24 October 2007

يا باسط !


أمام الصحفيين المصريين تحديات أجدى كثيرا مما يلفظه الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. هناك أشياء, و أشخاص, التعامل معهم جديا هو من قبيل الافتقار لحس الدعابة .. و إلا فكيف يمكن أن يتعامل المرء مع القذافي مثلا, أو رؤساء تحرير الصحف القومية و "مركز نداء لمقارنة بين الأديان" و مفسر الأحلام سيد حمدي و المطرب حسام حبيب و المفكر جهاد عودة.
سيد طنطاوي تحديدا يتبوأ مكانة بارزة في الوجدان الديني المصري, فذكر اسمه في نقاش ديني بين مهتمين يعني خروج النقاش من الجد إلي الهزل, إما أن أحد الأطراف يسخر من نفسه فيستشهد بكلامه, أو أنه يسخر من آخر بتشبيه كلامه بكلام " المفتي" و " شيخ الأزهر ",و طنطاوي هو صاحب امتياز الصفتين بشخصه باعتبار ما كان و ما هو كائن.
ما كان و ما هو كائن هي مجرد ظواهر خادعة, بينما لا شيء يتغير حقا عند طنطاوي و عند آخرين. الفرق الجوهري بين طنطاوي و الآخرين ممن يتحدثون من عالم آخر عن عالم آخر, هو أن الآخرين يتجاهلون تغير العالم لأنه ليس مكتوبا عندهم في الكتاب. بينما طنطاوي يتجاهل وجود العالم و الكتاب لأسباب غامضة, لا شأن للنفاق و لا للخوف أو الطمع بها, هذه اتهامات "جديّة" استبعدها ابتداء .
الأمر أقرب لمشكلة وجودية تتعلق بانسجام الإنسان مع موقعه في العالم, حيرة الإنسان أمام المسخرة التي ترفعه فوق ما يتوقع و يستطيع, " الفقي لما يسعد ", "الفقي " الذي استيقظ ليجد نفسه في عباءة العز بن عبد السلام, فتأرجح بين تقمص هيبة العباءة و الاستسلام لهزلية كونه داخلها.

05 October 2007

لا تعتذر عما فعلت


كحَكَم بلا معنى مثل ذلك الذي في حلبات المصارعة الحرة, كنت علي الرصيف بين شيخ و شاب غاضبين. الأول يحمل قالب طوب و مَفَكا , و الآخر يحمل غصن شجرة – به بعض الأوراق – و قضيبا معدنيا غامضا .
أنا أحمل علي كتفي حقيبتي , هادئا بحسب انطباعي عن نفسي , و إن مستاء . أحاول أن أفهم بعد أن توقفت عن محاولة تهدئتهما .
الشيخ, سائق التاكسي الذي كان يقلني, مهتاج و يهذي بسباب متقطع . الشاب مفتوحة عيناه عن آخرهما علي نظرة محدقة مستنكرة و كأنها تدافع عن مقدس .
التاكسي واقف مشرعة أبوابه كإعلان حالة. و سيارة الشاب, نصف النقل , واقفة خلفها بقليل , مصطفة بعناية بجوار الرصيف.
مع الشاب الغاضب, شاب آخر أقل غضبا, يبدو متأففا و متورطا مثلي رغم أنه الطرف الأكثر أصالة . هو الذي كان يقود السيارة النصف نقل, و هو الذي أطل من شباك سيارته عن يميني يعاتب الشيخ علي سوء أدبه , أخبرني فيما بعد أن الشيخ لوح له بيده ليمر و بالغ في استخدام اصبعه الوسطى ..
الشيخ رد علي عتابه صارخا, في تصعيد لم أفهمه : أنه لا هو و لا أهله يقدرون علي شيء ! ثم استجاب لدعوة الشاب الآخر للتوقف و اختبار قدرته علي فعل هذا الشيء .
توقفت سيارة الشابين بهدوء , ثم توقف الشيخ بعدهما بمسافة و كأنه فكر لوهلة ثم غلبته حماسة غامضة كألسنة لهب أمسكت فجأة بأطراف جلبابه . نزل مسرعا و انتزع قالب الطوب من سور كورنيش الكيت كات بسهولة أدهشتني – ساورني قلق مهنيّ بشأن كفاءة بناء السور - و اتخذ مكانه عن يساري بينما اكتفي الشاب الهاديء بمواصلة العتاب , خلف زميله الغاضب الذي استلهم البيئة بدوره أسوة بالشيخ و انتزع غصن الشجرة .
الشاب الغاضب كان فيما يبدو محموما بحمية عائلية, كان يصرخ ملتاعا : أنت تعرف أهلي ؟! أنت تعرف أهلي ؟!... و ألقى غصن الشجرة بتشنج فسقط عند قدمي بينما احتمي الشيخ خلفي و ألقي قالب الطوب لمسافة تأكد أنها لن تصيب الشاب, و احتفظ كل منهما بآلته المعدنية .
كنت أفكر في مدي أخلاقية أن أدعهم جميعا و أبحث عن تاكسي آخر, الشيخ غاضب بدرجة كافية لكي تتزن كفتي المعركة , و لا أمانع إن أصاب كل منهما الآخر بشكل يكفي لكي يتعقلا في مرات قادمة . شيء ما كان جعلني أبدو رغما عني مسؤولا عن الشيخ سائق التاكسي , ربما لأنه وافق علي اصطحابي في الرابعة من نهار رمضان متوجهين لامبابة . لكن كنت أحاول التملص بتذكر كيف أن الشيخ استجاب بلا أدني تردد لدعوة الشاب له بالتوقف للتقاتل . ثم إني لا أفعل أي شيء تقريبا. حتي كلامي كان فاترا و بلا معني , و يخرج من فمي بلا حرارة ... كان ما يدور بذهني منفصلا تماما عما أتفوه به من جمل التطييب و التهدئة و استرضاء الطرفين الخالية من المعني . كأنني أفكر بلغة أخري غير لغة هذه الكائنات البدائية المتقاتلة .
ما منع مواجهتهما المهتاجة أن تبدو كمعركة حقيقية هو ذعرهما المتبادل رغم حماستهما و نشاطهما الغرائبيين , و احتفاظهما بهذه المسافة اللاعقلانية بين متشاجرين ... بعد أن عدا كل منهما باتجاه الآخر ,أول ما اقتربا توقفا بغرابة , و تقهقر كل منهما خطوات متذرعا بتصويب سلاحه , غضن الشجرة وقالب الطوب .
بدأت أشك في اخلاصهما للعدوان, و بدأت أفسر الأمر بأنهما تحت تأثير حالة مزرية من أثر الصيام, الذي لعب دوره أيضا في تأخر وصول متدخلين حقيقيين- علي العكس مني أقصد - من أصحاب الورش و الدكاكين علي الرصيف الآخر .
لم أفهم لم توجه واحد إليّ يسترضيني , كان هذا نذيرا بأن ملامح وجهي تحولت لامتعاض أوحى بأني طرف في المعركة, التي تنفس طرفيها الصعداء و صعدا من لهجتهما و سبابهما من خلف أكتاف المتدخلين فاعلي الخير.
كنت قد تخليت عن مكان الحكم بينهما بعد أن صاروا و صرت أري الأمر من فوق أكتاف المهدئين , باعتباري واحدا وجدوه في أرض المعركة . أصبحت في جانب مع الشيخ و بعض المهدئين الذين فاجأوه بالسؤال : همّ عملوا لك إيه يا حاج ؟.. تحركت كل خلجاته و كأنه سينطق بأمر عظيم , و لكن زاغت عيناه كأنه نسي شيئا أو تذكر شيئا ثم صرخ فجأة و كأنه سيجهش بالبكاء : مش عارف ! مش عارف ! .
.. اندهشت من عدم قدرته علي الإتيان بأي تبرير لثورته العارمة , و يبدو أنه أيضا استنكر موقفه الغامض, و شعر, و شعرتُ أيضا, أن عليه أن يقدم تبريرا ما, لنفسه علي الأقل .. فسحب نفسا عميقا ثم أردف بحرقة بدت صادقة تماما موجها حديثه لطرف غير محدد: يا ولاد الوسخة!

ما حدث للشابين و سيارتهما بعد ذلك , يعني أنني الوحيد الذي لم يبد له ذلك مقنعا.


لا تعتذر عما فعلت : عنوان ديوان لمحمود درويش
اللوحة لكاندينسكي

19 September 2007

النظارة الطائفية


لو أن لغة و طريقة سقراطة في تناول مظاهر التمييز ضد المسيحيين و السخرية منها , دليلا علي كونها مسيحية متطرفة , فبالتبعية يصح أيضا أني مسيحي متطرف و ربما بهائي متطرف في سياق آخر !
هذه باختصار أزمة الرؤية " الطائفية " التي تناولت بها صفحة المدونات بجريدة " الدستور " ما يكتبه "مدونون مسيحيون" و اهتمامها بالإشارة لتطرف سقراطة تحديدا مرتين في عددين مختلفين . المرة الأولي لم يهتم الصحفي بأن يخبرنا لماذا أصدر حكمه ذلك, و في المرة الثانية استدل بمبالغة طبيعية في كتابة ساخرة ليؤكد علي ما أشار إليه سابقا بلا دليل .
و حتى أشارت سقراطة إلي أن الصحفي شاكر فودة , كاتب التقريرين, مدون اشتبك معها في حوارات سابقة كانت سببا في حكمه ذلك .. لم أكن أفهم أسباب حكمه, ثم لم أتفهمها بعد أن قرأت هذه الحوارات . فالتناقض في حكمه و رؤيته – و التي لا أعلم مدي اتفاق محرر الصفحة و محررو الصحيفة معه فيها – ينبع أساسا من أن اتفاقي مع سقراطة فيما كتبته و في رأيها في الحوارات السابقة لا يجعلني بالضرورة مسيحيا فضلا عن مسيحي متطرف .
ملامح " الطائفية " في هذا الحكم و هذه الرؤية هي التي تجعل من مطالب المساواة و مناهضة التمييز مطالب و هموم لطائفة بعينها , و هذه الطائفة متميزة و تضم كل أبناء دين هذه الطائفة , و تتحدد درجة الاعتدال و التطرف بالنسبة لسقف المطالب و حرارة و جرأة المطالبة بها . و التطرف في هذا السياق لا يشير إطلاقا إلي تبني أفكار متطرفة في الدين نفسه, و لكنه تصنيف طائفي بدوره . فالمتطرف في هذه الرؤية من يطلب المساواة الكاملة و يهاجم كل أشكال التمييز, بينما " للمسلم حقوق و للمسيحي حقوق " كما ذكر الصحفي في خاتمة تقريره عن تدوينة سقراطة "دليل القبطي الحزين في القرن الواحد و العشرين " , أو أنه متطرف لأنه يذهب بعيدا في " طائفيته " فينتقد الطائفة نفسها و رموزها و خطابها الداخلي, مثلما فعل الدليل الساخر .
يمكنني أن أتفهم إذن حنق سقراطة و حنق آخرين من " الطائفة المفترضة " , فأسوأ ما يمكن أن تفعله لجهود تصدر عن رؤية مجتمعية لا طائفية تهاجم التمييز و الطائفية معا, و تطالب بحقوق و حريات متساوية للجميع .. أسوأ ما يمكن أن تفعله أن تضع هذه الجهود في إطار طائفي ,و يجد المناهض للتمييز نفسه في جبهة طائفة ما، هي أحد طرفي معركة طائفية , و قد تم إلحاقه بها قسرا لأنه ينتمي لدين هذه الطائفة , بينما يصدر هو عن رؤية مناهضة للطائفية أصلا, و يدافع عن حقوق كل المواطنين الآخرين, و لا يدافع عن "طائفته" فحسب . بل إنه عندما ينتقد رموز "طائفته" و خطابهم لا يصدر عن رغبة في تبني طائفية متطرفة بل ينتقد أصلا مواجهة التمييز بسلوك طائفي دفاعي .
التناقص ليس فقط علي مستوي الرؤية ,و لكن علي أرض الواقع أيضا ,فسقراطة - المسيحية المتطرفة - شاركت في حملة التضامن مع أبي إسلام ضد اعتقاله بسبب نشاطه علي الإنترنت, بينما يمثل أبي إسلام نفسه نموذجا لأكثر أشكال التعبير الطائفي تطرفا و عدوانية ضد المسيحيين . لذا لو كانت سقراطة مسيحية متطرفة لم تكن لتشارك ,في سياق حملة التضامن, في زيارة ودية لمسكن أبي إسلام وقت اعتقاله ثم أخري بعد خروجه .. ربما كانت ستفكر في إضرام النار في مسكنه مثلا , و ربما سيتفهم فعلها من يشاهدون برنامجه علي قناة الأمة الفضائية والمسمى - و يا لسخرية العالم - بـ " ثقافة الحوار "! إضرام النار في البيوت ,مقارنة بثقافة الحوار في هذا البرنامج , يمكن اعتباره مداعبة لطيفة .. و هذه مبالغة ساخرة تحسبا لأي نقل صحفي .
أزمة الرؤية الطائفية الأساسية أنها تصدر من موقع يضع نفسه في خانة طائفية بالضرورة, و لأن هذه الرؤية تتبني مشروعا مجتمعيا يقوم علي التفاوت في أوضاع المنتمين لطوائف مختلفة , و لأشكال من التمييز يراها مشروعة بناء علي التفاوت بين الطوائف. فإن هذه الرؤية ترتبك أمام الرؤى المجتمعية اللاطائفية , و تود أن ترى فيها عدوها التقليدي: طائفة مقابلة تشكك في مشروعية التمييز و عدالته, و تدعي الاضطهاد زورا , و "تتطرف" و تطالب بما هو أكثر من حق " الطائفة " المرسوم و المقسوم لها .
بينما الرؤى المجتمعية اللاطائفية يتقاسمها أفراد مختلفي الانتماءات الدينية و يدينون طرفي المسألة الطائفية, و لا يناقض ذلك كون جهودهم بالأساس تنتقد الطائفة الأكثر و الأقوى و التي تشغل موقع السلطة . يستوي في ذلك من يفترض انتماؤهم إلي هذه الطائفة الأكثر و الآخرين . في هذا السياق انتقادات أفراد مسيحيين لسلوكيات طائفية تصدر ممن ينتمون للأغلبية المسلمة , ليست صادرة عن طائفة أو أفراد يمثلونها و ليست كذلك موجهة لطائفة أو أفراد يمثلونها . ولا فرق بينها و بين انتقادات مسلمين لنفس السلوكيات . و العكس صحيح .
أزمة الرؤية الطائفية التي تم بها عرض ما كتبت سقراطة ثم تصنيفها, ليست متعلقة ابتداء بسوء أو جودة أداء صحفي, بقدر ما تتعلق برؤية اجتماعية و رأي يتبناه الصحفي أو محرر الصفحة أو محررو الجريدة , و هذه الرؤية محل اختلاف و جدل سياسي و ديني . و لكن من زاويتي يبدو لي أن تناقضات الرؤية الطائفية تمتد لتمس نزاهة و صدق النظر للواقع في تقرير صحفي عندما تتحول النظارة الطائفية لمرآة لا يبدو الآخر فيها سوي طرف طائفي مقابل .

01 September 2007

25 August 2007

عن اختبار " البديل " ... في الصحافة و السياسة

By:pipoz

ما أتفق مع علاء سيف بشأنه هو أن هناك فجوة بين صورة الواقع في الصحافة المصرية و بين الواقع نفسه. أكثر من تجربة شخصية أقارن فيها بين ما أعرفه عن موضوع أو حدث ما اقتربت منه أو انخرطت فيه , و بين ما نشر في الصحافة, أجد الأمر مأسويا و مزريا .
ليست الصحافة وحدها , بل السياسة أيضا , فالصور التي يكونها " الوسط السياسي المعارض" عن الواقع يسري عليها هذا الأمر أيضا, و نموذج ذلك ما كتبته عن تعامل الصحافة و المعارضة مع الحقائق البسيطة في قضية خصخصة عمرافندي, بغض النظر عن الموقف منها, أتكلم فقط عن الحقائق المعلوماتية البسيطة الغائبة أو المغيبة بدافع الاستسهال أو تعمد إعادة إنتاج نفس الصورة التي يجب أن تظهر فيها الحكومة بمظهر الشيطان, لكي يمكن أن تتخذ المعارضة موقفا بسيطا مواجها و تصير ملاكا مجنحا..
الصحافة و السياسة مجالان , مثل مجالات أخري كثيرة , يصيران أقرب للانحراف و الفساد إن لم يجدا تصحيحا ما من قبل الجمهور, أو من قبل منافسة حقيقية علي الجمهور .
في الصحافة كما السياسة, الجمهور يستهلك ما يؤمن به مسبقا : صور الشياطين و الملائكة, و صور الأشرار الجبابرة المتغولين الذين لا قبل لأحد بهم . لا مجال أصلا لكي يتعامل الجمهور مع ما يصدره إليهم الصحفيون و السياسيون من معلومات و أفكار , بحس نقدي .. سواء منهم من أعرض عن الشأن العام و قضاياه فهي عنده من ظواهر الطبيعة أو كالأقدار لا يملك فيها دورا و لا لها دفعا , أو من يهتم منهم بالشأن العام علي طريقة التعاطف مع جموع الملائكة في مواجهة الشياطين. لذا فالصحافة و التيارات السياسية مستمرون في إعادة إنتاج نفس الصور بكفاءة و دأب و حماسة . و بالتبعية تتحول المنافسة لكسب الجمهور من مجال تقديم خدمة مهنية متميزة, بالنسبة للصحافة , أو تقديم صور صادقة للواقع و رؤي بديلة نقدية علي أرضية هذا الواقع في مجال السياسة .. إلي التباري في درجة شيطنة الشياطين ,أو في مستوي خفة ظل السخرية المريرة العاجزة أمام الواقع الذي يسيطر عليه هؤلاء الأبالسة .
هذا المناخ العام الذي يشد إليه حتي التجارب السياسية و الصحفية التي تحاول أن تكون مختلفة , لا يبدو لي أن مواجهته يمكن أن تقتصر علي مبادرات سياسية أو صحفية جادة , بل يتوقف بالضرورة علي مشاركة من جمهور ناقد و مهتم , ليس ذلك فحسب بل و منحاز أيضا ... ليس بالضرورة للتجربة السياسية أو الصحفية, بل منحاز و مهتم بضرورة خلق مجال عام أكثر احتراما و عقلانية و شفافية.

و هنا أختلف مع علاء في نقده العنيف لجريدة البديل لما اعتبره تلفيقا و نسبة ما لم يقله إليه في تحقيق صحفي , و مبالغته في الهجوم علي التجربة الجديدة برمتها, و الدعوة لمقاطعتها , بشكل رأيته عدوانيا بعض الشيء .
طبعا أتفهم غضب من يفتح الجريدة في الصباح فيجد عكس ما يؤمن به يروى علي لسانه, و لكن اختلافي مع تعبيره سببه أن علاء نفسه مهتم بالصحافة الشعبية علي الإنترنت , و هي بالإضافة لكونها صحافة أخري موازية , فهي يمكن أن تكون أحد وسائل الجمهور الناقد و المهتم للمشاركة في تصحيح أخطاء و عثرات الصحافة التقليدية , لذا فإن رد الفعل الواعى بهذه المهمة لا يجب أن ينزلق للعدوانية تجاه التجارب الجديدة أو أشخاص الصحفيين .
بالإضافة للمناخ العام السابق ذكره , و بعيدا عن أي صحيفة أو صحفي بعينهما , فاحتمالات سوء النية أو التلفيق العمديأو التردي اللامسؤول للمهنية الصحفية ... كلها واردة , و لكن افتراض ذلك مسبقا هو نوع من إعادة إنتاج صورة مشيطنة جديدة و لكنها هذه المرة للصحافة نفسها باعتبارها مجالا فاسدا ابتداء , و ليس لأسباب يمكن مواجهتها . فينتهي الأمر إلي دوران في الدائرة المغلقة ذاتها .
فالأمر كما يحتمل ما سبق فهو يحتمل أيضا الخطأ غير المقصود في فهم كلام المصدر أو في اعادة صياغته و اختصاره لدواعي صحفية, و ربما يحتمل خطأ فردي لصحفي, تلفيق أو غيره , لا يستدعي بالضرورة حكما علي الصحيفة بأكملها , فرئاسة التحرير لا يفترض أنها تملك خلفيات مكتملة لكل موضوع تمكنها من الحكم علي مدي صدق النقل عن المصادر أو الجزم بصحة خبر ما .
و لكن ما يصلح لهذا و ذاك هو رد الفعل المهتم و المنحاز لمجال عام أكثر شفافية , الذي يهتم بالرد و التصحيح عموما, و يهتم أيضا بوصول الرد لهذه الجريدة لاختبار صدقيتها, و استعدادها لتقبل النقد و التصحيح. و يصعب الحكم علي ذلك إذا أحال المنتقد هذا الاختبار لأزمة بمزجه انتقاده و تصحيحه بسباب مقذع للجريدة و الصحفي.

كنت أود أن أكتب شيئا أقل إشكالية , علي سبيل الدعاية
لجريدة " البديل " التي أنحاز إليها , و لكن ما كان يمكن تجنب الحديث علي خلفية هذه الأزمة الصغيرة . ربما كان ذلك من حسن الحظ, لكي يمكن أن أقول أنني منحاز للبديل و أدعوكم للانحياز إليه ليس لأنه آت من الفردوس بالبديل الجاهز و لكن لأنه محاولة لانجاز هذا البديل عن طريق تقاطع بين الصحافة والسياسة يتجنب المناخ الرديء إياه , فالتجربة الصحفية و أصحابها يعلنون انحيازهم السياسي الواضح المتجه يسارا , بما يعني التعبير عن مصالح أوسع دائرة من الناس تشمل بالضرورة المقهورين و المهمشين و المحرومين من الفرص, و يتجنبون الحياد الذي تبدو عليه تجارب أخري , أعني تحديدا " المصري اليوم " رغم كفاءته و مهنيته العالية , بينما الحياد وهم .
الانحياز يسارا , كما أراه , لا يعني ابتذال حالات البؤس لاستخدامها في السجالات و الحديث باسمها , و لكن النظر النقدي للواقع و إمكانات تجاوزه و محاولة البحث عن البديل الممكن . البديل الذي لا يلامس الأحلام البعيدة ادعاء , و لكنه يخطو خطوة ممكنة باتجاهها .
التجربة الصحفية المتزنة التي يمكن أن تجعل ذلك ممكنا هي التي تتجنب الشيطنة و ممارسة المعارضة كهوس محموم و حديث زاعق عن رؤوس النظام , و لكن تلتزم بالأمانة في النظر للواقع و تفاصيله بغرض التامل في البدائل التي يمكن ان تجعل للناس طريقا إلي وضع أفضل .
إلي الآن , بينما لم يمر علي صدور البديل الكثير, يمكنني بوضوح أن أراه يسير في هذا الاتجاه و ينحاز بهذه الكيفية , و إن لم ينجز ذلك يمكنني أن ألمس ما يحاول أن يكونه.
لا أحد يدعي أن البديل جريدة ممتازة تجاوزت كل مشكلات الصحافة المصرية, البديل تجربة ممكنة لو توفرت جهود و إرادات تريد لها أن تكون . و لعلي أظن أن الأمر ليس فقط معقودا بإرادة صناع التجربة, بل أيضا بإرادة جمهور يساند التجربة و يشارك فيها مهتما و ناقدا و منحازا, إن لم يكن للاتجاه السياسي فعلي الأقل لصالح توافر نوافذ صحفية حقيقية و مختلفة
.


البديل

13 August 2007

كأنما قتلوا الناس جميعا

كم كان لافتا و دالا , لو كنت شاهدت حلقة "العاشرة مساء" حول ذكري ثورة يوليو منذ أسابيع , كيف كان الشاعر الكبير سيد حجاب ينافح عن " التقدم " الذي أنجزته " الثورة " رغم كل شيء , و كل شيء هنا يشمل اعتقاله هو شخصيا مع مجموعات و تنظيمات اليسار ...

و بينما كان المفترض أن يكون المدونين الصديقين البراء أشرف و وائل عباس , الضيفين الآخرين , من الأجيال التي تدين- علي الأقل - بتعيلمها المجاني , لمنجزات الثورة الاجتماعية ... إلا أن كلاهما انتقد بشدة " الثورة" لدرجة تصل لحد محاولة مساءلة التاريخ حول ما إذا كانت الثورة استبقت حراكا طبيعيا للمجتمع و استلبته , و هو ما قاله البراء , بينما وائل عباس يتخذ موقفا شخصيا من " الثورة " بسبب جمال عبد الناصر ,لكن يتيه حبا في السادات , و لوائل في ذلك حكم !

ربما أتفق أكثر مع ما قال سيد حجاب و أتحفظ علي ما قال البراء و وائل , ولكن أنحاز أكثر لما عبرا عنه .

سيد حجاب تحدث بموضوعية و إحاطة عن مسيرة دولة " الثورة" لماذا كانت ثورة من جهة أداءها الاجتماعي و ليس من جهة أسلوب قيامها, و عبر عن موقف اليسار المصري الذي ساند توجهات الثورة الاجتماعية , و تجاوز عن موقفها من الحرية من أجل العدالة . و دفع يساريون كثر الثمن من حريتهم هم أنفسهم , و هتفوا لعبد الناصر في السجون من أجل صالح الشعب و الفقراء من العمال و الفلاحين .

البراء و وائل قالا ما لا أتفق معهما فيه عندما تحدثا "موضوعيا" عن الثورة و التاريخ و البدائل التي ربما كانت أفضل , من يعلم ! , و عن انجازات الثورة الوهمية كما يرونها أو كما وصلت إليهما .
و لكنهما في ثنايا حديثهما قصا حكايات حميمة عن التأثيرات المباشرة التي طالت عائلتيهما من قبل نظام ثورة يوليو . البراء قال ما سمعته منه قبلا , أنه لا يمكن أن ينسي أن عبد الناصر قتل جده , هكذا يقول تعبيرا عن التنكيل الذي لقاه جده في سجون نظام يوليو لانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين .. بينما قص وائل – و يبدو انه لم يكن يريد ذلك – حكاية والده الذي عاني الأمرين من ضغط الأمن عليه لكي يكون عينا للأمن علي زملائه من ذوي الانتمائات السياسية .

كنت منحازا أكثر لبراء و وائل و هما لا يسامحان النظام الذي أفسد حياة مقربين منهم , علي خلاف تسامح سيد حجاب كمثقف و سياسي يفكر في " الشعب " لا في نفسه و أهله فحسب .

هل يبدو موقفهما أنانيا مقابل غيرية المناضلين الذين تجاوزوا عن حلم الحرية و الديمقراطية – التي يقال في التحليل اليساري الذائع أنها ترف البرجوازية و الطبقات العليا – و قدموا تضحية نبيلة من أجل حلم العدالة الذي رأوه يبدأ في التفتح امامهم , أم يبدو ذلك تصحيحا لموقف النخبة التي تخلت عن حلم حريتها , فتخلي العامة فيما بعد عن حلم العدالة و استكانوا , فلم يبق لا حرية و لا عدالة .

من الاختزال المخل أن يبدو الأمر و كأن القمع طال الجميع أو كأن انحياز النظام للعدالة الاجتماعية لم يغير حقا مسار حياة الملايين و لم ينصفهم .
لكن القمع طال من رفع رأسه و لم يكن أخا لنظام " ارفع رأسك يا أخي " , حتي الإخوة غير الأشقاء , الذين ظنوا أن عبد الناصر يشاطرهم بعض حلمهم الاشتراكي خاب ظنهم .
حل التنظيمات و الأحزاب و تقييد الحق في التجمع و التنظيم و التعبير, و دمج كل قوي المجتمع المدني و النقابات في كيانات موحدة تحت سلطة النظام جعل العدالة كسمكة في سنارة النظام , بينما لم يتعلم " الشعب " شيئا عن الصيد , بل بات يخشى الاقتراب من شاطيء السياسة أصلا .

ربما انحاز نظام يوليو لعامة الناس, لكنه انحاز لهم في عنايته و معيته . و بينما ادعي الثورية و التقدمية و التحرر, لم يحررهم أو يدعهم ليتحرروا لكي يتعلموا أن ينحازوا لأنفسهم .
القمع الذي طال جد البراء و أبي وائل ربما لم يصل للكثيرين من المعدمين الذين رفعت الدولة رؤوسهم للمرة الأولي , و لكن رذاذه علمهم درسا أنهم رعايا فرادى في معية النظام و الزعيم و السادة و دولتهم , و عندما أشاحت تلك الدولة بوجهها عنهم و تحولت عن مشروعها الاجتماعي الثوري لم تكن لديهم الجرأة و لا القدرة علي الدفاع عن أنفسهم و لا عما اكتسبوه . هبات يائسة ثم احتقان طويل عاجز ..و الآن يبدأ المصريون و هم يدافعون عن الأمتار الأخيرة يحاولون تعلم رفع الصوت و الرأس و يتخبطون في محاولات بدائية للتنظيم المستقل لقواهم , من نخبة " كفاية " إلي العمال المتذمرين .

لا يمكن في رأيي البحث عن بدائل للماضي , و لا النظر في التجارب في سياق آخر غير سياقها , لكن ما هو ضروري من محاكمة الواقع و البحث عن بدائل المستقبل و النظر في تجربتنا الحالية, هو ما يقتضي النظر في التجارب التي شكلت واقعنا و حددت مبتدأ نظر كل تجربة جديدة .

درس تجربة يوليو و ما بعدها إلي الآن كما يبدو لي : الكرامة المشروطة بالولاء مهانة. و الحريات و حقوق الإنسان ليسوا ترفا برجوازيا , انتهاك الإنسان ليس ثمنا عارضا لأي شيء ذي قيمة . الحرية هي السياج الحقيقي للعدالة و هي طريق إليها . و هي الهواء الذي يتنفسه المجتمع الحي. حرية و كرامة الإنسان, لمحض كونه إنسانا , طريق للتحرر الجماعي , و العكس صحيح : " من قتل نفسا ..فكأنما قتل الناس جميعا, و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ".

06 August 2007

شُغْل محمود عزت


المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى دار " ميريت " لم يكن الأمر سهلا, لم أكن أعرف أن الدار شقة في إحدى عمارات شارع قصر النيل . قطعت الشارع من أوله لآخره مرتين و لما تعبت سألت .. و لما سألت تعبت ! و لم أصل إلا بعد أن استعنت برقم العمارة في المرة التالية ..
طريق أخي محمود إلى " ميريت " كان متعرجا و طريفا ... شرقاوي , الذي كان يعمل هناك قبل أن يفتتح " ملامح " تجربته الجديدة , نصح محمود أن ينشر ديوانا من الأشعار التي يكتبها في مدونته . و عن طريق شرقاوي وصل ديوان " أحلي فيلم شفته في حياتي " لـ " ميريت " . قرأه الشاعر الراحل أسامة الدناصوري و أبدي اعجابه بشعر محمود بشكل عام, و إن لم يتحمس كثيرا لشعر التفعيلة المشغول بالموسيقي في رأيه .
لم يتحدد بشكل حاسم موقف نشر ديوان محمود, و لم يتلق محمود ردا صريحا, و لم يجد في نفسه القدرة علي الإلحاح في السؤال ليعرف الجواب الواضح ...
لذا فإنه فور أن أنهي ديوانه الثاني " شغل كايرو " من الشعر العامي المنثور, أنشأ دار نشر خصيصا لنشر ديوانه. و أعلن أنه يستقبل أعمال الأدباء الشباب لينشرها, و كفي الله المبدعين قلق الانتظار , و كانت دار " سوسن " .
نشر محمود ديوانه و أعمال آخرين ممن استجابوا لدعوته , وبدأ محمود كناشر جاد يسوّق كتبه و يرسل الأعمال الجديدة أولا بأول إلي قائمة مراسلات تضم بعض الأدباء و الشعراء و المهتمين .
ما حدث أن محمود تلقي اتصالا من " ميريت " و طلبا عاجلا للقائه للاتفاق علي نشر ديوانه , و ظن محمود أن فترة الانتظار التي طالت انتهت . و لكنه اكتشف هناك أن ابراهيم داود و خيري شلبي قرأوا - عبر قائمة المراسلات - ديوانه الآخر المنشور في " سوسن " و أبدوا لمحمد هاشم - مدير دار ميريت - اعجابهم بشعر هذا الشاب المجهول ..
لا أذكر هل تذكر هاشم أم ذكره شرقاوي بمحمود , و لكنه رد عليهم أن ديوان هذا الشاب عنده ينتظر النشر و أنه سينشر عاجلا ... و اتصل بالدناصوري في حضورهم و سأله مجددا عن ديوان محمود الذي كانت مهمته تقييمه , فاستمع الحضور في عجب لتحفظات الدناصوري علي شعر التفعيلة بينما الديوان في أيديهم نثر خالص !
ما كان أنه تم الاتفاق علي نشر " شغل كايرو" في " ميريت " , بينما احتل " أحلي فيلم شفته في حياتي " المركز الثالث في مسابقة الهيئة العامة لقصور الثقافة و ربما تنشره الهيئة .. بينما دار " سوسن " تتقدم بخطى ثابتة و بركة " سوسن " تحل علي مبدعيها, فيمن الله عليهم بالنشر الورقي سواء عبر " ملامح " شرقاوي أو " اكتب " أو دور أخري ..

أخيرا صدر " شغل كايرو " عن ميريت ...
قصائد الديوان في رأيي قطع من الحلوي الصغيرة التي تذوب في فمك سريعا , و تترك في فمك حلاوتها البسيطة لتلتهم في نهم باقي القطع واحدة تلو أخري .
محمود كتب عن امبابة و كوبري امبابة و عن وسط البلد و مولات وسط البلد و المظاهرات وعن القصر العيني و عن " سوسن " :
" على خدّك الشمال
نقطة لون عَفــَـوية
سابها الفنان , كادوه للكون
توقيع أنيق على اللوحة
معتقدش إني شفت قبل كده
فــ أي بورتريه
شامة أسعد"

وعن بيتنا و شارعنا و الشارع " اللي ورا ", و عني و عن أمي و أبي و الجيران وعن شارع جامعة الدول و الكيت الكات و الزمالك والكورنيش و كوبري قصر النيل :
" العيال اللي قاعدة على السور
و ضهرها للنيل
و الخلايجة اللي فـ الحناطير
و الحبّيبة اللي مش بينتهوا
حييجوا كالعادة زي كل يوم
بس مش حيلاقوا كوبري قصر النيل
مش حيعرفوا يعدّوا
لإني حشيله
وأهرب بيه
حسيب لهم الأسود يتصوروا جنبها زي ما هم عايزين
بس حاخد الكوبري
أقف عليه لوحدي "
القصائد حكايات قصيرة و بسيطة و عادية ربما تعرفها أو تسمعها لأول مرة ... " الشاعر الحقيقي " فقط يمكنه حكايتها بهذه البساطة و هذه الحلاوة .

 شغل كايرو

لو كنت سبتحث عن " ميريت " لأول مرة مثلما بحثت قبلك , فهي في العمارة (6 ب) المجاورة لسينما و مسرح قصر النيل , بشارع قصر النيل , الشقة إلي اليسار في الدور الأول ... اطرق الباب إن كان مغلقا و لا تندهش من حفاوة محمد هاشم و أريحيته , ادخل و اطلب " شغل كايرو " لمحمود عزت .


الصور :
محمود
أسامة الدناصوري
محمد هاشم
غلاف " شغل كايرو "

07 July 2007

الكاتب و نفسه و الآخرون


(1)

" وظيفة الكاتب أن يتحدث عن كل شيء, العالم الموضوعي و العالم الذاتي المعارض لهذه الموضوعية, علي الكاتب أن يصور هذه الكلية و هو يكشف عنها تماما, و هو ما يضطره للتحدث عن نفسه, و الواقع أنه يفعل ذلك دائما ...."

(2)

" ..أحاول أن أكون شفافا قدر الإمكان, لأني أشعر أن تلك المنطقة المظلمة بداخلنا, مظلمة لنا و للآخرين, و يمكن أن ننيرها لأنفسنا, فقط عندما عند محاولة إنارتها للآخرين "

(3)

" نحن نعرف أنفسنا قليلا جدا, و ما زلنا لا ننفتح على بعضنا البعض بشكل كامل ... بينما حقيقة الكتابة أن تقول : أنا أمسك بالقلم, اسمي سارتر, هذا ما أفكر به ..."

(4)

" أعتقد أنه بعد موتي... في زمن قادم, سيتحدث الناس عن أنفسهم أكثر و أكثر, و سيحدث ذلك تغييرا كبيرا, و أعتقد أن هذا التغيير سيرتبط بثورة حقيقية "

سارتر
من حوار أجراه معه ميشيل كونتا
نشر بعنوان " صورة شخصية في السبعين "
ترجمة : أحمد عمر شاهين
دار شرقيات