اعتقدت ما حييت , و لا زلت اعتقد أن للمشتغلين بالقانون و لا سيما القضاة , عقلية منطقية مرتبة و منضبطة ..
حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا بعدم إثبات البهائية في الأوراق الرسمية , لم تؤكد لي ذلك فحسب , بل أطلعتني علي ما يحتمل كونه اهتماما فلسفيا جديا من جانب القضاء المصري بالأطروحات المنطقية الحديثة التي قامت بنقد المنطق الأرسطي الكلاسيكي , كما بدا لي أن القضاء المصري في سعيه لجعل القانون شعبيا بدأ يفكك من جموده المنهجي و يمزج بينه و بين الميتافيزيقا و مقارنة الأديان و الأدب – لاسيما روايات الجاسوسية – كما أنه بدأ بنقد المواثيق الدولية و تدوين حواشي من شأنها تغيير وجه العالم حقا لا مجازا .
1- البهائيون و المنطق الهيجلي
وفق المحكمة الإدارية , البهائية ليست دينا سماويا و من ثم ليست دينا معترف به . لذا فإن " من يدين بها من المسلمين يعتبر مرتدا " . و موقع هذه العبارة من حيثيات الحكم ربما يراه البعض هامشيا و بلا معني , فالمسيحية هي دين معترف به و لكن من يتحول إليها من المسلمين يعتبر مرتدا أيضا . و لكن العبارة في صياغتها المحكمة تحمل أبعادا أعمق غورا . فالمحكمة لم تقل " من يتحول إليها " و لكن قالت " من يدين بها من المسلمين " و هذا يستدعي عدة أسئلة . أولها : كيف يدين الإنسان بشيء لا يعد ديانة أصلا أو لا يعد ديانة معترف بها , كما أنها تطرح تحديا فقهيا جديدا حول الفارق بين المسلم المرتد إلي ديانة معترف بها و بين المرتد إلي ديانة غير معترف بها أو إلي " لا ديانة " في رأي البعض .
و لكن الجانب الأعمق في الفكرة أن صياغة حيثيات المحكمة تبطل المفهوم الأرسطي للهوية الثابتة الاستاتيكية : فلان مسلم أو غير مسلم , و لا وجود لحل ثالث وفق مبدأ الثالث المرفوع .
فوفق المنطق الهيجلي الجدلي , الهوية تحمل داخلها نقيضها : " من يدين بها من المسلمين " . تماما مثلما يكون البهائي بالميلاد مسلما وفق أوراق هويته بينما يدين بديانة غير معترف بها . هو إذا مسلم و لكنه أيضا غير مسلم لأنه مرتد - رغم أنه لم يكن مسلما أصلا - لأن هذه الديانة – عفوا " اللا ديانة " - تناقض مباديء الدين الإسلامي الذي من المفترض أنه ينتسب إليه وفق أوراق الهوية - رغم أنه لم يعتنقه أصلا .
و هنا يصل الجدل الهيجلي لذروته ..فالتناقض في الهوية ينتج البديل المركب الذي يجمع القضية و نقضيها و يحل المسألة و هي أن البهائي ليس موجودا أصلا أو أنه ليس مواطنا فلا يعنينا في شيء أمر بطاقة هويته اللعينة , فهو غير مرحب به للعيش هنا و في نفس الوقت لا يمكنه مغادرة البلاد بدون بطاقة هوية .. لذا فليذهب إلي الجحيم ليحل مشكلته مع هيجل .
2- الفقه القانوني الشعبوي
ليس أثقل علي النفس من قراءة مرجع قانوني أو حيثيات حكم محكمة , و لكن هنا يخرج الأمر عن المألوف كما يخرج عن السيطرة . فحيثيات الحكم مثيرة بكل معاني الكلمة . فهي تستخدم في الاستدلال أساليب مثيرة و غير مألوفة مثل مزج القانون بالميتافيزيقا باعتبار " السماوية " معيارا للاديان المعترف بها , كما تذكر اجتهادا في علوم مقارنة الأديان لقضاة المحكمتين الدستورية و الإدارية الذين فحصوا أديان الإنسانية و فحصوا السماوات العلا – من الأولي و حتي السابعة - ومن ثم استقر في روعهم , بعد المداولة , أن الأديان السماوية المعترف بها – من قبل ضمير مبني للمجهول لم يجر تحديده حيت الآن - هي الإسلام و المسيحية و اليهودية .
ثم تقفز الحيثيات لأصول الفقه لتقرر أن أئمة المسلمين أجمعوا علي ذلك أيضا . و بينما يري البعض أن الإجماع كان خرافة أيضا و حال تخلف وسائل الإتصال قديما عن كشفه , فإن تقرير المحكمة يبدو مستندا لإجتماع سري للغاية انعقد بحضور كل أئمة المسلمين من أول مفتيي القاعدة و طالبان و حتي موظفي الأزهر و الزيتونة , و حضره ابن باز و ابن عثيمين و القرضاوي و الترابي مع علي خامنئي و مقتدي الصدر . لم يغب عنه لا القدامي مثل محمد بن إدريس الشافعي ولا المعاصرين مثل الشيخ سيد عبد المتجلي القاطن بالكيت كات . و تم تسجيل و توثيق الإجماع في هذا الإجتماع , و الحمد لله .
و من الميتافيزيقا و مقارنة الأديان و أصول الفقه إلي التاريخ الذي أكد – هو شخصيا - عمالة البهائيين الموثقة " للقوي الاستعمارية قديمها و حديثها " . و هذه هي المرة الأولي التي يدلي فيها التاريخ شخصيا بشهادته في قاعة محكمة , و يستند في شهادته إلي روايات الجاسوسية المشوقة التي كشفت عما تجاهلته المراجع التاريخية المملة . و فند التاريخ دعاوى عدم قانونية محاسبة أفراد علي جرائم ارتكبها آخرون من نفس الطائفة , إن ثبتت , ناقلا نهاية أحدي الروايات التي يحذرنا فيها المؤلف من أن صراع الخير و الشر مستمر دائما , و كما قال فؤاد المهندس: " مستر إكس " لا يمكن ينتهي .
3- طريق الألف ميل يبدأ بخطوة
الحياد و الموضوعية الكاملة و عدم التحيز خرافات أيضا , فلماذا لا يتحرر القضاء منها !
لنكن صرحاء مع أنفسنا و لنتسامح مع هذا , فكيف يمكن للقاضي أن يكون محايدا و متسامحا مع مثل هؤلاء الذين عطلوا أحكام دينه في الجهاد و الصوم و الصلاة و نظام الأسرة .
إن هذا شيء لا يغتفر بالتأكيد , تماما مثل الدعوة - في أدبياتهم - لحكومة عالمية و التعدي علي حق المسلمين باعتبارهم الأغلبية في تشكيل هذه الحكومة - في أدبياتهم أيضا - تحت مسمي الخلافة الإسلامية التي تملأ الأرض عدلا و سلاما .
يمكنك هنا أن تضيف مجالا آخر من مجالات المعرفة الإنسانية تستخدمه حيثيات الحكم و هو النقد الأدبي للنصوص و النقد التاريخي للكتب المقدسة . فبخلاف نقد الأدبيات الدينية و السياسية المقارن السابق , تقرر المحكمة في حيثيات الحكم أن الدعوة للحكومة العالمية يتم بـ " كلام شاعري معسول " , أو كما قال يوسف وهبي رحمه الله .
و لكن الأمر يتجاوز النقد الأبي إلي التأسيس السياسي لعودة الخلافة الإسلامية فعلا , و التي يمكن أن تكون مصر نواة لها لولا وجود بعض الأقليات من أتباع ديانات سماوية معترف بها للأسف الشديد .
حيثيات الحكم خطت خطوات أبعد في سبيل حل هذه المشكلة , فما ذكرته من مبررات لرفض إثبات البهائية كديانة يحمي القانون و الدستور ممارسة شعائرها هو إبطالها أحكام الإسلام و الإتيان بأحكام مختلفة كما إنكار كون النبي محمد (ص) خاتم الأنبياء , ثم نصها علي ألوهية أناس من البشر ... و لعلي ألمح في عيونكم بريق النصر .. فكل المبررات السابقة تنطبق علي اليهودية و المسيحية بل إن الأخيرتين تتجاوزان إنكار ختم النبوة بمحمد (ص) إلي إنكار نبوته أصلا . بل إنهم – و لننتبه جيدا – يؤمنون بان محمدا في أحسن التعبيرات هو رجل عربي طيب يتوهم النبوة و خيل إليه أن نتاج قريحته هو قرآن من الله .و في أوضحها هو دجال كذاب ألف كتابا ادعي انه من عند الله .
أي إخلال " بالنظام العام و الآداب العامة " و استفزاز لمشاعر الأغلبية تحمله هذه الديانات المعترف بها زورا !
أنا أدعوكم للمطالبة بإعادة النظر في معيار الاعتراف بالأديان بناء علي حيثيات المحكمة الموقرة و بناء علي كون الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع و بناء علي نص القرآن الكريم " إن الدين عند الله الإسلام " و " و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " .
أما ما يعتري ذلك من مشكلات علي الصعيد الدولي و ما يترتب عليه من تنصل مصر من المواثيق الدولية الإنسانية التي وقعت عليها . فالمحكمة خطت أيضا خطوات واسعة في هذا المجال . فقالت أن رفض الاعتراف بالهائية و منع ممارسة شعائرها و إغلاق محافلها لا يخالف نص المادة 18 من الإعلان العالمي حقوق الإنسان التي تنص علي أنه " لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة " .
طبعا واضح أنه لا تناقض !
و لكي توضح هيئة المحكمة أكثر كيف لا يتناقض ذلك – دعك الآن من المنطق الهيجلي - أضافت المحكمة حاشية هامة علي هذا النص : " فإن هذا الحق يجب ان يكون مفهوما في حدود ماهو معترف به من أن المقصود بالدين احد الاديان السماوية الثلاثة الاسلام والمسيحية واليهودية "
إذا أخذنا الحاشية علي إطلاقها فاليابان و الصين و الهند قد وقعوا علي ميثاق ينص علي أنه لا حقوق دينية للأغلبية عندهم .
و إذا فهمنا الحاشية أنها تخص الحالة المصرية , فهذا يؤسس لحق كل دولة أن تقيد – بينها و بين نفسها - نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان , لتنتج نسختها الخاصة , وفق مقاييس اعترافها الفولكلوري الخاص .
و بذلك ينتفي الطابع التبادلي للاعتراف و التعايش الإنساني , و يصبح استخدام النسخ الورقية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان , كورق تواليت أكثر جدوى من قراءتها .
في هذا السياق تصبح الدعوة لمصر كنواة للخلافة الإسلامية خالية من الأقليات دعوة واقعية و ممكنة - اهتم قطاع شؤون الهجرة المصري بالفعل بنشر هذه الحاشية من نص الحيثيات - و لندعنا من هراء أن هؤلاء الأقليات أتباع ديانات سماوية فلقد رأينا ما رأيهم في نبينا !
و لننتظر معاييرا خاصة لكل دولة تحدد ما هو معترف به من الديانات بحسب فهمها لنص الاعلان العالمي, و بحسب ثوابت أغلبيتها , مما قد يترتب عليه حركات هجرة متبادلة ترسل الأقليات غير المعترف بها إلي أماكن تحظي فيه بالاعتراف, بينما يتأهب المسلمون في كل مكان للعود لديار الإسلام تحسبا , بالمثل , لمقاييس اعتراف لا تشملهم .
و بهذا لن نعيد فقط مجد الخلافة الإسلامية و إنما سنعيد تقسيم العالم ثانية – علي أرضية حواشي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – إلي دار إسلام و دور كفر .
و المجد لحكم المحكمة الإدارية العليا في الأعالي و علي الأرض السلام .