Showing posts with label ثورة 25 يناير. Show all posts
Showing posts with label ثورة 25 يناير. Show all posts

13 January 2012

لحظة القصاص تقترب.. ليس من مبارك.. منك أنت.. أيوه أنت!


لم أعتقد أبدًا في وجود ما يسمى الثورة المضادة، لا تستحق «معافرة» بواقي النظام شرف التسمي بـ«ثورة»، كما لم أحب أبدًا تعبيرات مثل الثورة الثانية أو الثالثة، هي عندي ثورة واحدة مستمرة تتوالى موجاتها، تعلو وتهبط، تتقدم وتتراجع، في مواجهة مقاومة مستمرة من النظام وحلقاته الكثيرة المتعددة في كل مكان وكل لحظة.

بشكل نصف واع كنت أبحث دائمًا في مانشيتات الصحف الحكومية عن الخطة المتجددة لـ«النظام» في مقاومته المستمرة للثورة المستمرة، بداية من مانشيت «الأهرام» يوم 12 فبراير 2011: «الشعب أسقط النظام».. الخطة: «انتهت الثورة بحمد الله، من سقطوا هم النظام أما نحن فمن حمى الثورة، انتظروا ثمار الثورة في هدوء مثلما انتظرتم ثلاثين عامًا! وسنقوم بتوصيل مطالبها وثمارها إلى منازلكم، والله الموفق»، وحتى مانشيت «الأهرام» يوم 5 يناير 2012: «لحظة القصاص تقترب» وتحتها صورة مبارك وجمال والعادلي.. الخطة: «بينما يقترب 25 يناير مرة أخرى، دعونا من شهداء ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، ولنرجع للموضوع: النظام كان مبارك ورجاله، والشهداء هم ضحاياهم، لنترقب الحكم على مبارك ونحتفل به وبالقصاص العادل، وشكرًا والله الموفق».

المفارقة كانت في العناوين الأخرى للصفحة الأولى: «ضباط وجنود أطلقوا الأعيرة النارية على المتظاهرين»، «عمليات دهس مقصودة» و«المتهمون حرضوا واشتركوا وقدموا المساعدات للقتلة». وهي العناوين التي يمكن أن تتصدر الصفحات الأولى عند محاكمة العسكر المسؤولين مباشرة أو سياسيًا عن قتل متظاهرين في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء.

باقي أركان النظام في المجلس العسكري وأشباههم في كل مكان يحاولون إيهام الرأي العام بأن القتل انتهى والثورة انتهت، بينما يحال للمحاكمة نشطاء وسياسيون وتوجه إليهم النيابة تهمة: «إيهام الرأي العام باستمرار الفساد!»، ذلك لأنهم تجرأوا وقالوا للمجلس العسكري: القصاص منك أنت.. أيوه أنت!

المبالغة في شيطنة أشخاص مبارك ورجاله من أهم خطط ما تبقى من النظام لمقاومة الثورة المستمرة، كأن الفساد كان حصريًا لهم وبينهم، مبارك لم يكن شيطانًا ولكنه كان نجم الغلاف لنظام من التسلط يحمي كل أشكال القمع والفساد والبلادة، كان الحلقة الأقوى التي تتكاتف لحمايتها حلقات كثيرة تحت السطح، كما يفعل الآن كل المتكاتفين حول المجلس العسكري، بعد أن يحاولون إيهامنا بأن كل ما كان بين حلقتهم وحلقة مبارك تم بتره أو كان على وشك البتر لولا الثورة الطاهرة التي سبقتهم بثوانٍ معدودة.

ما تبقى من حلقات النظام لايزال يضم متسلطين وفاسدين ومنافقين يمارسون معًا «علاقات كاملة»، ويتمنون استمرار الوصال والاستقرار، ومن المزعج بالطبع بالنسبة لهم أن يحاول البعض «إيهام الرأي العام بأن الفساد لايزال مستمرًا» بينما نقترب من الاحتفال بـ«ذكرى الثورة المجيدة».

الثورة لم تصبح بعد ذكرى، ولا مجرد مناسبة للاحتفال، لأن نظام العدوان والكذب وتبريرهما لايزالان مستمران. خلف كل اللعبة السياسية وتعقيداتها هناك حقيقة صلبة هي الأهم والأكثر جذرية، إن كنا نريد حرية وكرامة حقًا: العمود الفقري للنظام الذي يجب أن يسقط كله هو عبارة عن حلقات ممتدة متصلة: ممن يقتل ويعتدي ويكذب ويبرر، وانتهاءً بمن يقبل القتل ويبتلع الكذب والتبرير.

من أعلى رأس في المجلس العسكري إلى ذلك «المواطن الشريف» الذي انتظر ثلاثين عامًا ومازال ينتظر على مقهى يقرأ مانشيتات الصحف الحكومية، ويتوهم أن الثوار عادوا إلى بيوتهم، ويتساءل مع رفاقه: «إيه اللي نزِّل الناس تاني ميدان التحرير؟ وليه البنت كانت لابسة عباية على اللحم؟».

محبو الحرية يخاطرون دائمًا بأن يكونوا الضحية حتى يتوقف القتل والقمع وتتعطل آلته، ومحبو السلطة يخاطرون دائمًا بأن يكونوا قتلة وقامعين أمام أي حركة شارع، لأن قوة الشارع تتوعدهم بشلّ أداتهم القمعية أو إزالة هيبتها، وساعتها سيصبحون عرايا حقًا بلا حتى عباءة على اللحم، وينتهي بهم الحال في المحكمة خلفًا لمبارك.

من يحاول إيهامنا بأن مبارك هو آخر المجرمين، ليس إلا مبارك الجديد، ومن يحاولون إيهامنا بأن محاسبة المجرمين الجدد تهدد الاستقرار والأمان ليسوا إلا الفلول الجدد.

مر عام على انطلاقة الثورة، ومحاولاتهم إيهامنا بأنها انتهت لاتزال مستمرة، ولكن لسوء حظهم أن كثيرين لايزالون يشكلون بحركتهم حلقات استمرار وتواصل الثورة في كل شارع ومؤسسة وميدان.

اختاروا فريقكم.



نشر في موقع "المصر اليوم" 12 يناير 2012

08 January 2012

عزيزي شريف .. فكك من اللي إنت فيه!


عزيزي شريف ،،

ظنك في محله. الاحترام الشخصي المتبادل بيننا لا يزال قائما. وأرجو ألا تأخذ محاولتنا إفساد مؤتمر شفيق في امبابة مأخذ الجد.
نعم لقد حاولنا إفساد مؤتمر شفيق الذي تنشط في حملته،، ولكنه كان فاصلا فكاهيا بالنسبة لي، وإن كان جوهريا لأن الثورة لا تعني لي سوى تعبيرنا عن احتقارنا المستمر والحاسم لولاد الوسخة. وهو ما حدث.
يا شريف، قرأت لك الكثير من التبرير لوجودك إلى جانب الفريق شفيق. وبسببها تحديدا خففت قليلا من تصنيفي للناس أوقات الثورات إلى ثوار يواجههم ولاد وسخة. واضفت إليه: ناس ضايعة!
ولكن لا يمكنني أن أتجاهل أن "الناس الضايعة"، رغم كل الاحترام الشخصي والود وربما الشفقة، إلا أنهم في النهاية يصبون في معظم الأحيان إلى جانب ولاد الوسخة.
جنود الأمن المركزي وجنود الجيش الغلابة الذين شاركوا في قتل رفاقنا وإصابتهم هم أفراد ضائعون لكنه في النهاية مجرد حشود وجنود ولاد الوسخة. ولا يمنعني التعاطف الشخصي مع أحدهم، لدرجة الجلوس والبكاء بجانبه على حاله فيما بعد، أن أرميه بالطوب وقت المواجهة وأن أركل درعه وخوذته.
لن أناقشك بشأن شفيق وكفاءته، لا قدرة لي على تقييم التقارير عن أداءه في مجال الطيران المدني، وإن كنت أرى أن حال مطار القاهرة ومصر للطيران خرا، وحقائبي تاهت مرتين! ولكن هذا ليس موضوعنا.
الموضوع ببساطة يا شريف أن هناك ثورة، آه والله، أصرت على البدء في الإطاحة بنظام من الاستبداد الذي يحمي كل أشكال التسلط والفساد والبلادة، ورحيل مبارك كان فقط مجرد إشارة البدء لانطلاق الثورة ضد النظام، وشفيقك كان مجرد رجل نظيف اليد وكفء في عمله، بفرض صحة كل كلامك، ولكنه في النهاية كان مجرد بيدق شطرنج حرّكة ولاد الوسخة، بل مبارك شخصيا، ابن القحبة نفسه، في محاولة لمحاصرتنا شعبيا بدفع رجل نظيف لواجهة النظام مع العديد من الوعود بشان الديمقراطية. وبعدها كان ما سيحدث هو بعض الإصلاحات وتطهير لواجهات النظام وتطهير للبلد منا نحن وكل من شارك وحرض وأرادها ثورة.
إنت شايف اللي بيحصل دلوقتي لصحابنا مالك وعلاء يا شريف! كان ايه اللي هايحصل لو كان مبارك لسه موجود وشفيق بتاعك ما كانش حل جهاز أمن الدولة؟ ما تفوق يا شريف!

شفيق في أحسن الأحوال مجرد بيدق عبيط في فريق ولاد الوسخة، إن لم يكن ابن وسخة أصيل. ولاد الوسخة ليست سبة ولا قلة أدب، ولكن منهم أهالينا وجيراننا ومواطنون شرفاء كثر لا يجدون غضاضة في التسلط والاستبداد من أجل الأمن والأمان والاستقرار. تماما كما كان شفيق وزيرا ثم رئيس وزراء يحترم مبارك، أي واحد يحترم مبارك يا شريف يبقى ابن ستين وسخة! فوق يا شريف!

أي موظف شاطر كان جنب مبارك وساكت علشان يعرف يعمل شغله وبيعارض مبارك في سره وبينه وبين ربنا، ربنا يجازيه خير يا روح قلبي. لكن أنا شايف إن دوري إني أقوله مش عاوزين من العينات دي تاني علشان ولاد الوسخة اللي زيك بيشجعوا ولاد الوسخة الأوسخ منهم على الاستمرار والاستقرار. لما تبقى تعرف تقول لأ ده غلط، ده فساد، ده استبداد، تبقى تيجي تشتغل سياسي وترشح نفسك. معلش هارد لك فرصتك راحت المرة دي. تقاعد بقى يا هزؤ وما تهزأش نفسك.

ما حاولنا فعله يا شريف يوم مؤتمر امبابة أننا قلنا له: ارحل زي مبارك.ما إنت كنت بتلعب في فريقه يا جحش! ما كنتش تعرف يا حمار! مش كنتم مع بعض، سواء ولاد وسخة زي ما بنقول أورجال دولة أطهار من داخل النظام، مش حرامية زي عز مثلا، هأو! مش عيب لما مبارك يسقط ويتقلب على ضهره والثورة تفرض وضع جديد ييجي هو عاوز يبقى رئيس! دي أخلاق ولاد وسخة صحيح!
يا شريف، فكك من اللي انت فيه ده وارجع، وفكك من موضوع "الرجل البنائي الجميل” .إنت جاي في فبراير تمسك في شفيق وتقول لي بنائي. أحا يا شريف! ما تعرفش إن الثورة بتهدم وتكسر في السلطة الاستبدادية وبتقطع أذرعها؟ ما تفوق يا بني!

فكك من اللي انت فيه ده يا شريف. آخر حاجة كنت أتصورها وكويس إني ما شفتهاش بعيني إني أشوفك جنب البنائيين الإصلاحيين الحلوين اللي بالصدفة بعضهم من كبار المعرصين في الحزب الوطني في امبابة، اسأل لو ما تعرفش!
كنا مع بعض قليلين زمان ضد ولاد الوسخة يا شريف، دلوقتي جموع أكثر في كل مكان مع الثورة ومع الحرية وضد ولاد الوسخة. ولكن لا تزال الأغلبية مع أي استقرار وتعطي صوتها لأقرب استقرار ولأقوى بديل في الصندوق. إرادة الصناديق هي اللي بتشكل موقفك يا شريف؟!
كنت معنا في الحملة لمساندة حق البهائيين في المواطنة وأنت تعلم أن استفتاء شعبيا كان سيهرسهم. الصناديق ليست إلا ضربة بداية وأداة للديمقراطية، التي تحتاج طوال الوقت لأقلية من الأحرار لتجعل المجتمع والدولة يخافان من انتهاك الحرية، التي يمكن أن تنتهك ببساطة وبشكل أبشع باختيار أغلبية الصناديق أو صمتهم. سمعت عن الفاشية يا شريف؟
الأغلبية في الشارع كانت واقفة تتفرج يا شريف، لكن كانت هناك، كما هو الحال دائما، أقلية عنيدة أكثر وحالمة أكثر ومؤمنة بالثورة، زي الست اللي ما أعرفهاش اللي بتقول عليها اللي شتمتكم من البلكونة. أنا ما أعرفش كل حاجة عنها، لكنها اختارات تكون مع الثورة و ما كنتش أتمنى ييجي الوقت اللي ست من بلكونة في امبابة تبقى في صفنا وإنت تبقى مع الناس اللي طلعت تشتمهم وتقول لهم يا فلول يا زبالة وتدلق عليهم مياه وسخة!
ارجع يا شريف!

06 June 2011

أما زلنا "كلنا خالد سعيد"؟

إحياء ذكرى خالد سعيد أمام «الداخلية»


ليست مفارقة، بل أمر دال، أن قضية خالد سعيد، شهيد الطواريء، لم تحسم قضائيا بعد. رغم أنها كانت إحدى الحلقات الهامة في سلسلة من الاحتجاجات التي أفضت إلى ثورة أطاحت برأس النظام الحاكم، ولا تزال تخوض سجال معركة الثورة المستمرة وإقامة نظام سياسي جديد.

لا توجد قوة أو قوى تدعي أنها مفجرة الثورة ويمكنها طبقا للشرعية الثورية أن تطارد بشراسة كل أعداءها وتقتص منهم قبل أن تضع شرعيتها الجديدة في شكل دستور وقوانين. ولو كان ذلك لكان المتهمون في قضية خالد سعيد أول من ستطولهم يد العقاب الثوري. ولكن المبادرة الخلاقة الدوءب، التي كان منها الدعوة للاحتجاج يوم 25 يناير من خلال صفحة «كلنا خالد سعيد» على الفيس بوك، والمشاركة الواسعة التي تتوافق حول المبادرة وتنقلها إلى الأرض وتطورها بحرية وعفوية وبشكل يكاد يكون مستقلا عن مركز إطلاق المبادرة وعن كل مركز، كان ذلك هو الشكل الجديد المختلف، الشعبي واللامركزي، من الشرعية الثورية التي كانت قاطرة كل جولة من جولات الثورة، ولا تزال.

هذا النوع المختلف من الشرعية يتفجر قوة وصلابة في ساحات المشاركة الشعبية حول المطالب العليا ولكنه في القضايا التي تتطلب تمثيلا سياسيا محددا وتفاوضا عند إقرار التفاصيل يبدو في أضعف أشكاله.

في هذا السياق لن تكون مفارقة أن تطول أمد محاكمات رؤوس النظام السابق أو المتهمين في قضايا التعذيب، ومنها قضية خالد سعيد، أو تخضع المحاكمات للإجراءات العادية و يخضع القرار القضائي للاعتبارات والتفاصيل القانونية المعروفة التي لا تؤدي بالضرورة لـ«أحكام ثورية».

لا يجب أن يكون ذلك محبطا بقدر ما يدعونا لتفهم الطابع المميز لثورتنا والإتكاء أكثر وأكثر على مصدر قوتها وشرعيتها: المبادرة والمشاركة الواسعة. بل على العكس، أن تظل الثورة دائما مهمة غير متكملة تتطلب مبادرة ومشاركة هو ما يثير الأمل أن يكون التغيير أعمق وأطول أثرا، وممتدا إلى مستويات أعمق من البناء الاجتماعي الذي يثور على نفسه ويطهرها من كل مظاهر الاستبداد والقمع والفساد وهو يخوض معركة الثورة المستمرة مع كل سلطة تجسد جابنا من تلك المظاهر.

تحولت قضية خالد سعيد من قضية مقتل فرد، يمحص القضاء حقيقتها، إلى رمز للقضية الأكبر التي لا مجال للنقاش فيها وحكمت فيها قوة الجموع بشرعية المشاركة الشعبية الجارفة. المشاركة التي بدأت شابة بالأساس عندما وجدت في وجه خالد سعيد ما يشبهها واعتبرت الاعتداء عليه اعتداء على صورتها.

كذلك، الروايات المتضاربة حول مقتل سائق الأزبكية، قبل أيام من موعد ذكرى رحيل خالد سعيد، قد لا تقودنا في النهاية إلى حسم المسؤولية القانونية، ولكن الاحتجاج الشعبي الذي أعقب مقتل السائق يستمد غضبه من قضية أكبر، والسائق القتيل ليس إلا وجها يشبه وجوه أقرانه وغيرهم من أفراد الطبقات البسيطة الذين ذاقوا مرارة العسف البوليسي وتجرعوه وسط صمت الطبقات الأعلى. ولا يزال هؤلاء يقدمون للمحاكمات العسكرية فداء لكل اضطراب ويطمئن البعض عند رؤية صورهم غير المهندمة في الصحف والقنوات وقد استقر يقينهم لكونهم «بلطجية» وليسوا من «شباب الثورة»!

لندخل إلى عمق التعقيد: عودة الشرطة ومحاولة تطبيق القانون في الشارع، إن لم يتوافق مع سياسات اجتماعية وإجراءات محلية متفهمة، سيصطدم مباشرة بمصالح هؤلاء الذين جعلهم الوضع الاجتماعي خارج القانون، الباعة الجائلين المنتشرين في الشوارع مثلا. واحتمالات وقوع الضرب والتعذيب على يد مواطنين يعرفها كل مصري يضرب ابنه في البيت ويود لو يشارك في ضرب الحرامي قبل تسليمه للشرطة، ويعرفها أيضا كل مصري يعرف واحدا يفعل ذلك. وهذا لا ينفي مسئولية الشرطة في كبح ذلك وحفظ حق الفرد ولو كان متهما أو «مسجل خطر».

الثورة مغامرة من أجل الحرية برغم احتمالات الفوضى والاضطراب. المذعورون من الفوضى ينظرون تحت أقدامهم ويريدون الاستقرار الآن بأي ثمن. بينما الحالمون بوطن أفضل يقبلون المغامرة واحتمالاتها ويرفضون كل تجاوز في حق مواطن بدعوى حفظ الاستقرار والأمن. اضطرابات الثورات والمراحل الانتقالية هي آلام فتح جروح تناقضات المجتمع.

الأكثر إثارة للقلق ليست الإدارة السياسية السيئة للمجلس العسكري، قد يكون مطمئنا أن نتأكد تماما أن الطابع العسكري لا يصلح مطلقا لأي شكل من أشكال السياسة، ولا هي في الانتخابات المبكرة التي تخيف البعض بينما هي ضرورة تضع المجتمع في قلب التجربة الديمقراطية، التي لا يمكن تحضير الشعب وقواه لها إلا بخوضها مباشرة ومواجهة مشكلاته وأزماته فيها.

الأكثر إثارة للقلق هو أن يتعامل المجلس العسكري مع تقلبات المرحلة الانتقالية بنفاد صبر، كما عبر في بعض بياناته، بما يجعله ضائق الصدر بالحريات وحركة الشارع الضرورية في مرحلة سياسية ساخنة، وبما يفسح المجال للإخلال بحقوق المواطنين وكرامتهم، بداء من إساءة معاملتهم أو حرمانهم من المحاكمات المدنية العادلة. بيانات الجيش تشهد مراجعته لموقفه أكثر من مرة بشان اعتقال «شباب الثورة» أو محاكمتهم عسكريا. بينما هؤلاء الذين لا تشي وجوههم بأنهم من «شباب الثورة» – شباب الطبقة الوسطى المتعلم- لا يتمتعون بنفس الفرصة!

رموز النظام السابق المتورطون في القمع وقتل الثوار ليسوا شياطين كارهين للإنسانية، بل كانوا يحفظون ما يظنونه النظام والاستقرار والأمن دون اعتبار لكرامة الأفراد وحقوقهم، وخاصة كرامة وحقوق هؤلاء الذين على الهامش وتحت خطوط الفقر والاعتبار، وخارج الصور الناصعة لـ«شباب الوطن» و«المواطنين الشرفاء».

الذين يشبهون خالد سعيد أو لا يشبهونه نام بعضهم تحت عجلات الدبابات في ميدان التحرير مساء 28 يناير، يتقلبون بين الخوف من حركتها لإحباط ثورتهم والاطمئنان إلى أنها لن تدهسهم، وتحدوا حظر التجول الذي أعلنه الجيش مصرين على استكمال ثورتهم. الجيش ليس قوة ثورية ولا هو ضد الثورة، بل هو قوة وجدت نفسها في اختبار صعب لم تسع إليه، لكن «القلب الصلب» للثورة هم هؤلاء الذين خاضوا المغامرة وقرروا إما أن نلقى جميعا مصير خالد سعيد أو أن نتجاوزه جميعا.

الكرامة الإنسانية، لكل هؤلاء الذين يشبهون خالد سعيد أو لا يشبهونه، هي القضية الكبرى خلف «قضية خالد سعيد»، وهي أساس النظام الجديد الذي سيحاول بناء مجتمع الحرية والعدالة.

إن غابت الكرامة، تحت أي دعاوى، فإن هؤلاء الذين يتذكرون اليوم خالد سعيد وقضيته الكبرى ويقفون مجددا في ذكرى رحيله في الميادين وعلى ضفاف النيل في المحافظات، لن يملوا من معاودة طرق الباب وإشعال شرارة الغضب من أجل الكرامة مرة بعد مرة.



نشر في موقع "المصري اليوم" 6-6-2011
تصوير: عمرو عبد الله

19 March 2011

في طابور استفتاء ما بعد الثورة: جدل «لا» الممكنة و«نعم» المختلفة


أمام مجمع المدارس بأرض الجمعية في إمبابة، وقف شحاته حماد، المدير العام المتقاعد بإحدى شركات القطاع العام، وابنه العشريني يتأملان الطابور الطويل الممتد بمحاذاة السور الذي يحيط بالمجمع ويمتد إلى مدخل المدرسة وصولا إلى اللجان الانتخابية للاستفتاء على التعديلات الدستورية. يشير أحمد لأبيه ضاحكا إلى الطابور القصير أمام كشك بيع الخبز المجاور. يتذكر أحمد أن الأمر كان معكوسا في آخر انتخابات برلمانية.

يتذكر شحاته المرة الأولى التي أدلى فيها بصوته في استفتاء، كان على بيان 30 مارس 1968 الذي أعلنه جمال عبد الناصر متضمنا إصلاحات باتجاه الديمقراطية بعد احتجاجات من عمال وطلاب. لا يتذكر شحاتة حماد النتيجة ولكنه يضحك قائلا: «تقريبا كانت 99.9%».

يتذكر أنه قال «نعم» وقتها مع الجموع التي يقول أنها لم تكن تتصور أصلا أن هناك إمكان لـ«لا». ولكن هذه المرة مختلفة والنقاش يدور بين كل اثنين حول مزايا وعيوب «نعم» و«لا».

أمامه في الطابور يشتعل نقاش بين ناشط في حزب التجمع بامبابة وشاب سلفي. الناشط كان يتحدث عن ضرورة «لا» لأننا نريد إعلانا دستوريا ودستورا جديدا والشاب السلفي احتد عليه وطالبه بالتوقف عن الدعاية لرأيه أمام اللجنة. يحتدان للحظات قبل أن يتدخل آخرون للتهدئة ويطالبون الجميع بالانتظام في الطابور والنقاش بهدوء وبدون صوت عال.

يقترب شحاتة حماد من مدخل المدرسة حيث يقف جنديان من القوات المسلحة مع فردي أمن من الشرطة يتابعان في كسل الطابور الطويل ويتدخلون كل فترة عندما يطالب أحدهم بمنع أي مواطن من تجاوز دوره. مجموعة من الشباب تتطوع لتنظيم الطابور ومراقبته ويشكلون طابورا خاصا موازيا لكبار السن.

لا يترك شحاتة مكانه في الطابور الرئيسي ويظل يتناقش مع ابنه ومجموعة من الشباب حوله. يقول لهم أنه كان يشارك في السياسة ولكن بحذر، وانضم إلى منبر اليسار بقيادة خالد محيي الدين في السبعينات عندما أنشأ السادات المنابر، لكنه خرج منه بعد انتفاضة 18 و19 يناير1977 مع جموع خرجت خوفا بعد اتهام كوادر يسارية بالتورط في الانتفاضة، ولكنه رفض أن يدخل مع الجموع منبر الوسط الذي تحول فيما بعد إلى الحزب الوطني.

يبدي شحاتة أسفه لأن بعض الشباب المتحمسين الذين يدعون لرفض التعديلات يصفون المؤيدين بأنهم فلول الوطني وأتباع الإخوان والسلفيين ويقول: «عهد الوصاية انتهى بعد ثورة الشباب الأنقياء. بلاش الكلام ده. سيبوا الشعب يختار».

يتقدم مع الطابور إلى داخل المدرسة. بجانبه تظهر مجلة حائط صنعها التلاميذ تتحدث عن ثورة 25 يناير وسط ألوان العلم وفي المنتصف تحية للجيش المصري وفوقها صورة للمشير محمد حسين طنطاوي.

يعلق شحاتة أنه سيقول «نعم» من أجل سرعة الانتقال إلى الديمقراطية لكي نحمي الجيش من السياسة ونحمي السياسة من الجيش، وفي النهاية سنحصل على دستور جديد بعد الانتخابات البرلمانية، ويضيف ببعض الغضب :«فيه ناس بتفهم الناس إنهم لو وافقوا مافيش دستور جديد. ده غلط. في كل الحالات لازم هاييجي دستور جديد. هو احنا والشباب دول هانسيب حقنا تاني بعد الثورة؟».

يبتسم شحاتة في أسى لأن جيله فرط أحيانا في حقه. يقول أنه كانت لديه 3 تذاكر انتخابية. واحدة في الباجور مسقط رأسه حيث يدلي بصوته لكمال الشاذلي من باب العصبية، وواحدة في شبرا الخيمة حيث مقر عمله ويترك رؤسائه يصوتون باسمه وواحدة في روض الفرج حيث يسكن قبل أن ينتقل إلى إمبابة:«تركت آخرين يصوتون باسمي لكن في منطقة سكني صوتت أحيانا لصالح مستقلين ومرشحي المعارضة المحترمين. عمري ما صوتت لمبارك ولا مرة. ما كانش عندنا أمل، الكل كان عارف الطبخة إزاي. دلوقتي الشعب هايقول كلمته بقى».

يدخل ابنه في نقاش مع ماجد الذي يبدو الصليب من فتحة قميصه، الذي يؤكد أنه سيقول «لا» من أجل فرصة لكل التيارات لكي تنظم نفسها قبل الانتخابات البرلمانية. مجموعة من الشباب المسيحيين يوافقون ماجد ولكن بينهم يقول مينا أنه سيقول «نعم» ولا يخشى من سيطرة الإخوان المسلمين على البرلمان لأنه شارك بجوار بعضهم في الثورة ولأنهم أعلنوا أنهم لن ينافسوا على أكثر من ثلث البرلمان وأن كل من شارك في الثورة يريد الآن دولة مدنية. مثل مينا كان هناك محمد عبد الفتاح الشاب السلفي الذي يخوض نقاشا مع زملائه السلفيين مختلفا معهم أن الجدل ليس حول المادة الثانية وأنه سيقول «لا» مخالفا لهم جميعا لأنه يريد إعلانا دستوريا جديدا باسم الثورة التي شارك فيها.

يتابع شحاتة نقاشهم قليلا قبل أن يقرر الانتقال إلى طابور كبار السن، يدلي بصوته سريعا ويخرج. يمازحه الشباب أنها ثورة شباب ويجب أن يكون الاستثناء لصالحهم. يربت على كتف أحدهم ويقول ببعض التأثر: «إحنا خلاص يا بني عشنا أيامنا. دي دولتكم بقى. خلوا بالكم منها.إنتم مسئولين عنها».

17 March 2011

أكثر من «نعم» وأكثر من «لا»

ورقة الاستفتاءعلى التعديلات الدستورية المقترحة التي سيدلي فيها المصريون باختيارهم السبت القادم، لم تسمح لهم إلا بالانقسام إلى كتلتين يدور بينها نقاش وجدل محتدم بين «نعم» و«لا». ولكن التفاصيل داخل كل موقف تحمل تنوعات أكثر وربما بعض تناقضات داخل كل كتلة.

هناك «نعم» اقتناعا بأن التعديلات ترسم طريقا محددا مقبولا نحو دستور جديد يمر عبر برلمان منتخب وفترة انتقالية أقصر، وهناك «نعم»، منتشرة على بعض المواقع السلفية، تعتقد أن التعديلات تقطع الطريق على دستور جديد تماما وذلك يحمي المادة الثانية في الدستور المتعلقة بالشريعة الإسلامية ويقطع الطريق على «مؤامرات العلمانيين والنصاري» بحسب تعبيرات هذه المواقع.

هناك «لا» لا تزال تعتقد أن التعديلات فعلا تقطع الطريق على دستور جديد وتجعله رهنا برغبة رئيس الجمهورية أو أغلبية البرلمان ولا تزال تجادل في إلزام المادة 189مكرر في التعديلات. وهناك «لا» تتمسك بدستور جديد الآن قبل أي انتخابات تجرى وفق الدستور القديم.

هناك «نعم» من تيارات متشوقة إلى صندوق الانتخابات البرلمانية أولا ثقة في انتشارها، في هذه الجبهة يقف الإسلاميون. وهناك «نعم» تؤكد ضرورة خوض المغامرة الديمقراطية في أقرب وقت بدلا من فترة انتقالية مرتبكة وتراهن على تغير خريطة الشارع السياسي بعد المشاركة الواسعة المتوقعة كنتيجة لثورة شعبية استطاعت حشد الملايين في الشوارع هتفوا معا من أجل دولة مدنية وديمقراطية.

هناك «لا» من تيارات لا تزال تطالب بفترة استعداد و تؤكد وجاهة ثقة الإسلاميين وتخشى من انتخابات برلمانية مبكرة، وهنا يقف العديد من الأحزاب والحركات والنشطاء وكتلة كبيرة من الأقباط. وهناك «لا» تعتد بثقتها على حشد إجماع في الشارع وتوافق بين القوى السياسية يمكنه أن يضغط من أجل استكمال تحقيق مطالب الثورة وفق سيناريو تطرحه هذه القوى وليس السيناريو الذي فرضه الجيش بهذه التعديلات، و

هناك «لا» أخرى تعلن ثقتها في الجيش وتطالبه بإعلان دستوري وتعيين لجنة تأسيسية أو تشكيل مجلس رئاسي للفترة الانتقالية.

هناك مثلها «نعم» تطرح ثقة كبيرة في الجيش وإدارته للبلاد وتحديد الخطوات نحو الديمقراطية، وهناك «نعم» لا تزال تميل للموافقة على كل بديل تطرحة السلطة المطروحة خوفا من الفوضى والمجهول. ولكن هناك «نعم» تعترض على أسلوب طرح الجيش للاستفتاء وقلقة من استمرار الجيش كسلطة تدير البلاد، ولكنها توافق علي الاستفتاء رغبة في تقليص فترة إدارة الجيش للبلاد وتعلن قلقها من أسلوب تعامله مع التجمعات الجماهيرية واستخدام العنف في فض الاعتصامات وإحالة المدنيين لمحاكمات عسكرية وتعرضهم للتعذيب وانتهاك حقوقهم أثناء احتجازهم.

هناك «لا» قلقة على الديمقراطية من أن تبدأ في ملعب غير مؤهل ووقت غير موات فتجهض الثورة، وهناك «نعم» قلقة على الديمقراطية من استمرار الفترة الانتقالية في أجواء أمنية متوترة تدفع الجيش لإجراءات تحدد الحريات ومنها حق التظاهر والاعتصام فيجهض غياب الديمقراطية الثورة.

هناك «لا» تتمسك بالشرعية الثورية وتخشى ذوبانها وسط محيط انتخابات تتوقع أن تحكمها العصبيات والأموال ومراكز القوى القديمة في النظام، وهناك «نعم» تتمسك بالشرعية الثورية وتخشى ضياعها وسط مداولات رموز سياسية وتفاوضها مع الجيش، ولأن الثورة لا مركز لها يعلن عن هذه الشرعية – كما هو الحال في حركة الظباط الأحرار في 1952– لذلك ترى ضرورة أن تكون أقرب هيئة منتخبة تعبيرا عنها ولا تريد أن يظل الجيش متحدثا باسم هذه الشرعية الثورية التي انتزعها الشعب.

هناك «نعم» تريد أن تلتقط أنفاسها بعد التسارع الجنوني للإيقاع الفترة الماضية، وهناك «نعم» تريد أن تشمر فورا للمعركة الديمقراطية متفائلة بنفس الإيقاع. هناك «لا» تريد استمرار الإيقاع الثوري وترفض الهدوء والقبول بما تراه أنصاف حلول، وهناك «لا» تريد أن تلتقط أنفاسها قبل المعركة الديمقراطية.

الجدل المحتدم المضغوط في الفترة القصيرة الماضية يعكس مشهدا مثيرا للتفاؤل. «نعم» و«لا» التي تقال باهتمام وحماسة هي أكثر من «نعم» و«لا» باردة في خانة استفتاء. الاهتمام السياسي الوطني المتوقد حاليا يقول أنه مهما كانت النصوص فإن إرادة هؤلاء الذين يعتنون بمصيرهم بهذه الحماسة لا يمكن أن يتم تجاوزها دون رضاهم.


06 March 2011

ليلة اقتحام أمن الدولة بمدينة نصر: النظام القمعي مقلوبا



بعد الرابعة عصرا بقليل، كنا لا نزال أقل من مائة متظاهر أمام مقر أمن الدولة بمدينة نصر، نحدق في مبانيه الضخمة المهيبة ذات الشكل الهرمي المقلوب. باستثناء بعض الرهبة التي تجاوزناها سريعا كان المشهد لوحة كاملة للنظام القمعي مقلوبا.

كان النشطاء في الطريق يتصلون ببعضهم ويتضاحكون من أنهم للمرة الأولى يتجهون هم بأنفسهم إلى مقر أمن الدولة الذي تم اقتيادهم واستدعاؤهم إليه قبلا. يذهبون هذه المرة لحصاره. الأعداد القليلة تتجمع أمام الناصية التي تلتقي فيها زاوية سور المقر بمبنى قسم الشرطة. الضباط على أبواب القسم لا يتجاوزونه. أعداد من الشباب السلفيين تتوافد، حواجبهم معقودة وبداخلهم غضب مكتوم، واحد منهم يقول: كنت أمر من هنا وأضع عيني في الأرض قهرا، اليوم لن أمشي إلا عندما نخرج ومعنا كل إخواننا المتعقلين بالداخل!

نترك الناصية ونتوجه إلى الرصيف المقابل لأحد الأبواب الإلكترونية التي تسدها مدرعة جيش وعدد قليل من جنود الشرطة العسكرية. الأعداد تزيد، فنتقدم ونحتل الجزيرة الوسطى ونقترب أكثر من الباب. بعض الشباب مهووسون بتنظيم المرور ووضع حد لصفوف المظاهرة لكي لا يتعطل الشارع، آخرون يتفاوضون مع بعض ظباط الجيش. يحاول الضباط تهدئة المتظاهرين بأن العمل مجمد والمقر خال. المتظاهرون يطلبون التأكد بأنفسهم، وضباط الجيش ينظرون إليهم في دهشة!

شاب سلفي اعتلى أكتاف الشباب وبدأ يهتف بحرقة ويقسم: مش هانمشي إلا لما ندخل!

تزداد أعداد المتظاهرين في سرعة إلى عدة مئات ثم عدة آلاف. وتبدو أعداد جنود الجيش والشرطة العسكرية قليلة، ويبدو أنهم لم يتوقعوا إلا مظاهرة رمزية. يتقدم المتظاهرون ويحتلون الشارع أمام المدخل مباشرة ويتركون حارة واحدة لمرور السيارات. عدد كبير من عربات القمامة يمر بشكل يثير ريبة المتظاهرين. يوقفونها ويعتلي الشباب العربات ويفتشونها: لا شيء، مجرد قمامة. أعدادنا تزيد ونحتل الشارع بالكامل. تتوجه مجموعة لإغلاق مدخل الشارع وتوجيه السيارات إلى شارع آخر. يشك الشباب في عربة قمامة أخرى ويعتلونها ويجدون بداخلها أكواما من الورق المفروم. عند المفرق يلحظ أحدهم شارعا جانبيا مؤديا إلى مدخل للسور الكبير الذي يحيط بمقر أمن الدولة لا تحرسه سوى مدرعة واحدة وجندي واحد. يصرخ الشباب ويجرون إلى المدخل. ينظر الجندي فوق المدرعة إلينا في ذعر ودهشة ولا يحرك ساكنا. يتجاوز الشباب المدرعة ويكسرون الباب الحديدي العادي ويدخلون إلى ساحة بها مبان ملحقة ويتجهون فورا إلى باب داخلي مؤد إلى مباني أمن الدولة. المجموعة التي تصعد السلم وتحاول كسر قفل الباب تهتف بالشهادتين وتصرخ: أهلا بالشهادة! حدقت أنظارنا في الداخل، توقعنا طلقات قناصة أو ظهور ضباط أو جنود. ولكن الشباب كانوا يقتحمون الباب ويعتلون السور وهم يصرخون: الله أكبر!

انتشر الشباب في المباني المختلفة، يكسرون الأبواب بأقدامهم وبطفايات الحريق، يقلبون في الأوراق والملفات وينصحون بعضهم بعضا بالحفاظ على كل شيء. أحدهم انتابته هستيريا وأخذ يركل الكراسي ويرمي بالأدراج ويركل المكاتب، فاحتضنه أحدهم هاتفا: مش هانخرب حاجة، حافظوا على كل حاجة!

أمام ثلاجة مياه وقف بعض الشباب يتناقشون حول أحقيتنا في شرب هذه المياه، وأحقيتنا في أخذ تذكارات من مكاتب الضباط.

آخرون يهتفون أن الأولوية هي العثور على أماكن احتجاز المعتقلين. بين حين وآخر يخرج شاب هاتفا أنه كان محتجزا في سجن الاستقبال، بعضهم يشكك ويقول إنهم كانوا من العمال القلائل الباقين في المبنى، يذوبون وسط الزحام ويشتركون في تفتيش المكاتب وحمل الملفات إلى الخارج ويرفضون الحديث مع أحد، بعضهم يبكي وبعضهم يصرخ: تحيا مصر .. تحيا مصر!

سريعا يشكل المقتحمون مجموعة لاستلام الملفات وتجميعها قرب المدخل. شباب سلفيون ينخرطون في بكاء وهم جالسون على مكاتب الضباط يقلبون في الأوراق. بين حين وآخر يدوي هتاف: ملف كنيسة القديسين! ملف عبارة السلام! ملفات الإخوان هنا!

شباب فتحوا أجهزة الكمبيوتر وانتزعوا منها القرص الصلب وسلموه إلى اللجنة بالخارج.

جنود الجيش والشرطة العسكرية يتجولون في الممرات حولنا غير مصدقين ويحاولون إقناع الشباب بالخروج. شاب سلفي يصرخ فيهم: أنا اتعذبت هنا! مش خارجين! يقترح البعض: مش هانمشي إلا لما النيابة تيجي وتستلم المبنى والملفات! ينتشر الاقتراح ويتحول إلى إجماع: لن نسلم الأوراق إلى الجيش، نريد لجنة من النيابة والقضاء لتستلم الملفات والمبنى.

يحاول الجيش إيقاف سيل المواطنين الذين سمعوا بالاقتحام وتوافدوا إلى الداخل. كثيرون يلتقطون صورا تذكارية في مكاتب الضباط، وبعض الشباب وصلوا إلى قمة المبنى الرئيسي وأنزلوا علما فوقه وسط هتافات الشباب.

الشباب يضعون الأعلام على السور خلف أكوام الوثائق والملفات والأقراص الصلبة. أكوام أخرى من الوثائق المفرومة. شاب يصرخ بجانب كومة مفرومة: الجيش اتأخر ليه؟ فرموا الملفات المهمة!

يطلب الجيش من الشباب الابتعاد عن الملفات، ولكن الشباب يرفضون ويتفاوضون مع أحد الضباط ويقنعونه بتشكيل مجموعة لحراسة الملفات مع بعض الجنود. نجلس فوق أكوام الملفات وأمامنا صف من الجنود المسلحين.

يحضر مستشار يعرف نفسه للشباب بأنه المستشار وليد شرابي. يطلب ظابط الجيش منا الرحيل فيرفض المستشار ويطلب اختيار عشرين شابا يبقون معه للمساعدة في نقل الملفات ويختارهم من بيننا.

نعرف أن أعدادا أكثر تتجمهر بالخارج، أنباء عن وصول النائب العام إلى المبنى. نشاهد المستشار زكريا عبدالعزيز يدخل. يطمئن الشباب ويبدأون في طاعة أوامر الجيش بالخروج بعد خضوعهم للتفتيش. في الخارج حشود كبيرة تتجمهر أمام المداخل وتشير بعلامة النصر للخارجين والكل يهتف: أمن الدولة بره! مصر هاتفضل حرة!


05 March 2011

الشرعية في الميدان




ظهر أمس اشتريت علما للمرة الثانية في حياتي. المرة الأولى كانت بعد سقوط مبارك. هذه المرة لوحت به ورئيس الوزراء الجديد عصام شرف يلقي كلمته في ميدان التحرير بعد أن لبى دعوتنا لبدء عمله من الميدان ليستمد شرعيته منه. الثورة أكبر بالطبع من ميدان التحرير ولكن الميدان الرمز الأبرز للشارع، وفي الشارع كانت الثورة ولا تزال.

15 February 2011

بعيدا عن حكم العسكر: ما يجب أن يقلقنا حقا من الجيش



لا يبدو أن تحول تحرك الجيش لصالح الثورة إلى انقلاب لصالح حكم عسكري هو المقلق حقا. ولكن المقلق هو أن يحاول الجيش محاصرة الحركة الجماهيرية الدافعة للثورة وإعادة بناء الدولة برؤية تضيق بالحريات العامة وحرية المطالبة الاجتماعية والفئوية التي تعد الضمانات الأهم للديمقراطية الحقيقية والجذرية. مقال هام للصديق عمرو عبد الرحمن، الباحث السياسي والزميل في هيئة تحرير "البوصلة" صوت اليسار الديمقراطي.

الانقلاب الثانى: أسباب وجيهة للتفاؤل .. وللقلق أيضاً

عمرو عبد الرحمن

تشكل الإشارات المتناقضة التى تنطوى عليها بيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال اليومين الماضيين مصدراً لتخوف الكثيرين من أن يكون التدخل العسكرى لإزاحة مبارك مقدمة لتصفية الحركة الجماهيرية الواسعة وإعادة تأسيس دعائم النظام القائم منذ يوليو1952. غنى عن الذكر أن الانقلابات العسكرية لم تكن حدثاً مطمئنا للقوى الديمقراطية فى أى يوم من الأيام، وإذا أخذنا فى الاعتبار ما أفضى إليه تدخل العسكر فى مصر لاكتسب القلق مبرراً إضافياً. إلا أنى أحسب أن القلق فى هذه الحالة فى غير محله أو على الأقل لا ينصب على مايستدعى القلق بالفعل. أظن أنه من غير الوارد تراجع الجيش عن وعوده بشأن تعديل دستورى موسع وانتخابات حرة وغيرها من إجراءات إصلاح سياسى جدى. إلا أن ذلك لا يعنى انتفاء دواعى القلق والتى لا تنصب بالضرورة على موقف الجيش من هذه الإجراءات بقدر ما تنبع من قراءة لطبيعة العلاقات المدنية-العسكرية المركبة التى تم غزلها خلال حقبة الرئيس مبارك نفسها، وهى العلاقات التى قد تقف بحد ذاتها كحجر عثرة فى طريق مد مفاعيل الانتفاضة الديمقراطية إلى ما هو أبعد من ميدان التحرير، حتى فى ظل إقرار الإصلاحات الديمقراطية.

لنبدأ بدواعى التفاؤل... للوقوف على فهم أفضل لطبيعة التدخل العسكرى الأخير لا مفر من مقارنته بانقلاب يوليو 1952 والذى أسس للنظام الحالى. ما حدث فى يوليو كما هو معروف لم يكن انقلاباً باسم الجيش بقدر ما كان انقلاباً قادته مجموعة سياسية داخل الجيش ضد قيادتها وضد القصر فى ذات الوقت. هذه المجموعة السياسية كانت معروفة بتوجهاتها المعادية للديمقراطية الليبرالية وتحميلها مسئولية الأزمة التى عصفت بالنظام السياسى المصرى القائم منذ إقرار دستور 1923. هذا الملمح وسم طيف واسع من الانقلابات العسكرية خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات فى الكثير من المجتمعات حديثة العهد بالاستقلال. أما ما نحن بصدده فهو تدخل للجيش بصفته المؤسسية وبكامل قيادته الموحدة ولسنا بصدد انقلاباً يقوده تنظيماً أو حزباً سياسياً داخل الجيش، وهذا الوضع الجديد، والذى يبدو أنه ناتج عن إجماع داخل هذه القيادات، قد يسهم فى حصار أية ميول سلطوية تخرج عن المهمة التى حددها الجيش لنفسه تحت ضغط الانتفاضة. كذلك لا يبدو أن هذه القيادة تكن عداءاً للديمقراطية الليبرالية، بل ولا يبدو عليها مظاهر تسييس من أى نوع. هى قيادة تشكلت فى ظرف تاريخى مغاير لحقبة التحرر الوطنى وتأثرت بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة طوال الثلاثين عاماً الماضية، وتكشف الأحداث الأخيرة عن عمق تنسيقها مع الإدارة الأمريكية فى كافة تحركاتها. ومن الواضح فى هذا السياق أنها تشربت بعقيدة جديدة قوامها أن حكم القانون وقدر من الديمقراطية الليبرالية هى مبادئ لا غنى عنها لتحقيق أهداف التحديث بالمعنى المجرد للكلمة والمهيمن على عقل مؤسسات الدولة فى مصر. وأخيراً، يأتى التدخل الثانى للجيش فى هذا الصدد على خلفية انتفاضة شعبية فتية دفعته دفعاً لحسم موقفه فى مواجهة سلسلة من التحركات العبثية فى كافة الاتجاهات لاتستهدف إلا ابقاء مبارك فى السلطة ولو على حساب الحد الأدنى من مبادئ الدولة الحديثة وبما يهدد مصالح الكتلة الحاكمة ككل بما فيها المؤسسة العسكرية. بالتالى فنحن بصدد انقلاب هو أقرب ما يكون إلى سلسلة التدخلات العسكرية التى سهلت أو أسست لموجة جديدة من موجات التحول للديمقراطية الليبرالية مع منتصف السبعينيات ونهاية الثمانينيات فى جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية. من البرتغال فى منتصف السبعينيات إلى البرازيل مع نهاية الثمانينيات، ما كان لعملية تصفية الأوضاع السلطوية أن تنجح بدون ضمانات من المؤسسة العسكرية بوصفها مصدر القوة وأداة القهر الرئيسية القادرة على فرض حكم القانون فى مواجهة تحلل أجهزة الدولة المستمر بفعل التكلس السلطوى أو السطوة الأوليجاركية. بل فى الكثير من الأحيان، كالبرتغال مثلا، تولى العسكر تصفية الإرث السلطوى الذى خلفّه عسكرٌ آخرون. أظن أننا بصدد وضع مشابه لهذه التجارب أكثر من كوننا بصدد انقلاب ينتمى لمرحلة التحرر الوطنى: أى أن الجيش يحاول أن يستبطن منطق الدولة أكثر من محاولته الانقلاب علي الدولة. وهذه المحاولة وإن كانت تتمايز عن منطق الانتفاضة إلا أن دعمها، ولو مرحلياً، كان واجباً لحماية الانتفاضة نفسها فى مواجهة مناورة واضحة هدفها شراء الوقت والبدء فى إجراءات ثورة مضادة بالمعنى الحرفى للكلمة.

إلا أن إشكاليات تدخل الجيش بالمعنى المؤسسى السابق ذكره لا تقتصر على مدى وفاء الجيش بتعهداته من عدمه. فالمؤسسة العسكرية كأى مؤسسة تخترقها علاقات القوى الإجتماعية وتتحدد مواقفها واستراتيجياتها فى محيط من الصراعات السياسية والأيديولوجية بما قد يحولها من رصيد للتحول إلى حجر عثرة فى طريقه. بعبارة أخرى، حتى لو أوفى الجيش بكامل تعهداته، ستبقى طبيعة العلاقات العسكرية-المدنية كما نعرفها فى مصر نقطة إشكالية بحد ذاتها. وتعلمنا خبرة السياقات المذكورة سابقاً أن ضمان العسكر للتحول الديمقراطى لا يعنى بالضرورة قبولاً بأن تمتد مفاعيل هذا التحول إلى مواقع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل القطاعات المدنية وأوضاعها المتميزة التى تراكمت عبر عقود، بل إن تصفية هذا النفوذ كان مجال الصراع الأساسى فى العديد من هذه التجارب بهدف دعم هذا التحول الديمقراطى وتحصينه.

فى هذا الصدد، يمكن الحديث عن ثلاثة إشكاليات تثيرها طبيعة العلاقات العسكرية-المدنية فى الحالة المصرية: إشكاليتان تتعلقان بمرحلة الانتقال والأخرى مرشحة للاستمرار إلى ما هو أبعد من ذلك. من جهة أولى، لا يبدو أن المؤسسة العسكرية بحكم طبيعة علاقتها بالميراث الاستبدادى للدولة المصرية وتشربها بمنطقها الأبوى تبدى قدراً من التفهم لتواتر الاحتجاجات الإجتماعية والتى تتجه لتشكل حلقة ثانية أكثر جذرية من حلقات الانتفاضة المصرية. فمن الواضح أن المجلس العسكرى يسعى إلى حصر الأمر فى نطاق التحول الدستورى ويصور خطابه اتساع نطاق الاحتجاجات كما لو كان خروجاً عن مسار الانتفاضة الوطنى وارتداداً إلى صراعات "فئوية الطابع". فى هذا السياق تعتبر التقارير الأخيرة عن حالات الاعتقال وقائع التعذيب المنهجى فى السجون الحربية أو معسكرات التدريب خلال فترة الانتفاضة مؤشراً على المدى الذى يمكن أن تصل إليه هذه الذهنية فى التعاطى مع الاحتجاجات المدنية. من جهة ثانية، يبقى موقف المؤسسة العسكرية تجاه القوى السياسية الحاضرة فى هذه الانتفاضة نفسها محل غموض. أغلب الظن أنه موقف مشبع بترسبات خبرة نظام يوليو مع الإسلام السياسى بصورة أساسية واليسار الراديكالى بدرجة أقل. يخاطب المجلس العسكرى فى بياناته كائنات غامضة تسمى "بالمواطنين الشرفاء"، وهى عبارة موروثة من البلاغة الناصرية التى اعتبرت كل مواطن منصرف عن السياسة بالمجمل هو "المواطن" بألف لام التعريف. غنى عن الذكر أن بدء مسار الإصلاح بتهميش الإسلاميين أو غيرهم لن يؤدى إلا إعادة إنتاج مصادر الخلل الرئيسية فى المجال السياسى المصرى والمتمثلة فى تهميش كل ما هو فاعل وذو حضور والابقاء على كل ما هو هامشى وعاجز. من ناحية ثالثة وأخيرة، قد تشكل طبيعة العلاقات المعقدة التى غزلتها المؤسسة العسكرية مع مؤسسات السوق الرأسمالى والأوليجاركية المتخندقة حول مبارك بدورها عائقاً إضافياً يحول دون مد مفاعيل الثورة الديمقراطية إلى نطاق أوسع. تننتمى غالبية الوجوه العسكرية التى تولت مناصب تنفيذية أو سياسية رفيعة فى العقد الأخير إلى هذا المركب العسكرى- الأوليجاركى (أحمد شفيق نفسه يعد مثالاً صريحاً على هذا التداخل منذ إلتحاقه بلجنة السياسات عام 2002 ثم حكوةمة نظيف فى 2004). هنا تتحرك القوى الديمقراطية فى حقل ألغام غير مطروق وقواعد الاشتباك داخله غير معلومة. المؤكد أن السوابق غير مبشرة سواء تعلق الأمر بنضالات مباشرة على الأرض فى هذه القطاعات أو بمدى القبول بتناول هذه العلاقات بالنشر والتعليق. شهد الصيف الماضى على سبيل المثال واقعة إحالة عدداً من العمال المضربين فى أحد المصانع الحربية إلى محاكمة عسكرية عاجلة، وهى واقعة لا يفصلنا عنها سوى شهور معدودة. كما لا يجب أن ننسى فى هذا الصدد أن ترسانة القوانين المقيدة للحريات، والتى أٌعلن عن نية مراجعاتها فى المرحلة الانتقالية تحت سلطة المجلس العسكرى، تحتفظ فى غالبيتها بمكانة متميزة للمؤسسة العسكرية تحصنها ضد النقد أو التعامل الإعلامى (التشريعات المنظمة للنشر الصحفى تعد مثالاً صارخاً من ضمن أمثلة عدة).

إلا أن الإشكاليات السابقة تطورت خلال حقبة مبارك وستلازمنا لمدة طويلة من الزمن على ما يبدو. وبالتالى لا تنتقص من افتراضنا الرئيسى بأن حسم الجيش كان ضرورياً فى هذه المرحلة وأن التطورات اللاحقة تشير إلى إمكانية إلتزامه بتعهداته الخاصة بانتقال سلمى للسلطة. أما مواجهة إشكاليات العلاقات العسكرية-المدنية فهى مسألة مرهونة بقدرة الحركة الشعبية على تطوير أدوات نضالها بما يتجاوز التظاهر الدائم وتوسيع رقعة هذا النضال إلى ما هو أبعد من ميدان التحرير، وهى الاشكاليات التى ينبغى أن تستحوذ على عقل الثوار بدلاً من الجزع المبالغ فيه بشأن نوايا العسكر.


عندما طارد الخيال الواقع في شوارع مصر .. وأسقطه



في كل لحظة كان يقال لنا: "يكفي هذا. ما تحقق جميل، لا تضيعوه"، كنا ننقسم ونتناقش بحدة وعنف وقلق على "ثورتنا". ولكن في النهاية كان خيالا ما يجمعنا ويشجعنا على الاستمرار معا وتخيل لحظة قادمة أجمل.
منذ 25 يناير حين انطلقت الشرارة وحتى 11 فبراير حين أصابت هدفها كان الواقع يتقلب بين إنعاش التفاؤل وإثارة الإحباط. ولكن خيالا ما كان هو سيد هذه المغامرة: لو كنا اكتفينا في كل لحظة بالتي سبقتها لما وصلنا لهذه اللحظة الجديدة، لنمضي قدما!
منذ أن تفرق اعتصام التحرير مساء 25 يناير كان الخيال يجمع المجموعات الصغيرة التي تناثرت في وسط القاهرة لتتجمع ثانية وتستمر في التظاهر حتى فجر اليوم التالي وعندما تعبت الجموع كان هناك إصرار على المعاودة في اليوم التالي.
في شوارع مصر وفضاءاتها الافتراضية كانت جماعة تتشكل منذ سنوات. جماعة أكبر من كل المجموعات الناشطة، جماعة كان يجمعها خيال عنيد: نحن نستحق أفضل من هذا ومستعدون للمغامرة في سبيل ذلك، مستعدون للوقوف في وقفات احتجاجية من عشرات أو مئات، مستعدون للمحاولة مرة بعد مرة.
هذه الجماعة التي بلا مركز ولا رأس، هي أيضا مجرد خيال يجمع أفرادا ومجموعات متناثرة تحاول هنا وهناك في أمل وإصرار. كل هؤلاء الذين قرروا الاعتناء بأنفسهم ولم يتوقفوا عن الأمل والتفاؤل، وعن إبداع وسائل وأشكال جديدة في سبيل ذلك، كانوا يتضفرون في المجال العام بوجهيه: الواقعي والافتراضي، في الشارع وعلى الإنترنت.
منذ أول هتاف للتغيير في 2004: "يسقط مبارك" وحتى الحركة الواسعة في 2010 التي رفضت السكوت على قتل خالد سعيد. كانت الجماعة تتشكل وتضم إليها المزيد من المجموعات والأفراد.
كان العماد الرئيسي لهذه المجموعة هم الشباب الذين على هامش كل كل الجماعات القديمة المنهكة. كان الشباب قد بدأوا يتقدمون الصفوف وتكاد تلهث ورائهم الأجيال الأكبر: شباب المدونين وشباب 6 إبريل والشباب الذين تقدموا حملة ترشيح البرادعي، وتقدموا البرادعي نفسه، وشباب حملة كلنا خالد سعيد.
هذه الجماعة التي لم تكن تدري حجمها الحقيقي ولا تأثيرها، كان شعورها يتصاعد ظهر 25 يناير أنها على موعد.
الذين دعوا إلى التظاهر يوم 25 يناير والذين سخروا من الدعوة، الذين أسموها ثورة والذين دعوا لتخفيض التوقعات، الذين تفائلوا والذين لم يتفائلوا، الذين قرروا المشاركة والذين قرروا التجاهل، كل هؤلاء بدا لهم يوم 25 يناير مختلفا، وانضموا تدريجيا إلى ركب الخيال.
الخيال رفع سقف المطالب لحظيا من التفاصيل إلى "سقوط النظام"، وسطوته هي التي أعادت الجموع أضعافا مضاعفة إلى الشارع يوم الجمعة 28 يناير.
قطع الاتصالات في خطوة غير مسبوقة كان من ناحية إظهارا لمدى قبح ورداءة هذا النظام المرتعد من تواصل تلك الجماعة الآملة من شعبه، ولكنه من ناحية أخرى أبلغ هذه الجماعة رسالة: أنها أقوى مما تتصور مما يستدعي هذا التصعيد الكبير. ورغم التوقع بحدوث مجزرة ضخمة وقمع استثنائي إلا أن الخيال قادها إلى الشوارع وبدت جموع الشرطة في مواجهة هذه الجماعة ومن تعاطف معها عقبة يمكن تجاوزها.
في نهاية اليوم انهارت قوات الشرطة وبدا "النظام" ضعيفا وخائرا بدون سطوته الأمنية التي كانت تطارد الخيال وتحافظ على الأمر الواقع واستقراره وبدأ اعتصام التحرير.
اعتصام التحرير كان تشبث هذه الجماعة بلحظة اكتشافها لنفسها في مواجهة نظام يتشبث بما تبقى من هيبته بعد أن فقد عصاه وخوذته.
اعتصام التحرير بدا خارج السيطرة تماما إلا من سطوة الخيال المغامر الذي ازداد حماسة عند كل تنازل من نظام يتداعى. كانت حسابات الواقع تقلقنا، ويثير أسانا ركون المجتمع إلى الاستقرار والأمان واستعادة الهدوء وحصاره المعنوي لحماستنا إلى المزيد. ولكن سطوة الخيال لم تدع لنا خيارا. من سيبتعد خطوات عن هذه الجماعة مع أي ادعاءات للحكمة يجد نفسه مرة أخرى في الواقع بعيدا عن لمسة الجنون الشائقة للخيال.
لقد ذهب الخيال إلى مداه. طارد الواقع وأمسكه من خناقه ثم - بلغة مواجهات الشارع – سحله خلفه في شوارع مصر... وسقط النظام!
اللحظة الجديدة التي تنتمي للخيال أكثر منها للواقع لا تزال تثير فزع هؤلاء الذين لم يجربوا أن يثقوا في خيالهم وأن يشتركوا في المغامرة. الثورة مستمرة، والمجتمع المصري لم يقفز بعد فوق كل مشاكله. الأمرالواقع سيحاول محاصرة الثورة كل لحظة والخيال سيدفعها نحو المزيد.
ثقوا في خيالكم، تقبلوا المغامرة والمخاطرة. أمامكم حياة لتخترعوها!