17 October 2009

البحث عن مكان للمعنى


أنا أعتبر نفسي صحفيا محظوظا بقدر كبير، فالذين التقيهم دائما أثناء انتقالي من مكان إلى آخر في عالم الصحافة هم أشخاص استثنائيين. يساعدني في ذلك أنني لم أتنقل كثيرا في الحقيقة لأن وجود استثنائيين - بالمعنى الإيجابي- في وسط تسيطر عليه الرداءة الاستثنائية - واسألوا ميزو!- هو ما لا يمكنني تفسيره بأقل من عناية إلهية.
إحدى آيات ذلك أن كان أول من التقيت هو الأستاذ أسامة عفيفي، الذي أعتقد أنه لا يوجد كثيرون مثله لديهم ما يقولونه فيما يخص "فن الصحافة". ولذلك أجد - كلما تنقلت- شبابا وكهولا يخبرونني أنهم تلاميذ "الأستاذ أسامة" ويذكرونه بالخير، في الوقت الذي أتفرج فيه دائما على نماذج متوافرة من آخرين يتطاولون في الأعمدة على حواف الصفحات بينما هم خارج الورق يتوجسون ممن تبدو عليهم أمارات الموهبة ويحاولون بكل ما أوتوا من "فن السخافة" أن يحافظوا على مكانهم بإبقاء المساحة المحيطة بهم مستنقعا خالصا إلا من كل ما هو ضحل ولزج.
لذلك كان أيضا من حسن حظي عندما توجهت إلى "البديل" قبل عامين أن عرفني صديق إلى د.محمد السيد سعيد، أثناء رئاسته للتحرير، وكانت أول معرفتي الشخصية به، وكان أول معرفتي بـ"البديل"- رحمهما الله.
كنت أسمع من الأصدقاء الباحثين والحقوقيين عن دماثة "الدكتور محمد" التي لا ينافسها إلا مكانته كمفكر وباحث وكاتب، ولذلك توقعت ما لقيت من الترحيب والإنصات إلى أفكاري واقتراحاتي ولكن لم أتوقع منه، وهو يعتذر لي لأن المزيد من المكاتب ستتوفر قريبا في غرف أخرى، أن يخبرني في أريحية وبساطة أنه يمكنني أن أقوم بعملي من خلال غرفته نفسها، وحتى وصلة الإنترنت يمكن أن نتبادلها وقت الحاجة !
كان ذلك ملهما جدا والمرء يبدأ عمله متحمسا في جريدة يسارية تريد أن تقدم بديلا. وظللت قرابة أسبوعين تقريبا أجلس يوميا معه في مكتبه، ظن البعض ممن لا يعرفني أنني من قيادات الجريدة، وقبيل انتقالي السريع من الجريدة - قبل توقفها بفترة- علمت أنني كنت محسوبا على "الإدارة" بعد أن اشتعلت في "البديل" الحرب الصامتة بين الشلل المختلفة وتردت العلاقة بين الإدارة والتحرير وصولا إلى أزمة توقف الجريدة. وذلك كان جانبا واحدا من الهوة بين القيم التي كان من المفترض أن تقوم عليها التجربة وهي قيم حملها قسم من قادة التجربة بالفعل وبين ما انتهت إليه هذه التجربة. والجوانب الأخرى من الهوة أجدها في الكلام الذي يتردد دائما في الجلسات الخاصة لكن عند الكتابة والخطابة - للتاريخ والجمهور- تجد التجربة قد تحولت إلى كلمات زاهية وناصعة، وعداها العيب إلى التاريخ والزمن الرديء الذي لا مكان فيه لجريدة محترمة أو الجمهور الذي افتقد حس المقاومة فلم يدعم التجربة.
مع النسيان ولدواعي الاستعمال، تتحول التجارب - صحف، تجمعات سياسية، منظمات- إلى أوسمة على صدور شهدائها، وبعضهم يحتاجون ذلك بشدة، ولكني لا أظن أن د. محمد في حاجة لذلك. فلا يضيره أن نتحدث عن أن أسباب بنيوية داخل "البديل" التي رأس تحريرها أو "كفاية" التي كان من أبرز أعضاء لجنتها التنسيقية، كانت سبب انهيار هذه التجارب. فهو دائما كان ممن لا يخجلون من نقد مكانه السابق وتجاربه السابقة بعد أن يلزم نفسه بالمخاطرة وارتياد الأماكن الجديدة بدلا من الارتكان إلى أماكن دافئة يبررها بعض أقرانه بأنهم باحثون ومفكرون لا ناشطون أو صحفيون.
بدا لي دائما أن محمد السيد سعيد وعبد الوهاب المسيري يمثلان نموذجا واحدا رغم اختلافهما الفكري، فكلاهما كان يضع نفسه في مكان خارج التصنيفات السائدة، ولكنهما كانا متجاوزين لحالة آخرين يسمون أنفسهم كذلك لكي يكتفوا بالمراقبة ويبتعدوا عن أي التزام أوجهد أو تجمع، وفي الوقت نفسه لا يقدمون جديدا ولا أصيلا على مستوى الفكر. فالراحلان كانا من الأنشط في مجال التعامل النقدي مع الأفكار وفي الوقت نفسه الأكثر التزاما وجهدا وأكثر ميلا للحركة مع جماعة لكي تجد الفكرة مكانا لها على الأرض.
ارتبط باسم د.محمد السيد سعيد بوصف "يساري بين الليبراليين، ليبرالي بين اليساريين" إلا أنه بوضوح كان يساريا نقديا، ناقدا لليسار نفسه في المقام الأول، لكنه لم يتراجع عن خوض مغامرة تأسيس أول جريدة يسارية يومية. لا أعتقد أنه من السهل القول أن وجوده على رأس التجربة لم يكن موفقا لأنه كان مفكرا وباحثا أكثر منه صحفيا أو إداريا، ولا يمكنني الدفاع عن العكس. ما تركه محمد السيد سعيد من جهد فكري وبحثي ومكانه في قلوب أقرانه وتلاميذه وأبناء جيله وما بعده يكفي وزيادة لحفظ مكانه ومكانته، وما يمكن أن يكون مزعجا بشأن ذلك هو أن المزيد من الاستثنائيين يجربون ويرحلون وتخلد ذكراهم ولكن قبل رحليهم تنتهي أو تتجمد التجارب الجماعية وهي التي تنفع عموم الناس أكثر وتمكث في الأرض.
خرجت من عزاء الدكتور محمد في مسجد عمر مكرم الأربعاء الماضي بعد ما بدأت القاعة تزدحم وبدأ المرور يتعطل قليلا، ربما بسبب الوجود الكثيف للأمن ترقبا لوصول شخصيات هامة وفقا لتخمين سائق التاكسي الذي ركبته. سألني السائق: عزاء من؟ أجبته. فاستفسر: وماذا كان يعمل؟ وأنا أجيبه كنت زاهدا في بعض التفاصيل التي أعتقد أنها لا تعنيه- وإن كانت تعنيني جدا وكل مهتم بالسياسة والفكر السياسي - ولكني فكرت أنه لو كانت "البديل" - أو أي تجربة أخرى - نجحت في أن تبقى حية وارتبطت ببعض من قامت لتعبر عنهم كنت سأجيبه بحماس بوصف واحد سيعني له شيئا.

4 comments:

mohamed hassan said...

انا بني ادم عادي و قارئ بعيد و احب اقولك ان البديل صحيفة
حقيقة كانت من افضل ما رايت في حياتي
كانت جريدة مختلفة حقيقة و لم ار بعدها مثلها
هذه شهادة قاريء عادي

فهلاو said...

عمرو الرائع

دعنى اتفق معك على أن قيمة محمد تتجاوز بكثير تجربة البديل، وأن قيمته كرائد حقوقى ومفكر حركى تتجاوز بكثير صحيفة البديل ورحلتها من الانطلاق الى الاغلاق.. كمما هى متجاوزة لكفاية وخفوتها... ومع اتفاقنا هذا يظل علينا كما اسلفت واجب تأمل الأمر..

الدكتور احمد يوسف استاذى والمفكر السياسى نعى على محمد خوضه فى تجربة صحفية تصغر عن استيعاب طاقته الفكرية كمفكر سياسى... ونعى عليه من قبل اصدقاء اعزاء محبين انخراطه فى تنظيم مثل كفايه كانت عناصر فشله بالنسبة لهم اوضح من ملامح نجاحه... ولعل النقدين صدقا من حيث النتائج المباشرة.. لكنهما قصرا عن ادراك قيمة ان محمدا قد قدم بنفسه لفكرة الخيال السياسى والتجريب والخروج بحلول مبدعة لتحريك المجال العام نموذجا للحركة الواعية وكيفية انطلاق المثقف الحق بين النظر والحركة.. ان سر ضعف النخبة الثقافية هو قعودها عن هذا التجريب واخذ تلك المخاطرات.. ان الدرس الاعظم للمفكرين من حجم محمد هو ابراز الأمل والقول بأن بالإمكان ابدع مما كان حتى لو اخفقوا.. بعض الرومانسية هى ما منحت لمحمد وافكاره قوة الحضور والنفاذ للناس.. عندما اتانى خبر موته تذكرت كيف مات عظماء نجلهم اليوم ولم يروا فى عين حياتهم اى اثر لافكارهم.. ظنى ان محمدا مات غير راض... رثاؤه لاحمد عبدالله رزة.. قال كثير مما كان يشعر به.. لكنه غالب ذلك بالأمل.. واقتنصه القاتل اللعين فى لحظة لئيمة.. ووالله لو قدر له حياة اطول.. لشاهدناه منافحا عن تجربة البديل، وعن وجود حركة تغيير مضادة لتحالف العسكر البيزنس البيروقراط المسيطرة.. ولقبل نقدك.. ونقد شخص وغيرنا ممن قالوا رأيابحق تجربتى البديل وكفاية، ولكان قدم نسخا مطورة تتلافى العيوب، بلا كلل.. ولسعى لاثبات ان قلبا يحب وعقلا يفكر وجسدا لا يكل عن التحرك هم من يصنعون التاريخ... الرجل الذى وقف فى وجه مبارك وقال له مذكرا : شعب مصر جوهرة.. شعب مصر يستحق الافضل.. مؤمنا بقيمة المفكر.. حين يقف بين يدى السلطان ليأمره وينهاه... بقلب جسور عارف بان ذهب معز مخلوط بتاريخ دموي يخرس من كانوا حوله من مثقفينا، وان التجروء سيعنى عقابا .. هذه الحركية التى تنطلق من وعى هائل بقيمة التغيير وايمان بالانسان كصانع له.. ونفاذ العقل الممتاز لمكنون الظواهر الممرضة لهذا المجتمع ببساطة وعمق لا تتأتى إلا لمفكر ملتزم باحلامه وقيمه وايمانه بالانسان

تيمت بنموذجه منذ لقائى الأول به فى ندوة بكليتى اوائل التسعينات، ومع متابعاتى لكتاباته عبر عشرين عاما فى جريدة الاتحاد والاهرام والقاهرة لتقارير مركز الاهرام ولا انسى رائعته احوال مصرية التى غفل الجميع عن ذكر دوره فى تأسيسها كإحدى التجارب الصحفية المختلفة والمتميزة، التى منحها من فكره وروحه، ناهيك عن كتاباته المتخصصة فى تحليل مسائل الامن القومى العربى، وتجربة اشرافه الاكاديمى على مركز القاهرة لحقوق الانسان ودراساته القيمة، التى حملت رؤى مبدعه ومجلة رواق عربى التى اضحت بفضل دأبه وفكره اهم المجلات الحقوقية المتخصصة، وازعم ان انضج كتابات محمد هى مقدمات اعداد رواق عربى التى ظل يكتبها منذ نشأتها، واذكر انه فى احد اعدادها ربما هو الصادر فى شتاء 2004 قدم فكرة كفاية -دون تسميتها- كحركة اجتماعية ذات اطار مؤسسى جديد يقوم على الجامعية وليونة التنظيم، لتقديم افكار محددة للتغيير السياسى، وسعى مع ابناء جيله لاخراجها للنور.. وكانت بنتا حقيقية لعقله، وان كانت قد اخفقت فى ان تستمر - كما اخفقت البديل - فالعيب لم يكن بنيويا بمعنى الضعف المؤسسى الداخلى بقدر ما كان بنيويا عاما يتعلق بالمحيط الثقافى للنخبة، ورغم ترددى فى الامر واحساسى بوجود تناقض داخلى، اميل للقول بانه نعم يجب لوم النخبة على عجزها عن التعاطى مع افكار محمد التى تحاول كسر النماذج السائدة فى ادارة العمل الحركى وادارة الاعلام... ظنى ان محمد لم يفشل ... فكفاية ستظل ملهمة لآخرين كى يقدمو صورة مطورة لها فى المستقبل القريب تستفيد من دروسها ومن نجاحاتها وتتقى عيوبها وتتعلم من اخفاقاتها... كما سيظل هناك جيل من الصحفيين - انت واترابك منهم - يعلمون قيمة الكلمة وقيمة التنظيم المهنى الجماعى المتحلق حول افكار النزاهة والحرية الفكرية وعدم التبعية وكسر الحلقات الخبيثة للملكية والتحيز المصلحى التى لا تنتج الا تجهيلا والهاء.. احسب ان تجربة الملكية عبر تعاونية مانعة لسيطرة القلة.. وفصل التحرير عن قاعدة الملاك.. واعلان انحيازات جمالية وفكرية مسبقة.. والانفتاح وتعظيم قيمة النقد والرصانة.. التى عابها الكثيرين فى تجربة محمد ستجد لها يوما تحققا..

عمرو عزت said...

محمد حسن:
وأنا أيضا بني آدم عادي !
:)
ومعظم الوقت كنت قارئا باستثناء بعض الوقت كنت أعمل في البديل. ورأيي أن الجريدة كان لها مميزاتها، ولكن كان يمكن أن تكون أفضل بكثير.
ولو كانت تجربة صحفية بلا عيوب، فالمشكلة لا تزال قائمة، لماذا يكون عمر التجارب التي تبدأ قوية أقصر من عمر أصحابها !


فهلاو:
مهما كان الأمر، فأعتقد أن خوض تجربة البديل أو تجربة كفاية كانا ضروريين.
البعض حكم على التجربتين منذ البداية. ولكن رغم معرفتنا بردءاة البيئة المحيطة التي تتسرب دائما إلى داخل كل مشروع، فدائما أعتقد في جدوى المحاولة والتجريب.
المؤسف أن القيم الإرادات الإيجابية دائما تكون أضعف من تقاوم لفترة أطول.
أتمنى أن نتجاوز هذا.

موقع الداعيه عمرو خالد said...

اذيك يا صديقى
اولا : اود ان اشيد باعجابى الشديد والمنبهر بمدونتك
حقا رائعه
ثانيا اود ان اقوم بعمل تبادل روابط نصيه معك بمدوناتك مع احدى مدوناتى
ان تضع لى رابط احى مدوناتى عندك وان اضع لك رابط احدى مدوناتى عندى
اليك المدونات اختار منهم ما شاءت

موقع الزمالك

موقع جوجو الشامل

موقع الاهلى المصرى 101

موقع اخبار الكورة المصرية,الاوربية,العالمية,الاهلى

موقع النادى الاسماعيلى ,اخبار الاسماعيلى

موقع تعليم الفوركس للمبتدئين اون لاين

موقع شباب بيك
منتظر ردك
بعد ان تضع لينك مدونتى عندك اترك تعليق فى اى مدونه عندى لكى اقوم على الفور
باضافه مدوتك لدى
شكرا لك تقبل خالص مروى وتقدرى واحترامى لك
شكرا لك صديقى