كم كان لافتا و دالا , لو كنت شاهدت حلقة "العاشرة مساء" حول ذكري ثورة يوليو منذ أسابيع , كيف كان الشاعر الكبير سيد حجاب ينافح عن " التقدم " الذي أنجزته " الثورة " رغم كل شيء , و كل شيء هنا يشمل اعتقاله هو شخصيا مع مجموعات و تنظيمات اليسار ...
و بينما كان المفترض أن يكون المدونين الصديقين البراء أشرف و وائل عباس , الضيفين الآخرين , من الأجيال التي تدين- علي الأقل - بتعيلمها المجاني , لمنجزات الثورة الاجتماعية ... إلا أن كلاهما انتقد بشدة " الثورة" لدرجة تصل لحد محاولة مساءلة التاريخ حول ما إذا كانت الثورة استبقت حراكا طبيعيا للمجتمع و استلبته , و هو ما قاله البراء , بينما وائل عباس يتخذ موقفا شخصيا من " الثورة " بسبب جمال عبد الناصر ,لكن يتيه حبا في السادات , و لوائل في ذلك حكم !
ربما أتفق أكثر مع ما قال سيد حجاب و أتحفظ علي ما قال البراء و وائل , ولكن أنحاز أكثر لما عبرا عنه .
سيد حجاب تحدث بموضوعية و إحاطة عن مسيرة دولة " الثورة" لماذا كانت ثورة من جهة أداءها الاجتماعي و ليس من جهة أسلوب قيامها, و عبر عن موقف اليسار المصري الذي ساند توجهات الثورة الاجتماعية , و تجاوز عن موقفها من الحرية من أجل العدالة . و دفع يساريون كثر الثمن من حريتهم هم أنفسهم , و هتفوا لعبد الناصر في السجون من أجل صالح الشعب و الفقراء من العمال و الفلاحين .
البراء و وائل قالا ما لا أتفق معهما فيه عندما تحدثا "موضوعيا" عن الثورة و التاريخ و البدائل التي ربما كانت أفضل , من يعلم ! , و عن انجازات الثورة الوهمية كما يرونها أو كما وصلت إليهما .
و لكنهما في ثنايا حديثهما قصا حكايات حميمة عن التأثيرات المباشرة التي طالت عائلتيهما من قبل نظام ثورة يوليو . البراء قال ما سمعته منه قبلا , أنه لا يمكن أن ينسي أن عبد الناصر قتل جده , هكذا يقول تعبيرا عن التنكيل الذي لقاه جده في سجون نظام يوليو لانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين .. بينما قص وائل – و يبدو انه لم يكن يريد ذلك – حكاية والده الذي عاني الأمرين من ضغط الأمن عليه لكي يكون عينا للأمن علي زملائه من ذوي الانتمائات السياسية .
كنت منحازا أكثر لبراء و وائل و هما لا يسامحان النظام الذي أفسد حياة مقربين منهم , علي خلاف تسامح سيد حجاب كمثقف و سياسي يفكر في " الشعب " لا في نفسه و أهله فحسب .
هل يبدو موقفهما أنانيا مقابل غيرية المناضلين الذين تجاوزوا عن حلم الحرية و الديمقراطية – التي يقال في التحليل اليساري الذائع أنها ترف البرجوازية و الطبقات العليا – و قدموا تضحية نبيلة من أجل حلم العدالة الذي رأوه يبدأ في التفتح امامهم , أم يبدو ذلك تصحيحا لموقف النخبة التي تخلت عن حلم حريتها , فتخلي العامة فيما بعد عن حلم العدالة و استكانوا , فلم يبق لا حرية و لا عدالة .
من الاختزال المخل أن يبدو الأمر و كأن القمع طال الجميع أو كأن انحياز النظام للعدالة الاجتماعية لم يغير حقا مسار حياة الملايين و لم ينصفهم .
لكن القمع طال من رفع رأسه و لم يكن أخا لنظام " ارفع رأسك يا أخي " , حتي الإخوة غير الأشقاء , الذين ظنوا أن عبد الناصر يشاطرهم بعض حلمهم الاشتراكي خاب ظنهم .
حل التنظيمات و الأحزاب و تقييد الحق في التجمع و التنظيم و التعبير, و دمج كل قوي المجتمع المدني و النقابات في كيانات موحدة تحت سلطة النظام جعل العدالة كسمكة في سنارة النظام , بينما لم يتعلم " الشعب " شيئا عن الصيد , بل بات يخشى الاقتراب من شاطيء السياسة أصلا .
ربما انحاز نظام يوليو لعامة الناس, لكنه انحاز لهم في عنايته و معيته . و بينما ادعي الثورية و التقدمية و التحرر, لم يحررهم أو يدعهم ليتحرروا لكي يتعلموا أن ينحازوا لأنفسهم .
القمع الذي طال جد البراء و أبي وائل ربما لم يصل للكثيرين من المعدمين الذين رفعت الدولة رؤوسهم للمرة الأولي , و لكن رذاذه علمهم درسا أنهم رعايا فرادى في معية النظام و الزعيم و السادة و دولتهم , و عندما أشاحت تلك الدولة بوجهها عنهم و تحولت عن مشروعها الاجتماعي الثوري لم تكن لديهم الجرأة و لا القدرة علي الدفاع عن أنفسهم و لا عما اكتسبوه . هبات يائسة ثم احتقان طويل عاجز ..و الآن يبدأ المصريون و هم يدافعون عن الأمتار الأخيرة يحاولون تعلم رفع الصوت و الرأس و يتخبطون في محاولات بدائية للتنظيم المستقل لقواهم , من نخبة " كفاية " إلي العمال المتذمرين .
لا يمكن في رأيي البحث عن بدائل للماضي , و لا النظر في التجارب في سياق آخر غير سياقها , لكن ما هو ضروري من محاكمة الواقع و البحث عن بدائل المستقبل و النظر في تجربتنا الحالية, هو ما يقتضي النظر في التجارب التي شكلت واقعنا و حددت مبتدأ نظر كل تجربة جديدة .
درس تجربة يوليو و ما بعدها إلي الآن كما يبدو لي : الكرامة المشروطة بالولاء مهانة. و الحريات و حقوق الإنسان ليسوا ترفا برجوازيا , انتهاك الإنسان ليس ثمنا عارضا لأي شيء ذي قيمة . الحرية هي السياج الحقيقي للعدالة و هي طريق إليها . و هي الهواء الذي يتنفسه المجتمع الحي. حرية و كرامة الإنسان, لمحض كونه إنسانا , طريق للتحرر الجماعي , و العكس صحيح : " من قتل نفسا ..فكأنما قتل الناس جميعا, و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ".