27 يناير 2012

لماذا يجب أن "يسقط حكم العسكر" وليس مجرد "تسليم سلطة"



حكي لي صديق، ستعرف حالا لماذا لا يمكنني أن أقول اسمه، عن والده صاحب الرتبة الكبيرة سابقا في جهاز أمن الدولة المنحل، وكيف أنه كان قبل انطلاق الثورة دائم الانتقاد للمؤسسة العسكرية ومميزات العاملين بها بينما وزارة الداخلية هي التي تتحمل العبء الأكبر في «الحفاظ على البلد».

هناك طريقتان للحفاظ على البلد: الحفاظ على حرمة حياة وكرامة وحرية كل فرد فيها، ومن أجل ذلك تكون الحدود والمؤسسات والمنشآت ويكون المسؤولون الذين يعملون ثم يحاسبون، لكني أظن أن «الحفاظ على البلد» عندنا عادة ما يعبر عن طريقة ثانية: حماية الحدود والمنشآت وهياكل المؤسسات وهيبة القيادات وما يرونه المصلحة العامة للناس ولو تطلب ذلك التضحية بحياة أو كرامة أو حرية الكثير منهم، في النهاية، واضح أنهم العنصر الأكثر توافراً وتجدداً ومصر، تحديدا، ولادة!

أعتقد أن كل المؤسسات ذات الطبيعة العسكرية تميل تلقائيا للطريقة الثانية إن لم تكن تحت ضغط معايير قوة فوقها ترشدها وتقوّمها، ولذلك أعتقد أن الشرطة والجيش في مصر يشتركان في ميلهما في أغلب الأوقات للطريقة الثانية في «الحفاظ على البلد».

وقائع فض الاحتجاجات والاعتقال والتعذيب مع الشرطة قبل الثورة ومع الجيش بعدها تثبت ذلك. بالإضافة لأحوال الأفراد في قاع الهرم داخل المؤسستين وما يعانونه.

بعض التوتر المكتوم بين العاملين في المؤسستين قبل الثورة ليس إلا نزاعا على المميزات والصلاحيات التي يتلقاها كل منهم بناء على جهده في حماية البلد وفق نفس الطريقة والفلسفة وليس لاختلاف حقيقي.
قبل انطلاق الثورة كان يمكن لي أن ألتقط من هنا وهناك ومن أفواه ضباط جيش سخطهم من النفوذ المتصاعد لضباط الداخلية وامتيازات الداخلية التي بدأت في التصاعد في مقابلهم.

في الفترة الماضية كان الدور السياسي للجهاز الأمني في مصر هو الأهم فعلا في «الحفاظ على البلد» في الفترة الماضية بعد أن قامت السياسة الخارجية المصرية بركوع استراتيجي واستتب الأمر.

شعور ضباط الجيش في السنوات السابقة على الثورة بالقلق من التوريث وما يعلنوه حاليا من ذلك، كان مؤشرا على أن كثير من الخطوات الأخيرة لنظام مبارك التي تولاها المحروس ولده كانت ضدهم، ليس لأن العسكر قلقون ويريدون أن يحافظوا على البلد بالطريقة الأولى، لكن لأنهم قلقون عليها بالطريقة الثانية، على «الأمن القومي»، وأيضا لأن جمال مبارك كان يقود محاولة لتجاوز تسلط «حكم العسكر» من أجل منظومة حكم تسلطية يشيّد أركانها كومة من التكنوقراط ويموّلها كومة من الرأسماليين يقبلون مساحة الحرية الاقتصادية مع أكوام الفساد في ظل ديمقراطية شكلية ونظام أمني قمعي يتولى _ بدلا من العسكر_ الحفاظ على البلد بالطريقة الثانية.

من «حركة الجيش المباركة» في 1952التي أرست الدولة المصرية التسلطية التي يحميها الجيش ويقودها قائده الأعلى، إلى حركة «العبور إلى المستقبل» في بداية الألفية مع أبناء مبارك في حراسة أمن الدولة، كانت مسيرة خراب البلد تحت شعار «الحفاظ على البلد»،

تفاصيل فساد الحركة الأخيرة وتسلطها كان من الصعب ألا يمر عبر الإعلام في ظل ادعاءات عن ديمقراطية وحريات، أما الحركة الأولى، وفي قلبها المؤسسة العسكرية، كانت حتى وقت قريب خارج المحاسبة وفوق الانتقاد.

يعرف كل العاملين بالصحافة كيف كانت المؤسسة العسكرية قبل انطلاق الثورة التابو الأكبر الذي لا يمكن المساس به أو ذكر شيء عنه إلا بإذنه.وما زالت مؤسسات صحفية مدنسة بهذا التقليد.

كان يمكنك أن تستمع إلى حكايات وحكايات ممن خدموا في الجيش عن سلبيات «مصنع الرجال».

والآن يمكن أن تستمتع وتقرأ حكايات عن فساد بعض قيادات الجيش المسيطر على جزء معتبراً من الاقتصاد المصري. يمكن أيضا أن تستمتع إلى أضعاف ذلك مما يشتهي خيالك من الحكايات،
ليس لأن هناك مؤسسة شيطانية، مبارك أيضا لم يكن شيطانا، لكن الجيش مؤسسة كأي مؤسسة بشرية يمكن أن تفسد وتحتاج للمراقبة والمحاسبة ومن يجعل نفسه فوق المحاسبة عليه أن يتحمل كل ما لا يمكننا توثيقه عن فساده أو استقامته، خاصة أن ظهر في خطاب قيادات هذه المؤسسة وسلوكها وسلوك بعض أفرادها أنها تتبع في الغالب الطريقة الثانية في «الحفاظ على البلد».
انطلاقة الثورة بدأت في حفر قبر هذه الطريقة، فكسرت جهاز الشرطة وتسعى لهيكلة وزارة الداخلية.
وإذا كان من الصعب أن تستمع إلى انتقادات ضد الجيش قبل شهور، رغم أنها كانت حاضرة في كثير من الحوارات الجانبية ومقالات قليلة مثل ما كتبه مايكل نبيل وتسبب في سجنه، فإن الهتافات بسقوط حكم العسكر وضرورة محاكمتهم التي دوت أمس في مسيرات الشوارع وحشود الميادين تعلن أن 25 يناير الجديد ليس ذكرى ثورة بل محطة على طريق ثورة مستمرة تريد إنهاء مسخرة الحفاظ على البلد بالطريقة الثانية.
شخصيا لا أشك أن العسكر سوف يفسحون الطريق لانتخاب رئيس مثلما أفسحوا الطريق لانتخاب برلمان، وسيعلنون أنهم قد سلموا السلطة، لكن الضغط لتسليم السلطة فورا والهتاف بسقوط المجلس العسكري ليس نفاد صبر أو رغبة في الصدام، بل هدفه أن تستلم المؤسسات المدنية السلطة تحت ضغط ثوري بشروط ثورية تبدأ فعلا ديمقراطية حقيقية يمكنها أن تحافظ على البلد بالطريقة الأولى، وأن تتولى مراقبة ومحاسبة وتطهير المؤسسة العسكرية، لا أن يتم التسليم بشروط المؤسسة العسكرية وترتيبها، لأنها ستحاول الإبقاء على سلطاتها الكثيرة وامتيازاتها وحصاناتها في قلب الدولة المصرية بدعوى «الحفاظ على البلد» بالطريقة الثانية.
أقول قولي هذا وأذكركم ونفسي أن والد صديقي الضابط السابق في أمن الدولة، قد أدهش صديقي منذ انطلاق الثورة بدفاعه الحار عن المجلس العسكري والجيش وحقهم في إدارة البلد في هذه المرحلة الصعبة رغم انتقاداته السابقة للمؤسسة العسكرية. إنه الانحياز والحنين إلى نفس الطريقة في «الحفاظ على البلد»!
قديمة يا أفندم منك له! خربتم البلد ستين عاما عاشت مصر فيهم مع تشكيلة متنوعة من حكم العسكر والضباط ووصايتهم. كفاية!


نشر في موقع "المصري اليوم" 26 يناير 2012
الصورة من الاعتصام عند ماسبيرو مساء 26 يناير 2012

20 يناير 2012

شوف إزاي أنا هاقلق راحتك!



قال لي: «لو كنت صبرت قليلا داخل الإخوان المسلمين، لكنت الآن أحد شباب حزب (الحرية والعدالة) وأحد كوادر الحزب الحاكم ولديك القدرة على التأثير الإيجابي على مستقبل البلد، بدلا من أن تظل دائمًا في موقع الأقلية المعارضة».

ابتعدت عن «الإخوان المسلمين» مرتين، مرة في أول الدراسة الجامعية، لأنني لم أطق صبرًا على روحها ومواقفها، التي أدمنت الدوران اللانهائي في المكان، وفضلتُ ساعتها الصلابة المبدأية في التيار السلفي، أو في قطاع منه.

والمرة الثانية في نهاية المرحلة الجامعية، بعد أن بلغني من أحد مشرفي «الجماعة» على النشاط الطلابي أن العدد الذي حرّرته من مجلة «التيار الإسلامي» في جامعة القاهرة مليء بـ«كلام اليساريين»، فشكرته واتجهت يسارًا.

لم أكن وحدي، الذي يعيش تحولات سريعة وقلقة، ولكن العديد من أبناء جيلي، جيل بداية الألفية، كانوا كمن يسابقون الزمن في البحث والتجريب، بحثا عن موقف ومخرج من أيام راكدة وبليدة لا تناسب تطلعاتنا.

أبناء هذا الجيل، الذين ساقتهم رحلة التحولات والتجارب إلى داخل جماعة «الإخوان المسلمين» عشت مع العديد منهم لحظة اختيار مفصلية: «الصبر على الركود والتكلس الحركي والفكري داخل الجماعة والبقاء كـ(أقلية قلقة) تبحث عن مساحات حركة في الداخل، وإما الخروج والبحث عن ساحات أخرى».

الآن.. في هذه اللحظة التي أنقذت فيها الثورة جماعة «الإخوان» من الدوران في المكان ومكّنتها من المضي قدما، فإن كل من أعرفهم تقريبا من شباب «الإخوان»، بمن فيهم ممثلو الجماعة في تنسيق احتجاجات يناير الماضي واعتصام التحرير، قد تركوا الجماعة إلى خيارات أخرى أكثر حيوية وتجددًا ومغامرة، من بينها حزب «التيار المصري»، أو انسحبوا من الجماعة، احتجاجا على مواقفها الأخيرة أو انحيازًا إلى «حملة دعم عبد المنعم أبو الفتوح مرشحًا للرئاسة».

وأصبحنا مرة أخرى، أنا والعديد من رفاق النشاط الطلابي الإخواني، مرة أخرى معا في خانة «الأقلية السياسية القلقة».

التعبير الأخير كان عنوان المقال الأحدث لرفيق حبيب في جريدة حزب «الحرية والعدالة»، وحبيب هو نائب رئيس حزب الإخوان، «الحرية والعدالة»، والذي يحلو للكثيرين وصفه بـ«المفكر القبطي».

وتشاء الأقدار أن العديد من الأصدقاء، الذين تكاد الدماء الإخوانية تسري في عروقهم، ينطبق عليهم الآن وصف «الأقلية السياسية القلقة»، بينما السيد «حبيب» يتحدث من فوق كرسيِّ الأغلبية السياسية المنزعجة من تصرفات هذه الأقلية.. دنيا !

خلاصة وصف «حبيب» للأقلية السياسية القلقة أنها «تتكون من مجموعات شبابية وعلمانية»، ليبرالية ويسارية، ترى أن لها دورًا مركزيا في الثورة المصرية، ولكنها لم تنل ثقة الناخبين ولا تجد لها دورًا في المسار السياسي، فهي معادية لعملية التحول الديمقراطي، وتحاول أن تضيف لرصيدها كتلا جماهيرية قلقة من المهمشين وأسر الشهداء والمصابين، وقضيتها المحورية هي القصاص لدماء الشهداء والمصابين حتى تبقى الحالة الثورية في الشارع، وعن طريق استمرار التظاهر والاعتصام تضيف شهداء ومصابين جددًا تتظاهر من أجلهم في دائرة مفرغة- حسب رأيه- وتحاول أن تفرض مسارًا سياسيا انتقاليا (علمانيا) بعيدًا عن صندوق الانتخابات الذي فشلت في أن تكون مؤثرة فيه».

وأشك أن السيد «حبيب» لا يعرف شيئا عن مجموعات شباب «الإخوان»، التي تتحرك الآن خارج الجماعة وسط «الأقلية السياسية القلقة»، لذا يكون من الاختزال ابتداءً وصفها بـ«العلمانية» أو أن حركتها يحكمها محاولة فرض سيناريو «علماني».

ولكن بعيدًا عن الاختزال، فإن هذه المجموعات، التي كان لها دور مركزيٌّ بالفعل في إشعال شرارة الثورة المصرية، لديها مشروع للتحرر من السلطة وتقويمها أكثر من كونها لديها مشروع للحكم والسلطة.

يمكنني أن أتفق مع السيد «حبيب» أن بعض هذه الأقلية قلق بالفعل، لأنه يحاول أن يجادل في الافتراض السابق أو يتجاوزه، وكان لديه من الآمال أكثر من أن تظل هذه الأقلية معارضة نشطة تقوّم حركة السلطة وتصحّحها.

الدعوات المستمرة لأن تنظم قوى الثورة والمجموعات الشبابية نفسها لتحكم، تنبع من هذا القلق وتكرسه، ولكن إن سمحتُ لنفسي أن أتحدث باسم قطاع من هذه «الأقلية القلقة» أراه يعبر عني وربما يرى كلامي معبرًا عنه، إنها أقلية تتسم بالفردية الشديدة والحركة العفوية القائمة على المبادرة والتوافق بعيدًا عن السمع والطاعة التنظيمية والمواقف الجماعية المنظمة، ومحاولتها الإبقاء على الحالة الثورية في الشارع من السخف وصفه بالمؤامرة التي تستهدف المزيد من المصابين والشهداء، ولكنه ببساطة إصرار على أن تفرض الحالة الثورية أكبر مساحة من الحريات في الشارع، وهي الضمانة الأساسية لاستمرار الديمقراطية، التي ليست مجرد ورقة في صندوق تفرح به الأغلبية وتستقر على الكراسيّ.

تلك الأقلية القلقة، ومعها كتل المهمشين إن استمرت حركتها في إضافة مصابين وشهداء جدد، فهي دليل على أن السلطة لا تزال تنتهك حياة المواطنين، وهو ما يثير القلق ممن يدير المرحلة الانتقالية ومن يسكت على هذه الإدارة تذرعا بأنها فترة انتقالية يتم فيها «تأسيس الديمقراطية»، هل يمكن تأسيس الديمقراطية دون حرية الاحتجاج، التي أتت بها أصلا بعد طول غياب؟.

المقلق حقا هو أنه بعدما ارتدت الأغلبية ثياب السلطة أصبح لسانها وجريدتها يتحدثان عن المعارضة بقلق واتهامات: «هي مجموعات مقربة من الخارج.. أقلية تثير القلق وتريد اعتراض المسار الديمقراطي ولا تريد الصبر على مسيرة الإصلاح».. أنا أشم رائحة قلق الحزب الوطني.. دنيا !

قطاع كبير من شباب «الأقلية القلقة» يطالب الآن برحيل «المجلس العسكري» فورًا وبتسليم سلطة إدارة المرحلة الانتقالية لبرلمان هذه الأغلبية يوم 25 يناير، وربما في هذا ما يدحض كل كلام السيد «حبيب».

ولكن ما أحب أن أؤكد عليه أن قطاعًا كبيرًا من هذه «الأقلية القلقة»، ربما يكون أغلبيتها، سيحب دائما أن يستمر في كونه مسمارًا في كرسيِّ السلطة، لكي لا يستريح من هو فوقه آمنا مطمئنا، وربما من الأفضل أن يمارس السلطة واقفا قلقا مستعدًّا للرحيل في أقرب فرصة..

وإن كان قلق من هو على الكرسيِّ سيتصاعد وسينفد صبره الديمقراطي وينتهك الحريات، فإنهم سيحبون أن يكونوا مرة أخرى مسمارًا في نعش سلطته، والله الموفق.




نشر في موقع "المصري اليوم" الخميس 19 يناير 2012
العنوان مقتبس من أغنية لميريام فارس

عزيزي شريف .. أنت فاجئتني !

عزيزي شريف،،

إيه؟!


13 يناير 2012

لحظة القصاص تقترب.. ليس من مبارك.. منك أنت.. أيوه أنت!


لم أعتقد أبدًا في وجود ما يسمى الثورة المضادة، لا تستحق «معافرة» بواقي النظام شرف التسمي بـ«ثورة»، كما لم أحب أبدًا تعبيرات مثل الثورة الثانية أو الثالثة، هي عندي ثورة واحدة مستمرة تتوالى موجاتها، تعلو وتهبط، تتقدم وتتراجع، في مواجهة مقاومة مستمرة من النظام وحلقاته الكثيرة المتعددة في كل مكان وكل لحظة.

بشكل نصف واع كنت أبحث دائمًا في مانشيتات الصحف الحكومية عن الخطة المتجددة لـ«النظام» في مقاومته المستمرة للثورة المستمرة، بداية من مانشيت «الأهرام» يوم 12 فبراير 2011: «الشعب أسقط النظام».. الخطة: «انتهت الثورة بحمد الله، من سقطوا هم النظام أما نحن فمن حمى الثورة، انتظروا ثمار الثورة في هدوء مثلما انتظرتم ثلاثين عامًا! وسنقوم بتوصيل مطالبها وثمارها إلى منازلكم، والله الموفق»، وحتى مانشيت «الأهرام» يوم 5 يناير 2012: «لحظة القصاص تقترب» وتحتها صورة مبارك وجمال والعادلي.. الخطة: «بينما يقترب 25 يناير مرة أخرى، دعونا من شهداء ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، ولنرجع للموضوع: النظام كان مبارك ورجاله، والشهداء هم ضحاياهم، لنترقب الحكم على مبارك ونحتفل به وبالقصاص العادل، وشكرًا والله الموفق».

المفارقة كانت في العناوين الأخرى للصفحة الأولى: «ضباط وجنود أطلقوا الأعيرة النارية على المتظاهرين»، «عمليات دهس مقصودة» و«المتهمون حرضوا واشتركوا وقدموا المساعدات للقتلة». وهي العناوين التي يمكن أن تتصدر الصفحات الأولى عند محاكمة العسكر المسؤولين مباشرة أو سياسيًا عن قتل متظاهرين في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء.

باقي أركان النظام في المجلس العسكري وأشباههم في كل مكان يحاولون إيهام الرأي العام بأن القتل انتهى والثورة انتهت، بينما يحال للمحاكمة نشطاء وسياسيون وتوجه إليهم النيابة تهمة: «إيهام الرأي العام باستمرار الفساد!»، ذلك لأنهم تجرأوا وقالوا للمجلس العسكري: القصاص منك أنت.. أيوه أنت!

المبالغة في شيطنة أشخاص مبارك ورجاله من أهم خطط ما تبقى من النظام لمقاومة الثورة المستمرة، كأن الفساد كان حصريًا لهم وبينهم، مبارك لم يكن شيطانًا ولكنه كان نجم الغلاف لنظام من التسلط يحمي كل أشكال القمع والفساد والبلادة، كان الحلقة الأقوى التي تتكاتف لحمايتها حلقات كثيرة تحت السطح، كما يفعل الآن كل المتكاتفين حول المجلس العسكري، بعد أن يحاولون إيهامنا بأن كل ما كان بين حلقتهم وحلقة مبارك تم بتره أو كان على وشك البتر لولا الثورة الطاهرة التي سبقتهم بثوانٍ معدودة.

ما تبقى من حلقات النظام لايزال يضم متسلطين وفاسدين ومنافقين يمارسون معًا «علاقات كاملة»، ويتمنون استمرار الوصال والاستقرار، ومن المزعج بالطبع بالنسبة لهم أن يحاول البعض «إيهام الرأي العام بأن الفساد لايزال مستمرًا» بينما نقترب من الاحتفال بـ«ذكرى الثورة المجيدة».

الثورة لم تصبح بعد ذكرى، ولا مجرد مناسبة للاحتفال، لأن نظام العدوان والكذب وتبريرهما لايزالان مستمران. خلف كل اللعبة السياسية وتعقيداتها هناك حقيقة صلبة هي الأهم والأكثر جذرية، إن كنا نريد حرية وكرامة حقًا: العمود الفقري للنظام الذي يجب أن يسقط كله هو عبارة عن حلقات ممتدة متصلة: ممن يقتل ويعتدي ويكذب ويبرر، وانتهاءً بمن يقبل القتل ويبتلع الكذب والتبرير.

من أعلى رأس في المجلس العسكري إلى ذلك «المواطن الشريف» الذي انتظر ثلاثين عامًا ومازال ينتظر على مقهى يقرأ مانشيتات الصحف الحكومية، ويتوهم أن الثوار عادوا إلى بيوتهم، ويتساءل مع رفاقه: «إيه اللي نزِّل الناس تاني ميدان التحرير؟ وليه البنت كانت لابسة عباية على اللحم؟».

محبو الحرية يخاطرون دائمًا بأن يكونوا الضحية حتى يتوقف القتل والقمع وتتعطل آلته، ومحبو السلطة يخاطرون دائمًا بأن يكونوا قتلة وقامعين أمام أي حركة شارع، لأن قوة الشارع تتوعدهم بشلّ أداتهم القمعية أو إزالة هيبتها، وساعتها سيصبحون عرايا حقًا بلا حتى عباءة على اللحم، وينتهي بهم الحال في المحكمة خلفًا لمبارك.

من يحاول إيهامنا بأن مبارك هو آخر المجرمين، ليس إلا مبارك الجديد، ومن يحاولون إيهامنا بأن محاسبة المجرمين الجدد تهدد الاستقرار والأمان ليسوا إلا الفلول الجدد.

مر عام على انطلاقة الثورة، ومحاولاتهم إيهامنا بأنها انتهت لاتزال مستمرة، ولكن لسوء حظهم أن كثيرين لايزالون يشكلون بحركتهم حلقات استمرار وتواصل الثورة في كل شارع ومؤسسة وميدان.

اختاروا فريقكم.



نشر في موقع "المصر اليوم" 12 يناير 2012

إهانة ليه؟



بغض النظر عمن صمم أو من نشر، أنا أحب أن أعرف ممن يعتقدون أن هذه الصورة تتضمن إهانة للدين الإسلامي، لماذا فعلا، بجد، حقيقي، تعتبرون هذه الصورة إهانة؟

08 يناير 2012

عزيزي شريف .. فكك من اللي إنت فيه!


عزيزي شريف ،،

ظنك في محله. الاحترام الشخصي المتبادل بيننا لا يزال قائما. وأرجو ألا تأخذ محاولتنا إفساد مؤتمر شفيق في امبابة مأخذ الجد.
نعم لقد حاولنا إفساد مؤتمر شفيق الذي تنشط في حملته،، ولكنه كان فاصلا فكاهيا بالنسبة لي، وإن كان جوهريا لأن الثورة لا تعني لي سوى تعبيرنا عن احتقارنا المستمر والحاسم لولاد الوسخة. وهو ما حدث.
يا شريف، قرأت لك الكثير من التبرير لوجودك إلى جانب الفريق شفيق. وبسببها تحديدا خففت قليلا من تصنيفي للناس أوقات الثورات إلى ثوار يواجههم ولاد وسخة. واضفت إليه: ناس ضايعة!
ولكن لا يمكنني أن أتجاهل أن "الناس الضايعة"، رغم كل الاحترام الشخصي والود وربما الشفقة، إلا أنهم في النهاية يصبون في معظم الأحيان إلى جانب ولاد الوسخة.
جنود الأمن المركزي وجنود الجيش الغلابة الذين شاركوا في قتل رفاقنا وإصابتهم هم أفراد ضائعون لكنه في النهاية مجرد حشود وجنود ولاد الوسخة. ولا يمنعني التعاطف الشخصي مع أحدهم، لدرجة الجلوس والبكاء بجانبه على حاله فيما بعد، أن أرميه بالطوب وقت المواجهة وأن أركل درعه وخوذته.
لن أناقشك بشأن شفيق وكفاءته، لا قدرة لي على تقييم التقارير عن أداءه في مجال الطيران المدني، وإن كنت أرى أن حال مطار القاهرة ومصر للطيران خرا، وحقائبي تاهت مرتين! ولكن هذا ليس موضوعنا.
الموضوع ببساطة يا شريف أن هناك ثورة، آه والله، أصرت على البدء في الإطاحة بنظام من الاستبداد الذي يحمي كل أشكال التسلط والفساد والبلادة، ورحيل مبارك كان فقط مجرد إشارة البدء لانطلاق الثورة ضد النظام، وشفيقك كان مجرد رجل نظيف اليد وكفء في عمله، بفرض صحة كل كلامك، ولكنه في النهاية كان مجرد بيدق شطرنج حرّكة ولاد الوسخة، بل مبارك شخصيا، ابن القحبة نفسه، في محاولة لمحاصرتنا شعبيا بدفع رجل نظيف لواجهة النظام مع العديد من الوعود بشان الديمقراطية. وبعدها كان ما سيحدث هو بعض الإصلاحات وتطهير لواجهات النظام وتطهير للبلد منا نحن وكل من شارك وحرض وأرادها ثورة.
إنت شايف اللي بيحصل دلوقتي لصحابنا مالك وعلاء يا شريف! كان ايه اللي هايحصل لو كان مبارك لسه موجود وشفيق بتاعك ما كانش حل جهاز أمن الدولة؟ ما تفوق يا شريف!

شفيق في أحسن الأحوال مجرد بيدق عبيط في فريق ولاد الوسخة، إن لم يكن ابن وسخة أصيل. ولاد الوسخة ليست سبة ولا قلة أدب، ولكن منهم أهالينا وجيراننا ومواطنون شرفاء كثر لا يجدون غضاضة في التسلط والاستبداد من أجل الأمن والأمان والاستقرار. تماما كما كان شفيق وزيرا ثم رئيس وزراء يحترم مبارك، أي واحد يحترم مبارك يا شريف يبقى ابن ستين وسخة! فوق يا شريف!

أي موظف شاطر كان جنب مبارك وساكت علشان يعرف يعمل شغله وبيعارض مبارك في سره وبينه وبين ربنا، ربنا يجازيه خير يا روح قلبي. لكن أنا شايف إن دوري إني أقوله مش عاوزين من العينات دي تاني علشان ولاد الوسخة اللي زيك بيشجعوا ولاد الوسخة الأوسخ منهم على الاستمرار والاستقرار. لما تبقى تعرف تقول لأ ده غلط، ده فساد، ده استبداد، تبقى تيجي تشتغل سياسي وترشح نفسك. معلش هارد لك فرصتك راحت المرة دي. تقاعد بقى يا هزؤ وما تهزأش نفسك.

ما حاولنا فعله يا شريف يوم مؤتمر امبابة أننا قلنا له: ارحل زي مبارك.ما إنت كنت بتلعب في فريقه يا جحش! ما كنتش تعرف يا حمار! مش كنتم مع بعض، سواء ولاد وسخة زي ما بنقول أورجال دولة أطهار من داخل النظام، مش حرامية زي عز مثلا، هأو! مش عيب لما مبارك يسقط ويتقلب على ضهره والثورة تفرض وضع جديد ييجي هو عاوز يبقى رئيس! دي أخلاق ولاد وسخة صحيح!
يا شريف، فكك من اللي انت فيه ده وارجع، وفكك من موضوع "الرجل البنائي الجميل” .إنت جاي في فبراير تمسك في شفيق وتقول لي بنائي. أحا يا شريف! ما تعرفش إن الثورة بتهدم وتكسر في السلطة الاستبدادية وبتقطع أذرعها؟ ما تفوق يا بني!

فكك من اللي انت فيه ده يا شريف. آخر حاجة كنت أتصورها وكويس إني ما شفتهاش بعيني إني أشوفك جنب البنائيين الإصلاحيين الحلوين اللي بالصدفة بعضهم من كبار المعرصين في الحزب الوطني في امبابة، اسأل لو ما تعرفش!
كنا مع بعض قليلين زمان ضد ولاد الوسخة يا شريف، دلوقتي جموع أكثر في كل مكان مع الثورة ومع الحرية وضد ولاد الوسخة. ولكن لا تزال الأغلبية مع أي استقرار وتعطي صوتها لأقرب استقرار ولأقوى بديل في الصندوق. إرادة الصناديق هي اللي بتشكل موقفك يا شريف؟!
كنت معنا في الحملة لمساندة حق البهائيين في المواطنة وأنت تعلم أن استفتاء شعبيا كان سيهرسهم. الصناديق ليست إلا ضربة بداية وأداة للديمقراطية، التي تحتاج طوال الوقت لأقلية من الأحرار لتجعل المجتمع والدولة يخافان من انتهاك الحرية، التي يمكن أن تنتهك ببساطة وبشكل أبشع باختيار أغلبية الصناديق أو صمتهم. سمعت عن الفاشية يا شريف؟
الأغلبية في الشارع كانت واقفة تتفرج يا شريف، لكن كانت هناك، كما هو الحال دائما، أقلية عنيدة أكثر وحالمة أكثر ومؤمنة بالثورة، زي الست اللي ما أعرفهاش اللي بتقول عليها اللي شتمتكم من البلكونة. أنا ما أعرفش كل حاجة عنها، لكنها اختارات تكون مع الثورة و ما كنتش أتمنى ييجي الوقت اللي ست من بلكونة في امبابة تبقى في صفنا وإنت تبقى مع الناس اللي طلعت تشتمهم وتقول لهم يا فلول يا زبالة وتدلق عليهم مياه وسخة!
ارجع يا شريف!

08 أغسطس 2011

عزيزي ناجي ..

أحمد ناجي وعمرو عزت

عزيزي ناجي ..

هكذا أحب أن أناديك، لا إبليس أو بيسو أو أحمد.

أنت تعلم جيدا أني أحبك في الله، مهما لامني عباد الله. لذلك فأنا الآن أشعر بالذنب لأني تلكأت في لقياك قبل سفرك الطويل، وبالغيرة من موود لأنك راسلته، بعدما راسلت أبو عمو ورؤوف.
لسبب غامض لم يتعكر أبدا من قبل صفو الوداد بيننا، الوداد نفسه هو الأكثر غموضا بالنسبة لكثيرين، لذا لا مانع أن أقرر أن أراسلك ردا على رسالتك إلى موود.

كل ما سبق لا علاقة له بأن موود تسبب في زيادة ساعات عملي اليومين الماضيين، بسبب شيء ما له علاقة بالشيوعية، وكل ما سبق لا علاقة لك به، ولكنني أحببت أن أؤكد على أنه لا شيء يمكن أن يجعلني أغضب منك أنت أو موود، شيء ما يجعلني أعرف أننا، أنا وأنت وموود، معا. بينما في جهة أخرى هناك آخرين ولاد وسخة !

أما بعد، فقد استغربت قولك أنك ستنتهي مع موود في الجحيم لأنه لا أحد تعرفانه في الجنة. حزنت لأنك تعرف أنني من أهل الجنة، أنت تعلم جيدا ذلك، سيكون من الظلم جدا ألا يكون كذلك. والسبب الرئيسي هو كوني لطيفا مع كل ولاد الوسخة، ولذلك لا أقول لهم أبدا أنهم ولاد وسخة مهما حصل.
لسبب ما لا يمكنني ذلك، كما لا يمكنك أن تكون ناشطا سياسيا حتى لو تحمست لرابطة الشباب التقدمي وحضرت أحد اجتماعاتها.

هناك شيء له علاقة بالمشاعر يحدد كل ما له علاقة بالسياسة، لذلك استغربت أيضا استهجانك للعلاقة بين السياسة والمشاعر. رغم أنك قلت أن علاقتك بيوم 25 يناير كان مشاركة من تحبهم سعادتهم ونشوتهم في الميدان.
هذا تحديدا ما كتبته بأسلوب آخر في "أول دخولنا الجنينة". لحسن الحظ لم ير عمرو مصطفى تلك التدوينة وإلا اعتبرها تدريبات على المخطط الكبير. لا يمكنني أن أقول أن عمرو مصطفى شخص ابن وسخة رغم أنه يستحق ذلك، أو هو نموذج لذلك، ولكن لأنه - بشكل غامض أيضا – إنسان بعينه، فلا يمكنني ذلك فعلا.

لا أهدف من تذكيرك بتدوينتي أن أشير بأناقة إلى أني سبقتك، رغم أنني فعلت، بينما أنا هنا في هذه الرسالة أحاول بقدر من المراوغة الاقتراب من أسلوبك، خاصة إنني عادة لا أستخدمة عبارات من نوع: ولاد الوسخة.
ولكن ما أشعر به حقا يا ناجي، وأشكرك على إتاحة الفرصة هنا لي لأقول ذلك، أن الثورة وكل ذلك الذي حدث لم يكن – بالنسبة لي – إلا تعبيرا عن احتقارنا لولاد الوسخة .. ولاد الستين وسخة ودولتهم .. ومجتمعهم ابن الوسخة بالمرة.

ببساطة أحببت الاحتجاج دائما لأنه بديل عن السباب العالي الذي يستحقه ولاد الوسخة، ولأني في لحظة التظاهر والاحتجاج أكون مع من أحبهم داخل كردون، يصنع الكوردون لحظة خالصة رومانسية، حالمة ويوتوبية وكأن الكردون يرسم خطا فاصلا بيننا وبين عالم بنت وسخة. أنت تعرف أنه ليست لدي توقعات كبيرة فيما يخص الإنسانية، لذلك فإنني متفائل عادة وأفرح دائما بكل ما يجود به قدري السمح. متسامح مع ولاد الوسخة دائما، ولكن لحظة الاحتجاج كلحظة صوفية أنجذب فيها إلى ما أحب ومن أحب وأعبر عن احتقاري الحاد لما سواه وسواهم.

في الثورة انفجرت لحظاتنا الصوفية، لم نقصد طبعا أن تنفجر أو أن تكون ثورة، ولكن هذا ماحدث. وانتابتني اللوثة: ألقيت حجارة يوم 25 يناير وأنا أهتف تجاه ولاد الوسخة، ثم ألقيت حجارة يوم 28 يناير وأنا أهتف يا ولاد الوسخة ثم ألقيت حجارة يوم 2 فبراير وأنا أجز على أسناني وأسب ولاد الوسخة بما هو أكثر بذاءة، لأنه في تلك المرة الأخيرة أصابوني بحجر في وجهي، إصابة طفيفة ولكنهم للمرة الأولى يتمكنون مني. لو كانت أصابت عيني لكنت الآن أكتب بعين واحدة .. ولاد وسخة!

هذه التدوينة/الرسالة الاستثنائية ستكون دائما مثار جدل بيني وبين كثيرين ممن سيستغربون أني كتبت ذلك، وسأبتسم وأقول أن ذلك ما بدا لي. ولكنك تعرف الآن بشكل ما أن هذه الرسالة، أو هذا الرد، موجه للعديد من ولاد الوسخة، الذين يعكرون مزاجي الآن، وأن عنوان رسالتك إلى موود قد استولى على معظم رسالتي إليك. لا ينبغي لهذا أن يجعلك تظن أن نأيكم عنا يغيرنا / أن طالما غيّر النأي المحبينا..

إليك سلامي وأشواقي، وأحب أن أطمئنك أن الثورة مستمرة، خارج حدود المستطاع ووفق أهواء الخيال. وأعداؤنا من ولاد الوسخة سيماهم على وجوههم من أثر احتقارنا لهم ونحن نسحلهم خلفنا إلى ما لا نعرف تحديدا وما لا يريدون أن يعرفوا. وهذا وحده يثير ابتهاجي ويجعلني أتجاهل شيئا أخلاقيا ينكأني ويذكرني أني شخصيا لا أحب العلاقة بين كون أحدهم من ولاد الوسخة فعلا وما قد يترتب على ذلك من إهانة لأمه.

ولكن الحياة صعبة كما تعرف وغير منصفة، واللغة أيضا.

10 يونيو 2011

بالأمس حلمت بي



كنتُ جالسا أمامي، مبتسما.
تحدثتُ إليّ بكلام كثير، لا أذكر منه شيئا، ولكنه أغضبني مني. استأتُ وتجمهتُ في وجهي، ولكني لم أتوقف عن الكلام.
لم يكن مني إلا أن قمتُ وتركتني، مبتعدا عني.

06 يونيو 2011

أما زلنا "كلنا خالد سعيد"؟

إحياء ذكرى خالد سعيد أمام «الداخلية»


ليست مفارقة، بل أمر دال، أن قضية خالد سعيد، شهيد الطواريء، لم تحسم قضائيا بعد. رغم أنها كانت إحدى الحلقات الهامة في سلسلة من الاحتجاجات التي أفضت إلى ثورة أطاحت برأس النظام الحاكم، ولا تزال تخوض سجال معركة الثورة المستمرة وإقامة نظام سياسي جديد.

لا توجد قوة أو قوى تدعي أنها مفجرة الثورة ويمكنها طبقا للشرعية الثورية أن تطارد بشراسة كل أعداءها وتقتص منهم قبل أن تضع شرعيتها الجديدة في شكل دستور وقوانين. ولو كان ذلك لكان المتهمون في قضية خالد سعيد أول من ستطولهم يد العقاب الثوري. ولكن المبادرة الخلاقة الدوءب، التي كان منها الدعوة للاحتجاج يوم 25 يناير من خلال صفحة «كلنا خالد سعيد» على الفيس بوك، والمشاركة الواسعة التي تتوافق حول المبادرة وتنقلها إلى الأرض وتطورها بحرية وعفوية وبشكل يكاد يكون مستقلا عن مركز إطلاق المبادرة وعن كل مركز، كان ذلك هو الشكل الجديد المختلف، الشعبي واللامركزي، من الشرعية الثورية التي كانت قاطرة كل جولة من جولات الثورة، ولا تزال.

هذا النوع المختلف من الشرعية يتفجر قوة وصلابة في ساحات المشاركة الشعبية حول المطالب العليا ولكنه في القضايا التي تتطلب تمثيلا سياسيا محددا وتفاوضا عند إقرار التفاصيل يبدو في أضعف أشكاله.

في هذا السياق لن تكون مفارقة أن تطول أمد محاكمات رؤوس النظام السابق أو المتهمين في قضايا التعذيب، ومنها قضية خالد سعيد، أو تخضع المحاكمات للإجراءات العادية و يخضع القرار القضائي للاعتبارات والتفاصيل القانونية المعروفة التي لا تؤدي بالضرورة لـ«أحكام ثورية».

لا يجب أن يكون ذلك محبطا بقدر ما يدعونا لتفهم الطابع المميز لثورتنا والإتكاء أكثر وأكثر على مصدر قوتها وشرعيتها: المبادرة والمشاركة الواسعة. بل على العكس، أن تظل الثورة دائما مهمة غير متكملة تتطلب مبادرة ومشاركة هو ما يثير الأمل أن يكون التغيير أعمق وأطول أثرا، وممتدا إلى مستويات أعمق من البناء الاجتماعي الذي يثور على نفسه ويطهرها من كل مظاهر الاستبداد والقمع والفساد وهو يخوض معركة الثورة المستمرة مع كل سلطة تجسد جابنا من تلك المظاهر.

تحولت قضية خالد سعيد من قضية مقتل فرد، يمحص القضاء حقيقتها، إلى رمز للقضية الأكبر التي لا مجال للنقاش فيها وحكمت فيها قوة الجموع بشرعية المشاركة الشعبية الجارفة. المشاركة التي بدأت شابة بالأساس عندما وجدت في وجه خالد سعيد ما يشبهها واعتبرت الاعتداء عليه اعتداء على صورتها.

كذلك، الروايات المتضاربة حول مقتل سائق الأزبكية، قبل أيام من موعد ذكرى رحيل خالد سعيد، قد لا تقودنا في النهاية إلى حسم المسؤولية القانونية، ولكن الاحتجاج الشعبي الذي أعقب مقتل السائق يستمد غضبه من قضية أكبر، والسائق القتيل ليس إلا وجها يشبه وجوه أقرانه وغيرهم من أفراد الطبقات البسيطة الذين ذاقوا مرارة العسف البوليسي وتجرعوه وسط صمت الطبقات الأعلى. ولا يزال هؤلاء يقدمون للمحاكمات العسكرية فداء لكل اضطراب ويطمئن البعض عند رؤية صورهم غير المهندمة في الصحف والقنوات وقد استقر يقينهم لكونهم «بلطجية» وليسوا من «شباب الثورة»!

لندخل إلى عمق التعقيد: عودة الشرطة ومحاولة تطبيق القانون في الشارع، إن لم يتوافق مع سياسات اجتماعية وإجراءات محلية متفهمة، سيصطدم مباشرة بمصالح هؤلاء الذين جعلهم الوضع الاجتماعي خارج القانون، الباعة الجائلين المنتشرين في الشوارع مثلا. واحتمالات وقوع الضرب والتعذيب على يد مواطنين يعرفها كل مصري يضرب ابنه في البيت ويود لو يشارك في ضرب الحرامي قبل تسليمه للشرطة، ويعرفها أيضا كل مصري يعرف واحدا يفعل ذلك. وهذا لا ينفي مسئولية الشرطة في كبح ذلك وحفظ حق الفرد ولو كان متهما أو «مسجل خطر».

الثورة مغامرة من أجل الحرية برغم احتمالات الفوضى والاضطراب. المذعورون من الفوضى ينظرون تحت أقدامهم ويريدون الاستقرار الآن بأي ثمن. بينما الحالمون بوطن أفضل يقبلون المغامرة واحتمالاتها ويرفضون كل تجاوز في حق مواطن بدعوى حفظ الاستقرار والأمن. اضطرابات الثورات والمراحل الانتقالية هي آلام فتح جروح تناقضات المجتمع.

الأكثر إثارة للقلق ليست الإدارة السياسية السيئة للمجلس العسكري، قد يكون مطمئنا أن نتأكد تماما أن الطابع العسكري لا يصلح مطلقا لأي شكل من أشكال السياسة، ولا هي في الانتخابات المبكرة التي تخيف البعض بينما هي ضرورة تضع المجتمع في قلب التجربة الديمقراطية، التي لا يمكن تحضير الشعب وقواه لها إلا بخوضها مباشرة ومواجهة مشكلاته وأزماته فيها.

الأكثر إثارة للقلق هو أن يتعامل المجلس العسكري مع تقلبات المرحلة الانتقالية بنفاد صبر، كما عبر في بعض بياناته، بما يجعله ضائق الصدر بالحريات وحركة الشارع الضرورية في مرحلة سياسية ساخنة، وبما يفسح المجال للإخلال بحقوق المواطنين وكرامتهم، بداء من إساءة معاملتهم أو حرمانهم من المحاكمات المدنية العادلة. بيانات الجيش تشهد مراجعته لموقفه أكثر من مرة بشان اعتقال «شباب الثورة» أو محاكمتهم عسكريا. بينما هؤلاء الذين لا تشي وجوههم بأنهم من «شباب الثورة» – شباب الطبقة الوسطى المتعلم- لا يتمتعون بنفس الفرصة!

رموز النظام السابق المتورطون في القمع وقتل الثوار ليسوا شياطين كارهين للإنسانية، بل كانوا يحفظون ما يظنونه النظام والاستقرار والأمن دون اعتبار لكرامة الأفراد وحقوقهم، وخاصة كرامة وحقوق هؤلاء الذين على الهامش وتحت خطوط الفقر والاعتبار، وخارج الصور الناصعة لـ«شباب الوطن» و«المواطنين الشرفاء».

الذين يشبهون خالد سعيد أو لا يشبهونه نام بعضهم تحت عجلات الدبابات في ميدان التحرير مساء 28 يناير، يتقلبون بين الخوف من حركتها لإحباط ثورتهم والاطمئنان إلى أنها لن تدهسهم، وتحدوا حظر التجول الذي أعلنه الجيش مصرين على استكمال ثورتهم. الجيش ليس قوة ثورية ولا هو ضد الثورة، بل هو قوة وجدت نفسها في اختبار صعب لم تسع إليه، لكن «القلب الصلب» للثورة هم هؤلاء الذين خاضوا المغامرة وقرروا إما أن نلقى جميعا مصير خالد سعيد أو أن نتجاوزه جميعا.

الكرامة الإنسانية، لكل هؤلاء الذين يشبهون خالد سعيد أو لا يشبهونه، هي القضية الكبرى خلف «قضية خالد سعيد»، وهي أساس النظام الجديد الذي سيحاول بناء مجتمع الحرية والعدالة.

إن غابت الكرامة، تحت أي دعاوى، فإن هؤلاء الذين يتذكرون اليوم خالد سعيد وقضيته الكبرى ويقفون مجددا في ذكرى رحيله في الميادين وعلى ضفاف النيل في المحافظات، لن يملوا من معاودة طرق الباب وإشعال شرارة الغضب من أجل الكرامة مرة بعد مرة.



نشر في موقع "المصري اليوم" 6-6-2011
تصوير: عمرو عبد الله

12 مايو 2011

وسط حطام «معركة إمبابة»: خرافات الحارات التي تضعنا أمام الحقيقة


(1)

«إزاي كنت بتعرف المسيحي من المسلم في خناقة إمبارح يا مصطفى؟»

يجلس مصطفى على أول درجة من السلم المؤدي لمدخل منزله على بعد خطوات من كنيسة مارمينا في إمبابة وهو يحك أثر جرح في ساقه: «إزاي بقى! من السحنة، دي حاجة معروفة. وكمان قلبك ودينك وإيمانك بيقول لك" يضيف صديقه سامح: «لازم تحس، دي عقيدة وأكيد بتفرق!". يقاطعه مصطفى وهو يتجه ببصره إلى أول الحارة المتفرعة من شارع المشروع حيث توجد الكنيسة: «بص مثلا اللي جاي ده. مش باين إنه مسيحي؟".

يخاطبه القادم وهو يشير إلى جرح ساقه: «إزيك يا مصطفى. سلامتكيرد:«دي حاجة بسيطة. إزيك إنت يا عم كرم؟ تمام؟» يقف عم كرم ويطمئن على مصطفى ويسأله عن باقي أسرته ويتبادلان الاطئمنان على الأهل والجيران. «ربنا يطمننا عليك يا عم كرم" يمضي كرم يودعه مصطفى الذي ينتظر قليلا ويتذكر السؤال ويكمل الإجابة: «شفت؟ باين عليه. وكمان إحنا هنا عارفين بعض ومين مسلم ومين مسيحي، وحبايب عادي .. لكن هم اللي بدأوا وعزة جلال الله

(2)

الطريق إلى شارع المشروع من شارع الأقصر مفروش بكسر الزجاج والحجارة، وبحكايات السكان عن مشاجرات واشتباكات بين مسلمين ومسيحيين أو «بيننا وبينهم»، على حد تعبير معظم الرواة. يحكون عن تجدد الاشتباكات طوال مساء السبت والساعات الأول من صباح الأحد قبل أن يفرض الجيش حظر التجول التام على معظم شارع الأقصر والكثير من حاراته.

المدرعات وسيارات الأمن المركزي وصفوف جنود الجيش والشرطة على مسافات متقاربة ولا تعرف غير كلمة «ممنوع حد يعدي». يتفاوض مع أحد الصفوف كهل نزل يشتري خبزا ويريد أن يعود إلى بيته، وامرأة تخبرهم أنها باتت عند أمها وتستعطف الضابط لكي تعود إلى بيت زوجها فيسمح لها.

أسماء الحارات تحمل على الأرجح أسماء قدامى سكانها: حارة علي محمد، حارة صليب غبريال. نسبة كبيرة من المسيحيين، معظمهم من عائلات صعيدية، يتركزون في شارع الأقصر وما حوله.

حارة وضعت بدلا من اسمها القديم لوحة بألوان علم مصر تقول: «حارة الشهيد لطفي عزام». يقول الأهالي أنه استشهد يوم 28 يناير في التحرير، في اللوحة صورة لشاب لم يتجاوز العشرين.

قريبا من تقاطع شارعي الأقصر والمشروع، على كرسيين بلاستيكيين يجلس اللواء حمدي بدين، قائد الشرطة العسكرية وبجانبه شيخ بجلباب أبيض ولحية بيضاء طويلة ينظران إلى الشارع المؤدي إلى الكنيسة الذي تسده صفوف الجنود.

يتطور المشهد مع بداية شارع المشروع، أكوام من الخشب المتفحم الغارق في المياه. تبدو قطع من الأثاث ونوافذ وأبواب أمام بناية محترقة عن آخرها، واجهات محلات تم تدميرها، أطلال مقهى.

أمام المقهى المحل الوحيد المفتوح في الشارع: مخبز إفرنجي يجلس أمامه أصحابه وعماله وأمامهم صف من الجنود يقسم الشارع إلى نصفين بشكل غير مفهوم. يشرح عبد الناصر محمد، صاحب المخبز، أنه عند هذه النقطة تنتهي عمارات المسلمين وتبدأ عمارات المسيحيين التي تتوسطها الكنيسة. لا يبدو على الكنيسة أو أسوارها أي آثار حريق أو تكسير مثل المنازل المحيطة. فقط كسر الحجارة والزجاج منتشر أمامها.

(3)

خلف أبواب الكنيسة مباشرة، لا تزال أكوام من الحجارة كانت معدة لـ«صد الهجوم»، كما يقول الشهود المسيحيون. يقف بجابنها الشاب ريمون جرجس، ذراعه مربوطة وحول عنقه شال أحمر عليه صلبان ذهبية. يقول الشباب في الكنيسة أنه كان أبرز من تصدوا للمعتدين على الكنيسة. يقول ريمون: «لم يكن معنا إلا الحجارة وكان معهم رصاص حي ومولوتوف».

يدخل الكنيسة الشيخ الملتحي، الذي كان يجلس قبل دقائق بجانب اللواء بدين ويتحدث مع بعض القساوسة عن ضرورة تهدئة الناس من الطرفين. ينظر إليه ريمون شذرا ويقول: «أكيد داخل يشوف عددنا كام ويشوف معانا إيه. مش لوجه الله!».

رغم التشديد الأمني من الشرطة والجيش، يدخل إلى الكنيسة جيران مسلمون يتبادلون أحاديث ودية أو متوترة مع الآباء أو شباب الكنيسة.

مجموعة من شباب الكنيسة يحتدون وتعلو أصواتهم تجاه الشيخ: «أنتم اللي بدأتم! أنتم ال كنتم عاوزين تدخلوا الكنيسةيحاول الكبار والقساوسة تهدئة الشباب.

بين بعض الشباب والفتيات تدور الحوارات الغاضبة والمذعورة عن السلفيين، تحكى إحداهن عن قصة سمعتها أنهم يخطفون الفتيات المسيحيات ويخدرونهن فيستقيظن ليجدن توقيعن على إشهارالإسلام، ويحكي أحدهم عن نية السلفيين معاودة الهجوم مساء وعن ضرورة إدخال سلاح إلى الكنيسة لرد الهجوم. يتجمع بعض الشباب في ركن يتناقشون إذا كان يجب أن يقولوا للفضائيات أننا سنرد العنف بالعنف أم لا.

يحاول الأب ميساي الاشتراك في تهدئة الشباب ولكن يبدو عليه الغضب وهو يحكي الأب عن تأخر التدخل الأمني: «بعد تجمع سلفيون يطلبون تفتيش الكنيسة ويدعون أن هناك فتاة أسلمت تحتجزها الكنيسة، وهو أمر لا نعلم عنه شيئا، تجمهر سلفيون وشباب مسيحيين أمام الكنيسة وبدأ الطرفين في الهتاف. دخل الكنيسة لواء شرطه ومعه مجموعة جنود كنا نتناقش وأول ما بدأ إطلاق الرصاص خرجوا ولم يعودوا ثانية ولم يظهروا إلا بعد ساعات بعد سقوط قتلى وجرحى». يشير إلى بيريه يمسكه قس آخر: «اللواء خرج مسرعا ونسى البيريه الخاص به".

القس الآخر يمسك البيريه ويريه لكاميرا قناة فضائية تجري معه حوارا.

خدام الكنيسة مرتبكون بين الشباب الغاضب والأهالي الملتاعين وتلبية إلحاح الصحافة وكاميرات الفضائيات واستقبال بعض الرموز والمشاهير الذين بدأوا التوافد. الكنيسة التي يبدو عليها تواضع الحال من الداخل ولا يزال مدخلها وبعض قاعات الدور الأرضي فيها بدون دهان، تبدو من الخارج شامخة وعالية ومزدانة بالزخارف وسط العشوائيات والبيوت بالطوب الأحمر.

(4)

يصر سامح ومصطفى أن الكنيسة تتلقى معونة من أمريكا وأن الأقباط الذين تظاهروا في ماسبيرو قبل أسابيع كانوا يريدون حقوقا للمسيحي تساوي حقوق المسلم، وهذا يعني عندهما أنه يمكن لرئيس مسيحي أن يحكم مصر ويعيدها دولة مسيحية كما كانت.

يضيف سامح: «بس مهما كان. إمبارح والله شلت على كتفي واحد مش من المنطقة راسم على دراعه صورة العدرا. كان واخد طلقات في رجله وهايموت تحت رجلين الناس. وأنا شلته وخرجته برا مع الواد مينا». يضحك مصطفى: «شوف سبحان الله. الكنيسة هي ال بتضرب نار لكن جات في الواد المسيحي!».

يقول سامح: «لكن الكنيسة حبست واحد محامي هنا اسمه عمرو ييجي ساعة. ينفع كده؟».

ينادي سامح ومصطفى على عمرو، الذي ينزل بملابس البيت ويشعل سيجارة ويحكي أنه سمع بتجمهر سلفيين وبعض «مشايخ المنطقة» من أجل بنت محبوسة بالداخل فذهب لاستطلاع الأمر. يقول أنه محام في مجلس الدولة ومعروف في المنطقة وأراد التدخل والتهدئة ولكن وسط الزحام والتدافع والظلام، سقط الشيخ محمد علي أرضا وهتف الشباب المسلم أنهم ضربوا الشيخ. يقول:«دي كانت آخر حاجة سمعتها وغبت عن الوعي وصحيت لقيت نفسي مصاب في الكنيسة. لكن الحق جابوا لي جوه إسعافات أولية وعصير وعاملوني بآخر كرم!».

يدخن سامح ولا يبدو عليه أي تأثر من رواية عمرو الروبي، ويضيف: "لكن ضرب الرصاص بدأ من الكنيسة»، يؤكد عمرو معه الذي قال منذ ثوان أنه فقد الوعي عند بداية الاشتباكات:«صح، ضرب الرصاص بدأ من الكنيسة، جوا فيه سلاح كتير، ده موضوع معروف. أما موضوع السلفيين الأغراب فلازم تسمع من الشيخ حسام».

(5)

الطريق إلى منزل الشيخ حسام يمر عبر حارة صليب غبريال، هنا المنازل مختلطة لكنها مميزة. صلبان على مدخل منزل المسيحيين، و«لا إلى إلا الله" مكتوبة على جدران بيت الشيخ حسام سيد». لدى الشيخ ثلاثة أولاد كل منهم أصيب إصابة خفيفة في «معركة» مساء السبت أمام الكنيسة. يحكون جميعا عن سلفيين من خارج المنطقة تجمهروا أمام الكنيسة وتحدثوا عن الفتاة عبير التي أسلم، ذهب الشيخ حسام إليهم وحاول أن يفهم الأمر إلا أن الأمر تطور سريعا إلى حشدين من المسلمين والمسيحيين. يقول أن الشرطة دخلت الكنيسة وخرجت وقالت أنه لا توجد فتاة في الخارج، فصاح سلفيون أنهم لابد أخرجوها من باب خلفي.

يحكي الشيخ حسام أن الشباب المسيحي بدأ بالاستفزاز وهتاف: «ارفع إيدك فوق، الصليب أهو» و «ارفع راسك فوق إنت قبطي». يعتبر الشيخ حسام أن ذلك استفزازا كبيرا قابله الشباب المسلم بهتاف: «إسلامية إسلامية». ويصر على أن السلفيين والمسلمين كانوا عزل وأن الرصاص بدأ من فوق الكنيسة ومن فوق عمارات مسيحيين.

شهود مسلمون يشيرون إلى أن مسيحي يدعى أطلق الرصاص من سطح منزله فأحرق مسلمون كامل البناية وألقوا أثاث البيت إلى الشارع. يقول الشيخ حسام أن هناك شقيقين يمتلكان مقهي في شارع الأقصر وآخر في شارع المشروع تورطا في إطلاق الرصاص، ويضيف أنه أبلغ الجيش عنهما وأنهما كانا أيضا ضالعين في استفزاز المسلمين سنة 1991 حيث جرت اشتباكات كبيرة بين مسلمين ومسيحين وقتها في شارع الأقصر وما حوله.

أهالي المنطقة يتحدثون عن مشاجرات عادية تنسب بين الحين والآخر تطورت أكثر من مرة إلى مشاجرات بين مسلمين ومسيحيين. والنسبة الكبيرة للمسيحيين في المنطقة، وانتشار السلاح بين العائلات الصعيدية أدى مرات عديدة لسقوط مصابين إصابات بالغة وربما قتلى ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتطور الأمر إلى هذا الحد.

(6)

«أيوه أنا ضربت المسيحيين. اكتب إن محمد حامد شارك في ضرب المسيحيين».

يبتسم محمد وهو يضيف أنه يقضي وقته على ذلك المقهى الذي يقف أمامه ويتعاطى البانجو لكي لا يقولوا مثل كل مرة أنهم السلفيين، ويشير إلى صديقه محمود الشافعي، السلفي والمستاء من كلامه. يضرب محمود كفا بكف وهو يقول: «الطرفين غلطوا لكن الغلط ما يتصلحش بغلط، وكده فتنة ودي مش أخلاق الإسلام».

يعتبر محمود نفسه سلفيا رغم أنه يبدو أكثر متأثرا بالدعاة الشباب الجدد، ويبدو منتقدا أكثر للسلفيين من خارج المنطقة ومن داخلها الذين تجمهروا عند الكنيسة وأصروا على تفتيشها. يقول مدافعا: «فيه سلفيين كتير محترمين ومسالمين، هتفت معاهم : مسلم مسيحي إيد واحدة، لكن سلفيين تانيين شتموني وقالوا لي : عار عليك تقول كده وإنت ملتزم وبلحية!».

يقول محمود أنه أخذ بعضهم إلى شيخه الذي نصحهم بتجنب الفتنة بينما نصحوه هم بأن يهب لنصرة دينه وأخواته الأسيرات وأن المسيحيين كفار وأن كنائسهم حصون للحرب على الإسلام.
يصفهم محمود بـ«التكفيريين» و«المتطرفين» ويتحدث عن أن المسلم الحقيقي يشارك في وأد الفتنة والحفاظ على البلد وعلى الثورة التي أطاحت بالظلم، ويقول أنه يتعاون مع اللجنة الشعبية للدفاع عن الثورة في إمبابة، وأنه عضو حركة «شبابنا» التي تضم شباب وفتيات من مختلف الاتجاهات لنشر التسامح والأخلاق الحميدة.

لا يبدو محمد حامد مكترثا بكل ذلك وهو يؤكد أن المسيحيين قتلوا بالأمس شيوخا وأنهم يحتفظون في كنيستهم بكم هائل من الأسلحة وأن المسلمين لم يكونوا مستعدين، وأنه هرع إلى المعركة أول ما سمع وشارك في إلقاء الحجارة: «ما ينفعش نسيبهم يعلّموا علينا. امبارح ما كناش عاملين حسابنا. لكن بالليل لما الناس ترجع من أشغالها هايبقى أحد الغضب إن شاء الله". يهز محمود رأسه آسفا من كلام صديقه ويصمت.

بعد ساعات وسع الجيش من نطاق حظر التجول ووجود الجنود في كامل شارع الأقصر وأمر بإغلاق المقهى الذي كان يقف أمامه محمد ومحمود. وبعد التشديدات الكثيفة وفرض حظر التجول مبكرا على كامل إمبابة، مرت تلك الليلة بسلام.



نشر في موقع المصري اليوم 9 مايو 2011