01 February 2009

أول الشروق


بعد أربعة أشهر من الكتابة لجريدة تستعد للصدور، وبعد تأجيل موعد هذا الصدور لأكثر من مرة، فإن خروج العدد الأول من "الشروق" إلى النور اليوم هو حدث مميز بالنسبة لي.
الخطوات الأولى قد لا تكون أفضل الخطوات، ولكن بلا شك لها بهجتها بعد انتظارها. وفي الخطوات اللاحقة تتضح الملامح والقسمات.
بشكل شخصي، يروق لي أسلوب الجريدة الهاديء الذي يبدو أنه لن يستسلم لقوالب صحفية يروج أنها ما يريده القاريء العادي الذي يقال أنه لا يقرأ. في أسلوب الجريدة رهان واضح على قاريء حقيقي مهتم بأكثر من العناوين المثيرة الصارخة أو تلك الطويلة التي تقول له: لست بحاجة للتفاصيل.
برأيي، الساحة الصحفية المصرية بحاجة إلى المزيد والمزيد من التفاصيل والعمق والتدقيق، في قالب صحفي جميل وجذاب.
آمل أن يكون هذا ما ستقدمه "الشروق" وما سأقدمه فيها.


يقدم موقع "الشروق" خدمة صحافية موازية للجريدة و يتيح تحميل النسخة الورقية من الجريدة PDF.

30 January 2009

وقت مستقطع


لا يلزم أن يكون الكلام فصيحا جدا ليقول المراد، بعض جمال البساطة يغني عن العمق. هذا ما أشعر به تجاه أغنية يحيى غنام "على قلبي".
ذات مساء في المسرح المكشوف في الأوبرا سمعتها وقلت أن الكلمات ليست بتلك الروعة، ولكن هذا ما أشعر به.

31 December 2008

خصلة طويلة غير مهذبة


في ليلة اليوم الموافق لتاريخ يوم ميلادي بالتقويم الميلادي من هذه السنة – نعم، هذا أفضل من أن أقول "عيد ميلادي"، وأليق بما سأقوله بعد أن أغلق هذه الجملة الاعتراضية- تناولت لأول مرة قرصا مضادا للاكئتاب قبل أن أنام.
لم يكن ذلك لأني أشعر بالاكتئاب، أنا أمر دوريا بأشكال مختلفة من الاكتئاب، لا أتعامل معها بأي تضخيم درامي أو جزع أو حتى أدنى شكوى. الاكتئاب عرض وجوديّ، هكذا أعتقد، ولا يجب أن نكتئب زيادة بسبب هذه الحقيقة.
ولكن كان ذلك بسبب اضطراب نومي، الذي يقل فجأة إلى الساعتين يوميا، ثم يمتد لأكثر من اثنتي عشر ساعة لأيام. وهذه الأقراص المضادة للاكتئاب كانت طبقا لمشورة طبيبة صديقة. وكان علي فقط أن آخذها قبل الموعد الذي أريد أن أنام فيه بساعتين، وفعلت، ونمت.
نمت أكثر من المتوقع قليلا، ولكني استيقظت نشيطا وبروحي خفة. عندما فكرت أنها يمكن أن تكون من تأثير الدواء المضاد للاكتئاب كاد ذلك أن يدفعني للاكتئاب حقا. أيكون اكتئابنا الوجودي النبيل أو خفتنا الصباحية الآملة مجرد كيمياء تتلاعب بها أقراص؟ سيأخذني ذلك إلى المزيد من التأملات الوجودية، وكانت المقابر مكانا جيدا لأقضي يومي.
قادني إلى منطقة قايتباي، الشهيرة بـ"ترب المجاورين"، موعد مع واحد من مشايخ طريقة صوفية. وأنا ممتن له جدا رغم أنه أخلف موعده معي. ولكنه كان يوما لطيفا وهادئا قضيته متجولا في المنطقة بين المقابر، ومتجاذبا أطراف الحديث مع رواد عشوائيين لمساجد طرق صوفية، ومريدين يقضون خلوتهم بجوار أضرحة شيوخهم، الذين لا يعرفهم غيرهم، ولكنهم عندهم الأئمة أقطاب الزمان ومجددي الدين.
منذ بضعة أيام، تذكرت حلما قديما. فيه كنت أدخل إلى مسجد كبير في الإسكندرية على شاطيء البحر، والشمس في كبد السماء، يرحب بي أهل المسجد ويأخذوني من يدي إلى رجلين جالسين في زاوية. أذهب إليها وأعرف من تلقاء نفسي أنهما أبا العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري. أسلم وأجلس إليهما "لقد أتيت حسب الموعد، وأرجو أن تقبلوني معكم". ينظر أبو العباس المرسي إلى ابن عطاء الله بدون أن يتكلم، بشكل أثار ضيقي، فيقول ابن عطاء الله "أتقبل أنت بكل ما نحن عليه؟". تذكرت شيئا وكأنه حوار سابق دار بيني وبينهما فقلت "نعم، إلا أني كما قلت لكم لن أكون مريدا كالميت بين يدي المغسل، سأسأل وسأطلب أمارات على كل طريق قبل أن أسلك". رد ابن عطاء الله "إذن أنت لا تريد. أنت مرتاب، والإيمان أمان، ولو آمَنت لأمِنت". أحزنني ذلك، ورأيت الحزن على وجوه من استقبلوني. ولكن نظرة من ابن عطاء الله جعلتهم يقومون إلى أطراف المسجد ويتركونني أخرج وحيدا من المسجد لأجد الظلام مخيما وشارع الكورنيش خال تماما.
انتظرت طويلا تاكسي يأخذني إلى سيدي جابر لألحق بآخر قطار إلى القاهرة، واستيقظت قبل أن يأتي.

كان ذلك الحلم منذ سنوات، في فترة كنت أقرأ فيها لابن عطاء الله السكندري، "الحكم" وكتب أخرى. وكنت أفكر في تجربة ابن عطاء الله نفسها، فقد انضم إلى الصوفية وصار تلميذا لأبي العباس المرسي، بعد أن كان عدوا للصوفية "مرتابا" في طريقتهم.
كنت وقتها مهتما بالقراءة حول التصوف والصوفية، يستفزني اليقين المطمئن لذاته، السمح تجاه غيره. أذكر أني ذهبت إلى مسجد صوفي قريب وراقبت من بعيد وراقت لي المشاهدة ولم يرق لي الاقتراب.
كنت أعي تماما أن التصوف تجربة وخبرة ولا تجدي معه المراقبة من بعيد، وربما كان معنى التجربة كلها في التصديق والاستسلام الآمن لا في "التجريب" الحذر الفضولي. ولكني أعرف أنني لن أتخلص لا من التوق للتجربة ولا من الفضول الحذر، ولذلك أحزنني الحلم وقتها. وكأنها رسالة بأنني سأظل دائما تروق لي المراقبة ولن أقترب.


أيقظتني رضوى عصر ذلك اليوم نفسه، ليس من اللطيف أن أكرر وصفه الطويل، وكعادتها أخبرتني فورا نبأ هاما:"مامتك بتقول إن الحلاق بتاعك مات. مكتوب ورقة على المحل". كنت مرهقا من كثرة النوم أو من قلته، لا أذكر جيدا. وكان ذهني مشوشا، بآخر ما فكرت فيه قبل النوم، بأفكار حول الميلاد والموت، الإرادة ورخاوتها في هاتين اللحظتين. وفيما بينهما: عناء شحذ هذه الإرادة وإقامة عودها وجبر كسرها وتأمل معناها، الإيمان بها والكفر بها وما بين بين.
لست أدري تحديدا، وهذا ما يحير حقا بشأن "إرادتنا"، كيف أصبت بغصة عميقة، وصورة وجه الحلاق تبدو أمامي في مرآة صالون، بينما هو خلفي يقص شعري، وفي نفس الوقت انتبهت لمرأى شعري، في نفس المرأة، طويلا جدا وفي حالة رثة بين يديه.
غلبني استرخاء ساخر "ياه. طيب وهاحلق فين دلوقتي ؟!" هذا ما قلته فعلا، وأنا حزين. ولكن وأنا مسترخ جدا لا يبدو لي الموت عدائيا أبدا.
"البقاء لله. توفى إلى رحمة الله الأستاذ محمود عبد العزيز. والعزاء تليغرافيا:..." هذا ما تقوله الورقة البيضاء المعلقة على باب المحل المغلق. وقفت لدقائق قليلة أمام الباب أتذكر أنه قال لي آخر مرة، "هاغيب أسبوعين، هاعمل شوية تحاليل وأستريح. قل للدكتور محمود والدكتور مصطفى لو عاوزين يحلقوا بكره".
محمود عبد العزيز، هو صاحب كوافير "محمود عبد العزيز" للرجال في شارع طارق بن زياد في أرض الجمعية، كان يبدو لي في أوائل الخمسينات من عمره. له ابنه متزوجة وأم لطفلين، وابن مقبل على الزواج، وربما كان لديه أولاد آخرون لم أرهم. عمل فترة في الكويت، وادخر ما يكفي لكي يزوج ابنته وينفق على مصاريف دراسة ابنه في "مودرن أكاديمي" ويفتتح الكوافير. كان "نزيها"، أنفق الكثير على ديكور المحل الذي صممه ونفذه له مهندس ديكور استعان بلوحات تشكيلية ملائمة. انبسط عندما قلت له إن إحداها لفان جوخ. كان محبا لأم كلثوم، ونادرا ما رأيته يسمع غيرها، باستثناء تلاوة الحصري. ولا أذكر آخر مرة قلت له ماذا أريد بشأن شعري.
فكرت أني سأضطر للذهاب إلى ذلك الحلاق الآخر، ربما غدا أو بعد غد.
اشتريت فاكهة من الفاكهاني المقابل له، سألت ابن الفاكهاني، الذي عزيته في أبيه من شهر تقريبا، فقال أنهم لم يقيموا عزاء هنا، جاء ابنه في المسجد وتلقى العزاء واقفا وسريعا. قلت له "البقاء لله"، رد:"ونعم بالله"، ومد يده فصافحته.

في المساء، عاريا في البانيو، أحاول فتح الماء الساخن لكي أرقد قليلا في ماء دافيء. لا ماء ساخن. أنظر إلى السخان المعلق أمام وجهي وأجرب مرة أخرى، لا شيء.
في المرة التالية، تدوى صوت فرقعة وتومض ألسنة لهب عبر الفتحات الضيقة للسخان. لم أتحرك من مكاني لثانيتين أو ثلاث. فكرت فيهم في حوادث انفجار سخانات الغاز واختناق الضحايا، وإن كنت لا زلت حيا وكيف سأعرف ذلك.
في الثانية الرابعة – تقريبا - خطوت خارج البانيو، نبضي متسارع، وبي جزع صامت مكتوم يخفت تدريجيا لأعود إلى الاسترخاء. لم ينفجر السخان، فقط شيء ما بدخله فعل. أبدأ في الاسترخاء ثانية، وأنا أنظر لنفسي في مرآة الحمام أتثبت من وجودي. أضع كلتا كفي على رأسي أقبض على خصلات شعري الطويل وأفكر: هكذا كان يمكن أن يكون الأمر يا عمرو. ربما لم أكن لأذهب أبدا إلى حلاق آخر يا محمود.


اللوحة للفنانة هبة خليفة

09 December 2008

غاية النتانة في أصول الضمان والصيانة


في مثل هذا الوقت من السنة، قبل سنتين، احتفلت مع الصارم الحاسم وحمدية التيتي باللاب توب الجديد. ولكن في هذا الوقت من هذه السنة، وبعد أن أنفقت عليه صيانة مثل ثمنه، فاللاب توب أصبح يحتفي بنفسه كل مرة أفتحه فيها، فيصدر خوارا عظيما يقض مضاجع الجيران.
ولأنني قد اشتريته من أحد منافذ "نور الهدى جروب" في مول الكمبيوتر بميدان سفنكس، فآخر ما أفكر فيه هو الذهاب إلى الضمان، لأن الهدى هو طريق تسلكه بلا أي ضمانات، وإن سألت عنها فأنت لم تهتد بعد.

وكان ذلك في الغالب سبب امتعاض الشاب الذي باعني اللاب توب من "نور الهدى جروب" عندما سألته عن وثيقة الضمان، فرفع وصل الشراء بعد أن شبك فيه كارت لـ"نور الهدى جروب" وقال أن هذه هي. ورغم أن الشاب الممعتض بدأ معي الصفقة باسما وحييا ومرحبا وخافضا جناحه، وكاد أن يدعوني للعشاء وأنا أسأله بغرض الشراء، لكن أول ما انتقلت النقود من يدي إلى يده، والوصل من يده إلى يدي، تنهد ارتياحا، وتغيرت نظرة عينه وبدأ النصف الأيسر من شفته العليا في الاقتراب من أنفه تلقائيا. وبعدما كان الهارد الديسك - الذي تشككت في أن سعته قليلة بعض الشيء- في رأيه يسع وزياده وسيقسمه لي إلى أربعة أقسام، أصبح في رأيه الجديد، بعد استلام النقود، لا يحتمل إلا قسمين، وانفراجة إضافية لشفته العليا تقول وحدها " وما توجعش دماغنا ".
التمست له عذرا، فهو لا يستطيع أن يبقى شفته تحت السيطرة كل هذه المدة، تكفي فترة التفاوض الأولى. وأشفقت عليه عندما سيطر عليها مرة أخرى لأن واحدا آخر دخل يسأل عن مواصفات لاب توب بينما كنت أهم بالرحيل.

بعد بضعة أيام لاحظت شيئا ما في أحد مفصلي الشاشة، فتوجهت لتوكيل الشركة المنتجة للاب توب، فعلمت منهم أن هناك وثيقة ضمان كان يجب أن أحصل عليها من الشركة التي باعتني اللاب توب. أما في حالتي هذه فيجب أن أتوجه إلى "نور الهدى جروب" وهي المسئولة عن ضمان جهازي. توجهت إليهم مستفسرا، وكان جوابهم أن الجهاز كان ضمن شحنة بلا وثائق ضمان، وعندما أبدت استيائي البالغ ولم تردعني شفته المشرعة، سيطر عليها مؤقتا، واعتذر طالبا أن أطمئن لأنهم سيقومون بالواجب وزيادة. وأعطاني عنوان قسم الصيانة بالشركة وزميل له يؤكد لي "اطمئن تماما، "نور الهدى جروب" شركة كبيرة مش صغيرة، وإحنا ناس ملتزمين وحقوقك محفوظة".

ذهبت إلى مقر قسم الصيانة في شارع السودان، فإذا بكل العاملين به من الملتحين لابسي الجلابيب، بينما كان كل العاملين الذين رأيتهم في منافذ الشركة بالمول من غير الملتحين، وإن كانوا جميعا إخوة في "نور الهدى جروب". استقلبني واحد يقال له باشمهندس، قال لي بعد ثانيتين أن هذا عيب مستخدم وأن صيانته ستكون على حسابي. جادلته قليلا ولكنه كان ممن لا يحبون الجدال ولا حتى بالتي هي أحسن، فهو يغمض عينيه وأنت تكلمه وأول ما تنتهي يقول "شوف، الخلاصة .." ثم يفتح عينيه ويعيد ما قاله سابقا دون أن يرد على شيئا مما قلته مهما كان، كما هي عادة السلفيين الجدد الذين يعتنقون كراهية السماع حتى لا تكون فتنة تحرفهم عن الحق الذي تنطق به ألسنتهم.

الخلاصة، أني تركت جهازي للفحص، لكي يحدد الباشمهندس إن كانوا يستطيعون الإصلاح، والتكلفة التي سأتحملها. وأخذت منه موعدا ثم مواعيد أخلفها كلها، ولكنه كان يبهرني بثباته وهو يرد على توبيخي وتبكيتي له على الإهمال وإخلاف المواعيد بجمل تبدأ دائما بـ"الخلاصة،.. " ثم يضرب الموعد الآخر بدون أن يدفعه غضبي إلى محاولة التأكيد أنه آخر المشوار. وآخر المشوار هنا لا يتضمن الصيانة- تذكر حيدا- بل يتضمن نتيجة الفحص، الذي كانت "خلاصته" أنهم توصلوا إلى ضرورة تغيير المفصل، ولكن لا توجد قطعة غيار متوفرة الآن، وعليّ أن آتي لاستلام جهازي حتى تتوفر ويتصلون بي لا قدر الله.

أتيت لاستلام جهازي، ووصلت في الموعد المحدد تماما ولكن تصادف أن كان ذلك عقب أذان العشاء بنحو ساعة، ولم يكونوا قد عادوا بعد من الصلاة في المسجد المجاور. انتظرت حتى عادوا جميعا وسألتهم عن الباشمهندس، فقالوا أنه قد رحل لتوه ، فقلت إلى الجنة إن شاء الله، وطلبت جهازي. طلبته منهم واحدا واحدا فأخبروني واحدا واحدا أن الباشمهندس والذين معه، هم المسؤولون عن تسليم الأجهزة الواردة إلى قسم الصيانة. ولكن واحدا منهم، كفاعل خير، طلب مني أن أنتظر قليلا هناك وهو سيحاول الاتصال بأحدهم، وأوصاني إن رأيت واحدا منهم يدخل- وكأنهم تعرفهم بسيماهم- أن أتشبث به لكي أستعيد جهازي سريعا. ولكن لأن هؤلاء الشباب في "نور الهدى جروب" فتية آمنوا بربهم، فإنني وجدت جهازي في المكان الذي طلب مني الشاب فيه الانتظار. بل ووجدته متصلا بالإنترنت وعملية تحميل لبعض البرامج تقترب من نهايتها.

خرجت إليهم وسألتهم واحدا واحدا مرة أخرى عمن شغّل جهازي واستخدمه دون إذني، فأجابوني واحدا واحدا أن العلم عند الله طبعا. فما كان مني إلا أن عدت إلى جهازي وأوقفت التحميل وأغلقته وحملته معي وهممت بالرحيل دون أن يسألني أحدهم ماذا أحمل معي وإن كان هذا الجهاز يخصني.
ولما كان الباشمهندس قد أعطاني وصلا باستلام جهازي، فقد دخلت على بعضهم، وكانوا يتناقشون في مسألة فقهية، وقلت لهم: "إخوتي في الله، هذا وصل استلام جهازي من الصيانة،إن كان يعنيكم في شيء، وهذا جهازي والله على ما أقول شهيد. أعتذر لكم عن مقاطعتي لتحميل أحدكم بعض البرامج عليه، ولكني للأسف مرتبط ببعض المواعيد. وأود أن أشكركم واحدا واحدا والسلام أمانة للباشمهندس خلاصة، والخلاصة أنني ممتن جدا من تعاملي مع "نور الهدى جروب" وأعدكم أني سأخبر كل من أعرفهم، ومن لا أعرفهم إن استطعت، عن أماكن فروع "نور الهدى جروب" لأن الاحتياط واجب".
وقد وفيت، وليغفر الله لي التأخير.

02 December 2008

البندول لا يحتاج مساعدة.. يحتاج بعض الوقت


أستيقظ على صوت أعمال التشطيبات في البناية المجاورة، تحديدا في الجدار الذي يلصق ظهره بظهر جدار غرفة النوم. مرآة الجدار تهتز فعلا؟ أم أنه أثر الأدوية التي دفعتني للنوم لأكثر من 10 ساعات، أو هكذا أظن. أتذكر سدس ظفر الإصبع الأكبر لقدمي اليمني الذي انترعته جراحة من داخل لحم الإصبع، أشعر بدغدغة في مكان الجراحة، أشعر بالجوع وبالرغبة في كوب شاي. غلاية الشاي تسرب البخار وتبخر كل الماء، أستخدم واحدة أخرى لا تصدر صوتا عند انتهائها من غلي الماء، أنساها وأعود إليها لأشغلها مرة أخرى ثم أنساها، عدة مرات حتى أنسى أمر الشاي تماما. يجب أن أرد على العديد من الرسائل، يجب أن أتصل بالعديد من الناس، لدي أفكار أود أن أكتبها، وأخرى بدأت في كتابتها وعلي أن أتمها. جرس الباب يدق، محصل شركة الغاز. يدق، نورا الصغيرة حفيدة صاحبة العمارة تريد الإيجار. يدق، المكوجي الذي توقفنا عن التعامل معه "مافيش مكواة". يدق، المكوجي الذي نتعامل معه، أيضا "مافيش مكواة". يدق، وصلتني مجلة اشتركت فيها مجانا. يدق، مجلة أمريكية متخصصة في علم النفس اشتركت فيها رضوى، يوم المجلات! يدق، نورا الصغيرة تحمل في يدها حصاد الإيجار "لأ، مش إنت، أنا عاوزة حمدي" تضحك وتنزل السلم جريا.
تدق الساعة هذه المرة، ليس لساعتنا صوت، ولكنها مستطيلة ببندول طويل يعمل بجد طوال النهار ذهابا وإيابا. لسبب ما اختل توازن الساعة، والبندول يدق على جانب الساعة. أفكر في أن أحدا لم يلمسها، ولكن أثر الفراشة يفعل أكثر من ذلك. أحاول ضبطها رأسية تماما، لا أنجح، لم لا يعيدها لاتزانها أثر فراشة أخرى! أعرف الآن لماذا صحت في رضوى"ساعة ببندول ليه؟!"، ولكني استسلمت لأنني لن أنزل للبحث عن ساعة، ولأنها أنيقة وحمراء مثل الكنبة وملائمة للون الأسود للسفرة والبوفيه.
أقرأ بعض الأخبار والمقالات وأشعر بزغللة في عيني وصداع يتسلل لرأسي، وأتذكر أني لم آكل شيئا منذ الصباح، أنسى الإفطار دائما عندما تسافر رضوى، أتناول الأسهل في إعداده وأنا أشاهد جزءا من فيلم "خد الفلوس واجري" لوودي آلان. يشهر فيرجيل/وودي آلان مسدسه في وجه رجل ويطلب منه محفظته، يذكره الرجل بأنه صديقه من أيام زمان، ويسأله "إنت بتعمل إيه في الدنيا؟"، يهز فيرجيل رأسه ويقول "أنا عازف في الأوركسترا الفيلهارموني!". يأخذ منه فيرجيل محفظته وساعته وهما يتذكران ضاحكين أيام زمان، وبعد أن يفترقا يعود الرجل ويقول"آسف فيرجيل، تذكرت الآن أني ضابط بوليس"، ويأخذ أشيائه وفيرجيل إلى السجن وهما يستمران في تذكر المواقف الطريفة من أيام الشباب.
أشاهد الفيلم إلى نهايته، لا يمكنني مقاومة أفلام وودي آلان. الفيلم مكتوب بطريقة ساخرة على غرار أفلام "الجريمة لا تفيد" والتقارير التي تذيعها البرامج التليفزيونية عن حياة المجرمين الخطيرين، في نهاية الفيلم يجلس فيرجيل الذي لم يقم بأي سرقة ناجحة، في مواجهة مذيع تليفزيوني يسأله"هل أنت نادم على اتخاذك طريق الجريمة؟" يرد فيرجيل بجدية وبراءة "أعتقد أن حياة الجريمة لها ثمنها، ولكن ذلك طبعا بسبب ما تعلمه من أن الجريمة كارير رائع، أوقات ممتعة، أنت رئيس نفسك، تسافر كثيرا، وتلتقي أشخاص مثيرين للاهتمام". يسأله عن رفاقه في العصابات التي انضم إليها أين هم الآن، يقول بفخر وهو يتذكر ويرفع حاجبيه "كثير جدا منهم ..مممم... أصبحوا مثليين جنسيا، وآخرون اتجهوا للسياسة و الرياضة".
ينتهي الفيلم ويتوقف العمال عن الضجيج، يحل الظلام، يتوقف بندول الساعة عن الدق على جانبها، ربما أمكنه أن يزحزح بدقاته جسم الساعة حتى أعاد اتزانها. أستغل الهدوء وأطفيء كل الأنوار وأشغل موسيقى بول سالم، أستلقى على الكنبة وأحدق في الظلام وأسمع، أشعر بالصداع وأحاول ألا أفكر في شي، فأفكر في آلاف الأشياء وأضحك عندما أتذكر مشاهد من الفيلم أو نورا الصغيرة.
عندما استيظقت صباح اليوم التالي ووجدت نفسي على الكنبة، كان العمال يدقون أيضا، ولكن الساعة كانت متزنة وهادئة ولم يدق جرس الباب، والصداع خف قليلا هو ودغدغة مكان الجراحة في إصبعي. قررت أن أقوم بأشياء كثيرة وألا أشاهد أيا من أفلام وودي آلان أثناء الأكل، وأن أتجاهل تماما أي إحباط قد يسببه لي تذكر يوم أمس الضائع، وألا أذكر منه إلا القرارات التي اتخذتها قبل أن يغلبني النوم. لن أشرب ذلك الدواء سيء الطعم الذي أعتقد أنه سبب كل هذا النوم والإرهاق إلا مرة واحدة بدلا من مرتين. أن أذّكر مرة أخرى المكوجي الذي نتعامل معه، إن أتى، ألا يرن الجرس إلا مرة واحدة، وأن أذكره للمرة الألف أن يحضر لي رقم تليفونه لنتصل به وقتما نحتاجه. وأن لا أصارح صبي المكوجي الذي توقفنا عن التعامل معه أننا توقفنا عن التعامل معه، سأتركه يأتي هكذا للأبد، ويدق الجرس، لأقول له دائما "مافيش مكواة"، إما أن يفهم أو يظل هكذا يأتي ويروح عقابا على غبائه وغباء معلّمه وجليطتهما معنا. كما يجب ألا أنسى أن أشتري علبة بونبون، وأمنع نفسي ورضوى من أكلها كلها، لأعطي نورا الصغيرة منها رغم أنها تأتي أحيانا قبل نهاية الشهر تدق الجرس وتطلب الإيجار.

28 November 2008

لكن مكسوف أقول

black Theama

لم أفهم لماذا كان الفتيان يختلسون النظر إليّ، وبهذه اللوعة! لم تراودني أحلام الشهرة ولا أعتقد أنه كان غريبا جدا أن أكون جالسا مع عدد قليل وسط جمهور يفضل الوقوف، على الأرض أو فوق الكراسي، في حفل "بلاك تيما" الأخير.
ولكني فهمت عندما اصطدمت يدها برأسي من الخلف، الفتاة الجميلة بالتي شيرت الأبيض والجينز والبيريه اللطيف الذي يخفي بعض شعرها الطويل، ثم اعتذرت لي وهي تربت بكلتا يديها على كتفيّ، وباقي جسدها يواصل الرقص في منتهى النشوة.
عرفت أيضا، وأنا أبتسم وأخبرها أنه "لا مشكلة" ثم أنظر أمامي، أن هؤلاء الفتيان يعتقدون الآن أنني كنت محظوظا للحظات، ولكنني لا زلت صاحب أسوأ مكان في الحفل.


19 November 2008

الشرطة والجنس والجريمة



هناك بالتأكيد سوء تفاهم كبير يقف وراء "النشاط الجنسي" المتصاعد مؤخرا للشرطة المصرية. ويبدو أن المتسبب فيه هم من طالبوا الشرطة ببذل المزيد من الجهد لمواجهة ظاهرة التحرش الجنسي، ومن ظلوا يرددون أن مدونين ونشطاء هم الذين اخترقوا حالة الصمت تجاه هذه الظاهرة وكشفوها على الإنترنت وتناقشوا حولها قبل أن تتحرك وسائل الإعلام.
الشرطة فهمت أن المطلوب هو حصار النشاط الجنسي للمصريين، ونظرا لصعوبة هذه المهمة فإنهم استعانوا بنفس التقنية المبهرة: الإنترنت، تلك الساحة التي تنكشف فيها الظواهر الخفية.
وفي الغالب قضى ضباط ساهرون لحماية الشعب والوطن، وقتا طيبا ولذيذا في تصفح المنتديات وساحات الدردشة التي يمرح فيها الأشقياء، وشاهدوا كما لا بأس به من الفيديوهات المثيرة للشكوك قبل أن يخرجوا بقضايا خطيرة وتهم كل مصري: القضية التي عرفت بـ"تبادل الزوجات"، وقضية فيديو النجم الكبير سعد الصغير والراقصة قليلة الحياء في فرح شعبي.
أما عن قضية "تبادل الزوجات"، التي يذكرني اسمها بتبادل الطوابع، فلا أظن أنها تهمني بأي حال أوتهم الكثيرين ممن يشاركونني الميكروباص على خط إمبابة- الجيزة، الذين تتلخص مشكلتهم يا حضرات في أن الميكروباص بعد أن يقسم الرحلة إلى رحلتين أو ثلاث، كل واحدة مقابل أجرة كاملة، يرفض في النهاية أن يتخطى نفق إمبابة ليصل إلى محطته النهائية عند كشري أبو مداح، فيما عرف بظاهرة "إمبابة أول النفق"، التي تنتشر بلا رادع.
وإن كانت الشرطة لا تفضل العمل على الانضباط في مثل هذه المجالات ثقيلة الظل، وتفضل مطاردة المتبادلين في أوكارهم، فأنا أفضل أن تبدأ بمطاردة هواة تبادل الطوابع. على الأقل هؤلاء المدللون لا يزالون يثيرون حنقي منذ أن كنت طفلا أراهم يتبادول الزيارات بصناديق وأكياس الطوابع ويجلسون في خشوع يتأملونها ويتبادلونها بينما كان يجبرني أبي على قضاء الإجازة الصيفية أتعلم الكاراتيه. ولأنه حقا يجب ردع هؤلاء، بعيدا عن الحساسيات الشخصية، لأن طوابع الدول ليست لعبة، الحكومات تطبعها لغرض محدد وهو اللصق على الرسائل البريدية وليس للعب والكلام الفارغ.
وأما عن كليب سعد الصغير، فأعتقد أنها خطوة غير محسوبة من جهاز الشرطة. قد تبدو لهم خطوة تجاه معين لا ينضب من فيديوهات القضايا الجاهزة لمطربين وراقصات من المحتمل أن يكونوا قريبا نجوما للغناء الشعبي أو نجمات للاستعراض، وهو ما يعني مساحات كبيرة في الصحف تنقل أسماء السادة الضباط من صفحة الحوادث إلى الصفحات الأولى. يكفي فقط أن تبحث عن "فرح شعبي" في أي محرك بحث أو موقع تحميل لملفات الفيديو لتعرف ما أعنيه. ولكن في المقابل قد يغري ذلك البعض ليطالبوا الشرطة بضبط الجناة متلبسين، وهو ما يعني اضطرارهم إلى مداهمة الأفراح الشعبية في أحراش العشوائيات ومنازلة الشعب المصري على أرضه وبين جمهوره.
الأفراح الشعبية، مثل تلك التي يغني فيها سعد في الفيديو القضية، هي مناسبات يستغلها قطاع كبير من السكان الأصليين لمصر لتكون فرصتهم للتمتع بليلة من المجون والانفلات، بالإضافة للخمور والمخدرات المجانية التي يوزعها أهل الخير والكرم، لذا فهم ليسوا بحاجة لعراقي كردي يهودي ليغويهم على منتدى إلكتروني.
هناك بروتوكول غير مكتوب بين الشرطة وسكان الأحياء الشعبية أن صوان الفرح منطقة حرة، يتم التغاضي عن كل ما داخلها بدءا من إغلاق الشارع تماما وسرقة الكهرباء إلى التبادل العلني للمخدرات والخمور المغشوشة، مرورا بكلمات الأغاني وحركات الراقصة والمطرب. وتجاهل هذا البروتوكول لم يحدث أبدا من قبل الشرطة التي تعرف جيدا العواقب، ولكن ما حدث هو أن تطورات أخيرة تسببت في سوء تفاهم آخر. فمن جهة نقلت كاميرات الموبايل الأمر إلى المواطنين الجدد الذين يظنون أن الأفراح الشعبية هي التي يغني فيها حكيم، فأصيبوا بالصدمة. ويبدو أن ذلك حدث أيضا للضباط حديثي التخرج الذين يقضون يومهم في النقر على الكيبورد وعلى رأسهم الهيد فون، والذين اكتشفوا الفيديوهات على اليوتيوب.
سوء التفاهم يحدث أيضا من تغير الخريطة العمرانية للمناطق الشعبية. وهو ما حدث في "أرض الجمعية"، موطني الأصلي والحالي، والموطن المختلط لأغلبية من البرجوازية الصغيرة الصاعدة من أبناء إمبابة وأقلية من السكان الأصليين.
كانت المرة الأولى التي يقام فيها "فرح شعبي" في أرض الجمعية، وحدث ذلك في شارعنا، لأفتح النافذة ذات ليلة، لأجد الشارع وقد أغلق من الجانبين وامتلأ بطاولات مستديرة يجلس حولها المدعوون وأمامهم زجاجات البيرة وأنواع أخرى من الخمور لم تسعفني ثقافتي لأعرف اسمها، وأكوام من سجائر لا يحتمل إلا أن تكون سجائر حشيش وبانجو، وكان هناك أيضا أكواب غامضة يضع فيها المدعوون أنوفهم، علمت فيما بعد أنها أكواب حشيش. وفي أحد طرفي المساحة المحررة من الشارع كان مسرح كبير عليه فرقة موسيقية ومطرب يرتدي بدلة حمراء وراقصة من الوزن الثقيل.
كان فرح ابن أحد الفاكهانية، وكان ذلك مثيرا لفزع أهل الشارع الذين يستعد أولادهم للامتحانات الجامعية،. كان عندي صباحا امتحان في تصميم المنشآت المعدنية، وهو ما كان أحد أسباب حنقي وتوتر مزاجي تلك الليلة، فتشاورت مع أبي في أن نقوم بإبلاغ الشرطة، على الأقل ليجبروهم على إنهاء الفرح مبكرا بدلا من الاستمرار حتى الصباح.
وكإمبابي أصيل يعرف مدى عدم لياقة إفساد فرح أحد الجيران، مهما انتمى لحيز حضاري مختلف، فإن أبي أجرى اتصالاته ليعرف من هم أصحاب الفرح وليتشاور مع أهل الرأي من باقي جيراننا. ولكن كان بعضهم قد سبقنا بالفعل وأبلغ الشرطة. وجاءت الشرطة وحصل لنا الشرف. وقف الضابط ممتقعا عند أول الشارع، واستقبله المطرب ذو البدلة الحمراء بتحية حارة، وشكر جهاز الشرطة وسرد عددا من أسماء العمداء واللواءات، وختمهم باسم الباشمهندس إسماعيل هلال وكيل أول وزارة الكهرباء ونائب مجلس الشعب عن إمبابة، الذي يسكن أيضا في أرض الجمعية وفي شارع متقاطع مع شارعنا، وشكره على توفيره الكهرباء لهذه الليلة الحلوة.
كان ذلك تعارفا سريعا، عرف عندها الضابط حدوده جيدا واستمر واقفا يفكروبجواره بضعة أفراد أمن يتمنون لو كانوا داخل هذا الفرح، بينما يتطلع العديد من أهل الشارع إليه من البلكونات ينتظرون ماذا سيفعل.
أنقذه رجل من أهل الفرح، وذهب إليه مسرعا يدعوه للجلوس. ولكن بعد محادثة قصيرة بينهما حدثت صفقة، على إثرها قام الرجل بتسليم الضابط صندوقا من البيرة، أمر الضابط رجاله بكسر كل زجاجاته على جانب الطريق قبل أن يشير بإصبعه إلى ساعته مخاطبا المطرب فوق المسرح وهو يبتسم ابتسامة عشم. وعلى الفور قطع المطرب أغنيته صائحا "أوام أوام يا سعادة الباشا، مسافة السكة" وضحك ضحكة ساخرة وطلب من الفرقة " أحلى سلام لكل باشوات أرض الجمعية وإمبابة ومديرية أمن الجيزة يا جدع إنت" وعزفت الفرقة اللحن الشهير للفنان شعبان عبد الرحيم "ما بخافش وإنت عارف، أنا أقدر أعمل إيه!".


-العنوان لاعلاقة له بكتاب"النفس والجنس والجريمة"، ولكنه مجرد عنوان "شعبوي" مناسب للتدوينة، ولضرورات الحملة الانتخابية في مسابقة "البوبز" للمدونات.
- والصورة بالطبع لشعبان عبد الرحيم، الذي لا علاقة له بأي مشكلات مع الشرطة أو الجنس أو الجريمة.. حتى الآن.

13 November 2008

بمناسبة البرتقال والأفراح

وأنا أتأمل في شاعرية البرتقال وأتذكر محمود درويش، تذكرت أيضا الصورة البديعة لعمر مصطفى "علشان هواكي ريحته فانيليا، طعمه مزازة برتقان ... ". شاعرية مزازة البرتقال لا يمكن لأحد عادة أن يلتفت إليها إلا إن كان محبا أحد أسباب انتظاره للشتاء هو حب البرتقال مثلي، أوأن يكون شاعرا فنانا كعمر.
الساحة الخلفية لمسجد عمرو بن العاص التي عقد عمر فيها قرانه منذ أيام كانت دليلا آخر على التفاتاته المميزة. كان كله مساء مميزا واحتفالا بسيطا وجميلا، حظيت فيه بلقاء العديد من الأحباب وسماع "مولاي صلّ وسلم دائما أبدا". وكان ذلك نموذجا آخر يقدمه جيلنا، الذي يمتلك أسبابه الخاصة الوجيهة للفرح، ليثبت أنه يمكن الفرح بأشكال أخرى غير "الأفراح" المزعجة المعلّبة.
ويبدو أن عمر كان متحمسا للدروب الأخرى للفرح من قبل زفافه، لأنه صنع بحضوره وعوده وصوته ما كنت أتمناه تحديدا عندما دعوت الأصدقاء لحفل زفافي الذي أقيم على نجيلة حديقة الأزهر.

للأسف، لم أستطع أن أقدم شيئا في فرح عمر. محاولة رفع صوتي بشيء ما سيتم إساءة تفسيره نظرا لأن الذوق العام غير مستعد لتقبل جماليات صوتي المختلفة، كما أن محاولاتي للتصوير باءت بهذه الصورة.
سأنتظر مرور فترة العسل لكي أزور عمر ببعض الهدايا والبرتقال، ولكن ما يمكن أن أقدمه لكم الآن هو هذا الرابط لأغان كتبها أو لحنها عمر، اكتشفته حالا.
كما لا أنسى أن أذكر المدعوين منكم، وأنبه العالم، بأن غدا هو موعد عقد قران زوج جديد من المتمردين على الأفراح، ربيع وأزميرالدا. أرق التهاني للعروسين، وتحية نضالية لهذا الجيل المجاهد.

11 November 2008

تعرف إيه عن المنطق ؟

حريق الغد
تصوير: عز الدين عبده

يحتاج الأمر لأكثر من المنطق البسيط لكشف المؤامرات المدبرة بأقل قدر من العناية، لكن يمكنه وحده أن يكشف المساخر الفجة.
ما يزيد عن 6 عربات أمن مركزي وعشرات من الضباط وأفراد الأمن بالملابس المدنية انتشروا في ميدان طلعت، وكانوا في انتظار أقل من عشرين شخصا أعلنوا عزمهم الوقوف أمس في الميدان أمام مقر حزب الغد المحترق، تضامنا مع الحزب ضد التخريب الذي تم في غيبة كاملة من الأمن الحاضر على الدوام في الميدان وأمام الحزب. وعندما انتقلت الوقفة إلى سلم نقابة الصحفيين بعد حصار المتظاهرين وتهديدهم، انتقل الأمن معهم إلى هناك حرصا على الواجب وشرف المهنة، ولمساعدة الصحفيين على التقاط صور الوقفة بلوازمها من الجنود.
ولكن عندما عزم الباشمهندس موسى مصطفى موسى على تنظيم مسيرة تتجه إلى الميدان لاستعادة مقر الغد فيه، وهو المقر المؤقت الذي لا يزال قانونا ملكية خاصة لأيمن نور، لم يشاهد أحد ظل جندي عابر في الميدان.
وربما لو كان الأمن تواجد كعادته وفتح الأبواب عنوة لأنصار موسى بحجة تنفيذ الأحكام التي قضت بأحقيته في رئاسة الحزب، كان سيمكن تفسير الأمر على أنه مشاجرة بين الطرفين داخل المقر وتضيع مسئولية الحريق بينهما.
الباشمهندس موسى أيضا لم يكلف نفسه عناء التفكير قليلا فجر يوم المؤامرة ليخصص بعضا من الألاضيش لتسيير موكبه، وبعضا آخر تكون مهتمهم إشعال النيران وتخريب العمارة وما حولها. ليكشف عمر الهادي في "البديل" أن الذين كانوا يفسحون الطريق لموكب موسى هم الذين كانوا يشعلون النيران في أبواب المبنى ويخربون السيارات ويعوقون عمال المطافيء.
حريق الغد ليس واحدا من سلسة الحرائق الأخيرة التي اجتاحت مصر. فهذه السلسة كانت كلها مساخر يكشف المنطق البسيط دور الإهمال فيها، بينما تتجاهل نظريات المؤامرة كليهما- الإهمال والمنطق - وتهيم وراء ما يثير خيالها. أما الإهمال في حريق الغد فكان إهمالا في المؤامرة جعلها مسخرة لا تدع ثغرة للخيال.