06 July 2008

رحل ذو الحضور البهيّ.. قبل أن نناقشه


عندما انتهيت من قراءة سيرة عبد الوهاب المسيري غير الذاتية –غير الموضوعية "في الجذور والبذور والثمر"، كان ذلك قبل خمس سنوات، وكنت في أتوبيس عائدا من السويس في رحلة عمل.
قرأت معظم الكتاب في الأتوبيسات والقطارات أثناء رحلات العمل، ولما انتهيت بدا لي العالم لحظة أغلقت الكتاب مختلفا عن ذي قبل. ولكني ازددت دهشة عندما بدا الطريق أيضا مختلفا، وكنت قد حفظته عن ظهر قلب ذلك الوقت، حتى اكتشفت عندما انتهت الرحلة في طنطا أنني ركبت الأتوبيس الخطأ بسبب شوقي لقراءة الصفحات الأخيرة.

ومن طنطا للقاهرة أعدت قراءة فصل "من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان" باهتمام شديد.

أذكر أني بحثت في الإنترنت وعثرت على بريده الإلكتروني في موقع ما، وأرسلت له رسالة تضمنت سطرا أو سطرين عن الكتاب لا أذكر عنهم شيئا، ولكن ما أذكره جيدا أني أنهيت رسالتي قائلا:" استمتعت بصحبتك، وأود أن أقول إنني أحبك في الله".

لم أتلق منه ردا.. ولم يكن هذا مانعا أن أواظب في فترة لاحقة على حضور محاضرته الشهرية في جمعية "مصر للثقافة والحوار"، كما لم يكن سببا لكوني لم أتبادل معه كلمة أو أبدي تعليقا أو مداخلة خلال محاضراته. كنت أكتفي بمتابعة حديثه الشيق، وعندما كان يضع سبابته على فمه ويقول أنه سيذكر موقفا ما، كنت أخمن أي موقف من سيرته سيحكي.

كنت أرقبه وهو يمتع الحضور، بينما يضعهم في فوضى وهو يستخدم المصطلحات كما يحب لا كما تواضع عليه الاستخدام العام، وأتابع سجاله مع الحاضرين الذين أدهشهم انتقاده للعلمانية ، كما أرقب دهشة الشباب الإسلامي، الذين يعجبهم حديثه عن ضرورة "المرجعية الإسلامية"، عندما يجدونه خارجا متوكئا على ذراع ابنته غير المحجبة. سألني أحدهم مرة بحيرة شديدة كيف يترك زوجته وابنته غير محجبتبن بعد أن أصبح "مفكرا إسلاميا"! غير أن القاضية كانت عندما اعترف المسيري أنه لا يحضر صلاة الجمعة لأنه لا يضيع وقته في الاستماع لـ"هؤلاء الخطباء".

من الواضح أنه لم يكن نمطيا، و أنه كان يهوى "التفكيك والتركيب" وإعادة إبداع المفاهيم وفق نسقه الخاص. إلا أنه مع ذلك كان يملك بساطة الانحياز، التي جعلته يتجاوز حالة المفكر الذي يظهر في الصور يحك رأسه، إلى حالة أكثر تركيبا تجمع بين عمله البحثي والفكري وبين كونه أحد مؤسسي حزب " الوسط" وأحد رموز حركة "كفاية" ثم منسقها العام. وكان وجوده -وهو الذي يناهز السبعين- في مظاهرات كفاية إشارة إلى أن أصالته كمفكر ليست وليدة علاقة بالورق، بقدر ما وليدة علاقته الحميمة بالعالم عبر خياراته ومواقفه، وتأمله لهذه العلاقة والخيارات والمواقف. سيرته بدورها لم تتضمن مسارا لتطوره الفكري، بل كانت هي وقائع تطور أفكاره التي عاشها و"التزم" بها بحماسة الشباب حتى آخر لحظة.

ولكن البهاء الكبير لصورة الباحث الموسوعي في اليهودية والصهيونية وأستاذ الأدب ذي اللغة المحببة والمناضل بجسارة ضد النظام .. لهذا البهاء مخاطره أيضا. فصورة المفكر الذي انتقد "التسلع" لم تنج من ذلك، وأظن أنه من الصعب لوم التيار الإسلامي على "تسويقه" لصورة المسيري كمفكر إسلامي ناقد للعلمانية والغرب، في غياب واضح لملامح "المرجعية الإسلامية" التي يطرحها بالمقابل، بينما تختلف قطعا عن تلك التي ينادي بها معظم الإسلاميين.

كما أن هذا البهاء الذي جعلني أكتفي بمتعة الاستماع إلى محاضراته، كان سببا أيضا ، فيما يبدو، في أني سمعت انتقادات موجهة للمسيري ولأرائه، بينما ندر أن أقرأ ذلك.

ورغم أن الأهمية الكبيرة لعمله الموسوعي ولأطروحاته حول مشكلات مهمة تجعل من التناول النقدي والمناقشة الواسعة لكليهما طريقا لا بد منه لمحبيه ومنتقديه على حد سواء، لا أذكر أني قرأت في مطبوعات سيارة نقدا لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، أو مراجعة هادئة لإنتاجه الغزير في نقد الحضارة الغربية. بل إن كاتبا صحفيا بارزا وجه انتقادات لتكرار بعض الفصول في أكثر من كتاب للمسيري، قال ذلك دون أن يذكر اسمه وكان على أن أخمن. لذا قلت لصديقي "نواف القديمي" عندما أجرى معه حوارا سجاليا نشر في جريدة "الشرق الأوسط" أنني أخيرا قرأت كلاما للمسيري في مواجهة محاور بعد أن قرأت له كثيرا مما قاله في حضور "حواريين"، ولا ألومهم.

قبل أن أستيقظ صباح الخميس على رسالة تعزيني في وفاة المسيري، كان عمرو عبد الرحمن، الصديق والزميل في مجلة "البوصلة"، يحدثني مساء عن إنهائه لمقال للعدد القادم من المجلة في نقد رؤية المسيري للرأسمالية، وكنت أفكر في مقال مماثل في مناقشة أطروحته حول العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

سيفتقد كلانا ،وآخرون بالتأكيد، حضور الراحل العزيز. ولكن أتمني أن لا يمنع جميل ذكراه المناقشة الواسعة لأفكاره، بعد أن منع بهاء حضوره بعض ذلك.


30 June 2008

عن الظهور المربك لشيطان الرأي العام

أربك الظهور الإعلامي المفاجيء والمكثف لأحمد عز منطق الجدل العام حوله. لا يعني هذا أن حديث عز كان متماسكا بالكلية أو أنه لا يخلو من ثغرات، و لكنه حاصر تلك الصورة المشيطنة التي تشكلت باعتباره خصما غائبا وغامضا يصح نسبة كل شيء وأي شيء إليه.

من السهل أن نهاجم الغائبين بما نشاء، ولكن في اللحظة التي يطرقون فيها الباب علينا أن نبحث عن حجج جدية ومتماسكة لهجومنا الذي سيتحول من منطق الحكي إلى منطق السجال.

الدفاع الذي أعده عز جيدا وكرره في حواره مع "المصري اليوم" وأمام منى الشاذلي في "العاشرة مساء" على شاشة دريم ، لم يكن فذا بقدر ما كشف عن التعقيد الذي بلا شك يتدخل في الحكم على مسائل من نوع الاحتكار وتداخل المصلحة الخاصة و العامة في العمل السياسي.

كرر عز أكثر من مرة أن الشيطان في التفاصيل، بينما أسهبت تحقيقات ومقالات، بعضها ساخر، في أن الشيطان موجود بعيدا عن التفاصيل وبالرغم منها.

الافتقار إلى التفاصيل والتعقيد في صورة عز الغائب، هو الذي جعل تفاصيل عز "مدوخة" على حد تعبير الأستاذ محمود الكردوسي في "المصري اليوم"، بينما التفاصيل من نوع نسبة مسئولية ارتفاع أسعار الحديد بين عوامل أخرى عن ارتفاع تكلفة البناء، ومن نوع العلاقة بين حجم الزيادة في رأس مال شركاته وأرباحها وبين صعوده السياسي... كان من المفترض أن تكون نقاطا بالغة الأهمية في الحوارات التي بذل من أجروها أقصى ما وسعهم لكي يقفوا بثبات على الضفة الأخرى من "شيطان الرأي العام".

الأكثر أهمية ودلالة على الارتباك في رأيي، أن عز ومحاوريه استندوا لنفس المنطق في السجال حول عدم وجود تشريعات تقيد اشتغال رجل الأعمال ذي المصالح الحاضرة بالسياسة. لقد اعترف عز بعدم وجود هذه التشريعات، ولكن محاوريه سألوه: ولماذا لا توجد؟ وبدا عز نافذ الصبر وهو يرد على هذا السؤال الذي يحمله المسئولية. ربما لأنه لم يكن يتوقع أن يتم اتهامه بأنه لا يتقدم بمشروعات قوانين قد تضيق عليه واسعا .. هل ننتظر حقا أن يتقدم عز كقديس ويفعل ذلك أم أننا نحاسب عز راعينا الصالح لمَ لمْ يغلب مصلحة رعيته على مصلحته !

أظن أن ما أحرج عز هو أنه يفكر بنفس المنطق، ولم يكن شجاعا بما يكفي ليقول أن هذا الوضع يلائمه، وليتساءل مستنكرا كيف يرفض وضعا يتيح له أن يتكيء هنا على منصبه السياسي وهناك على قوته الاقتصادية.. يبدو هذا بلا شك مخالفا لمنطق السياسي الراعي، في حين أنه "أمين التنظيم" في الحزب الوطني "الديمقراطي" الذي لا تتسع ديمقراطيته الداخلية لاختيارات الرعايا من أعضائه ،بل تخضع لعناية القيادات الرشيدة. السياسة من منظور الحزب الوطني هي تبادل الأدوار والكراسي ليكون الواحد منهم رعية هناك وراعيا هنا.

أعتقد أن إعادة دراسة الموقف من عز مع إعادة الاعتبار للتفاصيل وللعمق الذي يفرضه التعقيد الشديد لحجج الاتهام، قد تفضي في النهاية إلى تفكيك صورته كشيطان رجيم، لتتشكل مرة أخرى في صورة رأسمالي يمارس السياسة. وهذه الصورة الأخيرة ستؤدي بناقديه إلى إعادة صياغة موقفهم منه: إما في صورة لائمي وناصحي صاحب المال والسلطة لأنه من المفترض أن يمثل الراعي الرشيد، وفي هذه الحالة يقدمون نموذجا لما يتصورنه عن السياسة... وإما سيعتبرون أنفسهم خصوما سياسيين له، ينطلقون من انحيازهم لتصور آخر للمجتمع ولتوازن المصالح فيه، المصالح التي يمارس أصحابها الحضور في ساحة السياسة للتعبير عنها. في هذه الحالة لن يصبح شاغلهم الأكبر لوم عز لأنه يعبر ويدافع عن مصالحه، بل سيلومون أنفسهم وكل من يجلس في مقاعد المفترجين أو يستسلم لذلك، تاركا اللاعب الوحيد يحرز أهدافه.


27 June 2008

سنموت كثيرا ونبتسم كثيرا

وسط جمع صحفي بهيج تجمع حول تورتة في غرفة قسمي الثقافة والمجتمع بجريدة "البديل"، احتفل ياسر الزيات مدير التحرير بصدور ديوانه "أحسد الموتى" .
وفي تصريحات خاصة للمدونة، نفى الشاعر أن يكون أي من صحفيي الجريدة أو سير العمل بها وراء اسم الديوان.



,,
حديقة فل

عندما أحب أتحدث عن الموت، وعندما أبكى أتحدث عن الموت، وعندما تتعالى ضحكتي المتقطعة أتحدث عن الموت ، ولكنني عندما أموت سأتحدث كثيرا، كثيرا جدا، عن الحياة. أي فجيعة في الموت؟ وأي موت فيه؟ سأكون هناك سالما آمنا، ولن يزعجني تآكل لحمى أو ذوبان عظامي في الرمل. هناك سأكون أكثر التصاقا بالحياة، وربما تصبح مقبرتي، بعد حين من الدهر، حديقة فل أو مزرعة برسيم يرعى فيها البقر: ما الفرق؟ في الموت سأكون في قلب الحياة، لا مجرد جزء منها. سأكون صادقا بما يكفي للضحك بصوت عال على أغبياء يبكون أنفسهم كلما مشوا في جنازة،أو تذكروا موتا مختبئا في الهواء. عندما يأتي الموت سأبتسم بسمة هادئة، بسمة صافية جميلة، لم أرها على وجهي من قبل، سأنسى كل تمردي وعنفواني؛ لأصبح مسالما وبريئا، محبا لأحبائي، ومحبا ومتعطشا للحياة، فكن رفيقا ببسمتي أيها الموت، واحفظها أكبر فترة ممكنة في ذاكرتك؛لأنني سأموت كثيرا، وأبتسم كثيرا كثيرا،عندما أصبح زهرة أو شجرة، سمكة أو ديناصورا أو حفنة رمل.
’’

25 June 2008

لحظات حرجة


من أخطر المشكلات التي تهدد نظام الزواج في مصر، وربما في العالم، أن الزوجات لا يستطعن الصبر وانتظار مرور الدقائق العشر التالية لاستيقاظ أزواجهن، والتي بالكاد يتذكر فيها الواحد منهم اسمه، فيخبرنهم خلالها بأهم المواقف والقضايا والمشكلات التي تشغلهن وربما خططهن وآمالهن ... والنتيجة، أنه في اللحظات الحرجة تشكو الزوجات من أن أزواجهن يعرفون بالكاد أشياء عنهن.

01 June 2008

نظام شرقاوي الجديد


لم يكن من المتوقع أن يخضع شرقاوي للنظام بسرعة،..تأخر مع عروسه نيرة عن موعد عقد قرانهما في مسجد الحصري ساعة كاملة.

انتظرت مع رضوى و مينا في مقهى "تاون كافيه" قريبا من المسجد. المقهى في الدور الأول من بناية ليس من السهل العثور على مدخلها، و لكن نوافذه تكشف كل ميدان مسجد الحصري. في نصف مساحته طاولات بلياردو و النصف الآخر يحتله ضباط شرطة. قلت لمينا:لا يبدو هذا كمقهى حقيقي .. هو في الغالب نقطة مراقبة تم إعدادها على عجل لمراقبة الحدث!

تبين فيما بعد أنهم ضباط مرور يمارسون عملهم بإلقاء نظرة على الميدان بين حين و آخر.
على كل حال تم الأمر ..و سيخضع شرقاوي لشكل جديد من النظام.

29 May 2008

ما وراء ابتسامات القديسين


محمود عزت يكشف أخيرا عن صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الثقافية المصرية.

و في الصورة يبدو محمود ممتنا لـخالد عبد القادر الشاعر الصعيدي، و أحد مطاريد الحركة.. و أهم الفاعلين "الحقيقيين" في هذه الصفحات و صفحات أخرى تتكشف لاحقا.

23 May 2008

مقاومة المقاومة


(1)

المقاومة يلزمها عدوان لتكون كذلك ... لا يجب أن تكون خبيرا سياسيا و لا خبيرا لغويا لتدرك هذه الحقيقة .

و لما يغيب العدوان عن التلبس بالمقاومة، و لأنها لا وصف آخر لديها لنفسها أو لا خطة لديها إلا أن تكون " مقاومة " .. فإنها تصبح عرضة لقلق وجودي .

تغترب " المقاومة " عن نفسها، و يتململ سلاحها في يدها. هذا السلاح هو الذي يجعلها لا تزال " مقاومة "، و لكن أين هو العدوان ؟

(2)

المقاومة، بعد أن قاومت، نزلت إلى المستنقع. الخطو فيه بطيء والأساليب لزجة. و هالة "المقاومة" المقدسة تحوم فوق رؤوس حاملي السلاح دون جدوى : في المستنقع ليست ثمة قداسة.

العدوان ضروري لكي تعتمر "المقاومة" هالتها ، أو لكي ترتديها كخوذة.

ثم لم تكن ثمة فرصة أفضل: لقد حاولوا "العدوان على السلاح" .. هاهنا السلاح المشتاق إلى العدوان يجد نفسه هو نفسه محل العدوان.

فيهب السلاح دفاعا عن السلاح !

(3)

السلاح الذي هبّ ليس هو السلاح الأول الذي أقسمت الهالة المقدسة المحومة فوقه أنه لن يستخدم أثناء صراعات المستنقع البينية، إنه سلاح آخر يدافع عن السلاح الأول ذي الهالة، المصوب هناك بانتظار العدوان.

و لو جادل أحد في حق السلاح الثاني في الدفاع عن السلاح الأول، تنبثق هالة فوق رأس السلاح الثاني و يهب سلاح ثالث للدفاع عن السلاح الثاني.

(4)

استدراك : ثمة عدوان بالفعل !

لست ممن يؤمنون كثيرا بـ " الحدود " ، لذا فهناك عدوان هنا بالقرب و يتطلب مقاومة ...

و لكن "المقاومة" الآن حيث هي لا تقاوم العدوان بل تنتظره، بينما يعتدي العدوان هناك و لا يجد من يقاومه.

نحن إذن لدينا في جانب "مقاومة" مشتاقة للعدوان و تدافع عن سلاحها في انتظاره، و في جانب آخر لدينا عدوان يفتقد مقاومة حقيقية، بعدما تحول نبع مقدس آخر إلى مستنقع.

(5)

استدراك آخر : المقاومة ليست فقط مواجهة العدوان بالسلاح !

قد تبدو هذه فكرة تقال في مواجهة المقاومة التي تدافع عن سلاحها بالسلاح، و لكنها أيضا تقال لمن يشكك في كونها مقاومة لأنها لا تواجه العدوان الآن.

سلاح المقاومة جزء من " مقاومة " كبيرة للعدوان، هذه المقاومة الكبيرة مشروع كبير قد يكون جزء منه في مواجهة العدوان، و لكن لا يشترط لأن تكون مقاوما أن تكون حقا في مواجهة العدوان بالسلاح .

العدوان أكبر و المواجهة يجب أن تكون أكبر .. أسلم بذلك .

(6)

و لكن هذا المشروع الكبير الذي يقاوم ، لا بالسلاح وحده في مواجهة العدوان ، يحتاج لا زال للسلاح حتى و هو لا يواجه العدوان.

إنه يحتاج السلاح دائما لكي تبقى القضية واضحة مثله ، فللسلاح طرفان : زناد و فوهة ، لا ثالث .

و هكذا يجب أن نزيح كل شيء من كل شوارع هذه المنطقة الكبيرة التي يجب أن تواجه العدوان، لكى لا يبقى إلا المتاريس بين طرفي السلاح.

لكي لا يتبقى إلا من هم بجانب الزناد في جانب ، و في الجانب الآخر من تصوب إليهم الفوهة .

(7)

و لو أنني – مثلا - أشكك في "المقاومة" و أسألها ، فلا مساحة ثالثة لمن يسأل من إصبعه على الزناد ، لأنه معذور بلا شك.. سيلتفت إلى و يجيبني و سأكون قد أصحبت أمام الفوهة .

المشروع الكبير للمقاومة لا مجال أمامه للتفكير في مساحات ثالثة و بدائل رابعة و خامسة يمكنها أن تأخذ نصيبا من الكلمات : فالسيف أصدق أنباء من الكتب .. هذا أولا . ثم أن السيف كسلاح ليس له إلا طرفين اثنين .. هذا ثانيا و أخيرا.

المشروع الكبير للمقاومة قد يحبس و يقتل و " يعتدي" على من يضبط متلبسا بـ " إضعاف الشعور القومي" و " الخروج على مباديء الثورة الإسلامية " .. فما بالك بالعدوان على السلاح.

(8)

علينا أن نقر إذن أن المقاومة مقاومة، و أنها حقا جزء من مقاومة كبيرة، و أن المقاومة الكبيرة و المقاومة الصغيرة تحتاجان للسلاح ، إن يكن لمواجهة العدوان فمن أجل مواجهة أي مشروع آخر قد يبدو مزعجا للمقاومة – الكبيرة أو الصغيرة – لكي لا يضعف الشعور القومي أو يخرج على المباديء أو يشكك بالمقاومة أو يرفع صوته فوق صوت السلاح.

(9)

من " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " إلى " السلاح دفاعا عن السلاح " ..

في الأولى: أسكتت الأصوات التي تزعج الدولة المقاومة بقوة السلاح ، و في الثانية: السلاح الذي يدافع عن السلاح المقاوم حرص على إسكات الأصوات التي تزعج المقاومة .

ليست محاسن الصدف .. إنه المشروع "المقاوم" الكبير تقدست أسماؤه المتعددة و ينفد البحر و لا تنفد بلاغة تعبيراته.

(10)

"المقاومات" ماضية في طريقها. ليس من أجلنا، و لكن لأنها مقدسة و إلهية و لا تحتاج إلينا في شيء.

نحن الذين لسنا مع "المقاومة" .. إما خونة و عملاء إن طالبنا بمشروع آخر للمقاومة أو للحياة، و نحن قطعا ساعتها أمام فوهة السلاح الذي يدافع عن السلاح.. و " سيد المقاومة " لن يرحم أباه و لا أخاه .. قالها هكذا!

و إما ضحايا عارضة في معركة السلاح الذي يدافع عن السلاح، و سيقول "سيد المقاومة" لنا قبل أن يجف دمنا : أعزائي لقد قتلكم سلاح ، ليس هو سلاح المقاومة الذي يدافع عنكم ، و لكنه سلاح آخر يدافع عنه.... فانتبهوا و ارقدوا قريري العين لأن سلاح المقاومة يحمي جثثكم !

(11)

الذين أُشهر "السلاح المقدس" في وجوههم ربما يعرفون الآن : ما هو الفارق بين العدوان على الحياة من أجل المقاومة ، و بين مقاومة العدوان من أجل الحياة.

يعرف ذلك فقط من عاينوا أن تكون حياتهم أضحية بخسة بدلا من أن تكون غاية.


22 May 2008

اللقطة الطلقة


’’ صورة تصدرت الصفحة الأولى لجريدة الأخبار اللبنانية التي يمولها حزب الله.. ربما لخصت مجمل الأزمة اللبنانية الأخيرة ... ،،

هاني درويش
البديل 18 مايو 2008