Showing posts with label عبد الوهاب المسيري. Show all posts
Showing posts with label عبد الوهاب المسيري. Show all posts

02 July 2009

ماركسي على سنة الله ورسوله


يوحي هذا التعبير- الذي كان يحلو لعبد الوهاب المسيري أن يصف به نفسه في حواراته الأخيرة - أن إنتاجه الفكري كان من عينة محاولات متواضعة شائعة للتوفيق بين عناصر مختلفة بدلا من تحمل كلفة الانحياز لأحدها.
ولكني على العكس، أجده قبل كل شيء دالا على حسه المرح في التعبير عن موقفه المركب والمميز. انحيازاته الأخيرة واضحة في إنتاجه، ومما أحبه فيه أنه كان يتحلى ببساطة الانحياز وحراراته سواء في فكره أو حركته، ولكنه أيضا كمفكر أصيل ذي تجربة لا يمكنه إنكار تأثير كل جوانب التجربة على موقفه النهائي.
الهوية - كما يقول تيري إيجلتون- هي ما لا يمكننا أن نتخلى عنه. هذا إن صحت ذاكرتي لأني لم أستطع الرجوع الآن إلى مصدر قوله هذا.
المسيري أيضا كان كثيرا ما ينسى الإحالة للمراجع في كثيرا من أعماله الفكرية- أو يتجاهلها عمدا في رأي نقاده الأعنف- ويمكن أن نلومه على ذلك. ولكن المفاهيم الكثيرة التي اقتبسها من الفلسفة والفكر الغربيين، لا تمنع اعتقادي أنها في سياق أفكار المسيري كانت تنبض نبضا مختلفا، ربما بسبب أصالة همه الفكري، الذي لم ينفصل عن تجرية كشف عن جوانبها في سيرته الذاتية/ الموضوعية. وهي من أكثر السير التي قرأت إمتاعا وثراء.
التعبير عن هذا تحديدا كان طموح مقالي عن المسيري، الذي حاولت فيه أن أركز على التشابك ما بين التجربة الشخصية والإنتاج الفكري، وبين جوانب هذا الإنتاج الفكري المترابط والمتناغم. وأتمنى أن يكون خطوة تحضيرية للتعامل النقدي مع أفكار وأطروحاته.
المقال كتبته بعد وفاة المسيري مباشرة، كمشاركة في ملف عنه تعده مجلة "القافلة" السعودية. ولم ينشر بسبب سوء تفاهم حول المساحة المخصصة. ولكني أشكرهم على التعامل مع سوء التفاهم هذا بقدر فائق من الاحترام. وهو ما يندر تواجده في عالم الصحافة اليوم.
مرور عام على وفاة المسيري، قد يكون لحظة مناسبة لنشر المقال، وهو حجة أيضا لأعلن عن مدونتي الجديدة: أشغال عامة. والتي أجمع فيها كتاباتي الصحفية التي لا تشجعني طبيعتها على إضافتها هنا إلى ما بدا لي. كنت أود تأجيل ذلك حتى أستكمل إضافة أرشيف ما كتبته في صحف ومجلات أخرى قبل الشروق. ولكن يبدو أن ذلك بعيد الأمد، والله المستعان.
كما أني أتمنى أن تحقق هذه المدونة هدفها وأن أحظى بآرائكم وتعليقاتكم إن كان في محتواها ما يثير اهتمامكم، وبالطبع تصويباتكم ومراجعاتكم بخصوص ما لا يعجبكم.

أشعر الآن أن هذه التدوينة مثل: "كوهين ينعى ولده ويصلح ساعات"! ولكني كثيرا ما أستخدم هذه المدونة للدعاية لكل ما يبدو لي أن أنحاز إليه. وياء المتكلم في عنوان هذه المدونة هي بالطبع أكثر ما أنحاز إليه، لأن غير ذلك في الحقيقة لا يمكن أن يكون، وعلينا أن نتحلى ببساطة الاعتراف بهذا الانحياز البسيط المشروع الذي لا يمكن الفكاك منه.

06 July 2008

رحل ذو الحضور البهيّ.. قبل أن نناقشه


عندما انتهيت من قراءة سيرة عبد الوهاب المسيري غير الذاتية –غير الموضوعية "في الجذور والبذور والثمر"، كان ذلك قبل خمس سنوات، وكنت في أتوبيس عائدا من السويس في رحلة عمل.
قرأت معظم الكتاب في الأتوبيسات والقطارات أثناء رحلات العمل، ولما انتهيت بدا لي العالم لحظة أغلقت الكتاب مختلفا عن ذي قبل. ولكني ازددت دهشة عندما بدا الطريق أيضا مختلفا، وكنت قد حفظته عن ظهر قلب ذلك الوقت، حتى اكتشفت عندما انتهت الرحلة في طنطا أنني ركبت الأتوبيس الخطأ بسبب شوقي لقراءة الصفحات الأخيرة.

ومن طنطا للقاهرة أعدت قراءة فصل "من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان" باهتمام شديد.

أذكر أني بحثت في الإنترنت وعثرت على بريده الإلكتروني في موقع ما، وأرسلت له رسالة تضمنت سطرا أو سطرين عن الكتاب لا أذكر عنهم شيئا، ولكن ما أذكره جيدا أني أنهيت رسالتي قائلا:" استمتعت بصحبتك، وأود أن أقول إنني أحبك في الله".

لم أتلق منه ردا.. ولم يكن هذا مانعا أن أواظب في فترة لاحقة على حضور محاضرته الشهرية في جمعية "مصر للثقافة والحوار"، كما لم يكن سببا لكوني لم أتبادل معه كلمة أو أبدي تعليقا أو مداخلة خلال محاضراته. كنت أكتفي بمتابعة حديثه الشيق، وعندما كان يضع سبابته على فمه ويقول أنه سيذكر موقفا ما، كنت أخمن أي موقف من سيرته سيحكي.

كنت أرقبه وهو يمتع الحضور، بينما يضعهم في فوضى وهو يستخدم المصطلحات كما يحب لا كما تواضع عليه الاستخدام العام، وأتابع سجاله مع الحاضرين الذين أدهشهم انتقاده للعلمانية ، كما أرقب دهشة الشباب الإسلامي، الذين يعجبهم حديثه عن ضرورة "المرجعية الإسلامية"، عندما يجدونه خارجا متوكئا على ذراع ابنته غير المحجبة. سألني أحدهم مرة بحيرة شديدة كيف يترك زوجته وابنته غير محجبتبن بعد أن أصبح "مفكرا إسلاميا"! غير أن القاضية كانت عندما اعترف المسيري أنه لا يحضر صلاة الجمعة لأنه لا يضيع وقته في الاستماع لـ"هؤلاء الخطباء".

من الواضح أنه لم يكن نمطيا، و أنه كان يهوى "التفكيك والتركيب" وإعادة إبداع المفاهيم وفق نسقه الخاص. إلا أنه مع ذلك كان يملك بساطة الانحياز، التي جعلته يتجاوز حالة المفكر الذي يظهر في الصور يحك رأسه، إلى حالة أكثر تركيبا تجمع بين عمله البحثي والفكري وبين كونه أحد مؤسسي حزب " الوسط" وأحد رموز حركة "كفاية" ثم منسقها العام. وكان وجوده -وهو الذي يناهز السبعين- في مظاهرات كفاية إشارة إلى أن أصالته كمفكر ليست وليدة علاقة بالورق، بقدر ما وليدة علاقته الحميمة بالعالم عبر خياراته ومواقفه، وتأمله لهذه العلاقة والخيارات والمواقف. سيرته بدورها لم تتضمن مسارا لتطوره الفكري، بل كانت هي وقائع تطور أفكاره التي عاشها و"التزم" بها بحماسة الشباب حتى آخر لحظة.

ولكن البهاء الكبير لصورة الباحث الموسوعي في اليهودية والصهيونية وأستاذ الأدب ذي اللغة المحببة والمناضل بجسارة ضد النظام .. لهذا البهاء مخاطره أيضا. فصورة المفكر الذي انتقد "التسلع" لم تنج من ذلك، وأظن أنه من الصعب لوم التيار الإسلامي على "تسويقه" لصورة المسيري كمفكر إسلامي ناقد للعلمانية والغرب، في غياب واضح لملامح "المرجعية الإسلامية" التي يطرحها بالمقابل، بينما تختلف قطعا عن تلك التي ينادي بها معظم الإسلاميين.

كما أن هذا البهاء الذي جعلني أكتفي بمتعة الاستماع إلى محاضراته، كان سببا أيضا ، فيما يبدو، في أني سمعت انتقادات موجهة للمسيري ولأرائه، بينما ندر أن أقرأ ذلك.

ورغم أن الأهمية الكبيرة لعمله الموسوعي ولأطروحاته حول مشكلات مهمة تجعل من التناول النقدي والمناقشة الواسعة لكليهما طريقا لا بد منه لمحبيه ومنتقديه على حد سواء، لا أذكر أني قرأت في مطبوعات سيارة نقدا لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، أو مراجعة هادئة لإنتاجه الغزير في نقد الحضارة الغربية. بل إن كاتبا صحفيا بارزا وجه انتقادات لتكرار بعض الفصول في أكثر من كتاب للمسيري، قال ذلك دون أن يذكر اسمه وكان على أن أخمن. لذا قلت لصديقي "نواف القديمي" عندما أجرى معه حوارا سجاليا نشر في جريدة "الشرق الأوسط" أنني أخيرا قرأت كلاما للمسيري في مواجهة محاور بعد أن قرأت له كثيرا مما قاله في حضور "حواريين"، ولا ألومهم.

قبل أن أستيقظ صباح الخميس على رسالة تعزيني في وفاة المسيري، كان عمرو عبد الرحمن، الصديق والزميل في مجلة "البوصلة"، يحدثني مساء عن إنهائه لمقال للعدد القادم من المجلة في نقد رؤية المسيري للرأسمالية، وكنت أفكر في مقال مماثل في مناقشة أطروحته حول العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

سيفتقد كلانا ،وآخرون بالتأكيد، حضور الراحل العزيز. ولكن أتمني أن لا يمنع جميل ذكراه المناقشة الواسعة لأفكاره، بعد أن منع بهاء حضوره بعض ذلك.