06 June 2009

أوباما جاء ليكلمنا لا ليقول شيئا



لست ممن توقعوا أن يفاجئنا أوباما بانعطاف جذري تاريخي ليصبح "أوباما الأول" الذي اكتشف أن القضية الفلسطينية هي "ماستر كي" أبواب الوصال بين أمريكا والعالم الإسلامي/ العربي، فقرر استخدامه وجاء ليبلغنا ذلك.
ولكن التعبيرات بين المزدوجتين، التي أستعيرها من مبدعها محمد علي إبراهيم رئيس تحرير "الجمهورية" في مقاله بـالعدد الأسبوعي الصادر صباح الزيارة، أراها تعبر عن تصور هو بالفعل مفتاح أساسي أو "ماستر كي" لفهم طريقة تفكير مهاجمي أوباما وزيارته.
أصحاب هذا التصور كانوا متأكدين مثلي أن الانعطاف الجذري بشأن القضية الفلسطينية لن يحدث في هذه الزياة وهذا الخطاب. وعليه - وهنا سنفترق- بما أنه لن يشهر توبته ليكون معنا إذن فهو ضدنا. فقرروا استقباله ببوسترات الشباشب أو بمحاولة غرائبية للاعتصام في ميدان التحرير، بل استبقت اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية خطابه ببيان يدين مقدما الخطاب، وهو الظهور الأول فيما أعلم لظاهرة الإدانة مقدما ولا يفوتني أن أهنيء اللجنة.
اليقين المسبق في الإدانة المقدمة أو الاعتصام قبل الخطاب أو في بوسترات الشباشب هو يقين موفق إلى حد كبير، فلا أحد كان يتوقع أن هذا الخطاب سيشهد تحول أوباما من رئيس منتخب للولايات المتحدة الأمريكية إلى شاب هيبي أو ناشط في حركة مناهضة للعولمة سيطلب- وهو يضرب بقبضته على المنصة - نسخة من "وثيقة تفكيك إسرائيل" ليوقع عليها ثم يخرج من الجامعة محمولا على الأعناق.
تصور أمريكا كإمبراطورية لا يعني أن أوباما إمبراطور يمكن له أن يغير دينه فيتبعه قومه ويتغير مسار الإمبراطورية كما فعل من قبل امبراطور روماني. الكل يعرف ذلك، ولكن يبدو أن أصحاب الشباشب والبيان والاعتصام يعتبرون أن هذا وهذا فقط هو ما يمكن اعتباره شيئا جيدا يمكن الترحيب به.
وكأنه لا يمكن أن نرحب بأقل من ذلك اتساقا مع وضع أقدامنا المنغرسة في هذا المستنقع، واتساقا مع ما يمكن توقعه من رئيس منتخب ليعبر عن مصالح شعب آخر لا مخلص للبشرية، واتساقا مع التوقعات المتبادلة بين أفقين حضاريين أحدهما -رغم كل شيء- سمح لشخص ينتمي لأقلية عرقية أن يصبح رئيسا في حين أن الأفق الآخر تناضل فيه أقلية دينية من أجل بطاقة شخصية.

في هذا السياق، عندما يأتي أوباما ليلقى خطابا يدعو فيه إلى "إعادة تقييم العلاقة المتبادلة بين الأفقين الحضاريين" فإن هذا ما ينبغي التوقف عنده رغم أنه ليس جديدا يقال. الدعوة لتجاوز حالة "صدام الحضارات" أو كما عبر هاني شكر الله "وقف إطلاق النار في حرب الحضارات" أشار إليها أوباما سابقا في أكثر من مقام.
الجديد هنا هو أن أوباما لم يكتف بموقفه المعلن، بل أراد أن يقوله هنا في مقام أكثر قربا. أراد أن يسجل: "سآتي بنفسي لأقول ذلك". وهو هنا يؤكد مكانته الشخصية والاعتبارية، كما يؤكد على أنه رغم هذه المكانة سيأتي ويقول قولا لينا. بل وسيختار مكانا يعبر عن دور حضاري وليس سياسي مباشر.
ورغم أن دلالة المكانين الذين فاضل بينهما أوباما- جامعتي القاهرة والأزهر- عند من يعرفهما جيدا تختلف عما أراده أوباما. لكن اهتراء الدور الحضاري لكلتا المؤسستين لا يزال يخدم خطاب أوباما، فهما مكانان ارتفعت فيهما المصاحف في المظاهرات واختلط فيهما الاحتجاج السياسي على سياسات أمريكا بتصور عن حرب تقودها ضد الإسلام.
"الإطار الحضاري" الذي اختاره أوباما له دلالات عدة. فهو من ناحية مناسب لاعتذار عن حماقات تسبب فيها سلفه والتيار الذي يمثله، ولكنه أيضا هجوم على الحماقات المقابلة عند قطاعات مماثلة في هذه المنطقة من العالم وافقت سياسات بوش هواها واعتبرتها تأكيد لصدق نظرتها الثنائية للعالم، ونظرّت لكون الصراع الديني أو القومي هو الإطار الحتمي لقراءة كل تناقضات وصراعات السياسة.
بخلاف المجاملات الديبلوماسية، فإن كل إشارات التقدير الموجهة لـ"العالم الإسلامي" كانت موجهة لماضيه، بينما كل الإشارات الإيجابية موجهة لحاضر أمريكا أو ما يتعهد أوباما بالالتزام به. التسامح واحترام الأقليات هما من التراث الماضي للعالم الإسلامي، الذي يدعوه أوباما الآن لاحترام التنوع وحسن معاملة أقلياته. وحتى حجاب المرأة لم يتركه أوباما للعالم الإسلامي بل أكد على أنه ضد أي انتقاص من مكانة المرأة بسببه، ويدعم كلامه وجود مستشارته المحجبة، في الوقت الذي لا يمكن أن تلتحق فتاة محجبة بالسلك الديبلوماسي المصري.
هو أكد على أن أمريكا ليست في عداء مع دين ما لأن المسلمين فيها مواطنون ينعمون بالحرية الدينية، وبالتأكيد يحظى الأمريكيون بحرية التحول إلى الإسلام، بينما أعداد لا تتجاوز أصابع اليد تتحول عن الإسلام تثير القلاقل في العالم الإسلامي المعاصر، والجامعة التي كان يخطب على منبرها تواطئت لإقصاء باحث هو نصر أبو زيد لأن أساتذتها اعتبروه مرتدا عن الإسلام بسبب اجتهادات أكاديمية قدمها.
يبدو لي هنا أن الوجه الآخر لاعتذار أوباما هو توبيخ وتقريع عنيف. بدا لي أنه يقول لنا: "أنتم تطلبون عدالة واحتراما وسياسة أخلاقية لا تكيل بمكيالين. ولكنكم فيما بينكم بلا عدالة ولا احترام للأضعف، كما أنكم لا أخلاقيون وبألف مكيال. فكروا قليلا، عليكم الكثير من الواجبات قبل أن تتنتظروا شيئا".
هاجم البعض خطاب أوباما لأنه لم يقل شيئا جديدا انتظروه. أوباما لم يأت هنا مع خدمة توصيل الطلبات للشعوب. بل على العكس كان واضحا في إشارته إلى العلاقة الوثيقة بين أمريكا وإسرائيل، ليحبط منتظري "أوباما الأول"، كما قال بشكل واضح أن خطابا لن يقدم حلولا للمشكلات المعقدة التي أدت بنا إلى هذه اللحظة.
لم يأت أوباما أصلا ليقول شيئا جديدا، ولكنه جاء إلى هنا ليتكلم ويؤكد على ما قاله سابقا من أن إدراته تريد أن تعتمد سياسة لا تكون فيها أمريكا إمبراطورية تهتم بمصالحها بشكل ضيق الأفق. ولكن على العكس تدرك أن بينها وبين العالم مصالح مشتركة هي أساس التفاهم والحوار، وهناك بالتأكيد انحيازات ومصالح متعارضة – أعلنها بوضوح وصدق- يمكن للتفاهم والحوار أن يسهما في التفاوض حولها، حتى في وجود الصراع.
التفاوض أو "الكلام الممكن" هو ما أراد أوباما أن يعبر عنه بقدومه إلى هذه المنطقة، لكي يكرراختياره لسياسة ترفض اعتبار اختلاف الإطار الحضاري، الديني وغيره، هو أساس الصراع أو مانعا للتفاوض والتفاهم. بل ويدعو هذه المنطقة أن تحترم أقلياتها وتنوعاتها من نفس المنطلق.
لا يمكنني أن أفهم تحركات أوباما إلا باعتبارها خطوات رئيس أمريكي يرعى مصالح أمريكا، التي يقف كثير منها ضد انحيازاتي. وفي هذا السياق أختار الترحيب بأوباما، بصفته الرسمية "رئيسا خصما" يريد أن يخلص الصراع من جهالات مدمرة للطرفين، وبصفته الشخصية كفرد تحمل مسيرته الخاصة داخل أروقة الامبراطورية الملامح الجيدة لما يسمى بـ"الحلم الأمريكي" المتعدد الوجوه، كما لا يضايقني أبدا أن يكون خطابه هنا استعراضا لبهاء هذا الحلم متمثلا فيه أو تقريعا لحالة الانطفاء في هذا الجانب من العالم والتي تزيد من جاذبية بهائه. لعل الغيرة تنهشنا.

14 comments:

R said...

كلام جميل- أنا ضعيف أمام إثنين: عمرو عزّت وباراق أوبما... فماذا أقول؟
-----

بمناسبة الجامعة والأزهر، تذكّرت شطراً من عنوان كتاب للمرحوم (أو الراحل إن شاء البعض) أحمد عبد الله:
الجامع والجامعة ...

Aly said...

Thank you for the wonderful and great analysis.

This speech was the epitome of what "style over substance" is; hardly a surprise coming from the circus world of American politics.

During the first 15 minutes, I was excited and enthusiastic. I felt real hope, especially when I heard his introduction about Islam and the history of Islam in the world and in the US. As soon as he started to hit the real topics, the picture really changes.

If you put aside all the Quran quotes (which history has taught us is a familiar imperialist trick, see Napoleon and Alexander the Great's visits to Egypt and how they pretended to embrace the local religion), you will see that he is the continuation of a century long of imperialist American policies.

This becomes apparent when you analyze his position towards the Arab-Israeli conflict. "America's strong bonds with Israel are well known. This bond is unbreakable." This summarizes all what's wrong with American middle east foreign policy.
Well, Mr. Obama, why should we accept that? How is that in sync with American values?

Obama started his speech talking about the stereotype of the US as an imperialist empire, and reminds us that the US was built on a revolution for freedom. Thirty minutes later, he demands Palistinians abandon violence, because it is not the moral high road (without even mentioning that 1400 innocent people were killed by Israeli aggressions pretty much under his watch). Now, here's my problem: Did George Washington and the founding fathers hold peaceful demonstrations and ask Europe to mediate their negotiations for freedom and independence, or did they fight for it? Was Washington a terrorist then? Didn't black people in South Africa use armed resistance? Would he get away with calling that violence, or is it just that Palestinians never made good rap music ?

Now, moving on to Iraq and Afghanistan. On the one hand, he promised withdrawal by 2012, a commendable move, but hardly impressive seeing the public opinion in the US demanding it. And of course, after you cause the death of 800000 civilians and the displacement of 3 million, the least you can do is apologize; that never came. Contradictory, in a manner only possible for the government in Orwell's 1984, he wants to increase the troop count in Afghanistan. Not only that, but the number of civilians killed in American raids has increased since his inauguration, and now border areas in Pakistan are legitimate targets as well.

As for democracy, women and minority rights, Obama came to Mubarak's Egypt from Saudi Arabia where he "praised the wisdom of King Abdallah". One word that comes up here is irony, but another is hypocrisy.

Now to be fair, Obama is definitely a welcomed change from Neoconservatism and Dick Cheney (the real man behind the last 8 years). But it's not change we can believe in: it's merely a Pepsi-cola-worthy rebranding of American pragmatism, imperialism and unequivocal bias towards Israel.

I completely agree with you on the fallacy of expecting Obama to save us. I understand our need as Arabs and Egyptians for hope in change, but as usual, we expect everything but our own actions to make it happen. AL YASSAR AL DIMOCRATY HOWA AL 7AL:)

Check this out:
http://angryarab.blogspot.com/2009/06/obama-speech-part-vapid-and-part.html

Lasto adri *Blue* said...

لم أكن أتوقع من أوباما شيئا بعينه، لكننى بالتأكيد كنت آمل -فى سري- بعرضٍ مسرحى أفضل. لذلك أصابتنى خيبة أمل بعد خطاب.. فهو -وان كان يظهر حسن النوايا- فمازال يبطن الكثير من سياسات الولايات المتحدة المعروفة مسبقا..

أوباما لم يقل شيئا جديدا..

لكن كل ما أود إضافته هى الجملة الإعتراضية الوحيد ربما الموجه لأمريكا وبها نوعا ما من اللوم أو العتاب. عندما قال اننا يجب أن لا نعتبر من أرادت إرتداء الحجاب أقل مما لم ترتديه.
ربما كان يخاطب دول مثل تركيا، لكن الأغلب أنها موجهه مباشرة للشعب الأمريكى

mido said...

زيارة أوباما لمصر أو لنكن أكثر دقة مصر مبارك مرفوضة من الاساس لأنها تدعيم و اعادة ترميم للعلاقة مع الانظمة الاستبدادية

فتركيا أولى بزيارة من هذا القبيل

أحمد علي said...

عبرت تقريبا عن كل ما أفكر به.

تحية للصحفي الراقي الهادئ عمرو عزت، تحول إعجابي بمقالاتك من كونها "مقالات جيدة كتبها صحفي واعد" إلي "مقالات كتبها فلان".

أتمني لك المزيد من النجاح في المستقبل القريب بإذن الله.

Hassan said...

مش فاهم ازاى واحد جاى يتكلم من غير مايقول أى حاجه؟
ماهو طالما انه جاى يتكلم يبقى لازم يقول حاجه
وكل اللى هو قاله معروف ومقالش حاجه جديده
على كل حال اهم حاجتين هما
جامعة القاهرة اتنضفت لأن طبعا عمرها ماكانت هاتنضف

ثانيا الخطاب موجه للمسلمين يعنى فى علاقة بين السياسه والدين وده بيرد على العلمانيين

أحمد said...

أكتر ما قرأته ابهارا وحلاوة

Anonymous said...

شبعنا كلام

شبعنا خلاص

Anonymous said...

تقريبا المقال الوحيد الذى قرأته و يتفق تماما مع ما أعتقده
استفزتنى كثيرا اعتراضات البعض على خطابه , من المعروف أنه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية و ليس رئيسا لأى دولة عربية أو اسلامية حتى يقدم لنا حلولا جاهزة أو تنازلات بدون مقابل أو حتى ضغوط عربية فى مقابل الضغوط الاسرائيلية القاصمة و المعارضة القوية التى يتعرض لها فى الكونجرس سواء من الجمهوريين أو الديموقراطيين
ينتظر منه البعض ايقاف الحرب فى أفغانستان و باكستان , بينما المتشددون هناك يفجرون المساجد وقت صلاة الجمعة لقتل العشرات ليعطوه مبررا لاستكمال الحرب !!!!!!!!
أراده البعض أن يحرر فلسطين بدلا منهم, بينما يقتل الفلسطينيون بعضهم يوميا!!!!!!!

تملكنى شعور بالغيرة حين رأيت " الرئيس الخصم " شابا يتمتع بالذكاء و الكاريزما , يجيد تجميل وجه أمريكا القبيح
وجدتنى أقول " يا بخت أمريكا بيه ... عقبالنا !!!"
آسفة للاطالة

Anonymous said...

و ان كنت آخذ على خطابه أنه كان أشبه ب" علاقات عامة " لا أكثر , لم نخرج منه بأى جديد كما قلت

Abdou Basha said...

موضوع حلو يا عمرو
أنا حاسس انه باراك اوباما بيمثل مرحلة النضج الامبراطوري.. على طريقة السلام الروماني، أو السلام الاسلامي
--
فيه أجزاء في الخطاب حسيت فيها ده تحديدا لما اتكلم انه زمن العلاقات الاقتصادية القايمة على البترول اتغير، وفيه دلوقت اهتمام بالعمالة الماهرة، واصحاب المشروعات الطموحة
ولما اتكلم عن المنح الدراسية وقال انه ابوه جاء إلى اميركا عن طريق هذه المنح
الفكرة انه خرج من الزاوية الضيقة بتاعت بوش، لمنظور تاني هو منظور الاحتواء، كدولة فرضت السلام وعايزة تجدد دماءها
--
روح النضج الامبراطوري دي، كانها لحاكم عايز يستفاد من العناصر الموجودة في امبراطوريته ويبتدي يعيد الاستفادة منها.. يعني انا شوفت الخطاب بتاعه كله كانه رسالة للعالم الاسلامي بيقول فيها
طب وليه ميكونش واحد منكم مكاني هنا.. زي المرشدة السياحية اللي كانت معاه :)
محاولة للاستفادة من السلام الأمريكي

Mist said...

فعلاً عبرت عن رأيي،وأضفتَ لي الكثير كعادتك.
تحية لطريقتك الهادئة المتوازنة :)

ahmad said...

"أنتم تطلبون عدالة واحتراما وسياسة أخلاقية لا تكيل بمكيالين. ولكنكم فيما بينكم بلا عدالة ولا احترام للأضعف، كما أنكم لا أخلاقيون وبألف مكيال. فكروا قليلا، عليكم الكثير من الواجبات قبل أن تتنتظروا شيئا".


عيـــن العقل
تسلم ايدك!

شادي said...

أول مرة اقرا التدوينة دي. وبصراحة جعلتنى اتوارى خجلا من عجزي عن التعبير بمثل هذا الاسلوب. في بعض الأحيان اتخيل انه عيب الكتابة في نفس الفضاء التخيلي الذي يكتب فيه عمرو عزت.

لقد قلت كل ما اردت ان اقوله ردا على تعليقات الجميع على خطاب اوباما. ممكن تستلف دماغي شوية وتكتبلي كل ما افكر فيه بخصوص الخطاب؟