16 January 2006

" النبي تبسم "

لخمس سنوات , قضيتها في كلية الهندسة, كنت أمر عليه يوميا باسثناء أيام العطلات , أعطيه جنيها و أوجه اليه, بعد السلام الذي لا يرده , كلمة واحدة : " الحياة " ... و احيانا كنت أزيد المبلغ و عدد الكلمات مضيفا " العربي " , " آفاق عربية " أو " الأهالي " .. و لكن وجهه كان دائما ثابتا علي تعبير واحد جهم و لا مبال ...يمكن أن يردك اذا لم يكن يريد ان يقلب في " الكرتونة " ليبحث لك عن فكة للباقي .
فكرت أحيانا أنه ربما يتاجر في أشياء أخري و يتخذ من بيع الصحف ستارا , و حفز خيالي كثيرا مرأي وجهه القاسي و صرامته و زهده في جنيهاتي .
اعتدت بالعشرة علي سلوكه الخشن فلم يعد يضايقني كثيرا أن يردني بالعشرين أو الخمسين جنيها , كنت غالبا ما أعود اليه مرة أخري بين أوقات المحاضرات التي كنت أقضي معظمها جالسا في الكافيتريا , أقرأ أو أفكر أيا من الكليات كان يجب ان أكون فيها آنذاك.
مروري اليومي المنتظم عليه جعله , بمرور الوقت و الجينهات , يضعني في منزلة خاصة .. فسمح لي - تدريجيا - دونا عن " العامة" من طلبة الجامعة , بتصفح الكتب و المجلات و النظر في فهارسهم علي مهل , بينما مصير أسود ينتظر الآخرين ممن يحاولون فقط لمس الكتب او المجلات او الوقوف لمدة قد يراها أطول من اللازم أمام عناوين الجرائد و أغلفة المجلات .

هذه المعاملة الخاصة التي يحتفظ بها لزبائنه الجادين لا تتضمن أي تخفيف من ملامح وجهه الصارم أو لامبالاته بهم و بنقودهم .. و لكنه أحيانا ما كان يتبسط معي و مع غيري و يقلب في "الكرتونة " ليجمع الباقي في حالة شراء المجلات الفصلية أو الكتب ذات الثمن " المحترم" .
المدهش حقا هو ذلك التوحد الذي بينه و بين مساعديه , ربما يعرفون رد الفعل المناسب تجاه الزبون من تعبيرات وجهه ... فاذا ثبتت علي مستوي جهامتها المعتاد فالأمور علي ما يرام , و لكن اذا ما تحولت الي الامتعاض فان المساعد يبدأ في اتخاذ اللازم و ردع المتطفلين .
لثلاث سنوات أخري , أمر جيئة و ذهابا, من وإلي كلية الآداب , في الأغلب مرة كل أسبوع , أصبحت " الحياة " بجنيهين , و تغيرت أسعار كل الجرائد و المجلات , و أصبح مساعديه أكبر سنا و أقل عدوانية مع الطلاب و أكثر تهاونا و ودا معي .
أحد مساعديه اعتاد أن يأتي لي بالحياة فور ان يراني قادما , أضيف أنا مؤخرا : " و المصري اليوم " . ... بينما كبيرهم – عند الكلمة السابقة اكتشفت فجأة أني لا أعرف اسمه – لا يتزحزح , و كأنه تمثال مصري قديم يجلس هكذا منذ فجر التاريخ عند مدخل جامعة القاهرة .

صباح الأمس بعد أن قلت له كلمتي المعتادة :" الحياة " –كنت قد اشتريت المصري اليوم مساءا – وبعد أن تقبل مني الخمسين جنيها بلا مناقشة ثم جمع الباقي من " كرتونته ".... رفع بصره الي و ابتسم و هو يسألني : " انت لسه ما خلصتش ؟"
ليس من عادتي أن أحسن رد الفعل تجاه المفاجآت .. ولكن من حسن الحظ أن ابتسامتي اتسعت من الدهشة - و ليس حدقتاي - و أجبته في سعادة شارحا له قصتي و لكن باختصار ... لا يجب ان أتمادي مع تبسطه معي .
بدأت قسمات وجهه المتغضن تلين مفصحة عن حنو أبوي و هو يقول بصوت أجش غليظ : " أصلك ما بقتش تعدي كتير زي زمان "
اتسعت ابتسامته هو الآخر , تبادلنا جملتين أو أكثر, ثم تبادلنا السلام ., بل انه حياني بهزة من برأسه و أنا راحل .
توقفت قليلا أطالع أغلفة بعض الكتب المعروضة و انا أتابع خلسة كيف يعود وجهه ثانية كما كان, و كيف يرد طالبا بيده جريدة " المساء " و بيده الأخري الممدودة عشرون جنيها , قائلا في صرامة و اقتضاب " مفيش فكة " . .. ألمحه يلقي نظرة خاطفة الي مملكته قبل أن يشيح بوجهه مصوبا بصره الي بقعة ما بعيدا عني و عن الطالب الغاضب الذي لا يزال واقفا مادا يده في حنق .

15 comments:

Eman M said...

:)))))))

Anonymous said...

:D Nice
Tenfa3 kssa kaseera " ur style n writing is good"

radwa osama said...

حلوة قوى يا عمرو..رائع انت حينما تكتب بحميمية عن عالمك

محمود عزت said...

صباحك زي القشطة يا عمرو
إنت لسه بتشتري المصري اليوم؟
مش الحكومة خلاص يابني تكفلت بيه :))

وفر وفر ياعم الحاج
إنت داخل على جواز

حروح بكرة أشوف الراجل ده!

m4m said...

رائعة ياعمرو...أنا خريج هندسة قديم دفعة 93 و أكيد تقصد اللى عند نصب التذكارى...طول عمره كده..بس أيامنا كانت أرخص...باحب أسلوبك جدا

Nouran said...

بصراحة عجبتني اوي بس الراجل ده فكرني بنفسي مش بضحك ابدا لاي احد غير بعد عشرة طويلة بس هو شكله طيب زيي وانا ان شاء الله هعرفه لما اخش كلية الهندسة ياااااااااااا رب

Anonymous said...

مش الحكومة خلاص يابني تكفلت بيه
أ/محمود عزت ..ممكن توّضح أكثر؟

محمود عزت said...

والله سؤال وجيه يا أستاذ أنونميس

أقول ولا تقوله إنت يا عمرو :))

bluerose said...

انا كمان باتساءل يعني ايه الحكومة تكفلت بيه؟؟؟؟؟؟؟
خصوصا ان بدا احساس غريب يجيلي عند قراءتها ان فيه حاجة غريبة

عمرو عزت said...

صرح لي أكثر من بائع صحف
ان افراد شرطة مروا عليهم و امروهم باخفاء اعداد المصري اليوم او عدم وضعها في مكان ظاهر
هذا بخلاف انه تمت محاولة لسحبه عن طريق شراء كميات كبيرة من باعة الصحف و اماكن التوزيع بواسطة عدة جهات يوم نشر شهادة نهي الزيني الشهيرة

كنت اعتقد ان هذا ما يقصده محمود من ان الحكومة تكفلت به
و لكن تعبيره اوحي انه يقصد اتهامهم بالموالاة للحكومة

و لكن بعد سؤال العلامة عن معني النص المشار اليه
اخبرني انه يقصد ان والدنا المبجل اضاف المصري اليوم لقائمة اشتراكات الصحف الخاصة به في الشركة

و توضيحا مني انا ايضا لان هذا الموضوع يشغل عموم القراء
فانا لا اطيق الانتظار لاقرا المصري بعد عودة " الحكومة " الي البيت في السابعة مساءا أو أكثر
لذلك اشتريها انا الاخر

نأسف للوجهة العائلية التي اتخذها الحوار
هو ساعات محمود يحب يبقي غامض كانه بيكتب قصيدة شعر معناها في بطنه و المفروض ان الناس تقعد تفكر لحد ما تعرف
حاجة تغيظ و الله
ما كنت تقول قصدك ايه و تخلص

ٌٌRamy said...

قليل لما بتاخد من كلام لا هو شعر ولا قصه

كلماتك كانت قريبه أوي, حسستني إني أعرفك وأعرف حتي "الحياة" اللي عمري ما قرتها

:)

أول مرة أدخل علي مدونتك, وأكيد أكيد مش أخر مرة

عمرو عزت said...

m4m
هو فعلا اللي عند النصب التذكاري
كل حاجة بتغلا يا باشمهندس


nouran
أكيد يا ست شمعة هتدخلي كلية الهندسة ان شاء الله
بس لازم علشان تشوفيه تعدي من قدام الباب الرئيسي للحرم الجامعي
بس اوعي تتفرجي كتير علي الجرايد او الكتب
او قوليله انا تبع الكابتن بتاع جرنان الحياة


ramy
خطوة عزيزة
تشرف و تآنس

Anonymous said...

ليته يتبسم ياعمرو ولكنه الأن يهان ويشتم ونحن واقفون بلاجدوى ولانعرف ماذا نفعل لنرد الأساءه؟ نغضب أم نصرخ أم ماذا ؟ أسفه ياعمرو بعدت تماما عن موضوعك ولكن أعذرينى فرسول الله مهان فى الصحف الدنماركيه بالكلام والصور ونحن كالعاده بلاجدوى
مروة حسن

little sesame said...

very good inspiration

صفية الجفري said...

شكرا ياعمرو ..طريقتك في الكتابة سلسة وقريبة للقلب .. أنتظر بالتأكيد محاوراتك ( الطويلة ) تحياتي ..