24 November 2006

ارفعوا الأحذية


... بل و حتي لوحات الوزير الفنان هي تصريحات رسمية بالتأكيد . أليست ألوانها زاهية , و مستعصية علي الفهم . .. هي بعينها !
فما بالكم برأيه في الحجاب ... هي تصريحات رسمية بلا شك .
كما أن ذلك يتسق مع ما تريد أن تراه أحزاب المعارضة في الحكومة بوصفها العدو رقم واحد للشعب . و يتسق مع ما يريد أن يراه الإخوان في الحكومة بوصفها عدوا مناوئا للإسلام و المسلمين و الأئمة الأربعة . و يتسق أيضا مع ما يراه نواب الحزب الوطني في ذلك المفهوم المشبوه الملوث المسمي بالثقافة و التي يتولي وزارتها رجل مشكوك في فحولته .
إذن فقد حانت الآن لحظة الوحدة الوطنية المباركة .
لاخيار لدي سوي أن أنضم لنواب الشعب الموقرين الغاضبين , و إلي جموع المتدينين المنددين خلف نوابهم المنتخبين , و إلي حشود طلاب و طالبات الأزهر المتظاهرين , و إلي كمال الشاذلي و زوجته و ابنته المحجبتين , و إلي كتاب الأعمدة علي حواف أوراق الصحف , و إلي الشيوخ المحاضرين أمام مذابح الكنائس و إلي القساوسة الواعظين من علي منابر المساجد .....
ليس لنا الآن إلا أن نقف صفا كالبنيان المرصوص امام هذه الفتنة العاتية .
أنترك جموع المؤمنات وحدهن في مواجهة المصداقية الدينية و الأخلاقية العالية للسيد الوزير الفنان , و أمام النفوذ العالي لآرائه الدينية , أم نتركهن في مواجهه دوره الكبير في تشكيل عقل و وجدان الجماهير عبر مهرجان المسرح التجريبي و سمبوزيوم النحت و قطاع الفنون التشكيلية و أوركسترا القاهرة السيمفوني و ندوات لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلي للثقافة .
لننتفض الآن لردع هذا المخادع الذي يزعم ان الحجاب خطوة إلي الوراء .. أي وراء يقصد و هو يعلم جيدا أن ظهورنا إلي الحائط , كما أننا لا نخطو أي خطوات في أي اتجاه بعيدا عن ثوابتنا و ما وجدنا عليه آباءنا .
كما أنه كيف لأحد أيا كان أن يكون له رأي في الحجاب و هي مسألة لا خلاف عليها علي الإطلاق . دعكم من ادعاءات المغرضين أن هناك من لهم رأي آخر . فوجود هؤلاء نفسه مشكوك فيه أمام الحقيقة الساطعة أنه لا خلاف .
نحن الحقيقة و هم الأوهام .*
و إذا كان هؤلاء موجودين - لنفرض جدلا - فهم ليسوا من العلماء . فلقد أجمع العلماء و اتفق العلماء أنه لا خلاف . فاختلاف أولئك دليل أنهم ليسوا من العلماء . يسألني متحذلق : و كيف نفرق بين العلماء و بين هؤلاء المدعين المختلفين الذين لا وجود لهم ؟ . فأسأل الله له الهداية و أسأله إن كان مخلصا في طلب الحقيقة فليراسلني لأرسل له عنوان النقابة السرية لعلماء الشرع و هاتف الهيئة الشرعية الموحدة للإجماع و تحديد ثوابت الدين . و هي الهيئة التي تضم كل من يحق لهم أن يتسموا بعلماء الدين من لدن الصحابة و حتي الشيخ سيد حمدي مفسر الأحلام و علام الغيوب علي شاشة قناة المحور .
ما دمنا الآن جميعا , عدا هذا المتحذلق , نقف إلي جانب الحقيقة في مواجهة الأوهام . فلنجعل إذن من وزير الثقافة هذا عبرة , و لنذيقه جزاء سارق أحذية في مسجد جامع يوم جمعة .
ارفعوا أحذيتكم و اتبعوني !

-------------------------------
* " نحن الحقيقة و أنتم الأوهام ".. نقلا عن كلمة النائب سعد الحريري بعد تشييع جثمان الوزير بيير الجميل في بيروت

11 November 2006

رؤيا


رأيت اليوم حلما بانوراميا طويلا هادئا .
رأيتكم كلكم فيه , كل من أعرفهم منكم تقريبا . و حدثت فيه كل الأشياء التي تحدث عادة, و لم تحدث الأشياء التي لا تحدث . فعلت كل ما أقوم به, و لم أفعل ما لا أفعل عادة .
كل شيء سار طبيعيا تماما بلا أدني غرابة ... حتي أنني تعبت و نمت في نهاية الحلم .....
ثم استيقظت !
لست متأكدا الآن إذا كنت استيقظت فعلا أم أنني استيقظت في الحلم ...أم هو حلم آخر داخل الحلم .
هل أنتظر أن تسير الأمور طبيعية ...ذلك الحلم كان طبيعيا أيضا . أم أنتظر ما يثير الدهشة ... الأحلام كانت دوما مدهشة !

06 November 2006

" ساندوا " التعذيب في مصر


تخيل كم هو لطيف أن تحمل المدونة الفائزة هذا العام بجائزة الدويتشه فيلله " البوبز " لفئة " مراسلون بلا حدود " , اسم " التعذيب في مصر " .
أعتقد أن الأمر سيفرح جدا السادة رؤساء تحرير الصحف القومية و سائر أدباء المدرسة البوليسية التي تهتم بالمحسنات البديعية و صورة مصر الشعرية و تتغني بجماليات غسيلها الناصع .
أنا لست مهتما بحال بالغسيل , ما دام الإنسان في حالة رثة .
لذا فليس فقط بدافع التحيز الوطني و لا الشخصي للصديقة نهي أن أدعوكم لمساندة مدونتها " التعذيب في مصر " و التصويت لها .
نهي بالفعل تقوم بعمل رائع من تجميع و توثيق جرائم تعذيب المصريين , بالإضافة للاهتمام بالفعاليات و الأبحاث و التقارير التي تتناول هذا الجانب .
مدونة التعذيب في مصر تخوض الآن منافسة شديدة علي جائزة الجمهور في مواجهة مدونة برازيلية لا أعلم ما ترجمة اسمها , لذا فانه من الطبيعي أن تكون " التعذيب في مصر " هي الأفضل بالتأكيد بالنسبة لي و لكم , اللهم إلا لو كان ثمة من يجيد البرتغالية هنا .

لن أستغل طبعا هذه المناسبة لأذكر من لم يضغط علي الرابط أعلي يمين الصفحة , أني أيضا أخوض منافسة ضمن نفس المسابقة و لكن في فئة أفضل مدونة عربية .
و نتائج التصويت علي جائزة الجمهور هناك حتي الآن , حسب تاريخ هذه التدونية , تشير إلي التقدم الكبير لنوستالجيا هلال شومان و حواديت رحاب بسام بفارق كبير - و أنتم المسئولون عن ذلك - عني و عن مدونة الرفيقة نورا يونس في إثري .
يجدر بي هنا التنويه علي أنه بالرغم من كون نورا عضو مؤسس في " متخلفون من أجل التغيير " التي تحولت الآن لـحركة " 30 فبراير " , إلا أنني المرشح الرسمي لــ 30 فبراير و قد صدر بيان رسمي عن الجناح العسكري للحركة بذلك .أما نورا فتخوض المنافسة بالمخالفة للالتزام الحزبي .
و لكن فيما بيدو لن يجدي دعم 30 فبراير أمام جنيات حواديت رحاب , و أمام ما يحتمل كونه دعما من حزب الله لهلال شومان , و يحتمل أيضا تدخلات سورية و إيرانية بالمخالفة للقانون الدولي .
لذا فأحب أن أنوه بالنسبة للذين لا يشعرون بالولاء لــ30 فبراير, هذه المدونة أيضا تخوض المنافسة بدعم رسمي و صريح من " الإخوان المسلمين " التي نقل أحد كوادرها هذا التأييد في تعليق رسمي هناك في صفحة المسابقة . و نتائح التصويت التي أشرت إليها هي حالة مؤقتة حتي يفرغ الإخوان من معارك الانتخابات الطلابية و العمالية , أو أتمني ذلك .
و بالتأكيد لا يفوتني ذكر دعم القيادات الشعبية و التنفيذية بـإمبابة و ما حولها , و لولا أن الحواسب غير متوفرة هناك بكثرة لاتخذ الأمر منحي مختلفا جدا .

أعاد الله عليكم البوبز بـالخير واليمن و البركات .

03 November 2006

" ربـك يعـدّلها "


" إنها المادة 76 ! "

هكذا سيهتف شيخ هرم لحفيده الصغير مشيرا إلي المجلد الضخم الذي يناهز الألف صفحة ..
سيروي لحفيده قصة تطور الديمقراطية المصرية عبر القرون , و التي عبرت عن نفسها في معارك تعديل المادة 76 . هذه المادة التي حازت - منذ أول تعديل - شرف أن تكون أطول مادة دستورية عرفتها البشرية , ثم استمرت تعدّل علي الدوام و بشكل مزمن ملخصة أشواق و مواجيد مرتادي موالد الوعود الديمقراطية و ضغوط الخارج و شغب المعارضين .

في بدء كل واقعة تعديل , كان السيد الرئيس يعلن نيته في تعديل الدستور فينخرط الكل في جدل حول إهتراء الدستور و الضرورة العاجلة لتعديل المادة 77 التي تقيد الرئاسة بمدتين لا غير , فينتظر الرئيس أياما ثم يلقي في مؤتمر الحزب بقنبلة من نوع النية لبدء مشروع نووي أو ضرورة ارتياد الفضاء أو حتمية تجربة استنساخ البشر ...فينبري الكل للنقاش حول المشروع الجديد و ينسون ما انخرطوا فيه سابقا .. فيعود الرئيس مفاجئا الجميع أنه ينوي فعلا تعديل الدستور .. و بالتحديد إعادة تعديل المادة 76 , بغرض إتاحة الفرصة لمرشحي بعض الأحزاب لكي يتمتعوا لفترة محدودة بمنافسة الرئيس الحالي و القادم في انتخابات مسلية و مجزية , إن لم يكن المرشح متشنجا و ذا أطماع طبقية وقحة تدفعه لمحاولة تجاوز أصل خلقته كمرشح فحسب .
و حدث بالتوازي مع وقائع تعديلات المادة 76 تطورات عديدة فيما يخص قانون الأحزاب للحيلولة دون تطلع الإخوان المسلمين للعرض الخاص . كان أهم هذه التطورات دمج الأحزاب في الحزب الوطني و إعادة تجربة " الاتحاد الاشتراكي " الناصري مع "منابر " الرئيس المؤمن , و لكن تحت مسمي " الاتحاد الوطني " الذي يضم بالإضافة للمنبر الحاكم منبرين آخرين لليمين و اليسار .
و قد حل منبر اليسار في هذا الاتحاد مشكلة " اتحاد اليسار المصري " الذي ظل لبضعة قرون في طور الحوارات التحضيرية الساعية لتعريف مصطلح " اليسار " , و اضطرت معظم فصائله للتوحد قسريا آنذاك . بينما لجأت إحدي الفصائل اليسارية المتمردة للاندماج في كتيبة الإخوان بإمبابة تنديدا باتحاد اليسار المهادن .
الجدير بالذكر أنه تم إلغاء لجنة شؤون الأحزاب و تم نقل تبعية كل المنابر المعارضة إلي وزارة الأوقاف .

و رغم العدد الكبير من التعديلات , ظلت المادة 76 لفترات طويلة في التاريخ المصري يشغل نصها " ثلاث ورقات " فقط من الدستور المصري , كتعبير رمزي عن وظيفة الدستور و القانون في المجتمع .
إلي أن بدأت التعديلات الدستورية تأخذ منحي آخر عندما دون أحد الرؤساء رؤيا رآها في نص المادة معلنا أن سيأتي بعده رئيس اسمه أحمد ,مكتوب بين عينيه : " حاكم " , لا يقرأها إلا أعضاء الحزب الحاكم , و يقطن إحدي قري المنوفية !
من بعده انفتح الفقه الدستوري علي التصوف وعلوم الفلك و التنجيم و الأنساب , فبدأت كتابة الهوامش و الحواشي للمادة 76 , ثم أتبعت بتعريفات للمصطلحات الصعبة و رسوم توضيحية و معادلات كيميائية باللغة الفارسية , و لم يكن هناك بد من إفراد مجلد خاص بالمادة .
و كان من نتائج هذه التطورات نقل تبعية المنابر من وزارة الأوقاف إلي المجلس الأعلي للطرق الصوفية , باعتبار أن مذاهب السياسة ما هي إلا طرق , كما أن السياسة أحيانا يمكن أن تؤدي إلي الله بأسرع الطرق . و هي أولا و آخرا نوع من التصوف الذي يعرض عن المكاسب الدنيوية القريبة الفانية , لانشغاله باهتمامات أخروية مثل ديكتاتورية البروليتاريا و و حدة الأمة العربية و عقد اجتماع موحد لشباب من أجل التغيير.

هذا و قد كان الرؤساء يقومون دائما باستفتاء رأي الشعب المصري في استفتاءات حرة مفتوحة المصدر ... أي يمكن لأي إنسان فيها أن يصوت نيابة عن بعض الآخرين أو كلهم , أوحتي نيابة عن الجن الأزرق , في طريقة تقترب من طريقة التصويت في مسابقة البوبز .
و باستمرار شهد القضاء المصري العلماني بتزوير هذه الاستفتاءات, بينما أعلن كثير من الرؤساء تمسكهم بالشريعة الإسلامية و بتفسيرهم الخاص للسنة النبوية التي تحض الحاكم علي أن يستفتي نفسه و إن أفتاه الناس و أفتوه !

28 October 2006

! هيّ فوضى


رحم الله تلك الأيام .. أيام كانت الحكومة تعمل بتوجيهات الرئيس , و كان المعارضون يتنازعون فيما بينهم أشياء ذات قيمة ....

(1)
إذا كان لكل وزارة تخصص ما , و كانت هذه التخصصات تغطي كل شؤون و قطاعات الدولة , فما هي مهمة رئيس الوزراء ؟
الإجابة عادة تحتوي عدة كلمات من نوع السياسات العامة و التخطيط و التوجيه و التنسيق و ... وكنت قديما لا أصدق هذا الهراء و أؤمن مع المؤمنين في أرجاء مصر المحروسة أن السيد رئيس الوزراء هو سكرتير أول رئيس الجمهورية و باقي الوزراء هم باقي فرقة السكرتارية .
ذلك لأنهم جميعا لم يكونوا يفقهون حديثا عن الخطط و التوجهات , و لا رئيسهم يتحدث حقا عن تنسيق ما , بل كانوا جميعا كجوقة واحدة يتغنون بتوجيهات الرئيس الحكيمة ,و يتحنثون انتظارا لوحيه الذي لا ينطق عن الهوي .
و لكن يبدو أنني بصدد تغيير معتقدي هذا .. فما حدث مؤخرا بين وزارة الكهرباء و بين محافظة القاهرة لا يشير إلا غياب الوحي الرئاسي في هذه المسالة . مما دفع السادة وزير الكهرباء و محافظ القاهرة و رئيس الوزراء للاجتهاد .. و كانت النتيجة أن السيد وزير الكهرباء أداه اجتهاده للضرورة العاجلة لتحصيل الفواتير المستحقة المتأخرة علي دواوين محافظة القاهرة و بأي ثمن , أما السيد محافظ القاهرة فأداه اجتهاده إلي ضرورة تجاهل وزارة الكهرباء مهما كان الثمن , بينما أدي اجتهاد السيد رئيس الوزراء في التنسيق و التوجيه و التخطيط إلي إصداره أوامر حكيمة لكليهما بأن يغربا عن وجهه و ليذهبا معا إلي الجحيم بمشكلاتهم هذه و ليتدبروها فيما بينهم بأي وسائل و بأي ثمن أيضا.
و كانت المهزلة .. وزارة الكهرباء أوقفت إيصال الكهرباء لكل دواوين و مكاتب محافظة القاهرة مما نتج عنه إيقاف الحواسب و الإضاءة و تعطيل مصالح قاطني القاهرة الملاعين .. و ردت محافظة القاهرة بحزم و أوقفت كافة أعمال وزارة الكهرباء كمد و توصيل خطوط الكهرباء لأي منطقة تدخل ضمن نطاق محافظة القاهرة , و لو عاني أيضا قاطنو القاهرة الملاعين .
دعك من أن هذه المشكلة يمكن أن تحل في " جلسة عرب " بتوسط " كبير القبيلة " لتحديد مهام كلا من الطرفين و وضعه المالي ثم تحديد حل مناسب يراعي أولويات برنامج الحكومة و مصالح المواطنين .
و دعك أيضا من أن كل أطراف هذه المسخرة هم أعضاء في السلطة التنفيذية لحكومة واحدة شكلها رئيس حزب واحد و كلهم أعضاء في نفس الحزب و السيد المحافظ ليس منتخبا مثلا فلا سلطة لرئيس الوزراء عليه , بل هو معين أيضا من قبل رئيس الجمهورية و الحزب , و هناك وزارة اختصاصها الحكم المحلي يتبع وزيرها رئاسة الوزراء ..
دع عنك كل شيء إلا السؤال الحقيقي : أين حقا السيد الرئيس و توجيهاته الحكيمة و هو الذي يختار و يعين فعلا كل أطراف هذه المهزلة ؟
للأمر إذن جانبه الإيجابي , أن التوجيهات أصبحت تتوقف أحيانا . ربما كان ذلك بسبب ضعف لياقة السيد الرئيس الذهنية أو البدنية بفعل السن , أو ربما لازدواجية الحكم بين الرئيس الأب علي رأس السلطة و الوريث الابن علي رأس الحزب فعليا , أو ربما لأسباب أخري .
و مهما كانت الأسباب فالتوجيهات بدأت تغيب أو تتأخر بالفعل و السادة المسؤولون بدأوا يجتهدون . و هذا ظاهره الرحمة و لكن باطنه أن اجتهاد مثل هؤلاء - كما تري - كارثة أو علي الأقل مهزلة .
و لكن المهزلة الكبري -أو الكارثة - لا تتعلق باجتهادهم , و إنما تكمن في " النظام " ...
فالسلطات و الصلاحيات و المنح و الإقطاعات مكدسة في يد رئيس الجمهورية .. و في غيابه و غياب توجيهاته و أوامره المدعومة بسطوته , تصبح السلطة التنفيذية فوضي بلا نظام . ... و السكرتير الأول لا يملك السلطة المناسبة للترغيب و الترهيب و كثير من بقية السكرتارية و المسؤولين لا يملكون حدا أدني من الاجتهاد أو الكفاءة و لا الاحترام لأنفسهم و للمواطنين , لأداء واجبهم بلا ترغيب و ترهيب و توجيهات عليا .
في النظم التي تستند إلي السلطة المركزية القوية المستبدة , يؤذن ضعف هذه السلطة أو تفككها أو تراخيها بالفوضى و الانحلال .
إنها الفوضى التي في ظل الاستبداد , الذي يحفظ " نظاما " وهميا و استقرارا واهيا , ثم ينكشف عندما تخف القبضة قليلا عن عجز حقيقي في إدارة أتفه الأزمات .
لو كان السيد المحافظ منتخبا و كانت الوزارة مشكلة من حزب حقيقي يحوز أغلبية برلمان حقيقي لاختلف الأمر كثيرا , و لحرص كل منهما علي ارضاء الناخبين و مصالحهم و الوصول لحالة من التوازن بين المصالح المتعارضة التي يجب أن ينسق بينها رئيس الحكومة - أيا كانت صفته - حرصا علي إرضاء ناخبيه المواطنين – لا الملاعين - و مصالحهم . و ما سبق لن يكون إلا في ظل نظام يكفل حرية حقيقية لا شكلية .

الـ " نظام " الحقيقي يحتاج لحرية تدفع أصحاب المصالح المختلفة للانضباط وفقه , و السعي لمصالحهم عبر الدخول في تجربة جماعية لإقرار " النظام " و الوصول لتوازن بين هذه المصالح , في تدافع مدني تحكمه أخلاق و خبرة الأحرار .
الحرية بدروها تحتاج لـ "نظام " . الحرية ليست شيئا طبيعيا غريزيا , إنها مفهوم مدني , و وعي مؤسس علي خبرة و تجربة و أخلاق مختلفة .
عندما يصبح النظام بلا حرية , و يصبح مرادفا للاستبداد و التسلط , فإنه يقتل إمكانات الحرية و خبراتها و أخلاقها . فليس بعده إلا "حرية " بلا نظام ... أي " فوضى ".


(2)
أنا لا أعلم حقا , علام يتنازع الشباب في حركة " شباب من أجل التغيير " !
فهذا الزميل العزيز يعلن للصحافة انفصال حركة " شباب من أجل -لا مؤاخذة - التغيير" عن حركة " كفاية" الأم , بينما يرد عليه الزميل الآخر معلنا أن " شباب " لم تنفصل عن " كفاية " لأنها ليست تابعة لها أصلا و العلاقة بينهما لا تتعدي حنان الأم , ثم يردف الزميل الأخير أن الزميل الأول الذي أعلن الانفصال هو نفسه مفصول من حركة " شباب " لمخالفات ارتكبها أوجبت إحالته للتحقيق و فصله !
ما سبق يوهم أصلا أن هناك الآن حركة تسمي " شباب من أجل التغيير " , و أن لها لوائح و عقوبات . بينما يعلم كل مرتادي مقهي " البورصة " أن " الشباب " لم يعودوا يجلسون معا . و أن المجموعات المتناحرة تفرقت علي مقاه أخري من زمن .
و لكن ما تبقي من مرتادي البورصة - و أنا منهم أحيانا - لا يعلمون علام التناحر أصلا .. فلا الحركة حزب مرخص للتنازع علي الشرعية صعبة المنال , و لا هي لديها مقرات أو صحيفة ... و لا حتى يا ربي جماهير من أي نوع ارتبطت بالاسم !
لماذا التنازع إذا , و الله خصنا بلغة غزيرة الاشتقاق و تواريخا و رموزا وطنية عديدة , تمكن كل مجموعة أن تبتكر لنفسها اسما جديدا بلا مشاكل . و لهم في مجموعة 30 فبراير أسوة .
وهل الحل لمشاكل الحركة و حالتها المتردية هو الحديث عن " كفاية " و التبعية لها بينما كان داعي نشأة الحركة بالأساس جمع شباب " كفاية " للعمل بشكل لا مركزي و ديمقراطي بعيدا عن صيغة " كفاية " التوافقية و المتمركزة حول لجنة تنسيقية من " الرموز الوطنية " .
من البداية رفض مؤسسو " شباب " التبعية لكفاية , رغم اهتمامهم بالتنسيق معها . و بالفعل شاركت حركة " شباب " في بعض الأنشطة التي تحفظت " كفاية " عليها . مثل سلسلة مظاهرات الأربعاء في الأحياء الشعبية التي شاركت " شباب " فيها إلي جنب " الحملة الشعبية من أجل التغيير" رغم تحفظ " كفاية " .
الحقيقة أن فكرة تأسيس " شباب من أجل التغيير " واجهت المشكلة و لم تلتف حولها . و حاولت أن تقدم نموذجا للعمل الجماعي الديمقراطي في تجمع علني و مفتوح يضم أفرادا من تيارات عدة و مستقلين .
و كان ذلك متسقا مع مطالبة حركة التغيير بالديمقراطية و الحريات و التعددية الحقيقية و احتجاجها ضد الاستبداد و المركزية و انفراد رئيس الجمهورية بالسلطات.
و لكن كانت النتيجة علي النحو التالي .. فشلت " شباب" في إدارة اجتماعات فعالة باستنثاء الاجتماعات الأولي . الاجتماعان اللذان حاولت حضورهما - بعد ما حاول شباب ناشطون كثر إثنائي عن هذا حفاظا علي صورة " شباب " لدي - أحدهما ضم خمسة زملاء غيري لأن الأهلي كان يلاعب فريقا إفريقيا , بينما الاجتماع الثاني الذي كان حاشدا و منتظرا " للم الشمل " بعد طول غياب , كاد ينتهي إلي " لم الجيران " لفك اشتباك بالأيدي وقع علي إثر اختلاف اثنين من القادة التاريخيين للحركة !
و كانت نتيجة هذه الاجتماعات أن الحركة انقسمت لعدد من الشلل , أعلنت كل مجموعة منها أنها تمثل " الشباب " الرسميين . و بينما أمل البعض في أن الحوار سيسهم في رأب الصدع , انشقت المجموعة البريدية التي تجمع الأعضاء إلي مجموعتين بريديتين , هذه و تلك , و كلا منهما تدعي أنها المجموعة البريدية الرسمية لشباب من اجل التغيير .
هذه النتيجة المؤسفة لتجربة بدأت واعدة , و ضمت بالفعل عددا من الشباب المخلص و الرائع , ليست في رأيي إلا نتاج مواجهة المشكلة الحقيقية : المعارضة تطالب بالديمقراطية و تفتقر إلي قيمها , و تطالب بالتعددية و اللامركزية و تفتقر إلي أخلاقيات العمل الجماعي .تطالب بحق الناس في إدارة شؤونهم بلا تسلط و تفشل في إدارة عدة اجتماعات و مجموعة بريدية .
المعارضة فيما بينها تقدم مبررا لادعاءات السلطة بأن للمجتمع المصري خصوصية لا تجدي معها الديمقراطية و الحريات و أنه لا يزال يحتاج للوصاية و الرعاية الأبوية من نظام مركزي قوي .
يمكنك أن تعترض أن هذه الأخلاقيات هي نتاج الحياة في ظل الاستبداد و ليس العكس , و لكن ماذا عن هؤلاء المتحدثين عن الديمقراطية و الحرية , و أنا منهم , .. أعتقد أن علينا إعادة المحاولة مرة أخري , فما حدث ليس إدانة لأحد بعينه بقدر ما يعني أننا بدأنا نحاول التعلم متأخرا ,و لم نخلص أو نجتهد في المحاولة .
علينا إثبات أننا نتحرك و نتظاهر من أجل " نظام " أفضل و أكثر عدلا و حرية .. لا من أجل فوضي , و لا من أجل استبدال شخوص بأخري فوق الكراسي .
إذا لم نعي و نتعلم و نتمثل في حركتنا القيم التي نتحرك لأجلها , فلا يجب أن نلوم الناس لأنهم لا يتحمسون لنا و لا لها .
لا يجب أن نلومهم لأنهم لا يحبون " الحرية " التي لا نعرفها حقا ... و لا لأنهم يخافون من " الفوضى " .


-------
علي الهامش
* ينوي يوسف شاهين اقتباس هذا العنوان" هيّ فوضي " لاسم فيلمه الجديد الذي يصوره حاليا .

21 October 2006

" زي الموجة "

لو استمروا في العزف , لظللت جالسا هناك للأبد ....
تلك الموسيقي التي عزفتها فرقة " مسار " أو " مزيكا بس " الأربعاء الماضي في مسرح الجنينة .. كأنها كتبت خصيصا لأجلي.
كالموجة غمرتني موسيقاهم التي جمعت في " مسار " ما أحب من أشتات المسارات .
موسيقي التخت الشرقي المصغر مع موسيقي الحجرة الكلاسيكية مع ارتجالات و تنويعات الجاز .

رنات عود سيد درويش علي دقات إيقاع شرقي أو رقرقات رق عابث .. بيانو يراوح بين نزق كلاسيكيات شوبان و بين تسكع بيانو الجاز مع نبضات الكونترباص في خلفية أغنيات نورا جونز و ديانا كرول .


أعضاء فرقة " مسار " : حازم شاهين (عود - و مؤلف معظم المقطوعات ) و هاني بدير ( إيقاع ) و نوار عباسي ( بيانو ) و مايلز دجاي ( كونترباص) هم أيضا أعضاء في فرقة " اسكندريلا " الرائعة , التي لم تقدم فرقة مثلها أغنيات سيد درويش و الشيخ إمام و زياد رحباني .


" مسار " أطلقوا في هذا الحفل إسطوانتهم الأولي " العيش و الملح " ضمن مشروع " أصوات الشرق الجديدة " .
يضم " العيش و الملح " سبع مقطوعات . أربعة من تأليف حازم شاهين - واحدة منهم بالاشتراك مع طارق عبد الله - و مقطوعة من تأليف نوار عباسي و أخري من تأليف مايلز دجاي بالإضافة لتنويعات علي موسيقي " إيه العبارة" لسيد درويش .
غلاف  ألبوم

مشروع " أصوات الشرق الجديدة " يشمل أيضا إطلاق إسطوانات لعدة فرق موسيقية عربية مستقلة , و يهدف لإبراز هذه الأصوات الجديدة و الأصيلة البديلة وسط طوفان الموسيقي المعلبة الرائجة .
في مصر ,
بالإضافة لـ " العيش و الملح " لـ " مسار " , تم إنتاج ثلاثة أسطوانات أخري ضمن هذا المشروع : " قرار إزالة " لفرقة " الدور الأول" و "سلطاني " لفتحي سلامة و " الطرب الأصيل" لرياض عبد الجواد .


اسمع " زي الموجة " لحازم شاهين و طارق عبد الله من " العيش و الملح ".

powered by ODEO

18 October 2006

! " حالة من " الكستور


حالة - كستور

مشكلتي مع فرقة " حالة " أنني أذهب إلي العروض المسرحية ملتزما طقوس المشاهدة.. أجلس بالضبط أمام منتصف خشبة المسرح أو مساحة العرض , و أبتعد مسافة ما عنها كي يمكنني أن أري المشهد المسرحي بكليته و لكي لا تفوتني أي تفاصيل هنا أو هناك ... و لكن معهم أسقط في حيرة , كيف أتابع الممثلين جميعا في وقت واحد .بينما هم يؤدون جميعا و ينسجون تفاصيلا مختلفة هنا و هناك في نفس الوقت !

ذلك لأن فرقة " حالة " ليست فحسب تقدم مسرح الشارع , بل هي فرقة شارع حقيقية . يقدمون عروضا لا هي بالمسرحيات و لا هي بالعروض الغنائية الراقصة . يمزجون الأداء المسرحي بالغناء بالرقص بالارتجال الحر مع بعض الأشعار .. لا يوجد مشهد مسرحي ذو مركز و أطراف يجذب نظر كل المشاهدين إلي أبطال . عروضهم في بيئتها الطبيعية , في الشارع , يحتل الممثلون جميعا فيها مركز دائرة الفرجة , ينسجون تفاصيلا و تنويعات مختلفة داخل المشهد الكبير . للمشهد وجوه عدة بحسب مكانك علي محيط الدائرة . كما أنك بشكل ما جزء من العرض ,و توقع أن يتفاعل معك أحدهم مرتجلا "جر شكل " أو مداعبة .

حالة - كستور

" حالة " تحافظ علي طقوس الفرجة الشعبية فهي تبدو و كأنها تقدم البهجة الخالصة في بعض الأغاني , و كأن دورها فقط " لم الناس " . بعضها كذلك , و بعضها يكون بالاضافة لذلك أحد وجوه العرض الذي تقول فيه الفرقة ما بدا لها أن تقوله عبر كلمات الأغاني الشعبية التي يحبها الناس .
في عرض " غناء بالكستور الشعبي " لا يغنون كلاما جديدا تقريبا , إنهم يغنون غناء " الكستور " . ألحان و كلمات تبدو من نسيج مثل نسيجه , محملة ببهجة قريبة و مرح دافيء و روح بسيطة . يغنون لسيد درويش " القلل القناوي "و " عشان ما نعلا و نعلا " و لشكوكو" حبيبي شغل كايرو " و " مغنواتي بلدي و خفة " .
يسخرون من الأمير الجديد قبل تنصيبه, مع عدوية :" عم يا صاحب الـ" جمال " .. إدي الواد لأبوه - الواد لسه في اللفة و عامل له زيطة و زفة ! " في رائعته السيريالية " السح الدح إمبو " . يسخرون من المعارضين الذين لا يملكون رغبة و لا خيالا لتجاوز حالة المعارضة المزمنة علي طريقة " لا و النبي يا عبده " - أو هكذا أوحت لي هذه الأغنية - و يسخرون مع عدوية أيضا في " سلامتها أم حسن " من أنفسهم و أحلامهم البسيطة التي لا تتحقق هذه الأيام ببساطة !

حالة - كستور

الممثلون أنفسهم " حالة خاصة " , فأنت أمام أداءهم المرح من الصعب أن تتوقف عن الضحك طول فترة العرض . لو شاهدتهم مرة يؤدون هذا العرض ستمتزج لديك صورهم بالكستور و ستتخيلهم به لو قابلتهم في وسط البلد و قد انتهوا من عرض أو بروفة .

" حالة " قدمت عرض كستور في حفل " غني يا بهية " و قدمته أيضا في عدة عروض خلال هذا الشهر . بخلاف عرض " كستور " قدمت "حالة " التي أسسها المخرج محمد عبد الفتاح قبل عامين تقريبا , ثلاثة عروض أخري هي " سلام مربع " و " أوزو لذيذ " و " 76 " التي تناولت التعديل الدستوري الأخير الشهير .

حالة - كستور

إذا بدا لي أن أرتدي نظارة الناقد , ففي عروض " حالة " الأخيرة بدأ عدد الممثلين يزيد بلا إثراء مناسب لتفاصيل العرض و تنوعاته . كما أن نهايات عروضهم الحالمة قليلا , أتخيلها أعمق أثرا لو كانت ساخرة أيضا .

مشكلة " حالة " الحقيقية , بعيدا عن التفاصيل , أنهم يحتاجون للشارع و لناس الشوارع , لكي تكتمل " حالة " العرض .
لن تستطيع أن تشاهدهم إلا في عرض معلن عنه في مسرح ما . لا يمكنك بدون مصادفة سعيدة أن تشاهد عروضهم المفاجئة في الشوارع و أمام المقاهي , إلا إذا كنت مقربا منهم بشكل شخصي .
لست كذلك بالمناسبة و إن كنت أود ذلك . ليس فقط من أجل مواعيد عروض الشارع , و لكن لأنهم بالفعل " حالة " رائعة و صادقة .

07 October 2006

مائدة حقيقية

إفطار مدونين  05-10-2006



من الصعب تخيل أن يجتمع كل هؤلاء " المختلفين جدا " علي مائدة واحدة .
و لكن بعد فترة , ليست بالطويلة , من الصحبة علي المائدة الافتراضية الواحدة , أصبح ذلك ممكنا في العالم الحقيقي . و كان في غاية الروعة.
هذا هو الإبداع الحقيقي لفكرة التدوين .. فكرة ذلك المنتدي الكوني المفتوح بلا حواجز.

استمتعت بصحبة الجميع , و بطبق البطاطس !
شكر عميق لمن ساعدوا في ترتيب اليوم : الأصدقاء علي المجموعة البريدية للمدونين المصريين التي لا علاقة لها بالهيئة الحزبية العليا للمدونين .
و شكر خاص لمريم و زينب لجهدهما في ترتيب ذلك اليوم علي أرض الواقع .

17 September 2006

"ليلى" لن تري الـلـه !


Fatin_hamama
في واجهة إحدى المكتبات , وجدت ذلك الكتاب : " إسبال الكساء علي النساء " من تأليف جلال الدين السيوطي المتوفي سنة 911 هجرية .
لم يثر اهتمامي عنوانه بقدر ما أثار اسم مؤلفه عجبي و دفعني لاقتنائه . فالأمر أن تأليف رسائل الحجاب و الضوابط الشرعية لزي المرأة هو أمر حديث نسبيا . و يندر أن تجد كتبا أفردت لهذا الأمر من الفقهاء القدامي . فالحديث عن هذه المسألة عندهم تجده عارضا في ثنايا كتب الفقه و غالبا ما يكون ذلك في باب الصلاة , في فصل ستر العورة , في مسألة عورة المرأة في الصلاة و تثار هنا مشكلة الفارق بين عورة المرأة في الصلاة و عورتها أمام غير محارمها .
و لم تكن مسألة زي المرأة مطلبا ملحا لإفراد مؤلفات مستقلة ,لأن الأزياء التقليدية للمجتمعات الإسلامية ظلت متماهية تقريبا مع ما تم ترسيمه كضوابط لشرعية زي المرأة و فيما صار يعرف لاحقا بالحجاب .
فيما سبق دلالة لا تخفي و لكن ليس هذا وقتها , فالكتاب لم يكن موضوعه الحجاب / الزي و إنما كان موضوعه إثبات أن النساء " محجوبات " عن رؤية ربهن يوم القيامة لأن هذه الرؤية التي وعد الله المؤمنين بها في آيات القرأن و علي لسان النبي , صلي الله عليه و سلم , كنوع من الثواب , خاصة بالرجال دون غيرهم !

لست مهتما بحال بالمسألة نفسها , فاعتقادي أن مثل هذه الأمور التي تملأ كتب العقيدة الإسلامية هي مسائل لا معني لها . فهي تنتزع آيات قرأنية و أحاديث نبوية من سياقها الأدبي الذي تهدف بلاغياته إلي إثارة الوجدان و الخيال و إضفاء معني النظام علي الكون و التعبير عن العظمة و القدرة الإلهيتين و تأكيد المسؤولية الإنسانية و تدعيم الشعور الأخلاقي ,و يبدو ظاهرا فيها أنها ضرب للمثل ذو غرض تربوي... ثم يتم عبر مماحكات لغوية تحريف هدف هذا الخطاب ليستدل من ألفاظه استدلالات وجودية تتعلق بطبيعة الله أو عالم الغيب أو بالسيناريو التفصيلي ليوم القيامة !
يستوي في ذلك أهل الحديث النصيون و المعتزلة العقلانيون و ما بينهما , في تجاهل لحقيقة أن اللغة التي مردها للخبرة و الاتفاق الإنساني لا يمكن استخدامها إلا مجازا في التعبير عما يقع خارج نطاق هذه الخبرة و هذا الاتفاق !

كما لا يهمني أيضا مناقشة موضوعية استدلال المؤلف علي ما انتهي إليه .
فمنطق المؤلف ليس جديرا بالمناقشة بأية معايير علمية شرعية أو لغوية . فالسيوطي أطاح ابتداءا فيما كتب بقاعدة ثابتة في فقه اللغة العربية , و هي أن الخطاب الموجه لجماعة الذكور و الإناث يأتي عادة بصيغة المذكر , و هو يماري في هذا غير مبال بكون منطقه هذا ينتهي حتما إلي كون معظم النصوص الدينية لا تعني المرأة في شيء لأن الأمر أتي بصيغة المذكر .

ما هو جدير بالاهتمام كما يبدو لي , هو الجانب النفسي و الاجتماعي فيما يخص النظرة للمرأة , و هوما يطل من وراء منطق المؤلف و ثوبه العلمي . و هو في الحقيقة ما لا يخص المؤلف وحده بل مجتمعه كله , و في القلب منه نخبته و سلطاته المختلفة المسيطرة علي البناء الاجتماعي و المنتجة للثقافة , سواء بمعناها الواسع في اليومي المعيش أو بمعناها الضيق المدون علما و أدبا و فنا .
هذا الجانب النفسي و الاجتماعي هو هنا الذي يفرض علي " النص " الإلهي سطوته و يستخدمه لإعادة إنتاج التمييز ضد المرأة متجاوزا مجال الفقه ( القانون ) إلي مجال العقيدة ليظهر بهذا الشكل الفج .
هذا الجانب يظهر في ثنايا نقاشات المؤلف الذي استند إلي مفاهيم تقليدية جري تثبيتها كمحددات أساسية عند النظر للمرأة : مفاهيم الستر و الحجب و الصيانة , دونية المراة عن الرجل بل و عن العبد الذكر , كل ما يختص من أحكام تخص المرأة تفيد معالجة نقصها و أفضلية الرجل عليها .
اما عن مفاهيم الستر و الحجب و الصيانة فقد جري سحبها علي الدار الآخرة أيضا و اعتبر المؤلف أن حجب المرأة عن مشهد رؤية الله يوم القيامة , هو حجب صيانة لها من زحام حشد المؤمنين ,و سترا لها ! و عند هذه النقطة أضاف محقق الكتاب تعليقا لابن تيمية في الهامش مفاده أن الغيرة موجودة أيضا في الجنة ! انتهي كلام ابن تيمية و يحق لنا أن نتسائل هنا وفق هذه المفاهيم إذا كان من المحتمل أيضا ان تقع جرائم اغتصاب أو قتل في الجنة !
أما عن دونية المراة فالمؤلف لم يدخر وسعا في التذكير عقب كل دليل يذكره أن تفضيل الرجل في الإسلام و خصه بمميزات عدة يجعله لا يستبعد تفضيله أيضا بألوان من الثواب و التكريم في الآخرة كرؤية الله تعالي دونا عن المرأة .
و مما ساقه المؤلف من المميزات ساق أيضا تحريم الحلي و الحرير كشكل من أشكال تفضيل الرجال علي النساء !
بل إنه أفرد فصلا في إثبات أن العبد أفضل من المرأة لعدة أسباب سخيفة كان آخرها أن العبد يمكن أن يعتق ليصير أفضل من المرأة كما أن الرق يزول بالموت بينما الأنوثة فلا !
كلما أوغلت في تأمل مبررات المؤلف يظهر علي السطح ذلك الجانب النفسي جليا , بل ستجده أيضا في ألفاظ المؤلف فهو يسرد انتقادا ما لرأيه ثم يرد عليه بعصبية قائلا – أو كاتبا – " يا مسكين ! ذلك من غباوتك . أونسيت .... الخ "
تلك العصبية هي ملمح مميز لرد الطرف الآخر عند الحديث عن المظالم التي تتعرض لها النساء أو انتقاد التمييز ضدهن . و هذه العصبية تفضح السلوك المتسلط الراغب في الحفاظ علي الهيمنة و الذي يستند دائما في تبريره إلي حجتين : حفظ النظام (كما يراه) ,و طبيعة الأمور ( كما يعتقدها ) . و تستوي في ذلك كل خطابات التسلط .
هنا – في مسألتنا - النظام الاجتماعي يقتضي دائما وجود الطرف الأقوي و الأفضل ليحتفظ بالسلطة و يمنع الفوضي . أما لماذا هو الأقوي و الأفضل .. لأنها طبيعة الأمور ...هكذا !

مؤلف السيوطي هذا ليس أمرا عارضا , بل هو نموذج لتفكير التيار التقليدي و الرئيسي في التراث الإسلامي للأسف الشديد ,و إذا كنت لا تظن ذلك فراجع هنا تفسير الرازي لآية " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا ..." ( سورة الروم 21) و تفسير ابن كثير لقوله :" و لا تؤتوا السفهاء أموالكم "(سورة النساء 5) . و غير ذلك كثير .

مشكلة هذا الخطاب ليست فقط في أنه يلبس إفرازات نفسية و اجتماعية لواقع معين ثوب التفسير الديني لنص مقدس , بل في أنه أيضا يمارس شكلا من أشكال المصادرة و التثبيت علي الخطاب الالهي و النبوي للبشر بوصفه نصا نهائيا مغلقا . فهو يعطي للخطاب ( النصوص ) مهمة تحديد النظام ( الكوني و الاجتماعي ) و حفظه مرة واحدة و للأبد ليصير بذلك نظاما ربانيا شرعيا . كما أن هذا الخطاب يصبح منوطا به تحديد طبيعة الأمور – هنا طبيعة المرأة – كأمر جوهري و ثابت الآن و غدا و للأبد .

ما يجعل مهمة هذا الخطاب سهلة أن النصوص الدينية , إن كانت مقدسة من حيث مصدرها المتعالي عن الزمان و المكان , فهي , بوصفها خطابا , لها جوانب أخري تاريخية و مؤقتة تحمل بصمات المخاطبين و ثقافتهم و لغتهم و واقعهم و ترتيب نظامهم الاجتماعي , فكل خطاب لا يحدد سماته فقط مصدره , بل يحدد سمات هذا الخطاب أيضا طبيعة المتلقي و غرض الخطاب و العلاقة بينه و بين الموجه للخطاب بالإضافة لمحددات الخطاب الزمانية و المكانية .

النزاع حول هذه النقطة ليس هينا في الجدل الإسلامي المعاصر . و لكني لا أظن نصا يفصح عن تاريخيته مثلما أفصح القرآن عن ذلك , فهو نزل مجزئا متجاوبا مع حركة الجماعة المؤمنة ,و كان تحديه مرتبطا ببلاغيات العرب و لغتهم , كثير من آياته نزلت إجابة علي أسئلة و مشكلات آنية . يذكر هنا و هناك أسماء بشر من المؤمنين و المشركين راويا أقوالهم و رادا عليها او مؤيدا لها أو مجيبا علي تساؤلاتهم .لا يمكنك أن تتخيل أن نصا كهذا هو غير ذي صلة بالزمان و المكان و أنه كان يمكن أن يتنزل بصورته هذه في مكان و زمان آخرين .
كما أن تبدل أوامر الوحي و نسخ الآيات بتبدل أحوال الجماعة المؤمنة و مرور الزمن القصير يجعل من القول بمفارقة نصوص الوحي للزمان و المكان قولا غريبا .
و إذا كان ذلك ينطبق علي الخطاب الإلهي فهو بحال أولي ينطبق علي الحكمة النبوية .

لم يكن هناك بد من الاستطراد الطويل السابق . فمشكلات المرأة لا يمكن فصلها عن مشكلات أخري تعترض ثقافتنا . فالتمييز ضد المرأة و الهيمنة علي مصيرها باسم ضرورات ما لنظام اجتماعي تضفي علي ترتيباته قداسة أو حتمية , أو باسم طبيعة المرأة الثابتة الجوهرية التي لا علاقة لها بالقالب الذي وضعها فيه مجتمعها و ثقافته السائدة , أو بدعوي الفوارق لصالح الرجل او ما فضل به عليها .. كل ذلك يجد في الدين معينا لا ينضب لتكريس دعاواه . و هو يتخذ نفس الاستراتيجية دائما . تثبيت هيمنة واقع اجتماعي معني و إلباسه ثوب القداسة و الديمومة و الاستعانة بنص ديني للتأكيد علي ذلك . مع تثبيت النص الديني و فصله عن سياقه التاريخي و استخدامه لاضفاء الربانية و الشرعية علي هذا الواقع للدفاع عنه ضد التغيير او لاستعادته كاملا مرة أخري كما يجب ان يكون أو كما كان في اللحظة الذهبية المتخيلة .

لا بد من الاعتراف أن الخطاب الديني بصورته الحالية و الكيفية التي يتعامل بها مع النصوص و مع الواقع لا يدع مهربا من القول بأنه يقف حائلا دون وضع أفضل للنساء في ثقافتنا و مجتمعاتنا . بل لا أعتقد أنه من قبيل المبالغة أن نقول أن كثيرا من محاولات " العودة إلي الإسلام " فيما عرف بالصحوة الإسلامية أو الإحياء الإسلامي قد أدي بنا أيضا إلي عودة بعض المظاهر الاجتماعية و الثقافية للجاهلية الأولي . هذا إذا كنا تخلصنا منها أساسا . و لكن الاكيد أن هذه المحاولات التي تتجاهل جدل الوحي و التاريخ قد ألبست مظاهر الجاهلية هذه – مثل النظرة للمرأة - ثوب الإسلام و أضفت عليها شرعية بل و أثارت نحوها حنينا , في مفارقة كبيرة .

بداية الطريق في رأيي الفصل بين ما هو أساسي من قيم و دعائم أخلاقية لحياة الإنسان و وجوده . باعتبارها الموضوع الأساسي للدين و عمودا فقريا ناظما لما هو متغير من قوانين و أعراف و تقاليد و نظم إنسانية ... و بين ما هو تاريخي من أحكام و تشريعات تمثل تطبيقات لهذه القيم و الدعائم الأخلاقية في لحظة تاريخية معينة . و إذا كانت هذه التطبيقات مثلت خطوة كبيرة نحو التحقق لما تحمله من قيم . فإن معني إستخلاف الإنسان من قبل الله هو قدرته علي تفهم هذه القيم و تمثلها و السير خطوات أخري وفق هداها .

ماء النهر الذي جري منذ سنوات كان آنذاك هو النهر , لكنه الآن ليس هو . و محاولة الاحتفاظ به في مكانه بإعتراض مجري النهر يعني مستنقعا آسنا . و الحياة تتطلب دائما ماءا جديدا جاريا .

13 September 2006

شفيقة حسن فارس

إذا سألتني عم أحب ...
أعني تلك الأشياء و التفاصيل التي قد نتوهم أنها غير ذات معني ..
أنا أحب الشاي . شربته لأول مرة عندها و كانت هي أيضا تحب الشاي .
أحب بشكل خاص الشاي باللبن . ليس أي شاي بلبن . بنسب معينة للشاي و للبن كما كانت تعده لي .
أحب أيضا الترمس . بجوار بيتها كان دكان يعد فيه الترمس , و يأتي أصحاب عربات الترمس يشترون منه . كان الرجل هناك يبتسم عندما أدخل دكانه طالبا منه بربع جنيه ترمس . كان يعطيني كيسا كبيرا يكفيني لأيام .
أحب جدا ملمس الكليم علي الأرض . في بيتها كنت ألعب جالسا عليه . صنعت من علب شرائط الكاسيت بيوتا و ألفت روايات و أخرجتها و مثلتها بمشابكها الخشبية التي لونتها و جعلتها رجالا و نساءا , أخيارا و أشرارا .
أحب الصلاة في مسجد " السادة الخلوتية " بجوار بيتها . كنت أسميه المسجد الأخضر . و تخيلت الرسول يشبه إمامه الصوفي الأسمر ذي اللحية البيضاء و العينين الطيبتين النافذتين اللتان كنت أثبت عليهما عيناي بعد الصلاة . كان لا يتمتم بالتسابيح مثلهم . كان ساكنا يفعل شيئا أهم فيما يبدو . و عندما ينتبه لوجودي يخصني بابتسامة واسعة و هزة رأس .
أحببت تدليلها لي و ذكرها الدائم أنني أول ولد لأكبر أولادها , رغم حرجي أمام أحفادها الآخرين .
توفيت مساء أمس جدتي عن 88 عاما قضت أغلبهم في العناية بكل الآخرين .
كنت أعجب عندما أجدها تسألني عن أشياء مثل علاقتي بصديق فاتني حضور حفل زفافه قبل عام . و كيف هي علاقتنا الآن .
او تسألني عن زميل في الكلية هاتفته من عندها يوما , و انقطعت الآن علاقتنا , تسألني أين يعمل و إن كان تزوج أم لا .
قالت لي آخر مرة زرتها : " لو كنت بصحة جيدة لأتممت بنفسي تأثيث شقتك ثم زوجتك خلال أسبوعين أيها الكسول . لقد أشرفت أنا علي بناء هذا البيت من أول أساساته حتي تمامه . ولو لم أفعل لما بني هذا البيت . كان جدك يحب العزلة و الهدوء مثلك ! "