24 March 2011

الطواريء مرة أخرى: تسيير الأعمال وتعطيل الثورة؟

Owly Images

قبل عشرين يوما فقط، كان د. عصام شرف معنا في ميدان التحرير الممتليء عن آخره بالمتظاهرين المرحبين باختياره لتشكيل وزارة جديدة لتسيير الأعمال بدلا من وزارة شفيق التي شكلها الرئيس المخلوع. استجاب شرف سريعا للدعوة التي وجهها إليه الشباب لبدء عمله من ميدان التحرير وقال يومها لجموع المتظاهرين: "صحيح أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قام بتكليفي بتشكيل الوزارة، ولكنني هنا لأنني أستمد شرعيتي من هنا.. منكم.. من ميدان التحرير". وأضاف : "الوقت الذي لن أستطيع فيه تحقيق مطالبكم، لن أكون هناك (يعني في مقر الوزارة)، ولكن سأكون معكم هنا في ميدان التحرير".

لا الثوار ولا د. عصام شرف كانوا يعنون أن ميدان التحرير هو الثورة المصرية، ولكن الميدان أصبح رمزا لـ"الشارع" الذي تشكلت فيه الثورة المصرية وكان أداتها الوحيدة لإسقاط الرئيس وتحقيق أول مطالب الثورة. في الشارع تجمع ملايين المصريين وبدأوا في إسقاط النظام السابق الذي حرمهم عمليا من حرية التجمع والتنظيم بينما ردد أنه يتيحها عبر نصوص مطاطة قابلة للالتواء على الفور إن تجاوز المواطنون الهوامش الآمنة – بالنسبة للنظام – في تعبيرهم أو تجمعهم أو تنظيمهم. ردد النظام السابق دائما مبررات الطواريء واللحظات الحرجة التي تمر بها "بلادنا المستهدفة" ومقتضيات الأمن القومي والحفاظ على الاقتصاد وهو يتجاوز حقوق المواطنين بدءا من تعذيبهم فرادي إلى تقييد حرية جموعهم في التنظيم الطلابي والعمالي والحزبي.

أمس وافق مجلس الوزراء على مشروع بمرسوم قانون يسري في حالات الطواريء يجرم الاشتراك في بعض أشكال التظاهر المعطلة للأعمال أو التحريض عليها، ويعاقب على ذلك بالحبس سنة أو الغرامة التي تبلغ قيمتها نصف مليون جنيه. وبموافقته أعاد إلينا أشباح النظام السابق جميعا: تقييد حق التجمع والتعبير بنص مطاط عن "تعطيل الأعمال" مرتبط بحالة الطواريء.

وبعد ساعات من الموافقة على مشروع القانون فضت الشرطة العسكرية اعتصام طلاب كلية الإعلام بجامعة القاهرة بالقوة وباستخدام العصي الكهربائية. وهي حلقة أخيرة من سلسلة ممارسات، رصدتها تقارير منظمات حقوقية وشهادات ناشطين، استخدمت فيها قوات الجيش القوة لفض الاحتجاجات والتجمعات وانتهكت حقوق المواطنين بالاحتجاز غير القانوني والتعذيب والإحالة للمحاكمات العسكرية، كما هددت بعض الاحتجاجات بتطبيق قانون البلطجة على المشاركين فيها، والمبرر دائما ضرورة الحفاظ على الأمن والتعلل بالطواريء.

قبل الثورة عشنا ثلاثين عاما من الطواريء استخدمها النظام لإيقاف وكبح عجلة التغيير، ومنذ بداية الثورة ونحن أيضا في حالة طواريء، ولكنها هذه المرة حالة "طواريء مضادة" صنعتها الثورة وتتمسك بها حتى تتحقق كل مطالبها وحتى يتشكل النظام السياسي المنتخب المعبر عنها. وحتى ذلك الحين لا يزال الشارع هو الساحة التي تثور فيها القوى الاجتماعية والفئات المختلفة لتسقط "النظام الفاسد" في مواقعه المختلفة البعيدة عن المركز السياسي. وحتى بعد تشكل النظام السياسي المنتخب يحب أن تظل حقوق الاحتجاج والتظاهر والاعتصام والإضراب متاحة باعتبارها حريات أساسية.

الآن يعيدنا الجيش ووزارة تسيير الأعمال، الذين يعلنان انحيازهما لمطالب الثورة، إلى مربع الاحتجاج على انتهاك حقوق المواطنين بدعوى الطواريء، بينما كان هذا الاحتجاج الشرارة الأولى في الثورة المصرية. وعجلة الأعمال والاقتصاد، التي يريدان تسييرها، لا يجب أن تسير فوق حقوق العمال والموظفين المنتهكة حقوقهم والذين لا يزالون تحت قيادات فاسدة قمعتهم ونهبتهم.

القوى الاجتماعية المشاركة في الثورة، من عمال ومهنيين وطلبة، لا يمكن أن تقدم مطالبها في التماسات إلى المجلس العسكري والوزارة وتترك لبقايا النظام في كل مكان حرية المناورة والتمسك بمواقعها بألاعيب إدارية.

للأسف الشديد، لا يمكن فهم القانون الأخير إلا كإرهاب لجماهير الثورة في مواقعهم، حيث يمكن اتهام كل احتجاجات المهنيين والعمال والطلبة بـ"تعطيل الأعمال"، فضلا عن احتجاجات ميدان التحرير الذي يمكن اتهامها بتعطيل أعمال القاهرة كلها.

رغم قمع اعتصامهم أمس، احتجاج طلبة كلية الإعلام مستمر وانضم إليهم طلاب كليات أخرى مساء أمس ودعوا للتظاهر اليوم في كل أنحاء جامعة القاهرة. ودعت مجموعات ومنظمات شبابية إلى الاحتجاج الجمعة القادمة في ميدان التحرير وميادين المحافظات ضد الطواريء وتقييد حق التظاهر. وليس هذا إلا نموذجا ومؤشرا أن الثورة التي قدمت التضحيات لن تتراجع وتترك شارعها ومطالبها.

الاحتجاجات المستمرة يا د.شرف تعني أن مطالب جماهير الثورة لم تتحق كلها بعد. ولو أردت أن تنفذ وعدك، في حالة عدم قدرتك على الوفاء بمطالب جماهير الثورة، بتقديم استقالتك والعودة معنا إلى ميدان التحرير، ستكون تلك بالتأكيد حالة طواريء، وسيكون عليك ساعتها أن تواجه معنا إما تهمة البلطجة أو تهمة تعطيل الأعمال.

5 comments:

الفوريجي said...

الا تري أن أوطان قوية بديمقراطية حقيقة و بفساد أقل و وحدة وطنية , أقدر علي مواجهة العدوان و خوض معارك إعادة الحقوق ؟
ألا تري أن الجهود العسكرية لابد لها من اهداف و مشروعات سياسية تخدمها بدلا أن من تتحول لعنف عبثي متبادل يدفع ثمنه الناس ,أصل القضية و هدفها ؟
ألا تري أن الخوض المتأني للمستنقع بعقلانية و هدوء و حسابات واقعية للمكاسب و الخسائر هو الأفضل لنا لكي نخرج من مستنقعنا , بدلا من أن نتطلع لأقصي الأفق متناسين أن سيقاننا عالقة هاهنا . ثم يكون مصيرنا إلي القاع حيث تقتل كثافة الأوحال كل براعم الزهور !

amr_mt said...

يا ترى من هم في أقصى أقصى اليسار و العداء للإمبريالية - بصفتك قريب من بعضهم - هل هم سعداء أم آسفين لمقتل بن لادن ؟

محمودعبدالرحيم احمد said...

http://mahmodtelb.blogspot.com
سلم يارب سلم

توب موفيز said...

تسلم ايديك

أخبار اليوم said...

تسلم ايديك