29 May 2008

ما وراء ابتسامات القديسين


محمود عزت يكشف أخيرا عن صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الثقافية المصرية.

و في الصورة يبدو محمود ممتنا لـخالد عبد القادر الشاعر الصعيدي، و أحد مطاريد الحركة.. و أهم الفاعلين "الحقيقيين" في هذه الصفحات و صفحات أخرى تتكشف لاحقا.

23 May 2008

مقاومة المقاومة


(1)

المقاومة يلزمها عدوان لتكون كذلك ... لا يجب أن تكون خبيرا سياسيا و لا خبيرا لغويا لتدرك هذه الحقيقة .

و لما يغيب العدوان عن التلبس بالمقاومة، و لأنها لا وصف آخر لديها لنفسها أو لا خطة لديها إلا أن تكون " مقاومة " .. فإنها تصبح عرضة لقلق وجودي .

تغترب " المقاومة " عن نفسها، و يتململ سلاحها في يدها. هذا السلاح هو الذي يجعلها لا تزال " مقاومة "، و لكن أين هو العدوان ؟

(2)

المقاومة، بعد أن قاومت، نزلت إلى المستنقع. الخطو فيه بطيء والأساليب لزجة. و هالة "المقاومة" المقدسة تحوم فوق رؤوس حاملي السلاح دون جدوى : في المستنقع ليست ثمة قداسة.

العدوان ضروري لكي تعتمر "المقاومة" هالتها ، أو لكي ترتديها كخوذة.

ثم لم تكن ثمة فرصة أفضل: لقد حاولوا "العدوان على السلاح" .. هاهنا السلاح المشتاق إلى العدوان يجد نفسه هو نفسه محل العدوان.

فيهب السلاح دفاعا عن السلاح !

(3)

السلاح الذي هبّ ليس هو السلاح الأول الذي أقسمت الهالة المقدسة المحومة فوقه أنه لن يستخدم أثناء صراعات المستنقع البينية، إنه سلاح آخر يدافع عن السلاح الأول ذي الهالة، المصوب هناك بانتظار العدوان.

و لو جادل أحد في حق السلاح الثاني في الدفاع عن السلاح الأول، تنبثق هالة فوق رأس السلاح الثاني و يهب سلاح ثالث للدفاع عن السلاح الثاني.

(4)

استدراك : ثمة عدوان بالفعل !

لست ممن يؤمنون كثيرا بـ " الحدود " ، لذا فهناك عدوان هنا بالقرب و يتطلب مقاومة ...

و لكن "المقاومة" الآن حيث هي لا تقاوم العدوان بل تنتظره، بينما يعتدي العدوان هناك و لا يجد من يقاومه.

نحن إذن لدينا في جانب "مقاومة" مشتاقة للعدوان و تدافع عن سلاحها في انتظاره، و في جانب آخر لدينا عدوان يفتقد مقاومة حقيقية، بعدما تحول نبع مقدس آخر إلى مستنقع.

(5)

استدراك آخر : المقاومة ليست فقط مواجهة العدوان بالسلاح !

قد تبدو هذه فكرة تقال في مواجهة المقاومة التي تدافع عن سلاحها بالسلاح، و لكنها أيضا تقال لمن يشكك في كونها مقاومة لأنها لا تواجه العدوان الآن.

سلاح المقاومة جزء من " مقاومة " كبيرة للعدوان، هذه المقاومة الكبيرة مشروع كبير قد يكون جزء منه في مواجهة العدوان، و لكن لا يشترط لأن تكون مقاوما أن تكون حقا في مواجهة العدوان بالسلاح .

العدوان أكبر و المواجهة يجب أن تكون أكبر .. أسلم بذلك .

(6)

و لكن هذا المشروع الكبير الذي يقاوم ، لا بالسلاح وحده في مواجهة العدوان ، يحتاج لا زال للسلاح حتى و هو لا يواجه العدوان.

إنه يحتاج السلاح دائما لكي تبقى القضية واضحة مثله ، فللسلاح طرفان : زناد و فوهة ، لا ثالث .

و هكذا يجب أن نزيح كل شيء من كل شوارع هذه المنطقة الكبيرة التي يجب أن تواجه العدوان، لكى لا يبقى إلا المتاريس بين طرفي السلاح.

لكي لا يتبقى إلا من هم بجانب الزناد في جانب ، و في الجانب الآخر من تصوب إليهم الفوهة .

(7)

و لو أنني – مثلا - أشكك في "المقاومة" و أسألها ، فلا مساحة ثالثة لمن يسأل من إصبعه على الزناد ، لأنه معذور بلا شك.. سيلتفت إلى و يجيبني و سأكون قد أصحبت أمام الفوهة .

المشروع الكبير للمقاومة لا مجال أمامه للتفكير في مساحات ثالثة و بدائل رابعة و خامسة يمكنها أن تأخذ نصيبا من الكلمات : فالسيف أصدق أنباء من الكتب .. هذا أولا . ثم أن السيف كسلاح ليس له إلا طرفين اثنين .. هذا ثانيا و أخيرا.

المشروع الكبير للمقاومة قد يحبس و يقتل و " يعتدي" على من يضبط متلبسا بـ " إضعاف الشعور القومي" و " الخروج على مباديء الثورة الإسلامية " .. فما بالك بالعدوان على السلاح.

(8)

علينا أن نقر إذن أن المقاومة مقاومة، و أنها حقا جزء من مقاومة كبيرة، و أن المقاومة الكبيرة و المقاومة الصغيرة تحتاجان للسلاح ، إن يكن لمواجهة العدوان فمن أجل مواجهة أي مشروع آخر قد يبدو مزعجا للمقاومة – الكبيرة أو الصغيرة – لكي لا يضعف الشعور القومي أو يخرج على المباديء أو يشكك بالمقاومة أو يرفع صوته فوق صوت السلاح.

(9)

من " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " إلى " السلاح دفاعا عن السلاح " ..

في الأولى: أسكتت الأصوات التي تزعج الدولة المقاومة بقوة السلاح ، و في الثانية: السلاح الذي يدافع عن السلاح المقاوم حرص على إسكات الأصوات التي تزعج المقاومة .

ليست محاسن الصدف .. إنه المشروع "المقاوم" الكبير تقدست أسماؤه المتعددة و ينفد البحر و لا تنفد بلاغة تعبيراته.

(10)

"المقاومات" ماضية في طريقها. ليس من أجلنا، و لكن لأنها مقدسة و إلهية و لا تحتاج إلينا في شيء.

نحن الذين لسنا مع "المقاومة" .. إما خونة و عملاء إن طالبنا بمشروع آخر للمقاومة أو للحياة، و نحن قطعا ساعتها أمام فوهة السلاح الذي يدافع عن السلاح.. و " سيد المقاومة " لن يرحم أباه و لا أخاه .. قالها هكذا!

و إما ضحايا عارضة في معركة السلاح الذي يدافع عن السلاح، و سيقول "سيد المقاومة" لنا قبل أن يجف دمنا : أعزائي لقد قتلكم سلاح ، ليس هو سلاح المقاومة الذي يدافع عنكم ، و لكنه سلاح آخر يدافع عنه.... فانتبهوا و ارقدوا قريري العين لأن سلاح المقاومة يحمي جثثكم !

(11)

الذين أُشهر "السلاح المقدس" في وجوههم ربما يعرفون الآن : ما هو الفارق بين العدوان على الحياة من أجل المقاومة ، و بين مقاومة العدوان من أجل الحياة.

يعرف ذلك فقط من عاينوا أن تكون حياتهم أضحية بخسة بدلا من أن تكون غاية.


22 May 2008

اللقطة الطلقة


’’ صورة تصدرت الصفحة الأولى لجريدة الأخبار اللبنانية التي يمولها حزب الله.. ربما لخصت مجمل الأزمة اللبنانية الأخيرة ... ،،

هاني درويش
البديل 18 مايو 2008

14 May 2008

ليس إلا خدش خفيف غير ظاهر في باطن القدم

اخترق المسمار الشبشب و نغز قدمي، في نفس اللحظة التي اصطدم فيها أمامي التوك توك بالتاكسي .

أود أن أقول أنني أمشي بالشبشب و ملابس البيت، فقط في تلك الضاحية المباركة من أرض إمبابة التي تسمى "أرض الجمعية"، حيث أسكن منذ ولدت، و حيث أعرف تحديدا أي كلب سيقابلك في أي شارع فيها.

الأمر يزداد خصوصية إذا كنت أتحرك على خط المائة متر التي تفصل بيتي عن بيت أهلي. نوعا ما أعتبر هذا الطريق طرقة داخل نصفي بيت لا زلت أعيش به منذ أكثر من ربع قرن.

استطرادي هذا مدفوع بالرغبة في أن أضع هامشا على صورتي بالشبشب، لكل أقول أنني لم أصل بعد للمرحلة التي يتجول فيها المرء بالشبشب والفانلة الداخلية في وسط البلد .

ربما لم يكن يلزمني الاستطراد، لأني أظن أن كلمة " الحذاء " لغة تشمل الشبشب أيضا، كما أن الأحذية ليست محصنة ضد اختراق المسامير.. نعم, كانت كلمة الحذاء ستمر دون أن يتأثر مظهري ... مؤقتا ، لأن لم يكن هذا ليجدي في النهاية .

كما أنه كان من الأولى في ظروف أخرى أن أتجاوز سريعا ما يتعلق بقضية تافهة مثل الشبشب، لأخبركم عما حدث في قضية الاصطدام التي تبدو بلا شك أهم .

و لكن الحقيقة أن ألم باطن قدمي الذي لم يكن عظيما، قد شتت انتباهي كثيرا و أظن أنه أضاع تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بالقضية الأهم .

ولكن أذكر جيدا أن سائق التاكسي نزل و مظهره يوحي بالثقة و الاعتداد بالذات بينما سائق التوك توك ظل على حاله مسكا بمقود مركبته فيما يوحي برغبته في الفرار، التي يحاول وجهه أن ينكرها بأمارات الصياعة و الشراسة : فم مفتوح و جبين مقطب و عينين مفتوحتين عن آخرهما مع رفع الحدقة لأعلى المقلة .

و يبدو أن وجه سائق التوك توك لم يبد مقنعا لسائق التاكسي الذي أخذ يلكزه بقبضته و أصابعه في وجنتيه و ذقنه نزولا إلى عنقه .. بينما الأول يحاول جاهدا أن يبقى وجهه متجها إلى خصمه الذي يهينه من جهة اليسار بينما يداه لا تزالان على المقود .

لم أنتبه كثيرا لما تناثر من كلامهما، لأني كنت وقفت و أمسكت بالشبشب أنظر في أمر المسمار.

المسمار الذي التصقت رأسه بظهر الشبشب ، بدا منه بالكاد جزء من الناحية الأخرى و لكنه كان كافيا ليخدش باطن قدمي دون أن يسبب جرحا .

لست مستريحا للتطرق مرة أخرة لأمر الشبشب , و لكن كنت بحاجة إلي ذلك لأشرح عدم تمكني من إكمال طريقي . كان علي أن أخرج هذا المسمار .

وجدت حجرا بجانبي ، كان في الغالب أحد طرفي مرمى في مباراة قريبة. حاولت أن أدق على الجزء الظاهر منه ,و لكنه كان بالكاد ظاهرا فلم يتمكن الحجر من تحريكه .

كان من الواضح أن موقفي ميئوس منه تماما, فزفرت مغتاظا و لوحت بيديّ – واحدة بها الشبشب و الأخرى بها الحجر - و لم أنتبه إلا على أنني أقف تماما خلف سائق التوك توك الذي تم إجباره على ترك مقود مركبته بكيفية ما ، لكي يتراجع هكذا أمام سائق التاكسي الممسك بخناقه، و يكاد يصطدم ظهره بي .

رفعت يداي بسرعة – واحدة بالشبشب و أخرى بالحجر – و وضعتها في ظهره فأوقفت تقهقر سائق التوك توك الذي نظر لي - و للشبشب و الحجر - ظانا أني أدعمه، و نظر لي سائق التاكسي شذرا ربما بنفس الظن .

كان موقفي حرجا و فكرت أن أي شرح له سيبدو بالغ الحمق في هذه الظروف . لكن لحسن الحظ أن الأمر كان يتجه لنهايته و لم يكن علي أن أوضح أي شيء.

ذلك لأن جمهرة من فاعلي الخير كانوا قد تجمعوا بالفعل و كانوا يتحركون معهما . وعندما وقفا و صرت معهما، كانت اللحظة المناسبة لكي يمسكوا بهما و يبدءوا في ترضيتهما ...

ثم حدث أن سمعت واحدا، يبدو من نبرة صوته أنه فاعل خير عريق و خبير، و لكن يبدو أنه قد أتى لتوه فحسب ليصيح : " حصل خير ... خلاص يا إسطى ارجع عربيتك مافيهاش حاجة... و أنت يا إسطى ارجع التوك توك و خلي بالك .. و أنت يا كابتن خلاص إلبس الشبشب و سيب الحجر ده ! ".

09 May 2008

قطع كتاب داخل شاشة كمبيوتر

النشر الإلكتروني و التخفيف من سلطة النخبة


الحديث عن النشر الإلكتروني مشدود بخيط ، لا يخفى ، إلى النشر الورقي . لأعترف بذلك ! أردت أن أبدأ المقال بفقرة حماسية أقول فيها أن النشر الإلكتروني الحر قد دفع ناشرين للاتصال بأبناء جيلي من " المدونين " و " أدباء الإنترنت " لنشر كتبهم الأولى على خلاف العادة ، كمقدمة لأقول كيف يقلب ذلك المعادلة .. و لكن يبدو أن المعادلة لا تنقلب بل تميل قليلا لتعتدل ثانية باتجاه كتاب ورقي على أرفف المكتبات ، تكتب عنه الصحافة الثقافية و تقام له الندوات و حفلات التوقيع و يصبح اسم كاتبه :" كاتب".

لا ينطبق ما سبق على كل أشكال الكتابة على الإنترنت ، و لا تحتمل كلها دلالة ما يسمى بالنشر الإلكتروني .

ما سبق صحيح فقط , مع إضافة " حتى الآن " احترازا و انفتاحا على الاحتمالات , إن كان ما نقصد بالنشر الإلكتروني الكتابة التي تقدم نفسها كمادة كتاب ينتظر النشر .

و لكنه ليس كذلك إن كنا سنتطرق إلى كتابة أخرى لا تنتظر نشرا آخر فتبدو في مكانها على الإنترنت منجزة و مستقرة ، أو إن كنا سنتطرق إلى ما يسمى بالأدب الرقمي .

الكتابة الأخرى و التي تبدو لي مستقرة في مكانها ، بدون أن تنفي إمكانات نقلها ، هي كتابة " التدوين " أو فلنسمها كذلك . وهي الكتابة التي بدأت تتشكل مع المدونات و المواقع الشخصية ، بينما لم يتح لها الطابع الجماعي للمواقع المؤسسية و المنتديات و المجموعات البريدية أن تنتهي لما انتهت إليه الآن .

و لكن الحديث عن كتابة متميزة نطلق عليها " التدوين " لا يزال في طور الحديث عن نصوص مفردة يتم جمعها حال نشرها لا أعمال مترابطة يراد نشرها .. لذا يظل تعبير "النشرالإلكتروني " بعيدا عنها .

أما " الأدب الرقمي " فمصطلح يتبناه " اتحاد كتاب الإنترنت العرب " و مؤسسه الكاتب محمد سناجله الذي قدم تجارب لما يسميه " الواقعية الرقمية " . و هذا النوع من الكتابة ليس مكتفيا باللغة المقروءة ،و يستخدم وسائط متعددة : صور و صوت و فيديو , و يبدو متجاوزا لفكرة النشر الورقي ابتداء. و رغم أن هذا النوع يظل حاضرا في المخيلة و في النقاشات عن مستقبل الكتابة إلا أن الإنتاج الفعلي لأعمال من هذا النوع و باستخدام هذا المصطلح لا يزال مقصورا على مجموعة هذا " الاتحاد " ، و ربما لا يروق للكثيرين - و لي حتى هذه اللحظة - لابتعاده عن الاكتفاء باللغة كأداة للتعبير , و لاقترابه من الاستخدام الضعيف للوسائط الأخرى التي تمتلك قدرات تعبيرية عالية طورتها فنون أخرى .

الأدب الرقمي بعيد بالطبع عن نطاق الجدل بين النشر الإلكتروني و الورقي ، و هو بعيد عن الجدل المهتم بـ " الكتابة " تحديدا ،و ليس بأشكال تعبيرية تمزج الكتابة بأشكال تعبير أخرى, و ربما يقترب من الاتجاهات المتشعبة لما يسمى بفن الإنترنت Internet Art . وعلى الرغم من أن بعض منظري الأدب الرقمي يرون أن الإنترنت ، بسبب صعوبات التحميل ، تعتبر وسيطا يقيد التوسع في استخدام تقنيات أكثر قدرة ، بالمقارنة مع استخدام الاسطوانات مثلا . إلا إن هذا النوع لا شك يدين للإنترنت بوجوده أو على الأقل بمعرفتنا به .

تظل إذن الكتابة التي تنشر على الإنترنت و تسمى نفسها أدبا ، و لو احتارت في الاسم المحدد للقالب الأدبي ، هي التي تنسجم مع كلمة " النشر " بينما تظل في دائرة الأدب أو الكتابة و لا تخرج عنها . و نشرها على الإنترنت سواء مؤقتا منتظرة نشرا ورقيا ، أو كبديل نهائي تفكر به و هي لا تزال تتطلع إلى أصله .. هو ما يمكن أن نسميه : النشر الإلكتروني .

في هذا النوع ينشر الكاتب نصوصا شعرية أو قصصية أو مقاطع من رواية على منتدى أو مدونة أو موقع أدبي ، و ينتظر رأي جمهوره الذي يكون في أغلبه من الكتاب الآخرين من زملاء المنتدى أو أصحاب المدونات الأخرى أو المهتمين بالأدب من رواد الموقع الأدبي .

النشر الإلكتروني هنا يقوم مقام النشر في الصحافة الأدبية , غير الجماهيرية عادة , التي لا تغني عن الكتاب الذي يدشن دخول الكاتب إلى الوسط الأدبي و تقديمه لجمهور أوسع ، أو يحفظ نصوصه و يبقيها في ذاكرة هذا الوسط و وارثيه . ربما يقال أن تاريخ الأدب يحتفظ في ذاكرته أحيانا بقصة أو قصيدة منشورة هنا أو هناك لكاتب ما ، و لكن إن لم ينشرها الكاتب في حياته ، يكون التقدير الملائم لها هو ضمها إلى دفة كتاب تكريما و تخليدا .

فالأجيال الجديدة المهتمة بالأدب و الجمهور عامة هم بالتأكيد أقل إطلاعا على أرشيف المجلات الأدبية بالمقارنة بالكتب و إن كانت أقدم . ربما هنا يمثل النشر الإلكتروني لهذه النصوص فارقا فوجودها على الإنترنت يجعلها أيسر و أقرب من الكتب و إن كانت تظل أقل تقديرا في نظر الجمهور إن لم ترتبط باسم لامع .

ربما يكون الفارق الأهم هو في حرية الكاتب في عرض نصوصه هذه مباشرة ، بدلا من انتظار موافقة و اختيار محرر في صحيفة أو مجلة . و تتدرج مساحة الحرية التي يتمتع بها الكاتب صعودا من أشكال المواقع الأكثر جماعية و مؤسسية ، وصولا للمدونات الشخصية .. بينما بشكل معكوس تتدرج احتمالية الرواج، فالمدونة الشخصية تحتاج وقتا أطول لكي يتعرف عليها الجمهور بينما يحظى الكاتب بجمهور أوسع عند نشره لنصه الأول في موقع جماعي أو منتدى مطروق . و الحلول التي تجعل من المدونات الشخصية أكثر تأثيرا تعتمد أيضا على نوافذ جماعية ربما تفرض بعض الشروط أو الاختيارات في مقابل سرعة الوصول و التفاعل .

و ربما يكون إيقاع التفاعل مع هذه النصوص هو الأهم هنا ، فدورة قراءة النص و التعليق عليه تتسارع بشكل ملحوظ ، و لن يفني الكاتب عمره بانتظار أول تعليق على كتابته ، الأمر الذي يؤثر بالتأكيد على تسارع وتيرة التجريب حول الأشكال الأدبية و ظهور الأشكال الجديدة .

مما سينعش بالتأكيد سوق النشر الورقي التي يمكنها أن تتلقف بذكاء هذه التطورات و الأشكال الجديدة .

ربما يحمل هذا التسارع في التواصل و التقديم احتمالات افتقاد العمق و الروية : سيسير الأدباء الشبان في طرقهم مستندين لأكتاف بعضهم معتدين بقوتهم على خلق نوافذهم أو بجمهورهم الذي اختارهم , و ربما يفتقدون نوع الاتصال الكثيف و المعمق مع الأدب الراسخ قبلهم ، الذي كانوا سيحومون حول ضوئه كالفراش ، للانضواء تحته أو لخيانته في اللحظة المناسبة .

إنها مغامرة الحرية التي تحمل أجنة الجديد المباغت و المفارق ، مثلما تحمل أجنة غير مكتملة تسقط لأنها لم تتغذى جيدا .

هذه الوتيرة المتسارعة و الحرة تسبب قلقا آخر لدى بعض النقاد و الأدباء ممن يرون أن الأمر يتحول لفوضى و كثافة في النصوص التي لا ترضيهم ، و التي يخشون " إغراقا " لساحة الأدب بها . و لكن ربما كانت الرؤية الأكثر تدقيقا أن احتمالات الإغراق بالنصوص الرديئة – بحسب رأي ما - تنتقل من يد الناشرين ، التي ليست يدا أمينة دائما ، إلى أيد أخرى مختلفة و متعددة . تختلط فيها أيدي الكتاب بأيدي الجمهور : حرية المرء في أن يدشن نفسه كاتبا ثم حرية " الجمهور " في أن يعتبره كذلك ، و هو ما قد تعتبره " نخبة " ما تدخلا يتجاهل معرفتها بمعنى " الجمال الحقيقي " و مهمتها المقدسة في التبشير به و تقديمه .

نتفاءل بالتخفف من سلطة النخب أم نتشاءم من سلطة الجمهور التي أحيانا ما تكون أشد وطأة ؟

أظن أن التفاؤل يجد مبرراته الأقوى مثلما يجد أكثر الكتاب تفردا و نخبوية و اختلافا و تمردا مساحتة الخاصة إن ضاقت به السبل أو ضاق أفق الجمهور و مساحة حرية الورق ... محمد ربيع الروائي المتمرد الراحل مبكرا ، رغم حفلات التأبين و التكريم العديدة ، لن تحظي رواياته بحسب ما قرأت إلا بطبعة محدودة تفاديا لآثار حريته اللا محدودة . بينما يبدو السبيل الوحيد لانتشار رواياته هو النشر الإلكتروني .

هل تطرح إذن مبادرات " دور النشر الإلكترونية أو الافتراضية " – مثل دار "سوسن" و " ناشري " و "أدباء جيران " - نفسها بديلا نهائيا عن النشر الورقي ؟

لا يبدو ذلك ، حتى دعاوى الاستغناء هي بدوافع من الضيق و التبرم بقيود و سلطات النشر . و حتى الآن تزهو هذه الدور بالأعمال التي تنتقل من إصداراتها الإلكترونية إلى إصدارات ورقية و تعتبر ذلك بشارة للكتاب الشباب .

و رغم أن بعض هذه الدور تنشر كل ما يصلها و تنشيء مدونات مجانية للكتب لتضعها فيها ، و هو ما يمكن أن يقوم به الكاتب ، إلا أن حاجة الكاتب لنافذة يتطلع إليها جمهور لا بأس به تجعله يرسل عمله و ينتظر نشره !

ربما كان الأكثر دلالة بهذا الشأن ، هو قطع الكتاب الذي تستقر فيه النصوص وسط شاشة الكمبيوتر العريضة ، أليست أصلا برامج الكتابة على الكمبيوتر تضع النصوص في قوالب جاهزة للطباعة في مساحات الورق المتاحة و المعروفة ؟

دور النشر الإلكترونية لا تزال تترك مساحة شاشة الكمبيوتر لتصنع أغلفة لكتبها الإلكترونية تشبه قطع الكتب ، رغم أن صفحة الإنترنت باتساعها تحمل أبعادا جمالية أخرى يمكن استغلالها . إنه سحر الورق الذي لا يزال يسترق أصحاب الكلمات و يشد تجاربهم إليه .

هو نفسه السحر الذي يجعل أغلبنا يهز رأسه نفيا مجيبا على أسئلة الاستطلاعات التي تتكرر لتسأل عن تقبلنا لاحتمال اختفاء الكتاب الورقي أمام الزحف الإلكتروني .

ربما الإجابة بنعم ، التي ستقطع مع هذا الحنين ، هي نفسها التي ستقطع الخيط الذي تتبعناه ، و ستحرر النشر الإلكتروني ليستكمل تجربته و يختبر إمكاناته .

أو ربما هي بدائل الكتابة الأخرى التي ستتقدم لتكشف أن قوالب الأدب الحاملة لرائحة الورق هي نفسها الخيط الذي يشد أي نشر إلى قطع الكتاب المعروف حتى داخل براح صفحة شاشة الكمبيوتر العريضة و اللا متناهية الطول .

06 May 2008

05 May 2008

نصر أبو زيد : أما قبل .. فسؤال الحرية


المشهد داخل القاعة الشرقية بالجامعة الأمريكية مساء أمس الأول ، كان مقلوبا للمشهد خارجها.

حفاوة بالغة استقبل بها نصر أبو زيد من مضيفيه بعد أن تعنتت نقابة الصحفيين في استضافة محاضرته بحسب مسئولي مؤسسة "المورد" المنظمة لها ... و حفاوة أكبر من محبيه الذين ملأوا القاعة و وقف بعضهم طوال ساعتين استمعوا فيها إليه و هو يحاصر "خطاب تحريم الفن" الذي يحاصر الجميع خارج القاعة .

أنصار " التحريم " كانوا أقلية مؤقتا داخل القاعة و لم يسلموا أحيانا من تذمر محبي أبو زيد , و لكن الدكتور الذي أخرجه هؤلاء " الأنصار" من مصر بعد أن طاردوه بدعاوى قضائية و اتهموه بالكفر و أرادوا التفريق بينه و بين زوجته ، كان هو نفسه أكثر تسامحا معهم و رد على أسئلتهم الهجومية بلطف و إن كان بحذر.

تحدث أبو زيد عن خطاب التحريم رافضا حصره في الدين، مشيرا إلى أن التحريم يسود ساحة السياسة و المجتمع بل و الجامعة نفسها التي أصبحت تضيق بحرية تفكير أساتذتها و طلابها .

و قال أن الدين أصبح وقودا يحترق لتدور عجلة السياسة, و رغم تأكيده أنه يريد دولة لا تذهب للجامع أو الكنيسة إلا أنه دافع عن حق " جلاديه " و " مكفريه " من التيارات الإسلامية في الوجود و التعبير , لأنه يريد دولة تحمي حرية الكل .

و أكد أن الخوف و الرغبة في الحماية و تغليب فلسفة العقاب ليست فقط سمات خطاب التحريم الديني , و إنما هي أيضا سمات خطاب التحريم السياسي الذي يخاف من الحرية و يدعي حماية الشعب من التيارات المعارضة و يمارس فلسفة العقاب عبر القمع و الحكم البوليسي .

بعض مداخلات الحضور أرادات أن تستفتي أبو زيد في كل شيء, من الدين إلى السياسة, و لكنه تهرب من أن " يفتي " و قال أنه باحث و ليس رجل دين و لا صاحب مشروع شامل . مشيرا إلى أن الثقافة التي تنتظر الفتوى في كل شيء هي ثقافة يسكنها الخوف من الخطأ , بينما الحياة فيها متسع للتجربة و الإيمان فيه مساحة للخطأ و الاستغفار و التوبة .

نصر أبو زيد قال أنهم في جامعة لايدن بهولندا ، حيث يحاضر الآن، يتعجبون من اتهامه بالردة في مصر , بينما يرون أنه باحث مؤمن و " مسلم جيد " ، و أضاف أنه كذلك بالفعل و يريد أن يخيب ظن خصومه الذين كفروه و أيضا ظن بعض مناصريه الذين دافعوا عنه باعتباره كافرا و قال بحسم و وضوح :" أنا مش كافر ! "

أنهى أبو زيد محاضرته قبل المداخلات بإشارة إلى ما يبدو أنه مبتدأ نظره في مسألة خطاب التحريم. فقال أن الدين حياة , و الحياة بلا فن خواء. ولطالما ازدهرت الفنون حول الأديان بحيث يصعب الفصل بين تاريخ الفن و تاريخ الدين.

و لأن التحريم, كما أشار, ابن ثقافة الخوف و الحماية بينما الفن هو أقصى ممارسة الحرية، فلا بد أن يتربص خطاب التحريم – سواء الديني أو السياسي - بالفن و حريته . و قال ختاما لمحاضرته ملخصا و مفتيا لمن أراد " أما قبل ... فسؤال الحرية ! " .