20 May 2013

دين الناس ودين السلطة

خرج بعض الحضور من الندوة التي تحدثت فيها في مدينة الإسماعيلية قبل أيام، وقالوا لمنظمي الندوة أن ما أقوله في الداخل كلام مرفوض، لدرجة إنهم لا يريدون أن يقدموا مداخلات لمناقشته.
 
بعض المعترضين ممن يعرفون بشباب المثقفين، أو شباب القوى الثورية المدنية المعارضة لسلطة الإخوان وتوجهات الإسلاميين. لكن ما لم يعجبهم من كلامي كان عن استيلاء دين السلطة على عالم المسلمين، وتواري دين الناس في مساحة تخضع إلى هامش تسامح السلطة، فتتسع مع موافقتها أو تغاضيها وتضيق مع تبرمها.
 
كان عنوان الندوة "دين الناس ودين السلطة"، وضربت مثلاً عن تلك الحرية الواسعة لعامة المسلمين المصريين في بناء المساجد وإدارتها واعتلاء منابرها والصراخ في ميكروفوناتها، لكن حين تغضب السلطة من مضمون ذلك الصراخ،  تذهب وزارة الأوقاف بسلطتها القانونية لضم المسجد وتعيين إمام وخطيب يتحدث في الإطار المسموح به. حدث ذلك مع وزارة الأوقاف التي أدارها جهاز أمن دولة حسني مبارك، ويتكرر مع وزارة الأوقاف التي يديرها تحالف الإخوان ومناصريهم، والوزارة تستخدم سلطتها لإيقاف ونقل أئمة يجاهرون بمعارضة الإخوان. والدفاع عن دين السلطة يتخذ شكلاً آخر في الشكوى من فوضى المساجد وفوضى الفتاوى، في مطالبة للأزهر ووزارة الأوقاف بأن يسيطرا على المجال الديني وأن يضبطاه. وكان ذلك يحدث – في مواجهة السلطويين الإسلاميين – لأنه يريح السلطة ومناصريها من السلطويين التنويريين. والآن يحاول البعض مساندة الأزهر ليظل مسؤولاً عن دين رسمي مركزي "معتدل"، في حين أن أنصار السلطوية الإسلامية يساندون الأزهر أيضاً ليشارك في حماية دين رسمي مركزي "سنّي" ويقاوم أي مظهر للتشيع ويدعم قمع الشيعة المصريين. 
 
دين السلطة هو الدين الرسمي المركزي الذي يتم ترسيمه ديناً للأمة وعنواناً لهويتها، ويتم استحلال قمع كل مظهر أو دعوة إلى أي فكرة تبدو من خارج دائرة الدين هذا، أكان الأزهر هو من رسم هذه الدائرة، أو أمن الدولة أو الإخوان أو السلطويون التنويريون أو مزيج من هذا وذاك. أما دين الناس فهو المجال المفتوح من الأفكار والعقائد والمذاهب والتنوعات والاجتهادات والانحرافات والشطط والتأويل، وكل ما في وسعنا من أوصاف المدح والقدح. دين السلطة هو الدائرة المحددة التي ترسمها السلطة - أي سلطة، وتحاول أن تنطلق منها ومن حمايتها، ولا شك ستقع في تمييز أهل هذه الدائرة، وفي الانتقاص من حق من هم خارجها. التمييز الأساس هو أن من هم داخل هذه الدائرة سيتحدثون عن إنصافهم  لمن هم خارجها من المختلفين، وكأنهم ملاك الحقوق والحريات، ومن دائرتهم التي ترعاها السلطة، تفيض الحقوق والحريات. والانتقاص الأساس من الآخرين هو أنهم صامتون، ينتظرون معرفة حدود الحريات والحقوق التي تسمح بها هوية الأمة من أهل دائرة دين السلطة وحراس الهوية.  
 
النموذج الأبرز لما سبق هو ما حصل عندما هرعت أطراف كثيرة، بعد انطلاقة الثورة، لتوقع "وثائق الأزهر" عن مستقبل مصر وعن الحريات. كانت  هذه الوثائق تعبيراً عن تلك الحقوق والحريات التي يعترف بها أهل دائرة دين السلطة، بالمعنى الواسع.
كان ضيق السلفيين وتحفظهم بخصوص "وثائق الأزهر" هو تحفظ المتشكك في كونه أهلاً للمشاركة في ممارسة السلطة من داخل دائرة دين السلطة، ومركزها الأزهر، بسبب الخلاف المنهجي مع قادته، أو لكونه يشكك في أن هذه الوثائق قد لا تضيق الخناق على أكبر نطاق ممكن من المختلفين معه.
 
لكن الترسيمة الأهم لدين السلطة، تجلّت في التحويل التاريخي للأزهر من ساحة للعلوم الدينية فيها مشايخ من ومشارب عدة وبآراء متنوعة، إلى مؤسسة لها "شيخ" وله رأي يسمى "رأي الأزهر"، وهو الرأي الذي تم التفاوض معه وإخضاعه على مر العصور، ليكون، في كل وقت، دين السلطة المتوائم مع مشروعها.
 
 صحيح أن دين السلطة هذا (متخفياً تحت العمامة المعتدلة لرأي الأزهر) كان سلاحاً في وجه السلطويين الإسلاميين ومشروعهم – الذين وصفوا بالمتطرفين والخوارج – لكن هذا السلاح الآن لا يزال صالحاً لخدمتهم في ترسيم دين السلطة الجديدة كركن أساس لمشروعهم الديني السلطوي. وهذه الصلاحية يطول عمرها بدعم "علمانيين" يظنون أن دين السلطة له خصائص جوهرية تسمى الاعتدال والتسامح. ويتصورون أنهم، بدفاعهم عن شخص شيخ الأزهر في مواجهة مؤمرات متوهمة من الإخوان، إنما يدافعون عن هذه الخصائص، بينما هم يدافعون عن صلاحية دائرة دين السلطة التي يحتلها أهل السلطة في النهاية أو يخضعونها. وبعد خضوع وزارة الأوقاف تماماً، يؤدي الأزهر وهيئة كبار علمائه دورهم في الدستور الجديد، لكل اجتهاد، ويشاركون بقوة وحماسة في التحريض على مصريين قد تسوّل لهم نفوسهم ممارسة حرية التفكير والمعتقد بأن يعتنقوا مذهب الشيعة والذي ينسون أنه لا حرية تفكير ولا حرية معتقد مكفولة خارج دائرة دين السلطة. 
 
ربما خرج المعترضون على ما قلته في الندوة انتصاراً لهيبة الأزهر، أو خوفاً من أن يجد أحدهم في شارعه  مسجداً شيعياً. لكن الأكيد أن "دين السلطة" ما زال دائرة مقدسة عند السلطويين الإسلاميين ومناصريهم، كما عند قسم لا بأس به من معارضيهم ومن عموم الناس الذين ما زالوا يرتاحون إلى ارتياد دور العبادة الرسمية ليتعلموا من رجال المؤسسات الدينية الرسمية تعاليم الدين الرسمي وفق المذهب الرسمي وحسب الرأي الرسمي الراجح... وكفى الله المؤمنين أي إيمان بما هو غير رسمي . وفي المثل الشعبي المصري: "إن نزلت في بلد تعبد العجل، حِشّ وأعطِ له".
 

No comments: