
13 January 2012
إهانة ليه؟

05 May 2008
نصر أبو زيد : أما قبل .. فسؤال الحرية

المشهد داخل القاعة الشرقية بالجامعة الأمريكية مساء أمس الأول ، كان مقلوبا للمشهد خارجها.
حفاوة بالغة استقبل بها نصر أبو زيد من مضيفيه بعد أن تعنتت نقابة الصحفيين في استضافة محاضرته بحسب مسئولي مؤسسة "المورد" المنظمة لها ... و حفاوة أكبر من محبيه الذين ملأوا القاعة و وقف بعضهم طوال ساعتين استمعوا فيها إليه و هو يحاصر "خطاب تحريم الفن" الذي يحاصر الجميع خارج القاعة .
أنصار " التحريم " كانوا أقلية مؤقتا داخل القاعة و لم يسلموا أحيانا من تذمر محبي أبو زيد , و لكن الدكتور الذي أخرجه هؤلاء " الأنصار" من مصر بعد أن طاردوه بدعاوى قضائية و اتهموه بالكفر و أرادوا التفريق بينه و بين زوجته ، كان هو نفسه أكثر تسامحا معهم و رد على أسئلتهم الهجومية بلطف و إن كان بحذر.
تحدث أبو زيد عن خطاب التحريم رافضا حصره في الدين، مشيرا إلى أن التحريم يسود ساحة السياسة و المجتمع بل و الجامعة نفسها التي أصبحت تضيق بحرية تفكير أساتذتها و طلابها .
و قال أن الدين أصبح وقودا يحترق لتدور عجلة السياسة, و رغم تأكيده أنه يريد دولة لا تذهب للجامع أو الكنيسة إلا أنه دافع عن حق " جلاديه " و " مكفريه " من التيارات الإسلامية في الوجود و التعبير , لأنه يريد دولة تحمي حرية الكل .
و أكد أن الخوف و الرغبة في الحماية و تغليب فلسفة العقاب ليست فقط سمات خطاب التحريم الديني , و إنما هي أيضا سمات خطاب التحريم السياسي الذي يخاف من الحرية و يدعي حماية الشعب من التيارات المعارضة و يمارس فلسفة العقاب عبر القمع و الحكم البوليسي .
بعض مداخلات الحضور أرادات أن تستفتي أبو زيد في كل شيء, من الدين إلى السياسة, و لكنه تهرب من أن " يفتي " و قال أنه باحث و ليس رجل دين و لا صاحب مشروع شامل . مشيرا إلى أن الثقافة التي تنتظر الفتوى في كل شيء هي ثقافة يسكنها الخوف من الخطأ , بينما الحياة فيها متسع للتجربة و الإيمان فيه مساحة للخطأ و الاستغفار و التوبة .
نصر أبو زيد قال أنهم في جامعة لايدن بهولندا ، حيث يحاضر الآن، يتعجبون من اتهامه بالردة في مصر , بينما يرون أنه باحث مؤمن و " مسلم جيد " ، و أضاف أنه كذلك بالفعل و يريد أن يخيب ظن خصومه الذين كفروه و أيضا ظن بعض مناصريه الذين دافعوا عنه باعتباره كافرا و قال بحسم و وضوح :" أنا مش كافر ! "
أنهى أبو زيد محاضرته قبل المداخلات بإشارة إلى ما يبدو أنه مبتدأ نظره في مسألة خطاب التحريم. فقال أن الدين حياة , و الحياة بلا فن خواء. ولطالما ازدهرت الفنون حول الأديان بحيث يصعب الفصل بين تاريخ الفن و تاريخ الدين.
و لأن التحريم, كما أشار, ابن ثقافة الخوف و الحماية بينما الفن هو أقصى ممارسة الحرية، فلا بد أن يتربص خطاب التحريم – سواء الديني أو السياسي - بالفن و حريته . و قال ختاما لمحاضرته ملخصا و مفتيا لمن أراد " أما قبل ... فسؤال الحرية ! " .
- استمع لتسجيل المحاضرة .. من عمرو مجدي
- اقرأ أيضا تغطيات سارة المصري و شاهر عياد في البديل و عمرو مجدي في الجزيرة.نت و سعد القرش في رويترز
24 March 2008
زفة المولد و الدراويش .. " الدُوسَة " و ضيق الأحوال
في مسجد صالح الجعفري بالدرّاسة, صاح شيخ أتى من العياط خصيصا و انتظر منذ صلاة الظهر بلا جدوى :" أين الإنشاد يا إخواننا ؟ ". و أُجيب بأن الإنشاد سيبدأ قبيل صلاة العصر, و بعدها يتحرك الموكب .
الشيخ كان واحدا ممن توافدوا على المسجد لشهود الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الخميس الماضي, و المسير مع موكب الصوفية من الدرّاسة إلى مسجد الإمام الحسين .
حافلات توافدت من بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر تقل أبناء الطرق الصوفية من كل محافظات مصر, و معهم أفراد و أسر اتخذوا شهود احتفال المولد, عادة سنوية لا يخلفونها .
بعد فترة من صبر الشيخ بدأ الإنشاد مع " الحضرة ": جلس الحاضرون في صفوف متقابلة موازية لاتجاه القبلة, و أمام المحراب فوق كرسيّ مميز جلس لفترة شيخ الطريقة الجعفرية ثم خلفه ابنه, و أنشد منشدو الطريقة في مديح النبي و آل بيته, و ردد الحاضرون. و أثناء " الحضرة" حافظ منظمون من الطريقة بصرامة على مسار خال بين الصفوف يمتد حتى باب المسجد, بحسب التقليد الصوفي الذي يرمز لحضور روح النبي عند مديحه .
و على دفعات قام المنظمون من أبناء الطريقة بدعوة الحاضرين للذهاب إلى ساحة خلفية للمسجد لتناول الطعام. بينما يشرب الحاضرون " الشربات " الذي يسقيه شيخ هرم تحدب ظهره فيما يبدو من ممارسة مهنة السقاية.
بعد صلاة العصر, بدأ خروج الجميع من مسجد الجعفري و الاصطفاف أمام المسجد بالرايات و الأعلام , الطرق مرتبة ترتيبا متفقا عليه. في المقدمة الطريقة الجعفرية الأحمدية ثم الطريقة الجازولية الحسينية الشاذلية ثم الدسوقية المحمدية و غيرهم . لكل طريقة لون مميز لها. الرفاعية يتميزون باللون الأسود و الدسوقية باللون الأبيض , و الأحمدية باللون الأحمر , و يشترك الجعفرية و الشاذلية مع طرق أخرى في اللون الأخضر, و لكن بدرجات مختلفة. الألوان هي نفسها التي ذكرها " مكفرسون " في كتابه " الموالد في مصر" و أشار لولع طرق كثيرة باللون الأخضر و لكنه ميز اللون الأخضر الداكن كعلامة على الطرق التي ينتمي مشايخها لآل بيت النبي .
يصطف أبناء الطرق براياتهم و أعلامهم و تصطف معهم سيارات تحمل مكبرات الصوت , و يقف أتباع كل طريقة ينشدون الأشعار و الأهازيج و ربما يتمايلون و يرقصون على وقع الطبول و الدفوف و الصاجات النحاسية . يستمر الإنشاد و الرقص وقوفا بينما تستكمل المسيرة انتظامها. لكل طريقة راية لمشيختها العامة أمامها يسير شيخها و أبناؤه - الذين هم في العادة خلفاؤه- ثم تتوالي رايات لكل فرع من فروع الطريقة في مصر و خارجها . و اهتمت الطريقة الدسوقية بإظهار رايات فروعها في النمسا و الهند و إيطاليا و ماليزيا, و إن لم يحمل الرايات بالضرورة أبناء هذه الفروع .
تبدأ المسيرة في التحرك من الدراسة إلى شارع المنصوري ثم شارع الأزهر. في طريق المسيرة يصطف المئات من سكان المنطقة على جانبي الطريق يرددون الأناشيد مع كل طريقة أو يصفقون على وقعها أو تطلق النساء الزغاريد انتشاء عند مرور الطرق الأكثر نشاطا في الإنشاد و التوقيع . تمتليء جوانب الطريق بالنساء و الأطفال بينما ينضم الرجال للمسيرة, أما نساء الطرق الصوفية القادمات مع أزواجهن فيسرن مع المسيرة في جانب الطريق أو ينتظرن في ساحة مسجد الحسين حيث ينتظر الآلاف المسيرة التي يتصاعد حماسها و يعلو إيقاعها و هي تدخل إلي ميدان الحسين .
تنتهي مسيرات الموالد عادة عند قبر صاحب المولد. لذا فالمولد النبوي حالة خاصة, و لكنه ينتهي عند قبر حفيده و أقرب آل بيته إليه الإمام الحسين, و تنشد الطريقة الجازولية عند بوابة ميدان الحسين نشيدا خاصا بها معبرة عن هذا المعني :
" مين يا حسين / مين يفتح لنا / باب النبي يا حسين/ و إنت هنا "
تلقى أناشيد الطريقة الجازولية الشاذلية بالعامية المصرية – على خلاف القصائد الفصحى للطرق الأخرى - إعجابا أكبر من البسطاء منتظري الموكب.
ينتهي الموكب داخل مسجد الحسين و يطوي الصوفية أعلامهم و يفترشون الأرض في حلقات للإنشاد و الذكر.
تغيرت وجهة و طبيعة المسيرة مرارا, و يطلق عليها المؤرخون اسم " زفة المولد ", و كانت بدايتها مع احتفالات الفاطميين بالمولد و استمرت معها و توقفت أيام الأيوبيين و عادت مع المماليك ثم توقفت مع تقليص العثمانيين للاحتفالات ثم عادت مع الحملة الفرنسية التي تقربت للمصريين بإحياء الاحتفال مرة أخرى بل و المساعدة فيه كما يذكر الجبرتي .
و يحكي "إدوارد لين" في " شمائل و عادات المصريين المحدثين " عن طقس " الدوسة " الغريب الذي ميز " الزفة " لعقود, حيث كان شيخ الطريقة السعدية يمر بحصانه فوق أجساد دراويش الطريقة المنطرحين أرضا, و هم يرددون أذكارا و أورادا خاصة. و كانوا يعتبرون مرور "الدوسة" دون أن يتألم أحدهم أو يصاب بأذى من الكرامات و بركة المولد . و لكن تم منع " الدوسة "مع مجموعة من الطقوس العنيفة الأخرى في عهد الخديوي توفيق. و يرجح "مكفرسون " أن المنع تم بعد اعتراضات من زائر أوروبي !
بسبب حصان شيخ الطريقة السعدية في " الدوسة " أو بسبب حصان شيخ عموم الطرق الصوفية المزين بأردية عليها نقوش و أذكار و آيات قرآنية , فإن الزفة سميت أيضا " زفة الحصان ".
و من عادات " الزفة " التي استقرت منذ الأسرة العلوية أن يجتمع في نهايتها الحاكم- أو من ينوب عنه – مع شيخ عموم الطرق الصوفية و نقيب الأشراف في احتفال رسمي . وكان ذلك الخميس الماضي في ساحة مسجد الحسين حيث اجتمع محافظ القاهرة نائبا عن رئيس الجمهورية مع نقيب الأشراف و الشيخ حسن الشناوي شيخ مشايخ الطرق الصوفية مع عدد من علماء الأزهر.
كان غريبا أن تبتعد كلمة شيخ مشايخ الطرق الصوفية عن البهجة التي تلف المكان و تتطرق إلى الرد على انتقاد السلفيين للصوفية لاحتفالهم بالمولد, أو أن يحث المسلمين على مقاطعة المنتجات الدنماركية, و يدعو دعوة غامضة لرد إساءتهم لرموزنا بالإساءة لرموزهم باستثناء الأنبياء !
يمكن أن تلحظ بوضوح المسافة و الاختلافات بين دائرة الاحتفال الرسمي في المسجد التي أضاءتها كاميرات التليفزيون و ضمت المسئولين و كبار مشايخ الطرق بهيبتهم و كبريائهم في ترك أيديهم لتقبيل المريدين و الفقراء , و بين دوائر أبناء الطرق ببساطتهم و عفويتهم . و بين كل هؤلاء و بين البسطاء و الفقراء الذين ملأوا المسجد و خارجه طلبا للبركة و البهجة و ربما الرزق أيضا .
الفقراء يمثل المولد لهم فرصة لنيل ما أصبح صعبا هذه الأيام, أكياس فيها أرغفة من الخبز وقطع لحوم يوزعها القادرون في الميدان أمام المسجد, و الوليمة قبل الزفة و بعدها . و الباعة يبتغون رواجا لبضاعتهم من الألعاب و المأكولات و المشروبات . الأسر البسيطة افترشت خارج المسجد يبتغون نسائم بداية الربيع و بركات الإمام و جده و وقع أناشيد الطريقة الجازولية من سرادقهم المقام بجوار المسجد, و المستمرة إلى منتصف الليل.
يهتم الجازولية و غيرهم بتوزيع أوراق تضم أناشيدهم و قصائدهم, و لا تفسير لدي لتسابق- بل و عراك – البعض لنيلها , سوى ظنهم أنها أحجبة تجلب البركة, و توزيع الأحجبة يذكره " مكفرسون" ضمن طقوس المولد, و إن كان يبدو أن معظم الطرق الصوفية قد هجرت هذا التقليد .
04 March 2008
المصارحة أولا

عنوان البيان أصبح اسم مبادرة, انضم لها شباب آخرون , و بدءوا بجلسات المصارحة فيما بينهم و تناولوا كل الأساطير التي يعتقدها بعض المسلمين عن المسيحيين و العكس , و ناقشوا بصراحة كل ما لا يخرج من بين أصحاب الدين الواحد من حساسيات و هواجس .
الآن انطلق موقع مبادرة "مصارحة و مصالحة " أو " معا أمام الله " , الذي يدعو كل المصريين للاشتراك معهم في الخطوة الأولى : المصارحة , و ذلك بالإجابة على أسئلة استطلاع رأي أعده فريق المبادرة .
تم إعداد استطلاعين مستقلين, واحد للمسلمين و آخر للمسيحيين . يتضمن أسئلة عن المعلومات الدينية التي تعرفها عن الدين الآخر , و عن حدود علاقتك بأفراد من دين آخر, و تقبلك لتحول أفراد من دينك للدين الآخر, و رأيك في وجود سلوك طائفي لأصحاب الدين الآخر, و غير ذلك .
ينوي مؤسسو المبادرة الانطلاق من "المصارحة " عبر الاستطلاع و نتائجه و ما ستشير إليه من مشكلات, إلى الخطوة الثانية : العمل سويا على مقترحات عملية لتجاوز هذه المشكلات وتحقيق " المصالحة " .. الحقيقية .
30 January 2008
عن القرار الأصعب
هذا الحكم ,و هذه الشَرطة, شجاعة خالصة لا اضطرار فيها, فالخيارات المنطقية الأخرى كانت متاحة أمام هيئة المحكمة. أبسطها أن تمنحهم -بدلا من الإلزام - مهلة للإقتناع بدين سماوي معترف به فيدخلون فيه أفواجا و السلام, و إن رفضوا فيمكن العمل بنظام الـ" بدون " في مصر, و البهائي سيظل مصريا فالموطنة لا جدال فيها, و لكنه سيكون مصريا "بدون بطاقة", يمكنه أن يلتحق بإخوانه من الـ"بدون" و الطيور الجارحة و الضباع في جبال الصعيد أو مجاهل الصحراء ... و إن تعنت البهائيون في قبول هذه الحلول المعقولة يظل هناك خيار المذبحة الجماعية التي اقترحها نواب الإخوان باعتبار أن البهائيين في حكم المرتدين.
شجاعة المحكمة تجاوزت كل هذه الحلول الممكنة, و وازنت بين ضيقها بهذه الأقلية الممتنعة الوجود فلسفيا و دينيا, و بين رغبتها في "إثبات حقوق هذه الفئة " مع مراعاة " منع اندساسهم بين أصحاب الديانات الثلاث " بحسب نص الحيثيات .
و لكن شجاعتها تجاوزت كل الحدود في حكمها الآخر برفض إثبات تحول محمد حجازي المسلم إلى بيشوي المسيحي, عندما أثبتت في حيثياتها أن " كافة الدساتير المصرية قد أقرت جميعها حرية الاعتقاد", أي نعم و لكن " الأديان السماوية قد أنزلت من رب العزة في تسلسل زمنى يجعل من الارتداد من الدين الأحدث إلى الدين الذي يسبقه خروجا عن المألوف ولذا فمن أسلم وآمن فأنه قد مارس بالفعل حريته في العقيدة ولا يجوز له الارتداد عن الإسلام وإلا كان مرتداً ومتلاعباً بهذا الدين الحنيف ".
و بهذا يقدم القضاء المصري أطروحته الجديدة في تفسير معني حرية الاعتقاد في الدستور التي تعتمد على "حداثة" الدين, و تحدد التنقل حصرا من الأقدم إلى الأحدث. و عليه, يكون من حق اليهودي نقلتان و للمسيحي نقلة واحدة, بينما- أعزائي المستمعين - للأسف الشديد .. لا حرية اعتقاد للمسلم في هذا البلد !
12 December 2007
إسلاميون و علمانيون .. ديمقراطيون و اجتماعيون
بالتالي, " إسلاميون و علمانيون " عنوان ملتبس لندوة, متحدثاها لا يمكن ابتداء و استجابة لإغراء العنوان, توزيعهما علي طرفيه . فتامر وجيه أحد أبرز ناشطي مركز الدراسات الاشتراكية – الذي نظم مؤتمر "أيام اشتراكية" الذي كانت الندوة من فاعلياته - لا يمكن تصنيفه و يعد هذا تعريفا جيدا به , بأنه " علماني " . و لا د.هبة رؤوف عزت, مدرسة العلوم السياسية و الكاتبة و الناشطة , يمكن تصنيفها ,و يعد هذا تعريفا مفيدا, بأنها " إسلامية " فقط دون استطرادات.
العنوان الملتبس كان مدخلا لموضوعين مختلفين في كلمتي المتحدثين الرئيسيين. تامر وجيه بدأ من التاريخ لينقد خلو الأدبيات العربية التي حملت لواء العلمانية و التنوير و الحداثة من الجانب الاجتماعي الراديكالي, و انتهى إلى أن "العلمانية" في مواجهة "الإسلامية" ليسا تصنيفا معبرا عن انقسامات الواقع بدقة, و لا يتصل بما يراه الواجب العملي للعقلانية, و هو التغيير الثوري للواقع, و بالتحديد باتجاه اشتراكية ثورية .
أما د. هبة رؤوف فقد اتجهت مباشرة للحظة الحالية , و تساءلت عما يشير إليه العنوان الذي دعيت للحديث عنه, هل يشير لـ " إسلاميين " و " علمانيين " و باعدت بين كفيها, أم لـ " إسلاميين و علمانيين " و ضمت كفيها معا !
و يبدو أنها اختارت الإجابة الأخيرة لما أفاضت في الحديث عن ملامح تتشكل حاليا, بفضل الحركات المطلبية المتعددة - بداية من حركات التغيير و ليس انتهاء بـ "مصريون ضد التعذيب" - التي يعمل من خلالها الناشطون , إسلاميين و غير إسلاميين , جنبا إلى جنب, مشكلين فضاء عاما أكثر ودا و تفهما و أقل حساسية بين أطرافه من ذي قبل.
د.هبة نقضت بدورها العنوان من جانب آخر, جانب مساحات العمل التي تحددها اللحظة و المطالب العامة المشتركة .
ولكن لا مساحات الود و العمل المشترك,و لا تجاوز النظري إلى العملي نجحا في تجاوز مساحات الاختلاف , التي دفعت مداخلات الحضور تعقيبات المتحدثين الختامية إليها. فانتقد تامر وجيه اتخاذ الإسلاميين الجانب الثقافي والهوية الثقافية منطلقا خاطئا لمواجهة تحديات الواقع, التي يراها تتمثل بالأساس في استغلال الطبقات و الشعوب المالكة للثروة و القوة للطبقات و الشعوب الفقيرة و المقهورة. بينما قالت د.هبة أن الثقافي لا يمكن تجاهله, و في القلب منه الإسلام دينا لأتباعه و رافدا ثقافيا لأبناء الديانات الأخري . و انتقدت تجاهل التيارات العلمانية لذلك, و تعاملها مع الثقافة و الدين باعتبارهما إفرازات للواقع الاقتصادي و الاجتماعي , لكنها أشارت أيضا لتجاهل تيارات إسلامية للجوانب الاقتصادية و الاجتماعية, و إرتكازها على الثقافي بدرجة أكبر.
تحولت الندوة معظم أحيانها من الحديث عن " إسلاميون و علمانيون " إلى " إسلاميون و يساريون " بحكم تركيبة الحضور و تنظيم الندوة . و حتى هذه الثنائية بدا أنها ليست بالصلابة و لا بالحدة المتخيلة. فإذا استثنينا اختلافات في مساحة " الثقافي" يمكن أن نري الميول اليسارية عند د. هبة رؤوف – كما أحبت هي نفسها أن تصفها - فلديها نظرة اجتماعية ناقدة لليبرالية و الرأسمالية ,و لديها دراسات في نقد تمثل إسلاميين للمنظور الليبرالي سعيا منهم في الانفتاح على الغرب و الحداثة .
كما أن تامر وجيه و مركز الدراسات الاشتراكية لديهم موقف أثار, و يثير, جدلا كبيرا بين أوساط اليسار, بشأن التحالف مع الإخوان. و هو تحالف لم تدم فعاليته فيما يبدو , و لكن المركز يدعم باتجاه مثل هذه التحالفات – مع التيارات الإسلامية - بغرض الانفتاح علي قطاعات أوسع من الجماهير ,و تثوير التنظيمات التي تلتف حولها هذه الجماهير, أو المساهمة في كشفها إن لم تستجب لهذا التثوير .
و لكن بعيدا عن التقاربات الودية أو علاقات التنظيمات و التيارات ببعضها , هل يمكن لتيارات سياسية, وفق رؤى أخرى, أن تتجاوز ثنائية " إسلاميون و علمانيون " , لتتعامل مع جمهور كبير لدى أغلبه إيمان ديني لا يجعله بالضرورة في خانة " الإسلاميين ", و لكنه لا يستسيغ وصفه بـ " العلماني " .
الإجابة في رأيي تتعلق بالبدء بمعالجة مساحة الاختلاف و الافتراق قبل مساحة الود و التلاقي . ففيما يتعلق بالجانب الثقافي الديني , لا يمكن إنكار أن التيارات السياسية و درجة جماهيريتها تتعلق بتقاطعها أو اقترابها من فضاء من الأفكار و المفاهيم التي تكرسها تيارات ثقافية معينة . هذا إن لم تكن هذه التيارات نفسها تيارات ذات طابع ثقافي - مثل التيارات الدينية- , فلا يمكن في رأيي فصل السياسة تماما عن الدوافع و المباديء الأخلاقية – العدالة و المساواة مثلا انحيازات أخلاقية - , و لا عن الثقافة و الدين الداعمين لهذه المباديء . و لكن الاعتراف بالتداخل مع السعي لفك التلازم و التماهي هو ما يمكن أن يسمح بتلاقي المختلفين ثقافيا في كيان سياسي اجتماعي .
و لكن هذا مشروط أولا بالتخلي عن أي نزعة تسلطية فيما يخص الجانب الثقافي . التوقف عن السعي السياسي لفرض مرجعية أخلاقية علي الآخر المختلف , سواء بالسلب : " العلمانية السلطوية" المتوجسة من الديني, أو بالإيجاب : ممارسة السياسة كوسيلة للتمكين لمرجعية دينية .
الاعتراف بإمكان تقاطع التيار السياسي مع أكثر من رافد ثقافي, و توقف التيار السياسي عن أن يكون تجمع لأصحاب نفس نمط الحياة والأفكار, لكي ينفتح علي تنوع و تعدد المجتمع الثقافي و الديني , و يكتسب عملية و مرونة و تنوع الحركات المطلبية التي لا تنطلق من الأيديولوجيا و الثقافة, بل من البرنامج العملي الاجتماعي الذي يمكن التوافق حوله و تطويره و مناقشه عمليا .
هنا يمكن النظر لدوائر متعددة من تيارات ثقافية و دينية تتدافع في فضاء عام , بينما هي نفسها ليست تيارات سياسية , بل تتقاطع مع تيارات سياسية تجمع أفرادا من دوائر مختلفة يتبنون رؤية اجتماعية قريبة . ربما ينطلق الأفراد من دوافع أخلاقية تنتمي لمرجعياتهم التي تحددها انتماءاتهم لدوائر ثقافية أو دينية مختلفة. و لكن يمكنهم بحس " ديمقراطي " مناقشة ما يخص " الاجتماعي " في دائرته بغير إشهار المرجعيات و الخلفيات الثقافية و الدينية .
" الديمقراطية " بحس أقرب ما يكون لـ" اللاسلطوية" ضرورية هناا لتحديد مساحة العام الذي يجمعنا بالفعل و يتوجب فيه الاجتماع علي نطاق واسع لمناقشة ما يمكن أن نتفق عليه و نتفاوض بشأنه , يينما كل ما لا يجب أن يشمل الجميع يصبح مجالا خاصا و يمارس فيه الأفراد أو الجماعات الفرعية حريتهم الكاملة في ممارسة قناعاتهم و إشهار مرجعياتهم و التعبير عنها و الدعوة إليها و التبشير بها, و خوض الجدل بين بعضها البعض بكافة الوسائل السلمية التي لا تتضمن إخضاع واحدة لأخرى أو السعي لأي تمييز لصالح إحداها .
فموازنة الدولة و سياستها الخارجية مثلا ينتميان للفضاء الأول , بينما عقيدة الفرد و سلوكه الشخصي و الحق في التنظيم ينتمون للفضاء الثاني .
ما سبق كما يتضمن شروطا للتيار السياسي نفسه : الحس العملي و القبول بالتعدد الداخلي و التجمع حول البرنامج لا الأيديولوجيا و الانحياز لأوسع مساحة حريات يفرضها تعدده الداخلي نفسه .. فإنه يتضمن أيضا شروطا في ثقافة الأفراد , أو طريقة تدينهم , لكي يمكنهم التفاعل مع مثل هذا التيار . فالثقافة الدينية التي تطمس كل فاعليات الوجود باستثناء فاعليات عالم الغيب منكرة العامل البشري , أو التي تري أن الدين هو الهوية الجمعية الوحيدة الممكنة للفرد المتدين , أو التي تري أن " عز الدين و مجده " يقتضيان إخضاع الآخرين لا إقناعهم ...أو في المقابل من ذلك الثقافة التي تحتقر الدين و الدوافع و المشاعر الدينية,إلى حد الرغبة في إقصائهم تماما من مجال الرؤية و الوجود .. كل هذه الملامج الثقافية لن تتيح التلاقي في مساحة الاجتماعي, و لا تسم بالاحتفاء بالديمقراطية . بل إن هذه الدوائر الثقافية مؤهلة للتقاطع أو التماهي مع تيارات تسلطية دينية أو علمانية .
بهذه الطريقة في التفكير و الحركة تصبح مشكلة الدين و العلمانية أقل تعبيرا عن جدل يخص السياسة, و تحل محلها مشكلة العام و الخاص. و تعود مشكلة المرجعية الدينية أو العلمانية للسياق الثقافي و ساحات الأفكار . و يتحدد النقاش السياسي بمساحة "الاجتماعي" و باستخدام لغة مشتركة مفرداتها من الواقع المعيش, لا باستخدام اصطلاحات و خلفيات المرجعيات الدينية ,أو الأيديولوجيات و الفلسفات .
عندما تخايلني صورة تيار سياسي بهذه الملامح يبدو لي أن مثل هذا الكيان الديمقراطي المحتفي بالتعدد داخله يمكن أن يضمني مع تامر وجيه , لو تم تخفيض سقف الطموح اليساري الثوري لصالح برنامج للحظة الراهنة .. و مع د.هبة رؤوف, إذا تم التوافق حول حدود العام و الخاص ,حدود دوائر الثقافة و أفق الدائرة الاجتماعية .
و لم لا ؟
- مداختي الطويلة هذه ليست بريئة من التفكير بشكل خاص في أمر الحزب الديمقراطي الاجتماعي المتطلع للتأسيس.
-الصورة, من اليمين, لهبة رؤوف عزت و محمد العجاتي و تامر وجيه . تصوير حسام الحملاوي .
21 July 2007
26 June 2007
! عاجل : أربعة منهم لا يؤدون ركعات السنة
كيف كان لمحامي الدفاع أن يرد علي قاضي الدولة عندما يخبره الأخير أن العلة في إلحاق الطفل بدين أبيه المسلم بينما هو في حضانة أمه المسيحية " أن الإسلام أصل الفطرة و خير الديانات ", و المحكمة يجب أن تلحق الطفل بأفضل الدينين ... كيف للمحامي المسيحي أن يدخل في جدل ديني و يناقش تلك الأمور الخاصة و الحساسة بالنسبة لقاض مؤمن غض بصره عن المباديء الدستورية و القوانين المنضبطة طمعا في سماع تتر نهاية مسلسل " القضاء في الإسلام " في ختام الجلسة . ربما كان علي المحامي و هو يحاول الاستغاثة بمباديء المواطنة و مساواة المواطنين أمام القانون و مدنية الدولة, أن يجاري رصانة الحيثيات القضائية المعاصرة, فيصوغ خطابه في نباهة قائلا : " سيدي الرئيس .. حضرات المستشارين ... موسى نبي.. و عيسى نبي.. و محمد نبي ...و كل من له نبي يصلي عليه .. مش كده و لا إيه ؟ "
لست واثقا من نتيجة ذلك, و لكن علي الاقل لنحاول الدخول في المسخرة و السير علي هوى العدالة التي استبدلت العمى بعاهات أخري لتدهشنا بالجديد وغير المتوقع , و إلا فكيف سنحاول أن نفكر في موقف ذلك المحامي الآخر - المسلم هذه المرة - الذي جفل و أخذ يبحث في ما تعلمه في كلية الحقوق , وحتي في معلوماته عن فرائض الدين, عندما وجد نيابة أمن الدولة تسأل موكليه المتهمين بكونهم " قرآنيين" – و العياذ بالله – عما إذا كانوا يصلون السنة .. أي و الله, "ما إذا كانوا يصلون السنة ". ثم أسقط في يده تماما, و أغضى بصره داعيا لهم بالهداية و الرحمة عندما أثبتت النيابة في التحقيقات أن أربعة منهم لا يؤدون ركعات السنة !
05 June 2007
الأهم فالمهم
أفادت مصادر مطلعة أن "مجمع البحوث الإسلامية", نيابة عن الأمة جمعاء, يعتبر نفسه في حالة انعقاد دائم لمواجهة التحديات و المستجدات ...بعد طهارة بول النبي ستتم مناقشة حكم قتل الديناصورات, ثم أحكام تناول لحم عروس البحر و مرقة العنقاء و عجة بيض التنين.
30 April 2007
العدالة ترجع إلي الخلف
و ذلك لأن ابراهيم تحير و تفكر , و تنقل في عدد قليل من الآيات من عبادة الكواكب لعبادة القمر ثم الشمس حتي اهتدي إلي عبادة الله . و هو بذلك فضلا عن كونه متلاعب بالأديان, يكون قد اعتنق في رحلته عدة ديانات غير معترف بها , كما أنه كمواطن صالح لا شك سيتوجه لوزارة الداخلية لتسجيل ما انتهي إليه يقينه في خانة الديانة أولا بأول , مما سيثير حنق الوزارة , و لو توجه كمواطن صالح للمحكمة لاختصامها , فسيواجه حنقا آخر, مستقلا بالمناسبة , إن لم يكن آخر ما انتهي إليه هو الدين الرسمي المسجل في دستور الجمهورية . و سيلجيء المحكمة للتتعاون مع وزارة الداخية لتقييد عدد مرات التنقل الديني بمرة واحدة فقط , خاصة لو كان التنقل للإسلام الذي هو في رأي فقهاء مرور القاهرة اتجاه واحد .
القانون و المحكمة و الداخلية لا يعرفون زينب , لأن زينب التي تنصرت من فترة ثم عادت للإسلام في فترة قياسية لم تواجه تهمة اللعب في الدين , لأنها أدلت بخلاصة تجربتها الروحية العميقة في غرف الدردشة لمصطفي بكري ليفرد لها صفحة كاملة في الأسبوع بجوار صفحة هيكل لنشر وقائع التغرير المسيحي بعقول شباب المسلمين علي الإنترنت .
أما ما عدا زينب من المسيحيين المساكين الذين اضطرهم جمود الكنيسة و عنادها , لتغيير الديانة للإسل للحصول علي طلاق بدلا من تبادل تهم الزنا . فهم يواجهون الآن عناد الداخلية و المحكمة الإدارية اللذين يرفضان تغيير ديانتهم مرة أخري إلي المسيحية , لأنها رأتهم متلاعبين بالدين , و يستحقون أن يبقوا مسلمين عقابا لهم !
أفهم عناد الداخلية و صلفها , ليشفهم الله أو لنتشفي فيهم , و لكن ما بال عناد أهل القانون و العدالة العمياء.
أصبحت للعدالة عيون ماكرة و بصيرة تطلع علي خبيئة النفوس لتعاقب علي النوايا , بدلا من الاكتفاء بالظواهر و الأدلة التي يمكن مناقشتها و إثباتها و دحضها . كما أنها - العدالة - أصبحت حانقة علي المصريين و دين آبائهم , و لا تبالي بظلم مواطن يريد تغيير ديانته عن قناعة حقيقية , في سبيل ألا تدع بعض المتلاعببين يفلتون . رحم الله القضاة الذين لا يزالون يذكرون مبدأ غابرا ينص علي أن تبرئة عدد من المذنبين أهون من إدانة بريء واحد .
ثم لو كانت خبيئة كل المسيحيين المتلاعبين مكشوفة بالفعل للمحكمة , و كانت بصيرة المحكمة دليلا دامغا , لذا فهم يستحقون عقابا – دع عنك الآن حرية العقيدة , لا تذكرني - فهل تسجيل الإسلام في يطاقاتهم عقاب ! انا كمسلم يحز في نفسي هذا كثيرا . لم لا يبتدع فتحي سرور أو شهاب, أو أيا من أهل البدع القانونية و الأهواء الرسمية , قانونا ينص علي عقوبة تأديبية للمتلاعبين بالأديان و المتسكعين بينها . بدلا من العناد الأحمق و مواجهة الخطأ بخطأ مقابل . و لولا أن المحكمة سابقة عهد بالاجتهاد في المنطق و بديهيات القانون, لطار عقلي عجبا من العناد العجيب للعدالة الذي يخلف وضعا أحمق شديد الخطورة و مؤهل للانفجار: مسيحيون مسجلون كمسلمين في الأوراق الرسمية!
أذكر من أيام المدرسة ,أن أوقع الحظ العاثر طالبا أحمق ليجلس أمام طالب همجي , فكان الهمجي يتسلي بصفع الأحمق علي قفاه أثناء المحاضرات, فإذا التفت إليه قال له ساخرا : انظر أمامك يا حمار . فيضطر الأحمق لمعاودة النظر أمامه . و هكذا , حتي ثارت نخوة الأحمق وتفتق ذهنه عن حل ذكي ينقذ كرامته... و مع الصفعة التالية , ثم أمر الهمجي إياه بالنظر أمامه .. عاند الأحمق و ظل ملتفتا خلفه ينظر للهمجي بتحد و عزة معلنا أنه لن ينظر أمامه , فأتي المدرس بعد أن تعب من الصياح و صفع الأحمق علي قفاه لينظر أمامه ثم صفعه علي وجهه, ثم أخذه من تلابيبه إلي الخارج , بينما هو – الأحمق - ملتوي العنق مصوب النظر لعيني الهمجي في عناد.
17 September 2006
"ليلى" لن تري الـلـه !
لم يثر اهتمامي عنوانه بقدر ما أثار اسم مؤلفه عجبي و دفعني لاقتنائه . فالأمر أن تأليف رسائل الحجاب و الضوابط الشرعية لزي المرأة هو أمر حديث نسبيا . و يندر أن تجد كتبا أفردت لهذا الأمر من الفقهاء القدامي . فالحديث عن هذه المسألة عندهم تجده عارضا في ثنايا كتب الفقه و غالبا ما يكون ذلك في باب الصلاة , في فصل ستر العورة , في مسألة عورة المرأة في الصلاة و تثار هنا مشكلة الفارق بين عورة المرأة في الصلاة و عورتها أمام غير محارمها .
و لم تكن مسألة زي المرأة مطلبا ملحا لإفراد مؤلفات مستقلة ,لأن الأزياء التقليدية للمجتمعات الإسلامية ظلت متماهية تقريبا مع ما تم ترسيمه كضوابط لشرعية زي المرأة و فيما صار يعرف لاحقا بالحجاب .
فيما سبق دلالة لا تخفي و لكن ليس هذا وقتها , فالكتاب لم يكن موضوعه الحجاب / الزي و إنما كان موضوعه إثبات أن النساء " محجوبات " عن رؤية ربهن يوم القيامة لأن هذه الرؤية التي وعد الله المؤمنين بها في آيات القرأن و علي لسان النبي , صلي الله عليه و سلم , كنوع من الثواب , خاصة بالرجال دون غيرهم !
لست مهتما بحال بالمسألة نفسها , فاعتقادي أن مثل هذه الأمور التي تملأ كتب العقيدة الإسلامية هي مسائل لا معني لها . فهي تنتزع آيات قرأنية و أحاديث نبوية من سياقها الأدبي الذي تهدف بلاغياته إلي إثارة الوجدان و الخيال و إضفاء معني النظام علي الكون و التعبير عن العظمة و القدرة الإلهيتين و تأكيد المسؤولية الإنسانية و تدعيم الشعور الأخلاقي ,و يبدو ظاهرا فيها أنها ضرب للمثل ذو غرض تربوي... ثم يتم عبر مماحكات لغوية تحريف هدف هذا الخطاب ليستدل من ألفاظه استدلالات وجودية تتعلق بطبيعة الله أو عالم الغيب أو بالسيناريو التفصيلي ليوم القيامة !
يستوي في ذلك أهل الحديث النصيون و المعتزلة العقلانيون و ما بينهما , في تجاهل لحقيقة أن اللغة التي مردها للخبرة و الاتفاق الإنساني لا يمكن استخدامها إلا مجازا في التعبير عما يقع خارج نطاق هذه الخبرة و هذا الاتفاق !
كما لا يهمني أيضا مناقشة موضوعية استدلال المؤلف علي ما انتهي إليه .
فمنطق المؤلف ليس جديرا بالمناقشة بأية معايير علمية شرعية أو لغوية . فالسيوطي أطاح ابتداءا فيما كتب بقاعدة ثابتة في فقه اللغة العربية , و هي أن الخطاب الموجه لجماعة الذكور و الإناث يأتي عادة بصيغة المذكر , و هو يماري في هذا غير مبال بكون منطقه هذا ينتهي حتما إلي كون معظم النصوص الدينية لا تعني المرأة في شيء لأن الأمر أتي بصيغة المذكر .
ما هو جدير بالاهتمام كما يبدو لي , هو الجانب النفسي و الاجتماعي فيما يخص النظرة للمرأة , و هوما يطل من وراء منطق المؤلف و ثوبه العلمي . و هو في الحقيقة ما لا يخص المؤلف وحده بل مجتمعه كله , و في القلب منه نخبته و سلطاته المختلفة المسيطرة علي البناء الاجتماعي و المنتجة للثقافة , سواء بمعناها الواسع في اليومي المعيش أو بمعناها الضيق المدون علما و أدبا و فنا .
هذا الجانب النفسي و الاجتماعي هو هنا الذي يفرض علي " النص " الإلهي سطوته و يستخدمه لإعادة إنتاج التمييز ضد المرأة متجاوزا مجال الفقه ( القانون ) إلي مجال العقيدة ليظهر بهذا الشكل الفج .
هذا الجانب يظهر في ثنايا نقاشات المؤلف الذي استند إلي مفاهيم تقليدية جري تثبيتها كمحددات أساسية عند النظر للمرأة : مفاهيم الستر و الحجب و الصيانة , دونية المراة عن الرجل بل و عن العبد الذكر , كل ما يختص من أحكام تخص المرأة تفيد معالجة نقصها و أفضلية الرجل عليها .
اما عن مفاهيم الستر و الحجب و الصيانة فقد جري سحبها علي الدار الآخرة أيضا و اعتبر المؤلف أن حجب المرأة عن مشهد رؤية الله يوم القيامة , هو حجب صيانة لها من زحام حشد المؤمنين ,و سترا لها ! و عند هذه النقطة أضاف محقق الكتاب تعليقا لابن تيمية في الهامش مفاده أن الغيرة موجودة أيضا في الجنة ! انتهي كلام ابن تيمية و يحق لنا أن نتسائل هنا وفق هذه المفاهيم إذا كان من المحتمل أيضا ان تقع جرائم اغتصاب أو قتل في الجنة !
أما عن دونية المراة فالمؤلف لم يدخر وسعا في التذكير عقب كل دليل يذكره أن تفضيل الرجل في الإسلام و خصه بمميزات عدة يجعله لا يستبعد تفضيله أيضا بألوان من الثواب و التكريم في الآخرة كرؤية الله تعالي دونا عن المرأة .
و مما ساقه المؤلف من المميزات ساق أيضا تحريم الحلي و الحرير كشكل من أشكال تفضيل الرجال علي النساء !
بل إنه أفرد فصلا في إثبات أن العبد أفضل من المرأة لعدة أسباب سخيفة كان آخرها أن العبد يمكن أن يعتق ليصير أفضل من المرأة كما أن الرق يزول بالموت بينما الأنوثة فلا !
كلما أوغلت في تأمل مبررات المؤلف يظهر علي السطح ذلك الجانب النفسي جليا , بل ستجده أيضا في ألفاظ المؤلف فهو يسرد انتقادا ما لرأيه ثم يرد عليه بعصبية قائلا – أو كاتبا – " يا مسكين ! ذلك من غباوتك . أونسيت .... الخ "
تلك العصبية هي ملمح مميز لرد الطرف الآخر عند الحديث عن المظالم التي تتعرض لها النساء أو انتقاد التمييز ضدهن . و هذه العصبية تفضح السلوك المتسلط الراغب في الحفاظ علي الهيمنة و الذي يستند دائما في تبريره إلي حجتين : حفظ النظام (كما يراه) ,و طبيعة الأمور ( كما يعتقدها ) . و تستوي في ذلك كل خطابات التسلط .
هنا – في مسألتنا - النظام الاجتماعي يقتضي دائما وجود الطرف الأقوي و الأفضل ليحتفظ بالسلطة و يمنع الفوضي . أما لماذا هو الأقوي و الأفضل .. لأنها طبيعة الأمور ...هكذا !
مؤلف السيوطي هذا ليس أمرا عارضا , بل هو نموذج لتفكير التيار التقليدي و الرئيسي في التراث الإسلامي للأسف الشديد ,و إذا كنت لا تظن ذلك فراجع هنا تفسير الرازي لآية " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا ..." ( سورة الروم 21) و تفسير ابن كثير لقوله :" و لا تؤتوا السفهاء أموالكم "(سورة النساء 5) . و غير ذلك كثير .
مشكلة هذا الخطاب ليست فقط في أنه يلبس إفرازات نفسية و اجتماعية لواقع معين ثوب التفسير الديني لنص مقدس , بل في أنه أيضا يمارس شكلا من أشكال المصادرة و التثبيت علي الخطاب الالهي و النبوي للبشر بوصفه نصا نهائيا مغلقا . فهو يعطي للخطاب ( النصوص ) مهمة تحديد النظام ( الكوني و الاجتماعي ) و حفظه مرة واحدة و للأبد ليصير بذلك نظاما ربانيا شرعيا . كما أن هذا الخطاب يصبح منوطا به تحديد طبيعة الأمور – هنا طبيعة المرأة – كأمر جوهري و ثابت الآن و غدا و للأبد .
ما يجعل مهمة هذا الخطاب سهلة أن النصوص الدينية , إن كانت مقدسة من حيث مصدرها المتعالي عن الزمان و المكان , فهي , بوصفها خطابا , لها جوانب أخري تاريخية و مؤقتة تحمل بصمات المخاطبين و ثقافتهم و لغتهم و واقعهم و ترتيب نظامهم الاجتماعي , فكل خطاب لا يحدد سماته فقط مصدره , بل يحدد سمات هذا الخطاب أيضا طبيعة المتلقي و غرض الخطاب و العلاقة بينه و بين الموجه للخطاب بالإضافة لمحددات الخطاب الزمانية و المكانية .
النزاع حول هذه النقطة ليس هينا في الجدل الإسلامي المعاصر . و لكني لا أظن نصا يفصح عن تاريخيته مثلما أفصح القرآن عن ذلك , فهو نزل مجزئا متجاوبا مع حركة الجماعة المؤمنة ,و كان تحديه مرتبطا ببلاغيات العرب و لغتهم , كثير من آياته نزلت إجابة علي أسئلة و مشكلات آنية . يذكر هنا و هناك أسماء بشر من المؤمنين و المشركين راويا أقوالهم و رادا عليها او مؤيدا لها أو مجيبا علي تساؤلاتهم .لا يمكنك أن تتخيل أن نصا كهذا هو غير ذي صلة بالزمان و المكان و أنه كان يمكن أن يتنزل بصورته هذه في مكان و زمان آخرين .
كما أن تبدل أوامر الوحي و نسخ الآيات بتبدل أحوال الجماعة المؤمنة و مرور الزمن القصير يجعل من القول بمفارقة نصوص الوحي للزمان و المكان قولا غريبا .
و إذا كان ذلك ينطبق علي الخطاب الإلهي فهو بحال أولي ينطبق علي الحكمة النبوية .
لم يكن هناك بد من الاستطراد الطويل السابق . فمشكلات المرأة لا يمكن فصلها عن مشكلات أخري تعترض ثقافتنا . فالتمييز ضد المرأة و الهيمنة علي مصيرها باسم ضرورات ما لنظام اجتماعي تضفي علي ترتيباته قداسة أو حتمية , أو باسم طبيعة المرأة الثابتة الجوهرية التي لا علاقة لها بالقالب الذي وضعها فيه مجتمعها و ثقافته السائدة , أو بدعوي الفوارق لصالح الرجل او ما فضل به عليها .. كل ذلك يجد في الدين معينا لا ينضب لتكريس دعاواه . و هو يتخذ نفس الاستراتيجية دائما . تثبيت هيمنة واقع اجتماعي معني و إلباسه ثوب القداسة و الديمومة و الاستعانة بنص ديني للتأكيد علي ذلك . مع تثبيت النص الديني و فصله عن سياقه التاريخي و استخدامه لاضفاء الربانية و الشرعية علي هذا الواقع للدفاع عنه ضد التغيير او لاستعادته كاملا مرة أخري كما يجب ان يكون أو كما كان في اللحظة الذهبية المتخيلة .
لا بد من الاعتراف أن الخطاب الديني بصورته الحالية و الكيفية التي يتعامل بها مع النصوص و مع الواقع لا يدع مهربا من القول بأنه يقف حائلا دون وضع أفضل للنساء في ثقافتنا و مجتمعاتنا . بل لا أعتقد أنه من قبيل المبالغة أن نقول أن كثيرا من محاولات " العودة إلي الإسلام " فيما عرف بالصحوة الإسلامية أو الإحياء الإسلامي قد أدي بنا أيضا إلي عودة بعض المظاهر الاجتماعية و الثقافية للجاهلية الأولي . هذا إذا كنا تخلصنا منها أساسا . و لكن الاكيد أن هذه المحاولات التي تتجاهل جدل الوحي و التاريخ قد ألبست مظاهر الجاهلية هذه – مثل النظرة للمرأة - ثوب الإسلام و أضفت عليها شرعية بل و أثارت نحوها حنينا , في مفارقة كبيرة .
بداية الطريق في رأيي الفصل بين ما هو أساسي من قيم و دعائم أخلاقية لحياة الإنسان و وجوده . باعتبارها الموضوع الأساسي للدين و عمودا فقريا ناظما لما هو متغير من قوانين و أعراف و تقاليد و نظم إنسانية ... و بين ما هو تاريخي من أحكام و تشريعات تمثل تطبيقات لهذه القيم و الدعائم الأخلاقية في لحظة تاريخية معينة . و إذا كانت هذه التطبيقات مثلت خطوة كبيرة نحو التحقق لما تحمله من قيم . فإن معني إستخلاف الإنسان من قبل الله هو قدرته علي تفهم هذه القيم و تمثلها و السير خطوات أخري وفق هداها .
ماء النهر الذي جري منذ سنوات كان آنذاك هو النهر , لكنه الآن ليس هو . و محاولة الاحتفاظ به في مكانه بإعتراض مجري النهر يعني مستنقعا آسنا . و الحياة تتطلب دائما ماءا جديدا جاريا .
01 July 2006
حجاب / عورة
من الطريف أن تتابع بين الحين و الآخر تلك الفصول من التشنجات " التنويرية " التي تعقب دائما واقعة حجاب إحدي الفنانات .... بينما التشنج " الديني " الذي لازم أشكالا من الاضطهاد المعنوي الذي ظل يطارد السيدات غير المحجبات باعتبارهن فلولا لعصر ما قبل " الصحوة الإسلامية " .. يحل محله تدريجيا هدوء واثق منتصر و روح دعوية وادعة, بل و خطاب دفاعي عن الحجاب ضد أشكال " التمييز" , يقدم في دفاعه كفالة الدستور المصري للحرية الشخصية قبل أن يذكر نص الدستور علي كون الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع , كما يذكر تقرير مركز " سواسية " الحقوقي التابع للإخوان المسلمين .
التشنجات انتقلت للطرف الآخر و لرموز يفضلون تقديم أنفسهم كشخصيات تنويرية . و تحت تأثير هذه التشنجات يمكنك أن تستمع إلي حديث المؤامرة التي تحيكها التنظيمات السرية للفنانات المعتزلات . و تفاصيل المؤامرة منتقاة بعناية من قصاصات " الأرشيف الصحفي " لصحف النميمة . و الخيوط الرابطة بين وقائع المؤامرة نسجتها أموال النفط , وخطط الغزو البدوي الوهابي للدين و للفن المصريين . و يكشف تتبع هذه الخيوط عن مؤامرات أخري يعلم أسرارها قراء الأغراض و النيات , و ربما تقودك إحدي هذه المؤامرات في تحليل ماركسي إلي علاقات بين جماعات التبشير بالحجاب و بين رأسمالية تجار ملابس المحجبات !
و ربما أيضا يقودك تحليلك لارتفاع أجر المحجبات بعد عودتهن المقترنة باهتمام إعلامي كبير, مثل ناقد شهير تناول نموذج حنان ترك , إلي اكتشاف مؤامرة سياسية تتجاوز التمثيل تجعلك تتساءل معه جزعا عما يراد بمصر بل و بالدين الإسلامي, علي حد تعبيره !
وهو – نفس الناقد - وجد ضرورة منطقية في الانتقال من مناقشة استشهاد حنان ترك بالسينما الايرانية كنموذج لامكان المحجبة اداء دور بطولة , إلي مناقشة الثورة الايرانية ذاتها و سرد رأيه تجاهها و تجاه دولة ايران التي تنتمي للقرون الوسطي في رأيه. ثم وصف مجلة الكواكب التي اهتم رئيس تحريرها بالسينما الايرانية بانها أصبحت في عهده منبر الإسلام في الفنون !
الأمر علي ما يبدو يبتعد عن الجدل الثقافي و الاجتماعي إلي وساوس قهرية " تنويرية " , تعوق من الأساس الرؤية الصحيحة للحجاب و حضوره في مجالات مثل الفن , كظاهرة ثقافية اجتماعية مركبة.
كما أنه يتجاهل في طريقه واجبات تقدمية مقدسة مثل الدفاع عن النساء المحجبات اللاتي يعانين من التمييز بسبب حجابهن و حرمانهن من مواصلة العمل في مجال الإعلام و السياحة و غيرهما . و يتجاهل أيضا التسلط الفج و التنكر و التجاهل الاستعلائيين لثقافة الجمهور في خلو مجالات بعينها عمدا من أي تمثيل للمحجبات, مثل العمل الاعلامي و الفني في القطاع الرسمي , بينما يشكلن الأغلبية في هذا المجتمع .
فأمام أحكام قضائية لصالح مذيعات تحجبن و أوقفن , يبرر المسؤولون في الإعلام الرسمي استمرار الإيقاف بأن الكفاءة هي المعيار الذي تسبب في إيقافهن .. لا أدري ما علاقة الإعلام الرسمي أساسا بالكفاءة , و لم تظهر فقط هذه المعايير في مواجهة المحجبات و تحديدا عقب تحجبهن مباشرة !
ثم لا يمكنك إلا أن تتعجب عندما تشاهد مسلسلات تليفزيونية – لا قدر الله - و أفلاما تتناول الشعب المصري الشقيق بل و أحيائه الشعبية ثم لا تجد فيهم فتاة محجبة واحدة . و لكن يبدو أن ذلك لا يثير عجب أحد , فالوصاية قد انتقلت إلي الفن الذي أصبح يري ما يريد و يغض بصره عما يؤذيه من عورات !
كيف يمكن أن ينادي البعض بالديمقراطية و صيانة الحريات الشخصية و احترام التنوع بينما يصمت علي ممارسات وصاية مثل هذه , مهما كان خلافه مع ثقافة الجمهور و اختياراته .
و بعيدا عن الواجبات التنويرية هذه , فان الرؤية التحليلية لظاهرة الحجاب و التعامل النقدي الهاديء مع خلفياتها الثقافية و الاجتماعية , قد اختفيا تقريبا ليحل محلهما خطاب متشنج ضحل يخفي حسرته علي قلة جماهيره و كساد خطابه بدفاع شرس عن النفس يستخدم تبريرات مكررة و مبتذلة, بل و عنصرية فجة تتحدث عن دور شيوخ النفط , و عن ثقافة الصحراء و الغزو البدوي للثقافة المصرية اليانعة التي لا أدري لم أصبحت بهذا الضعف في وجودهم .
ثم يتناسون دفاعاتهم الحارة عن حرية التعبير و هم يمارسون التنديد الدائم ببرامج الدعاة الجدد و الفنانات المعتزلات . و يقلبون أكفهم حسرة علي فوضي الفتاوي و تصدي كل أحد لها , ثم يطلقون النداءات للأزهر لكي يعود و يؤدي دوره كمؤسسة دينية رسمية تمثل " الإسلام المصري " , بينما في سياقات أخري يلعنون آباء المؤسسات الدينية و احتكارها للحقيقة المطلقة و تفسير الأديان و يشهرون سيوفهم التنويرية في مواجهتها رافعين علم حرية الجميع في التعبير و الاجتهاد .
هذا النهج الذي تفوح منه رائحة التسلط الأتاتوركي ينقض من الأساس دعاوي احترام التعدد و الاختلاف . كما أنه يساند , بفعل الاستقطاب , ممارسات مماثلة علي الجانب الآخر , تضع الحجاب في مكانة المتفق عليه بلا جدال و تقصي تماما أي رأي مخالف. ... بينما يتورط هو في المقابل و يكرس خطابا قمعيا مقابلا يتحول فيه الحجاب , بلا جدال أيضا , إلي عورة .