04 January 2011

ربع درجة ستيجماتيزم


قبل خمسة عشر عاما تقريبا قالت لي مِس عزيزة مدرسة الرياضيات، أن شعري خفيف وأني سأصاب بالصلع قبل أن أتم الثلاثين. وأصابني ذلك بالرعب.
لقد أتممت الآن ثلاثين عاما، لم يصبني الصلع. لا زال شعري خفيفا، ولكنه لا زال هناك. وليكن كلامي خفيفا عليه!
قدري السمح لا يزال كريما معي، بل فقدت في عامي الأخير الكثير من وزني ومعظم الكرش. بشكل ما لا أصدق أني سأصاحب في الحياة كرشا بارزا، اعتبرته دائما عرضا زائلا سيفارقني. انتظرت في السنين الفائتة لحظة نشاط وانضباط تعيدني إلى الرياضة لأستعيد قوامي الرياضي الذي أؤمن أنه لي مهما حدث. لم يحدث ذلك حتى الآن ولكن يمكن اعتبار السنة الفائتة للتو برنامج خاص للتخسيس بالعصف الذهني والعصبي والنفسي.
لم يكن هذا جيدا في معظمه ولا كان سيئا كله، ولكنه ما حدث لي. ورغم كل شيء طورت في البانيو عادة "الاسترخاء بينما أيامي ترتجف". كان مدهشا أن يسبقني سارتر إلى ذلك التعبير، كأني وأنا أقرؤه كنت أكتبه.
أنا وجسدي في الماء الساخن وكوب من الشاي الأخضر بالنعناع، مؤخرا أميل لشاي "ديلما" تحديدا، مع صوت موسيقى من السماعات النقية في الصالة، مؤخرا أميل للأدوار التي لحنها داود حسني لتغنيها ليلى مراد.
الاسترخاء والانفصال التام، الحالة اللا إنسانية من الانسحاب من كل منحنيات الحيوية الإنسانية المرهقة:الأنس والوحشة، اللذة والألم، البهجة والأسى، الحنين والفقد. فقط ذلك الخدر الذي لا يمكن وصفه باللذيذ، فقط خدر، توقُف، تعليق لكل شيء إلى حين. يدي تمر على جسدي وهي منه، نظري يتوه عند منابت الشعر في فخذي، كل شيء على ما يرام. الرضا الكامل بيني وبين جسدي وسمعي وبصري وما أتذوقه. فقط الرضا لا الإعجاب، لا شيء يعجبني، لا شيء يزعجني. ما لا أراه لا أذكره.
أستثني نظارتي التي تذكرني بها يدي وهي تبحث عنها لا إراديا، اعتادت ان تعدل من وضعها لكي لا تنزلق فوق أنفي. أبتسم وأهرش في أنفي لكي لا تعود يدي بلا طائل.
بسببها، النظارة، ذهبت أول أمس إلى طبيب العيون نفسه الذي ذهبت إليه أول مرة، وكانت الوحيدة، قبل عشر سنوات. كان هو نفسه لم يتغير كثيرا، وعندما فحص عينيّ قال لي نفس ما قاله منذ عشر سنوات: نظرك جيد، لا تحتاج إلى النظارة، ولكن استعملها في القراءة والكتابة وعند التركيز لتحافظ على نظرك إن كنت تقرأ أو تكتب بكثافة.
رددت عليه بما قلته منذ عشر سنوات ثم أخبرته بأننا نعيد مشهدا قديما بتطابق مدهش، فضحك. قلت له أني أعلم أن نظري جيد لا يزال، انا فقط جئت أريد عمل نظارة جديدة بينما فقدت ورقة الكشف الذي مر عليه عشر سنوات.
عشر سنوات مدة طويلة.
قبل عشر سنوات كنت في السنة الثانية بكلية الهندسة فاقدا كل حماسة لدراسة الهندسة، مفتقدا الشغف الذي جعلني التلميذ الأثير عند مس عزيزة وكل مدرسي الرياضيات الذين عرفتهم، أفكر في الانتقال إلى كلية الآداب أو السياسة والاقتصاد بينما يبدو ذلك مستحيلا عمليا، أقترب من الاستسلام بكامل السعادة لفكرة أني وقعت في غرام زميلتي التي تبقى مثلي في المدرج بين المحاضرات وتأكل سندوتشات أحضرتها معها من المنزل، فأستعيد بعضا من الشغف لأكون الأول في مادتين اخترتهما فقط لألفت نظرها أني فقط قررت ألا أكون مهندسا ولكني لست بليدا، وأني بشكل ما أفعل ما أريد إن مسني الشغف.
شرحت لها هذا فيما بعد، بعد سنة ونصف تقريبا ونحن واقفين في الممر بجوار مبنى قسم العمارة، وقلت لها أن ما أريده وٍسأفعله أني سأدرس الفلسفة وسأعمل صحفيا ولكن بعد بضع سنوات من العمل مهندسا لكي يمكن لنا أن نتزوج سريعا. وعندما انتهيت من قول ذلك انفجرَتْ في الضحك.
أكملتُ بمنتهى الجدية أن عليها أن تستعد لكوني لن أسعى في أي وقت للترف ولن نسافر أبدا إلى الخليج مهما حدث وسأتورط دائما في السياسة ولكن يغلب على ظني أني سأعيش مرتاحا ولن يصيبني أذى كبيرا.
لقد حدث كل ما قلته تماما، بشكل يبدو لي غريبا ومثيرا للإعجاب، إلا أننا لم نتزوج. نظارتي وشعري الخفيف لا يزالا يعجبانني في صور حفل الخطوبة.
قبل ساعات من نهاية السنة انكسر مسند نظارة السنوات العشر. كنت قد حلمت قبل أسابيع أني أشتري نظارة جديدة بدون إطار بأذرع سوداء لامعة بعض الشيء وأرى نفسي في مرآة المحل تحت أضواء قوية تظهر خفة كثافة شعري.
بالأمس اشتريت نظارة جديدة تماما كالتي حلمت بها ولم يبد لي شعري في المرآة خفيفا بدرجة مقلقة. سأستلمها اليوم.

6 comments:

MG said...

Haha 7elwa awi de... mabrook el nadara ya fandem. 3ayza soora ba2a :)

sham3on said...

كانو اربعه لأ في واحده ناقصه كده

Anonymous said...

ستكون عمرو جديد بهذه النضاره الجديده
مبروك

Anonymous said...

فلتكن بداية جديدة لا تنحصر فقط في تغيير نظارة "مادية" بل نظرة اجمل للحياة...

سلام
مينتو

مهندس مصري said...

يخرب مخك جامد جدا البوست ده

حازم said...

أنا هو أنت اللي كمل في المسار المرسوم مع تشابه الاحلام
وأحب أقولك مافاتكش كتير ;)