. لهذا السبب تقبلت الحكومة المصرية، وغيرها من الحكومات التى خاطب أوباما شعوبها مباشرة هذا "التخطى" لها، بغير أن تشعر بأنه يمثل أى اعتداء على سيادتها. فالإمبراطورية المطروحة توافقية.

ولكن لماذا حظى الخطاب الجديد أيضا بالقبول على نطاق واسع من الجمهور نفسه، المستهدف الأساسى به؟ ببساطة لأن السياسة "البوشية" جعلت الناس يشعرون، وبعضهم يدركون، أنه لا يوجد حتى الآن أى حل خارج الإمبراطورية، فالعولمة تفرضها فرضا، والعولمة ليست اختيارا، بل واقع، وبالتالى الحل المتاح هو ممارسة الصراع من داخل منطق الإمبراطورية، وبهدف تعديل توازنات القوى داخلها.

لا أدل على ذلك من أن الرؤى المختلفة فى المنطقة دخلت بدورها فى طريق مسدود فى الحقبة "البوشية". الراديكاليون، سواء بشعارات إسلامية أو قومية، كانوا يروجون صراحة أو ضمنا لهدف خيالى، هو "مواجهة" أو "مقاومة" تفضى إلى "تحرير فلسطين من النهر للبحر"، معتمدين على ما تثيره سياسات بوش من ميل قوى إلى التقوقع والدفاع عن النفس بأى طريقة كانت. ولهذا فإنهم يميلون بشكل طبيعى إلى التقليل من شأن خطاب أوباما. فالاعتماد متبادل بينهم وبين "البوشية"، بمعنى أن كلاهما تعتمد مصداقيته على وجود الآخر كعدو. أما منطق الحل الوسط مع إسرائيل، أو طريق السلام، فلا مصداقية له فى الحالة "البوشية"، التى يفتقر العرب فيها إلى أى تحالف يستطيع أن يضغط على إسرائيل.

طريق "الديمقراطية" فى بلدان المنطقة، ليس أقل انسدادا. فالشعار ترفعه قوى تنادى بـ"ديمقراطية فى حدود الشريعة"، أو "ديمقراطية فى حدود الخط السياسى القومى"، أو "ديمقراطية بلا إسلاميين". والدعاة الإسلاميون متحمسون لتوطيد "سيادة إسلامية" خالية من أى محتوى: عرقلة بناء وترميم الكنائس، ورفض حق البهائيين فى أبسط حقوق المواطنة، والإصرار على رفض حرية العقيدة الفردية وحرية الإبداع، أى خليط من "ديمقراطيات" سلطوية بطبيعتها. أما حدود "أزهى عصور الديمقراطية" فى ظل النظام الحاكم فمعروفة للجميع. باختصار، ليس صحيحا أن الحلول متوافرة ولا ينقصها إلا أن تبتعد عنا الولايات المتحدة، وبالتالى المجال مفتوح بطبيعته ذاتها .

على خلفية الإفلاس العام (الذى يطول أيضا السياسة الإسرائيلية، ولكن المجال لا يتسع لشرحه) طرح أوباما اقتراحه الإمبراطورى تحت عنوان الإنسانية، أو ما أسماه "عقيدة الإيمان بالآخرين"، ومطالبة ببدء صفحة جديدة بناء عليها. ومن هنا الطابع المتوازن العام للخطاب. غير أن ما يعنينا هنا أنه بصرف النظر عن الاختلاف مع سياسة أو أكثر من السياسات التى جاءت فى الخطاب، وبعض حججه، فإن المبادئ العامة التى بُنى عليها الخطاب تبدو الأنسب والأجدر بالتشجيع، لأنه يمكن معارضة ما يتم الاختلاف عليه فى خطاب أوباما بناء على نفس المبادئ التى وردت فيه: الشراكة والبحث عن أرضية مشتركة، الحرية الدينية والتسامح واحترام حقوق الأقليات، تحالف الحضارات، قبول التعددية السياسية، رفض التعذيب وقتل المدنيين، حقوق المرأة وحريتها الدينية.

وعلى سبيل "العربون"، قدم أوباما اعترافا بأخطاء الولايات المتحدة فى المنطقة، منها المسئولية عن الانقلاب ضد مصدق فى إيران فى 1951، والتعامل مع المنطقة كمجرد مخزن للبترول، وغزو العراق "الاختيارى"، والمعتقلات والتعذيب، وترويج صورة نمطية للإسلام كمرادف للإرهاب. كما قدَّم بعض الوعود، مثل عدم الإبقاء على قواعد عسكرية أمريكية فى العراق أو أفغانستان، أو المساعدة على مسارات التنمية الاقتصادية. وفى هذا السياق استطاع الجمهور أن يتخلى عن التعصب العربى الدفاعى، بتقبل، ولو دون قبول كامل، إدانة مذابح دارفور، أو صواريخ حماس، أو الإشارة إلى الأقباط. باختصار، نجح أوباما فى تقديم خطاب يبدو موجها لفئة دينية (المسلمين)، ولكنه يتضمن قيم الحداثة ويسعى لفك توترات هذه الفئة مع الغرب وفى المنطقة، وفى منافسة الخطاب القومى والدينى على قلوبها وعقولها.
ما لم يكن المرء يجرى وراء وهم نهاية الولايات المتحدة كالقوة العالمية الأكثر تأثيرا فى المنطقة، أو يتخيل أننا على وشك أن نرى عالما يخلو من التباين الشاسع بين قواه، يبدو أن رفض هذه الأسس والمبادئ، وهذا السعى لاستخراج جمهور المسلمين من الجب القومى/ الدينى، مجرد دفاع من جانب قوى منتهية الصلاحية تاريخيا، ورفض لصعود رؤى عربية جديدة قادرة على الاشتباك الإيجابى مع رؤية أوباما الإمبراطورية واستثمارها لصالح شعوب المنطقة وحل قضاياها.

06 يونيو 2009

أوباما جاء ليكلمنا لا ليقول شيئا



لست ممن توقعوا أن يفاجئنا أوباما بانعطاف جذري تاريخي ليصبح "أوباما الأول" الذي اكتشف أن القضية الفلسطينية هي "ماستر كي" أبواب الوصال بين أمريكا والعالم الإسلامي/ العربي، فقرر استخدامه وجاء ليبلغنا ذلك.
ولكن التعبيرات بين المزدوجتين، التي أستعيرها من مبدعها محمد علي إبراهيم رئيس تحرير "الجمهورية" في مقاله بـالعدد الأسبوعي الصادر صباح الزيارة، أراها تعبر عن تصور هو بالفعل مفتاح أساسي أو "ماستر كي" لفهم طريقة تفكير مهاجمي أوباما وزيارته.
أصحاب هذا التصور كانوا متأكدين مثلي أن الانعطاف الجذري بشأن القضية الفلسطينية لن يحدث في هذه الزياة وهذا الخطاب. وعليه - وهنا سنفترق- بما أنه لن يشهر توبته ليكون معنا إذن فهو ضدنا. فقرروا استقباله ببوسترات الشباشب أو بمحاولة غرائبية للاعتصام في ميدان التحرير، بل استبقت اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية خطابه ببيان يدين مقدما الخطاب، وهو الظهور الأول فيما أعلم لظاهرة الإدانة مقدما ولا يفوتني أن أهنيء اللجنة.
اليقين المسبق في الإدانة المقدمة أو الاعتصام قبل الخطاب أو في بوسترات الشباشب هو يقين موفق إلى حد كبير، فلا أحد كان يتوقع أن هذا الخطاب سيشهد تحول أوباما من رئيس منتخب للولايات المتحدة الأمريكية إلى شاب هيبي أو ناشط في حركة مناهضة للعولمة سيطلب- وهو يضرب بقبضته على المنصة - نسخة من "وثيقة تفكيك إسرائيل" ليوقع عليها ثم يخرج من الجامعة محمولا على الأعناق.
تصور أمريكا كإمبراطورية لا يعني أن أوباما إمبراطور يمكن له أن يغير دينه فيتبعه قومه ويتغير مسار الإمبراطورية كما فعل من قبل امبراطور روماني. الكل يعرف ذلك، ولكن يبدو أن أصحاب الشباشب والبيان والاعتصام يعتبرون أن هذا وهذا فقط هو ما يمكن اعتباره شيئا جيدا يمكن الترحيب به.
وكأنه لا يمكن أن نرحب بأقل من ذلك اتساقا مع وضع أقدامنا المنغرسة في هذا المستنقع، واتساقا مع ما يمكن توقعه من رئيس منتخب ليعبر عن مصالح شعب آخر لا مخلص للبشرية، واتساقا مع التوقعات المتبادلة بين أفقين حضاريين أحدهما -رغم كل شيء- سمح لشخص ينتمي لأقلية عرقية أن يصبح رئيسا في حين أن الأفق الآخر تناضل فيه أقلية دينية من أجل بطاقة شخصية.

في هذا السياق، عندما يأتي أوباما ليلقى خطابا يدعو فيه إلى "إعادة تقييم العلاقة المتبادلة بين الأفقين الحضاريين" فإن هذا ما ينبغي التوقف عنده رغم أنه ليس جديدا يقال. الدعوة لتجاوز حالة "صدام الحضارات" أو كما عبر هاني شكر الله "وقف إطلاق النار في حرب الحضارات" أشار إليها أوباما سابقا في أكثر من مقام.
الجديد هنا هو أن أوباما لم يكتف بموقفه المعلن، بل أراد أن يقوله هنا في مقام أكثر قربا. أراد أن يسجل: "سآتي بنفسي لأقول ذلك". وهو هنا يؤكد مكانته الشخصية والاعتبارية، كما يؤكد على أنه رغم هذه المكانة سيأتي ويقول قولا لينا. بل وسيختار مكانا يعبر عن دور حضاري وليس سياسي مباشر.
ورغم أن دلالة المكانين الذين فاضل بينهما أوباما- جامعتي القاهرة والأزهر- عند من يعرفهما جيدا تختلف عما أراده أوباما. لكن اهتراء الدور الحضاري لكلتا المؤسستين لا يزال يخدم خطاب أوباما، فهما مكانان ارتفعت فيهما المصاحف في المظاهرات واختلط فيهما الاحتجاج السياسي على سياسات أمريكا بتصور عن حرب تقودها ضد الإسلام.
"الإطار الحضاري" الذي اختاره أوباما له دلالات عدة. فهو من ناحية مناسب لاعتذار عن حماقات تسبب فيها سلفه والتيار الذي يمثله، ولكنه أيضا هجوم على الحماقات المقابلة عند قطاعات مماثلة في هذه المنطقة من العالم وافقت سياسات بوش هواها واعتبرتها تأكيد لصدق نظرتها الثنائية للعالم، ونظرّت لكون الصراع الديني أو القومي هو الإطار الحتمي لقراءة كل تناقضات وصراعات السياسة.
بخلاف المجاملات الديبلوماسية، فإن كل إشارات التقدير الموجهة لـ"العالم الإسلامي" كانت موجهة لماضيه، بينما كل الإشارات الإيجابية موجهة لحاضر أمريكا أو ما يتعهد أوباما بالالتزام به. التسامح واحترام الأقليات هما من التراث الماضي للعالم الإسلامي، الذي يدعوه أوباما الآن لاحترام التنوع وحسن معاملة أقلياته. وحتى حجاب المرأة لم يتركه أوباما للعالم الإسلامي بل أكد على أنه ضد أي انتقاص من مكانة المرأة بسببه، ويدعم كلامه وجود مستشارته المحجبة، في الوقت الذي لا يمكن أن تلتحق فتاة محجبة بالسلك الديبلوماسي المصري.
هو أكد على أن أمريكا ليست في عداء مع دين ما لأن المسلمين فيها مواطنون ينعمون بالحرية الدينية، وبالتأكيد يحظى الأمريكيون بحرية التحول إلى الإسلام، بينما أعداد لا تتجاوز أصابع اليد تتحول عن الإسلام تثير القلاقل في العالم الإسلامي المعاصر، والجامعة التي كان يخطب على منبرها تواطئت لإقصاء باحث هو نصر أبو زيد لأن أساتذتها اعتبروه مرتدا عن الإسلام بسبب اجتهادات أكاديمية قدمها.
يبدو لي هنا أن الوجه الآخر لاعتذار أوباما هو توبيخ وتقريع عنيف. بدا لي أنه يقول لنا: "أنتم تطلبون عدالة واحتراما وسياسة أخلاقية لا تكيل بمكيالين. ولكنكم فيما بينكم بلا عدالة ولا احترام للأضعف، كما أنكم لا أخلاقيون وبألف مكيال. فكروا قليلا، عليكم الكثير من الواجبات قبل أن تتنتظروا شيئا".
هاجم البعض خطاب أوباما لأنه لم يقل شيئا جديدا انتظروه. أوباما لم يأت هنا مع خدمة توصيل الطلبات للشعوب. بل على العكس كان واضحا في إشارته إلى العلاقة الوثيقة بين أمريكا وإسرائيل، ليحبط منتظري "أوباما الأول"، كما قال بشكل واضح أن خطابا لن يقدم حلولا للمشكلات المعقدة التي أدت بنا إلى هذه اللحظة.
لم يأت أوباما أصلا ليقول شيئا جديدا، ولكنه جاء إلى هنا ليتكلم ويؤكد على ما قاله سابقا من أن إدراته تريد أن تعتمد سياسة لا تكون فيها أمريكا إمبراطورية تهتم بمصالحها بشكل ضيق الأفق. ولكن على العكس تدرك أن بينها وبين العالم مصالح مشتركة هي أساس التفاهم والحوار، وهناك بالتأكيد انحيازات ومصالح متعارضة – أعلنها بوضوح وصدق- يمكن للتفاهم والحوار أن يسهما في التفاوض حولها، حتى في وجود الصراع.
التفاوض أو "الكلام الممكن" هو ما أراد أوباما أن يعبر عنه بقدومه إلى هذه المنطقة، لكي يكرراختياره لسياسة ترفض اعتبار اختلاف الإطار الحضاري، الديني وغيره، هو أساس الصراع أو مانعا للتفاوض والتفاهم. بل ويدعو هذه المنطقة أن تحترم أقلياتها وتنوعاتها من نفس المنطلق.
لا يمكنني أن أفهم تحركات أوباما إلا باعتبارها خطوات رئيس أمريكي يرعى مصالح أمريكا، التي يقف كثير منها ضد انحيازاتي. وفي هذا السياق أختار الترحيب بأوباما، بصفته الرسمية "رئيسا خصما" يريد أن يخلص الصراع من جهالات مدمرة للطرفين، وبصفته الشخصية كفرد تحمل مسيرته الخاصة داخل أروقة الامبراطورية الملامح الجيدة لما يسمى بـ"الحلم الأمريكي" المتعدد الوجوه، كما لا يضايقني أبدا أن يكون خطابه هنا استعراضا لبهاء هذا الحلم متمثلا فيه أو تقريعا لحالة الانطفاء في هذا الجانب من العالم والتي تزيد من جاذبية بهائه. لعل الغيرة تنهشنا.

31 مايو 2009

حسناً



استيقاظي مبكرا اليوم
سأعتبره دليلا على الحياة

لن أضيع وقتا
سأجلس إلى مكتبي
أفسح لنفسي
- ولكوب الشاي-
مكانا بين الأوراق المبعثرة
وأفكر..

كيف سأعيد ترتيب هذه الحياة
وهذه الأوراق.


08 أبريل 2009

السياسة هي في مكان آخر



في الواقع أنا أتحمس...
صباح أول أمس، استمعت إلى "قوم يا مصري" مرة من سيد درويش ومرة من "اسكندريلا"، وأنا أرتدي التي شيرت الكحلي – أنا عادة ما أرتديه لكن ذلك الصباح ارتديته عمدا بينما كان بإمكاني أن أرتدي الزيتي – ثم ذهبت إلى الجريدة وأنا أتوقع أن أرى بعض الآخرين يرتدون ملابس غامقة، سيتابعون أخبار يوم هاديء بشغف في أول اليوم ثم بملل في منتصفه وربما بسخرية في نهايته. لم أتوقع أكثر من رمزية أزياء أنصاف المتحمسين ومحاولات احتجاج الأكثر حماسة، ولا أكثر من طبعة مكررة من يوم لـ"الغضب العام".
لست ضد فكرة يوم "الغضب العام"، ولكن لا أتوقع أبعد من استجابة رمزية من "المناضلين العموميين"، ولكن على الأقل عليهم أن يتفقوا بشأن هذا اليوم. ولست ضد رهان شباب 6 إبريل على المواطن العام الذي سيفيق من سباته لأنه تلقى دعوة للغضب على الإنترنت، ولكن لا يمكن أن أتحمس بدرجة كبيرة لمثل هذا الرهان ولا لنتائجه.
أنا أيضا لست ضد فكرة "المناضل العام" – يسمى أيضا في ديباجات حركية بـ"المناضل الطائر" – ولا ضد الأهداف الرمزية للفعل السياسي. السياسة في النهاية هي الصراع الذي يقدم تفاعلا بين الواقعي والرمزي، فالعلاقات والتوازنات بين القوى على الأرض تشتبك في لحظات بعينها – الحرب / الانتخابات – ولكن في باقي اللحظات تظل الحالة السياسية تلخيصا لنتائح الاشتباكات بشكل رمزي ومجازي: سلطات تدعي الشرعية وممثلين لإرادة الناس، أو لحظات مقاومة يجري فيها صراع مستمر على أرض الواقع أو على مستوى المجاز والرمز والأفكار في محاولة للوصول لأرض معركة كبيرة جديدة ثم الوصول لتوازن جديد.

أعتقد أن العديد ممن تحمسوا لتجربة "كفاية" وفورة آمال التغيير وأنا منهم- حتى لو لم يكونوا يطمحون إلا لزحزحة الأسوار قليلا للتمتع بمساحة أكبر من البراح – قد خرجوا من التجربة بقناعة أن "الاحتجاج العام" ليس أكثر من فعل رمزيّ، له دوره في لحظات سياسية معينة. ولكنه إما أن يتحول لفعل حقيقي في ساحة السياسة في حالة وجود قوة مناسبة وخطة محددة لهدف محدد يمكن الرهان عليه بهامش معقول من المغامرة، وهو ما يحدث في الاحتجاجات المطلبية للعمال والمهنيين والطلبة. وإما أن يكون الاحتجاج العام جزء من سعي تيار أو قوة تعبر عن مصالح فئات متنوعة وتطالب ببرنامج سياسي واجتماعي – لم يتم صياغته كديباجة حلوة مثل "إعلان القاهرة" يكتبها ويلقيها أحدهم مدفوعا بقريحته السياسية – بل يعبر عن اتفاق وتلاقي قوى بالمعني الحقيقي، ويكون الاحتجاج أحد وسائل وبدائل ذلك التيار وأداة للتعبير والتلويح بإمكانات هذه القوة ورمزا لقدرتها على الحشد، أي مجاز لسلطتها التي تتحدى سلطة أخرى.
بخلاف هاتين الحالتين، فإن الاحتجاج الذي لا يتكيء على شيء، ولا يجمع إلا أعداد ضئيلة، يظل رمزا للقوة المحدودة التي تعلن الرغبة في المقاومة وتحدي السلطة، وتستعين بذلك وبتوسط كاميرات الإعلام للظهور في مواجهة السلطة رغم الفرق الكبير في ميزان القوى. ذلك مفهوم ومشروع وأداة لكل قوة صاعدة. ولكن الإكثار من "الاحتجاج العام" والاقتصار عليه والنفخ فيه -"إضراب عام لشعب مصر"- يتحول إلى إدمان للفعل الرمزي، وانتظار لتحوله إلى فعل واقعي عن طريق صحوة النخوة وتفجر الغضب في أوردة المواطنين بفعل الطاقة الشعرية للمجاز السياسي، وبفضل صدق وإخلاص الدعوات التي تدعوهم للتحرك إتباعا لقوى يسمعون عنها في أحسن الأحوال.
قد يكون دالا أن يتفق طرفا اليسار المصري المختلفين عادة – الاشتراكيين الثوريين واليسار الديمقراطي – على قدر من التحفظ تجاه التوقعات الكبيرة والاهتمام المبالغ فيه بإضراب 6 إبريل. الصحافة تقف موقفها المعتاد بالبحث عن أي إثارة وأي حالة ولو مختلقة من الاستقطاب السياسي، وتحتفي حفاوة إضافية بـ"شباب 6 إبريل" أو "أشباح الإنترنت" و"تنظيم الفيس بوك"، باعتبارهم تقليعة، وأيضا لأنهم يهاجمون السلطة والمعارضة معا، والصحافة "المستقلة" تحب لعب دور "الطرف الثالث" المستقل. وعندما يتحول السياسيون وتياراتهم بفعل "إدمان الرمزية" إلى إعلاميين في ساحة السياسة، فإن الصحافة ليس أمامها إلا أن تغطي هذا الفعل الرمزي بفائض كبير من البلاغة للاحتفاء بالرمزي ودلالاته. فتنتفخ المانشيتات قبل الحدث وتنزوي خجلا بعده أو تستمر في عنادها تعاطفا أو كرها في الاعتراف بالفشل في مواجهة أبواق السلطة.
لم يعد غريبا أن يعلن كل الأطراف الانتصار منذ الحروب الأخيرة في المنطقة. فحتى السياسة الدولية والعلاقة مع إسرائيل تملأهما حمى "الموقف الرمزي" و"التحسس من أي شبهة تطبيع أو موالاة". مبروك إذن للجميع على كل الانتصارات، باستثناء "الانهزاميين" الذين لا يستسلمون للحماس أكثر من اللازم ويعلمون أن السياسة هي في مكان آخر عليهم أن يحرثوه جيدا وطويلا قبل أن يفكروا في انتظار أي ثمرة حقيقية.



- لم أقرأ بعد رواية ميلان كونديرا "الحياة هي في مكان آخر".
- الصورة من وكالة الأنباء الفرنسية