19 September 2007

النظارة الطائفية


لو أن لغة و طريقة سقراطة في تناول مظاهر التمييز ضد المسيحيين و السخرية منها , دليلا علي كونها مسيحية متطرفة , فبالتبعية يصح أيضا أني مسيحي متطرف و ربما بهائي متطرف في سياق آخر !
هذه باختصار أزمة الرؤية " الطائفية " التي تناولت بها صفحة المدونات بجريدة " الدستور " ما يكتبه "مدونون مسيحيون" و اهتمامها بالإشارة لتطرف سقراطة تحديدا مرتين في عددين مختلفين . المرة الأولي لم يهتم الصحفي بأن يخبرنا لماذا أصدر حكمه ذلك, و في المرة الثانية استدل بمبالغة طبيعية في كتابة ساخرة ليؤكد علي ما أشار إليه سابقا بلا دليل .
و حتى أشارت سقراطة إلي أن الصحفي شاكر فودة , كاتب التقريرين, مدون اشتبك معها في حوارات سابقة كانت سببا في حكمه ذلك .. لم أكن أفهم أسباب حكمه, ثم لم أتفهمها بعد أن قرأت هذه الحوارات . فالتناقض في حكمه و رؤيته – و التي لا أعلم مدي اتفاق محرر الصفحة و محررو الصحيفة معه فيها – ينبع أساسا من أن اتفاقي مع سقراطة فيما كتبته و في رأيها في الحوارات السابقة لا يجعلني بالضرورة مسيحيا فضلا عن مسيحي متطرف .
ملامح " الطائفية " في هذا الحكم و هذه الرؤية هي التي تجعل من مطالب المساواة و مناهضة التمييز مطالب و هموم لطائفة بعينها , و هذه الطائفة متميزة و تضم كل أبناء دين هذه الطائفة , و تتحدد درجة الاعتدال و التطرف بالنسبة لسقف المطالب و حرارة و جرأة المطالبة بها . و التطرف في هذا السياق لا يشير إطلاقا إلي تبني أفكار متطرفة في الدين نفسه, و لكنه تصنيف طائفي بدوره . فالمتطرف في هذه الرؤية من يطلب المساواة الكاملة و يهاجم كل أشكال التمييز, بينما " للمسلم حقوق و للمسيحي حقوق " كما ذكر الصحفي في خاتمة تقريره عن تدوينة سقراطة "دليل القبطي الحزين في القرن الواحد و العشرين " , أو أنه متطرف لأنه يذهب بعيدا في " طائفيته " فينتقد الطائفة نفسها و رموزها و خطابها الداخلي, مثلما فعل الدليل الساخر .
يمكنني أن أتفهم إذن حنق سقراطة و حنق آخرين من " الطائفة المفترضة " , فأسوأ ما يمكن أن تفعله لجهود تصدر عن رؤية مجتمعية لا طائفية تهاجم التمييز و الطائفية معا, و تطالب بحقوق و حريات متساوية للجميع .. أسوأ ما يمكن أن تفعله أن تضع هذه الجهود في إطار طائفي ,و يجد المناهض للتمييز نفسه في جبهة طائفة ما، هي أحد طرفي معركة طائفية , و قد تم إلحاقه بها قسرا لأنه ينتمي لدين هذه الطائفة , بينما يصدر هو عن رؤية مناهضة للطائفية أصلا, و يدافع عن حقوق كل المواطنين الآخرين, و لا يدافع عن "طائفته" فحسب . بل إنه عندما ينتقد رموز "طائفته" و خطابهم لا يصدر عن رغبة في تبني طائفية متطرفة بل ينتقد أصلا مواجهة التمييز بسلوك طائفي دفاعي .
التناقص ليس فقط علي مستوي الرؤية ,و لكن علي أرض الواقع أيضا ,فسقراطة - المسيحية المتطرفة - شاركت في حملة التضامن مع أبي إسلام ضد اعتقاله بسبب نشاطه علي الإنترنت, بينما يمثل أبي إسلام نفسه نموذجا لأكثر أشكال التعبير الطائفي تطرفا و عدوانية ضد المسيحيين . لذا لو كانت سقراطة مسيحية متطرفة لم تكن لتشارك ,في سياق حملة التضامن, في زيارة ودية لمسكن أبي إسلام وقت اعتقاله ثم أخري بعد خروجه .. ربما كانت ستفكر في إضرام النار في مسكنه مثلا , و ربما سيتفهم فعلها من يشاهدون برنامجه علي قناة الأمة الفضائية والمسمى - و يا لسخرية العالم - بـ " ثقافة الحوار "! إضرام النار في البيوت ,مقارنة بثقافة الحوار في هذا البرنامج , يمكن اعتباره مداعبة لطيفة .. و هذه مبالغة ساخرة تحسبا لأي نقل صحفي .
أزمة الرؤية الطائفية الأساسية أنها تصدر من موقع يضع نفسه في خانة طائفية بالضرورة, و لأن هذه الرؤية تتبني مشروعا مجتمعيا يقوم علي التفاوت في أوضاع المنتمين لطوائف مختلفة , و لأشكال من التمييز يراها مشروعة بناء علي التفاوت بين الطوائف. فإن هذه الرؤية ترتبك أمام الرؤى المجتمعية اللاطائفية , و تود أن ترى فيها عدوها التقليدي: طائفة مقابلة تشكك في مشروعية التمييز و عدالته, و تدعي الاضطهاد زورا , و "تتطرف" و تطالب بما هو أكثر من حق " الطائفة " المرسوم و المقسوم لها .
بينما الرؤى المجتمعية اللاطائفية يتقاسمها أفراد مختلفي الانتماءات الدينية و يدينون طرفي المسألة الطائفية, و لا يناقض ذلك كون جهودهم بالأساس تنتقد الطائفة الأكثر و الأقوى و التي تشغل موقع السلطة . يستوي في ذلك من يفترض انتماؤهم إلي هذه الطائفة الأكثر و الآخرين . في هذا السياق انتقادات أفراد مسيحيين لسلوكيات طائفية تصدر ممن ينتمون للأغلبية المسلمة , ليست صادرة عن طائفة أو أفراد يمثلونها و ليست كذلك موجهة لطائفة أو أفراد يمثلونها . ولا فرق بينها و بين انتقادات مسلمين لنفس السلوكيات . و العكس صحيح .
أزمة الرؤية الطائفية التي تم بها عرض ما كتبت سقراطة ثم تصنيفها, ليست متعلقة ابتداء بسوء أو جودة أداء صحفي, بقدر ما تتعلق برؤية اجتماعية و رأي يتبناه الصحفي أو محرر الصفحة أو محررو الجريدة , و هذه الرؤية محل اختلاف و جدل سياسي و ديني . و لكن من زاويتي يبدو لي أن تناقضات الرؤية الطائفية تمتد لتمس نزاهة و صدق النظر للواقع في تقرير صحفي عندما تتحول النظارة الطائفية لمرآة لا يبدو الآخر فيها سوي طرف طائفي مقابل .