متأخرا , بدأت الليلة السابقة علي الاعتصام في البحث عن علم مصر , و توجهت بناء علي مشورة صديق إلي محال الأدوات الرياضية !... في واحد تلو الآخر استمعت إلي نفس الإجابة تقريبا : لقد جئت متأخرا ... تتوفر الآن أعلام الأهلي !
حتي مكتب بيع الأعلام في ميدان التحرير , وجدت عنده قماش العلم بلا عصا حاملة , أخبرني أنه لا يحتاج لبيع العصي الحاملة لأنه باستثناء المواسم الرياضية لا تباع الأعلام إلا للمدارس , لترفع علي الأعمدة المعدنية العالية .
اشتريت شموعا , هذا سهل بالطبع . اشتريتها من محل عطارة صاحبه شاب ملتح , أخبرته , و لم لا , أن هذه الشموع من أجل اعتصام لمدة ليلة في ميدان التحرير تضامنا مع القضاة ... وجم و هز رأسه و لم يعقب .. بدا لي أنه يفكر أن قضاة ما هم الذين يصدرون أحكاما علي رفاق له في قضايا تنظيمات وهمية تثار كل فترة لإرهاب فلول الجماعات الإسلامية المتشرذمة , نسي أن هذه المحاكمات في الأغلب عسكرية , أو ربما فكر وحسب أن القاضي هو ذلك الشخص الذي يحكم بغير ما أنزل الله !
في الصباح أمام المرآة , بدا لي معطفي الثقيل مبالغا فيه , أنا غالبا ما أعود متأخرا, و الليل هذه الأيام ليس بهذه القسوة , و تخليت عن معطفي ... علي الأرض الرطبة لحديقة الجزيرة الوسطي بميدان التحرير , انكمشت بعد أن هدني التعب و لم تشك روحي من برودة الليلة التي كانت أشد قليلا من المعتاد .. إلا أني اكتشفت أنه يبدو علي ذلك بشدة ... فأعطتني منال شالا , كان أحد استعداداتها الكثيرة هي و علاء لهذا الليلة , تلفحت به ثم استلقيت تحت بطانية أحضرها شرقاوي و ألقاها فوقي , و علي الأرجح نمت ساعة بعد تأمل طويل لسماء الميدان الخالية تقريبا من النجوم , علي خلفية الأصوات التي تأتي من هنا و هناك , من تحت الأغطية أو من عند هؤلاء الذين فضلوا مواصلة الغناء و الهتاف و قرع الطبول حتي الفجر .
كل العشاق كانوا هناك بالفعل , كان مرأى القادمين العابرين الطريق إلي الحديقة كمرأي المتواعدين يبحثون في نزق وسط زحام ليلة الخميس عن المكان المحدد للقاء في الميدان .
حتي هؤلاء الذين عدلوا قبل ساعات من وضع نظاراتهم الطبية و " نظروا " حول مدي جدوي تنظيم اعتصام في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ حركة التغيير , أتوا و و قفوا – او جلسوا - لساعات و تأملوا رحابة الحديقة التي استلقينا وسطها , و أعتقد أنهم قارنوا بينها و بين ضيق الساحات القديمة التي أبلتها أقدامنا جيئة و ذهابا عاما كاملا .
بدونا نحن كأصحاب الميدان ... ابتسامات الألفة و استلقاءات الاسترخاء ..
د.يحيي القزاز وقف مبتسما في بشر يرحب بالقادمين من " كبار " العشاق ... رضوي أحضرت ما يقرب من مائة ساندويتش , أكلت أنا منهم اثنين , و لم تمكث كثيرا... مالك اشتري كل أعواد الفل من طفلة و وزعها علينا .. واحدة مصرية ارتدت عود الفل علي رأسها.
علاء كان يجيب علي أسئلة الصحافة العالمية بشأن مجموعة 30 فبراير التي ذيل اسمها اللافتات .. صرح علاء ان اسم المجموعة من وحي ليلة صنع اللافتات و من ابتكار يحيي مجاهد .. سقراطة أحضرت كتابا طبيا و ضوءا و أشك أنها قرات أكثر من صفحة .. عمرو غربية كان أول من استلقي في سكينة ... و أحمد غربية , بعد طول احتجاب , أخذ يتأملنا جميعا ..
النديم كان منشغلا عنا بـ " قصة" جديدة يبدأها للتو .. وائل عباس كان يختفي في ركن ما خلف عدسة الكاميرا ثم يعود ... منال قادت حلقة لعب الورق علي الضوء الذي أحضرته سقراطة بعد أن أطفئت أنوار الميدان جميعا ... شرقاوي مثير الشغب كان مبتهجا للغاية رغم أنه فقد سترته وهاتفه المحمول بينما كان واقفا فوق كتفي يثبت طرف العلم الكبير علي عامود الكهرباء .. ادعي أيضا في مرح لافت أن بالسترة ألفا من الجنيهات (كل شيء سيدي في حب مصر يهون !) ... براء و دعاء تجولا كثيرا يفكران غالبا ماذا يمكن أن يكتبا عن هذه الليلة ... محمد طعيمة صرح أن هناك تواطئا ما بين السلطة و بين هيئة الأرصاد بشأن انخفاض درجة الحرارة هذه الليلة ! .. علي الطيب بدأ تمردا أيديولجيا علي نجم و إمام و غني مع رفاقه من طلاب اليسار الديمقراطي لنانسي عجرم و إليسا ... حلقات كثيرة للغناء , أنشطها و أكثرها مرحا حول مالك الذي تألق هذه الليلة ... مجموعات من المتظاهرين تجوب الميدان و تحدث صخبا..
حتي إبليس الذي يشبع اسم مصر لعنا و سبا هنا و هناك , حضر وبقي لفترة .. أعتقد انه سيعلق مكابرا أنه أتي حبا في لمة الرفاق و الأصدقاء , لا حبا في مصر.. و إن كنت لا أري ثمة فرق بينهما , إلا كالفرق بيننا و بين تجمعنا في حلقة واحدة كبيرة نردد خلف مالك أغاني منير و إمام و عدوية ... حدوتة مصرية و اتجمعوا العشاق .. ياليل يا باشا يا ليل !