28 January 2011

كيف نشفى من الياسمين غدا؟


قبل قليل من فجر الأربعاء، كانت بعض مجموعات المتظاهرين الذين تفرقوا من ميدان التحرير لا تزال تجوب شوارع وسط القاهرة والكورنيش وروض الفرج والسبتية. يكاد يهدهم التعب، يشتبكون مع الأمن عند مفرق وآخر ويهربون منه، بعضهم ينادي بالعودة إلى البيوت ومعاودة التظاهر في اليوم التالي. ولكن المجموعات التي كانت تتشكل من آلاف قليلة وبالكاد يعرفون بعضهم بعضا كانت وكأنها لا تريد أن تفترق.
وكأنهم يخشون ألا يتجمعوا ثانية بعد أن لبوا معا موعدا تم إلقاءه في الفضاء الإلكتروني، أو يخافون أن يفقدوا تلك النشوة الجماعية التي تحركهم معا.
عند مفارق الطرق يتصارخ المتظاهرون إن تفرقت المظاهرة، ويحدث ما يشبه الاستفتاء السريع، يصرخ كل فريق بحجته لماذا يريد السير في هذا الاتجاه، يحدث التفاوض سريعا بين من يرون بعضهم لأول مرة غالبا، وعندما تظهر أغلبية واضحة تتجه إلى طريق ما تتبعها الأقلية طائعة. لم يفرق هذه المجموعات إلا القمع العنيف والاعتقالات الواسعة وفجر الأربعاء يبزغ. مع ظهر الأربعاء كان المتظاهرون يحاولون مرة أخرى التجمع والتظاهر في مناطق مختلفة من القاهرة ومثلهم كانوا في المحافظات، العنف المتزايد لم يوقف رغبة المزيد من الشباب في التظاهر. على الشبكات الاجتماعية يتابعون التجمعات ويسألون عن مسار تحركها وينزلون لملاقاتها. مع ظهر الخميس لا يبدو أن العنف الشديد ولا الاعتقالات أثروا على الحماسة. على الشبكات الاجتماعية تتصاعد الدعوة للتظاهر مجددا ظهر الجمعة.
في اعتصام التحرير مساء 25 يناير ترددت أكثر من مرة عبارة :”لا زلنا في اليوم الأول! لقد استمروا شهرا !”.
إنها العدوى التونسية. الغضب المصري لم يستطع مقاومة إغراء رحيق الياسمين التونسي. ولو أن معظم التونسيين لا يحبون اسم "انتفاضة الياسمين"، ولكن يبدو أن الشباب المتحمس في مصر لا يرى ما حدث أقل جمالا ولا إغراء.

مظاهر التقاط العدوى والإلهام واضحة، في لحظات الفتور أو تكالب الهتافات كان الهتاف الأبرز المستعار من الانتفاضة التونسية يجمع الأصوات فتستعير لهجة قريبة من لهجة الأشقاء وتهتف: “الشعب يريد إسقاط النظام".

لا أحد يعرف تحديدا كيف تنتشر الدعوة إلى التظاهر والتجمع ولكن كل شيء يتم بشكل لا مركزي وتتبعا لمبادرات تطلق في الفضاء الإلكتروني تستفيد من جمهور الشباب الذي تجمع حول المبادرات الجديدة: “كلنا خالد سعيد" وحملة البرادعي و”6 إبريل". ومن الشبكة الواسعة التي تجمع شبابا مهتما ربما تفرقه الأفكار والاهتمامات، ولكن في هذه اللحظة يبدو على الفضاء الإلكتروني كجماعة واحدة تخوض معركة وتتبادل الأفكار والاقتراحات والنقاش بدون أي مركز. شكل الشبكة اللامركزية الذي يمثل أسلوب تواصلهم يحكم الآن شكل الحركة المتصاعدة.

النجاح التونسي للانتفاضة التي بلا قيادة أو مركز وفر الإلهام. إلهام الغاضبين للغاضبين وصل متأخرا قليلا جدا بعد إلهام الاحتراق اليائس. منذ 2004 إلى الآن، أكثر من ست سنوات من الاحتجاج المصري المتواصل التواق للتغيير يتجمع الآن غيرة من التغيير التونسي.
الروح الشابة في الشارع وعلى الإنترنت يبدو وكأنها في كل لحظة انتهاء لاحتجاج تخشى ألا ينطلق آخر، تخشى أن تعود إلى واقع راكد . اللهفة اليومية، لليوم الثالث إلى الآن، لإبقاء جذوة الاحتجاج مشتعلة يتبادلها الشباب على الشبكات الاجتماعية، تتردد أحيانا عبارة: "لا عودة! يجب أن نستمر لأقصى وقت ممكن". وكأنهم مثل محمود درويش في قصيدته، في لحظة لقاء الحبيبة التي ربما لا يراها غدا يترك نفسه تتعلق بجمال اللحظة ويخشى فواتها ويردد: كيف أشفى من الياسمين غدا؟
لا أحد يمكنه التكهن بمصير الغد أو بعد غد. ولكن الأكيد أن طاقة الاحتجاج الشابة التي تم تشبيكها السنوات الماضية ستظل قادرة على إزعاج السلطة ولم يعد ثمن سخطها بخسا.

27 يناير 2011

No comments: