30 April 2010

الخسارات


1
أضع ساقا فوق ساق أحاول أن أقنع نفسي أني هنا أعرف شيئا وأستريح في ركن أعرفه في هذا العالم الذي يحيرني ويثيرني ويقطع أنفاسي. تتساقط الجنيهات المعدنية من جيبي المائل مع ساقي المرفوعة، وتتدحرج كيفما اتفق لاستدارتها وحافتها الخشنة وتكوينات البلاط المخدوش المترّب للمقهى المكشوف. لا تعرف عيني قانون حركتها ولا تحاول إلا البحث في المساحة التي تطولها يدي مستهينة بالقدر الهين للخسارة. للمرة الثانية يقاطعني الرنين الوقح للجنيهات المعدنية يخدش ارتياحي واستهانتي. هذه المرة أقوم بطيئا وتتجاهل عيني أي محاولة للتقصي، أتحسس جيبي أتأكد أن كل الجنيهات المعدنية راحت وأجلس على راحتي.

2
فكرت أن الريح ستطوح تلك السجادة الخفيفة التي وضعتها من منتصفها على المنشر. قلت سأثبتها بعد أن أنشر كل السجاد المبلل الذي كان يطفو بالأمس فوق بركة الماء التي لفظتها مواسير ضيقة الروح فغمرت الشقة ومنحتني سببا إضافيا واهيا وغريبا للبكاء وأنا عائد آخر الليل متعبا أريد أن أستريح من معارك كثيرة خاسرة أقضي وقتي على أرضها ألملم ما تبقى وأحفظ شيئا جميلا لي من هنا أوهناك.
قد تكون الريح التي أتت بعصفورة لطيفة حطت فوق السجادة الثقيلة الجميلة التي علمت أني سأفقدها لأسباب أخرى هي نفسها الريح التي أزعجتها فطارت ولكن بعد أن التقطت لها صورة ونسيت السجادة الخفيفة التي لم أرها تسقط ولم أرها ثانية.

18 April 2010

أم رامي

كان قد بدأ يغالب النوم وهو يقود السيارة نصف النقل على الطريق الضيقة المظلمة من الجوادية إلى بلقاس ليوصلنا إلى موقف البيجو المتجه إلى القاهرة، ولكن المصوّر المحشور بيني وبينه أنعشه بسؤاله عن الراقصات.

ابتسم وقال إن الصغيرة منهما- كانتا اثنتين- تابت أكثر من مرة ورجعت، و الفرح الذي كنا فيه هو ثالث فرح لها بعد العودة من التوبة الأخيرة. أما الأكبر سنا فهي أم رامي. ضحكنا لسماع الاسم، فأكمل أن أم رامي راقصة مشهورة في المنطقة وأنها مختلفة جدا – مثل اسمها- عن باقي الراقصات.

في الفرح كانت أم رامي ترتدي بدلة حمراء ضيقة بها فتحات يبرز منها لحمها المضغوط، وعلي ثديها الأيسر وشم يبدو من بعيد كختم النسر. ورغم أن الراقصة الأصغر كانت أجمل بقوامها الملفوف المائل للامتلاء- تشيه منة شلبي في أول ظهورها- إلا أن الجمهور كان أكثر إقبالا على مشاركة أم رامي الرقص. الراقصة الأصغر- التي نسيت اسمها فعلا- لم تكن بنفس الحماسة. بينما أم رامي كانت مبتهجة بشكل يبدو حقيقيا. كانت تأخذ المايك أحيانا لتشارك في الغناء. أو لتؤدي فواصل مع الفرقة. مثلا: يهتف النوبتجي: "بنحيي الحاج أيمن" فترد أم رامي" الحاج أيمن أخلاق". "بنحيي بلقاس- بلقاس أخلاق" وهكذا.

الجمهور المتسابق على الرقص مع أم رامي ملأ المسرح، مما اضطر العريس إلى التنبيه على النوبتجي الذي أعلن أن العريس لا يريد أن يرقص أي أحد مع "البنات"- سألت وعرفت أن البنات هن الراقصات- وأضاف النوبتجي أن العريس نفسه لن يرقص مع البنات!

العريس كان وسيما وميالا للهدوء ويرفض القيام للرقص. وكان مشهدا عظيما والسيدة ذات العباءة البنفسجية تمر بين الجمهور الغارق في أنهار البيرة وسحابات الحشيش وتصعد المسرح وهي ممسكة بالصينية بيد وتقلب بالأخرى كوب شاي وتناوله للعريس، الذي قام لها شاكرا وأخذ رشفة من الشاي باستمتاع ووضعه بجانبه قبل أن يتبادل ضحكة مع عروسه التي كانت ساكنة تماما معظم الوقت مختبئة خلف مكياجها الثقيل.

قال وهو ينحرف إلى طريق أوسع: “أنا اشتريت لأم رامي كمبيوتر لأني بافهم في الحاجات دي ودخلت بيتها وركبته. أم رامي فعلا أغرب رقاصة عرفتها". كان يحكي وعيناه مفتوحتان عن آخرهما أنه وجدها في بيتها ست بيت عادية. زوجها إداري في مستشفى، وابنها شاطر في المدرسة ويفهم جيدا في الكمبيوتر. أضاف أن الراقصات الأخريات يتزوجن كثيرا لمدد قصيرة من هذا وذاك، ولكن أم رامي عندها أسرة مستقرة وزوجها هذا أول من تزوجها. سأله زميلي المصور:" وهو ما يعرفش ولا إيه إنها رقاصة؟". أجاب مستنكرا:”ما يعرفش إزاي. يعرف طبعا. كل الناس عارفة. أم رامي مشهورة".

ترك عجلة القيادة وأشاح بيده وهو يقول "مشهورة"، ثم أضاف أن أم رامي هي الراقصة الوحيدة التي يعرفها و تسكن وسط قرية بشكل مستقر بدلا من أن تختبيء في زحام مدينة بعيدة أو تتنقل بين القرى تقيم فترة مع فلان وعلان.

"لا مش بس كده. دي كمان أم رامي هي اللي بانية البيت اللي ساكنة فيه". ابتسم وهز رأسه متعجبا: "الله يمسيكي بالخير يا أم رامي" ثم انتبه إلى الانطباع الذي يتركه ذلك المسا فأردف جادا:”على فكرة أم رامي مالهاش في الغلط مش زي الباقيين".

قبل رحيلنا من الفرح صعد إلى المسرح وسلم على بعض أعضاء الفرقة وعلى أم رامي. كان مطرب ثقيل الظل قد بدأ يغني لأم كلثوم ثم يشير لأم رامي كل فترة لكي تخفف قليلا من وطأة سخافته بفاصل من الرقص وكلام تقوله بصوت أجش ولكنه مترع بالشبق. كان المايك رديئا والموسيقى صاخبة ولم أفهم من كلامها سوى عبارة واحدة كانت تكررها :"إحنا النسوان الحريفة".

16 April 2010

بتر العلاقة


صفِّ رغبتك، قطرةً، قطرةً. انس ما كان غدا.

قاوم الدمع ثوانٍ، ليأتي بأعمق ما فيك من الفقد.

ما تزرعه حبا، تحصده برقة، أوتقتلعه بعنف.


05 April 2010

سعيد


سألني سعيد الحلاق أربعة عشر مرة إن كنت متزوجا.
منذ وفاة محمود عبد العزيز، الحلاق، قبيل أول العام الماضي إلى الآن، ولأني أحلق مرة في الشهر تقريبا، ولأني ذهبت دائما إلى سعيد باستثناء مرة واحدة، فإنهم فعلا أربعة عشر مرة.
يتذكر سعيد بدقة كيف أحب أن أقص شعري وكيف لا أحب أي تحديد للحيتي مفضلا ترك التناثر العشوائي للشعر يشكل حدودها، وأنني لا أحب أي نوع من الكريمات ولا الشامبو ولا البلسم ولا أي شيء من تلك المنتجات الملونة الكثيرة المرصوصة عنده، ولكنه لا يتوقف أبدا عن هذا السؤال.

من المحتمل أني لم أبد له أبدا مقنعا كمتزوج. ربما هي لهجتي تجاه الحياة، تنقصها "النضج"- أبتسم عادة أمام هذا الاستخدام للكلمة، فالناضج يؤكل - أو هو نقصان اليقين أو ربما فائض القلق. بشكل عام أنا لست مقنعا لسعيد، أي حوار بيننا ينتهي بصمت ما. كأننا ندور في مدارين منفصلين ونتبادل إشعارات الوجود وتحديد المسافة في لحظات عشوائية، نراوح بين البون الشاسع والقرب الذي يكاد ولكنه لا يكون.

أعتقد أنه من الصعب محاورة سعيد فضلا عن إقناعه لأنه بالأساس غير مكترث، غير مكترث بعمق وأصالة. لا يبدي اهتماما لا بالكرة ولا بالدين ولا بالموسيقى ولا بالأفلام ولا بالسياسة ولا بالنساء ويبدو فاترا وحازما في تعامله مع أصحابه، لا يمدح أو يتذمر من أي شيء. أمر واحد فقط يؤرقه، أنه متزوج ولا يزال مقيما في بيت أبيه. أعتقد أن هذا ما يدفعه دائما لسؤالي نفس السؤال، وإجابتي التي لم تكن أبدا مقنعة له لكي يتذكرها، كافية لكي يسألني بعد جوابي إن كانت لدي شقة أو أنني مقيم في بيت أهلي، ثم يتبع ذلك بشكوى صادقة من إقامته وزوجته عند أهله ويتمنى صادقا أن يحصل على شقة لكي ينتقل للسكن في بيت يخصه.

آخر مرة، قبل يومين، عندما سألني سعيد هذا السؤال، بدت لي الإجابة الدقيقة معقدة ولا تناسب عدم اكتراث سعيد ولا غرضه من السؤال. لذا فإني إجابتي كانت مقتضبة: لا.
لم يبد عليه أي تعبير، فقط انقطع مسار الحوار المعتاد وضاعت فرصته هذه المرة. وكان ذلك مريحا لي للحظات، ولكنه كان أسرع وصول إلى الصمت، بدا سعيد مختلفا وأنا أعلم أنه يبتلع شكواه الوحيدة من هذا العالم، ولم يعد ذلك مريحا.
أضفت مبتسما: مش متجوز لكن مش قاعد عند أهلي، عندي شقة.
نظر لي سعيد عبر المرآة وابتسم بشيء من الحرج: إيه ده! هو أنا حكيت لك؟
قلت وأنا أفكر أن ذلك قد يضع نهاية لأحد حواراتنا الأهم والأكثر استقرارا منذ عرفته: كل مرة تحكي لي، خمسة عشر مرة فقط يا سعيد !
لم أحسب بدقة ساعتها.
قهقه سعيد بعنف وتوقف عن الحلاقة، ابتعد قلبلا واستند بذراعيه على الكرسي الذي أجلس عليه وهو ينظر إلى الأرض يخفي وجهه عن المرآة ولكني رأيت احمرار أذنيه وهو يقول: لا مؤاخذة يا باشا. كادت دمعة تطفر من عيني وأنا أشاركه الضحك ولكني هززت رأسي ممتنا ومعجبا بسعيد وذاكرته الصافية إلا من همه: يخرب عقلك يا سعيد !


لا تشبه صورة جوني دب في "ماذا يقلق جيلبرت جريب" سعيد. ولكني شاهدت الفيلم بالأمس ، ويبدو لي أن شيئا مشتركا يقلقنا أنا وسعيد وجيلبرت.

02 April 2010

بعد التعب


لقد كان ذلك أقسى ما عشت. وربما ما سأعيش.
تعبت جدا، لا يمكن أن أماري في ذلك. ولكن أيضا لا أبالغ، فعناية ما لا تزال تخجلني، وتجعل سدا بيني وبين قسوة العالم، تلك التي أتصورها.
كلما جف حلقي واستوحشت روحي وسقطت من الإعياء، كحصان حصدوا ركبتيه بمنجل، وقلتُ: الآن سأعرف! ينزل الندى وآنس وأرقد مطمئنا على أرض حانية.
بين شكي وإيماني، خجلي من أن يعاتبني الله: بدا لك ذلك مصادفة؟

قد تكون عناية أو هو الرضا، ترضيني حقا أشياء بسيطة في هذا العالم. ربما هي فرحتي الكبيرة بما كان لي: كل لحظة طيبة يجود بها قدري السمح تملأ أعماقي فرحا.
ربما هو امتناني العظيم للفتات اللطف والمحبة والود. لا أريد غيرها. ربما هو دفء القرب من كل هؤلاء المدهشين حولي، ممن مستهم بهجة الوجود وقلقه، فرقت قلوبهم وتخففوا من العالم قليلا. لا أريد غيرهم.
ربما كان زهدي في الكثير، أو هو هوسي الشبقيّ الجامح والعنيد بأهوائي القليلة، القليلة جدا، التي ترضيني.

متهاون أنا فيما يخص الحد بيني وبين الآخرين. ولكن عنايتي بي لا حد لها. تنهار أعصابي على الحد بين عنايتي بنفسي وعنايتي بمن أحببت. تعب جميل، لا أتخفف منه، ولا أريد لنفسي سوى ذلك.
لا أشعر بالذنب وأطلب الصفح. حد الحقيقة والحق بين الناس تصنعه الحرب، ولكن التلطف إحسان. والمودة تعطيك روحك عندما تبذلها.