
عزيزي شريف ،،

عزيزي شريف ،،

"مدونة الشروق " : كلمتان في مستطيل صغير في أعلى يسار أغلفة الكتب الثلاثة " أرز باللبن لشخصين " لرحاب بسام و " أما هذه فرقصتي أنا " لغادة محمود و" عايزة أتجوز " لغادة عبد العال, استثمرتا ثلاثة أعوام من الجدل حول " التدوين" و " المدونات " و " المدونين ".
بهاتين الكلمتين و بحنكة صانعي الكتب, وضعت " دار الشروق" بين أيدي قطاع أوسع من الجمهور ما أوسعته كل وسائل الإعلام تغطية و تحليلا و جدلا, محاباة أو معاداة .
وقفت التجربة فوق جبل عال من الكلام عن " ظاهرة التدوين ", و في نفس الوقت تجنبت كل ما يمكن أن يثير القلق وهي تنقل مختاراتها من الفضاء المتحرر من كل القيود إلى أيدي جمهور لا يمنعه فضوله نحو ما يتجاوز المحظور من أن يكون أغلبه أكثر محافظة من الرقابة الرسمية أو التي تبتز الرسمية مزايدة ً.
المدونات المختارة بعيدة عن السياسة بمعناها المباشر,و هي أبعد عن جدل تجاوز الخطوط الحمراء موضوعا أو أسلوبا. و لكن أنماط الكتابة في الكتب الثلاثة التي اشتركت في طابع اليوميات الذاتية و تنوعت بين أشكال مقاربة للقصة القصيرة أو المقال الساخر أو السيناريو.. أنعشت جدلا آخر حول جدوى نقل كتابة, ارتبطت بوسيط الإنترنت و فضاء المدونات, إلى وسيط الورق و عالم الكتب.. و حول إطلاق مسمى " الأدب " على هذه الكتابة.
ساحة جديدة
يقول القدماء " لا مشاحة – أي لا مشكلة – في الاصطلاح " , و ما وراء قولهم هذا أن المشاكل لا تنتهي بسبب الاصطلاح . أو تحديدا بسبب التعامل مع المصطلح بدون استحضار عملية " الاصطلاح" نفسها و وظيفتها.
و مصطلح " التدوين " لا يمكن أن يكون صالحا إلا للتعبير عما يجمع أشتاتا متنوعة لا نهائية الأنماط من الكتابة التي يضمها وسيط " مدونات الإنترنت " . ربما كان من صمم القوالب الأشهر المتاحة مجانا على الشبكة قد أعدها لتشبه دفتر يوميات مرتب حسب تاريخ الكتابة . و لكن هذه القوالب و غيرها قد استخدمت في طيف واسع من الاستخدامات يتنوع بين تسجيل اليوميات الشخصية الحميمة, و بين نشر صور و قصص و أشعار و ربما روايات و مقالات و دراسات و لا ينتهي بنشر البيانات السياسية لحركات و تجمعات .
أغلب الحديث عن " التدوين " هو تعميم مخل إلا فيما يتعلق بالوسيط و ما يتعلق به, مثل كونه أداة مجانية و متاحة لمستخدم الإنترنت العادي يمكن له أن ينشر فيها ما يشاء بلا رقابة ,و يمكنه أن يسمح بإمكانية تعليق القراء بالضوابط التي يحددها صاحب المدونة, و لكن عليه أن يتحمل تبعاتها في ظل وجوده داخل شبكة من المدونات التي تشكل مجتمعا من الكتاب و القراء بالتبادل .
و مثلما تم استخدام مصطلح " التدوين " في أحكام تعميمية مخلة فيما يخص السياسة, وكان يمكن أن تقرأ في صحف ذات مصداقية أن " المدونين المصريين " يقولون كذا أو يفعلون كذا ! .. فقد استخدم مصطلح "المدونات الأدبية " لإصدار أحكام ليست أكثر إحكاما و لا أقل تعميمية, و هذه الأحكام كانت في انتظار " المدونات الثلاث " التي أصبحت كتبا.
ملامح مشتركة
لا مجال إذن, و لا هو من الإنصاف, إصدار أحكام تخص ثلاثتهن إلا فيما يتعلق بالسمات التي تخص المدونات جميعها أو السمات المشتركة التي جعلت إصدارها في كتب ممكنا . فمدونات الكاتبات الثلاث تتميز بنوع من وحدة الموضوع و الأسلوب يناسب عمل كتاب من مختارات منها . فضاء المدونات لا يتسم فقط بتنوع موضوع كل مدونة, بل بتنوع موضوعات و أساليب المدونة الواحدة, فلا يجمعها معا إلا ذات المدون . و لكن مدونتي " حدوتة " لرحاب بسام و " مع نفسي " لغادة محمود تتمتعان بوحدة و تقارب في الأسلوب و الموضوع , فكلاهما لا تبتعد عن طابع اليوميات مكتوبة بلغة أدبية أو قطع أدبية تتخذ من اليوميات موضوعها , أما مدونة " عايزة أتجوز" فهي مخصصة بالكامل لموضوع الزواج و ترتيباته و تقاليده بأسلوب الحكي الساخر ليوميات متخيلة أو حقيقية أو مزيج منهما .
رغم الوحدة النسبية للطابع و الأسلوب لكل مدونة , يبدو ظاهرا أيضا تفاوت إحكام و جودة النصوص في المدونة الواحدة ثم في الكتاب الواحد, فنصوص المدونة تكتب و تنشر منفردة, كل منها يظهر فيه روح مختلفة و حساسية جمالية مختلفة, كل منها يصح أن يكون " نصا " مستقلا, و هو ينشر في الأصل كـ" تدوينة " مستقلة عما قبلها و بعدها . كما أن النصوص المنشورة لم تخضع للتحرير قبل نشرها في كتب إلا في نطاق محدود للغاية لا يتجاوز إضافة هوامش توضيحية قليلة .
يمكن أن نلحظ أيضا أن البساطة هي سمة أسلوبهن جميعا, غادة عبد العال لا تستخدم إلا العامية , رحاب بسام و غادة محمود تستخدمان الفصحى البسيطة القريبة و أحيانا العامية . كما أن ما يكتبن عنه هو أقرب للحياة اليومية للعديد من القراء من الطبقة الوسطى بالأساس , من كتابات شابة أخرى تعبر عن حياة هامشية و متمردة ومختلفة و بعيدة .
رقصات مختلفة
و لكن البساطة و القرب لا يعنيان النمطية, و إلا ما كان لكل كاتبة منهن جمهورها على الإنترنت, الذي لاشك وجد شيئا مختلفا .
فـغادة عبد العال تتميز بحس ساخر و خفة ظل و حكي سلس, تناقش بملاحظة ثاقبة مشاكل البنات الاجتماعية و تنقد التقاليد نقدا لاذعا بدون أن تعلو منصة "نسوية", فتشعر قارئاتها خصوصا بالألفة و تكتسب ثقتهن . لا تبارح ذهنك صور نصوصها التي تصلح مادة لسيناريوهات كوميدية رائعة .
غادة محمود تمتلك حسا مرهفا تعيد من خلاله رسم يومياتها كلوحات حالمة, و تتجاوز حواجز الواقع البارد أو القاسي عبر كلماتها المحلقة التي تتشبث بالتفاصيل الحميمة لتصنع عالما أكثر دفئا و حميمية , و لكنها تجعله أكثر تحليقا و غموضا وهي تتحدث عن حبيبها , و لا تفصح أكثر إلا بعد أن يصبح زوجها . ترقص رقصتها الخاصة بينها و بين نفسها و مع شريكها و لا تجد مشكلة في محافظتها بينها و بيننا على غطاء رأسها , و لكنها تعبر - في نص لم ينشر في الكتاب - عن حبها للخصلة التي تشرد و تخرج من إطار الإيشارب و تذكرها أنها لا زالت موجودة !
رحاب بسام تصنع صفقة بين يومياتها و الأدب عبر " الحدوتة ", تمتلك مقدرة سردية و روائية لافتة , تلون من خلالها الأشياء بألوان زاهية و مبهجة , تتأمل حياتها و تتفلسف عبر تفاصيل عالم الأطفال : مراوحة المرجيحة و المقارنة بين الآيس كريم و الحب , أو عبر تفاصيل "بناتي" مثل ما يبدو و كأنه طريقة لتحضير الأرز باللبن لشخصين .
في نصوصها تحيا -أو تحيا شخوصها- حياة بسيطة للغاية و في الوقت نفسه تحافظ على أفكارها حرة و وحشية . لا تتنازل في حواديتها عن طلب كلا من " جمال الدنيا و حقيقة الأشياء ".. هي تريدهما معا و تحتفظ في حقيبتها بملصق ملون عليه وصية من صديقة : " لا تكبري أبدا ".. و تبدو الكتابة بالنسبة لرحاب تمسكا الوصية .
على مسرح مختلف
لا تخفي الكاتبات في حواراتهن نواياهن ومشروعاتهن الأدبية, التي يتحمس لها البعض و يتحفظ البعض الآخر . و لكن لا يمكن بحال محاكمة كتبهن بالاحتكام إلى القوالب الأدبية المعروفة , فكتبهن من نوع مختلف يمكن تشبيهه بالكتب التي تجمع مقالات صحفية, لا يمكن الحكم عليها إلا بتخيلها في وسيطها الأساسي . و لكنها هذه المرة تجمع ما يسميه أكثر المدونين بـ " التدوينات " المفردة, و يكون من غير المناسب محاولة مقارنتها بالنصوص الأدبية التي تم كتابتها لتنشر متجانسة بين دفتي كتاب .
لا يحتاج الأمر فحسب لحساسية مختلفة للتعامل مع هذه النصوص, بل ربما يحتاج لنظرة جديدة و أدوات جديدة و ربما نقاد جدد يتفاعلون مع ما يكتب على المدونات في سياقه و وفق إيقاعه, و يتذوقون كيف يبني صاحب المدونة سياقا يتعلق بشخصه و أفكاره و مشاعره, يشكل خلفية لنصوصه المفردة " التدوينات " لتعطي مذاقا جماليا مختلفا لا يتوفر لقراءة النص منتزعا من هذا السياق.
ربما من هذه الزاوية يمكن التحفظ على بعض ما يخص " الكتب " لا النصوص , و تحديدا عملية النقل نفسها من وسيط لآخر . ففي كتابي رحاب بسام و غادة محمود تم استبعاد النصوص الأكثر تفاعلا مع اليومي من فاعليات و أحداث, أو تفاعلا و تناصا مع وسط المدونات نفسه عبر روابط لمدونات و كتابات آخرين , و هو ما كان كفيلا, بعد تجاوز عوائق الوسيط عبر الهوامش و الإشارات مثلا بإبراز جانب أكبر من جمالية كتابة نوع من المدونات. كما قد يربك القاريء عدم الإشارة لكون نص مثل " عالم صغير " في كتاب رحاب بسام , قد كتب كقصة قصيرة . فالكاتبة قد كتبته بضمير المتكلم و لكنه يعطي انطباعا مختلفا عن باقي النصوص التي تبدو متسقة في دورانها حول حياة الكاتبة . كما يمكن التنبه أن وجود تاريخ النص أو " التدوينة " ضروري أحيانا لنفهم متى تحديدا و لماذا كتبت رحاب أنها وضعت قطعة من علم مصر بدلا من قطعة من الحطة الفلسطينية في محفظتها . كما يمكن أن يكون التاريخ دالا مهما و خلفية لإشارة رحاب عن حادثة تحرش جنسي أو حديثها عن كيف يبايعون الرئيس في شارعها . ربما كان ذلك قريبا للذاكرة الآن و لكن لن يكون كذلك بعد فترة. النص على المدونة هنا يحتفظ بسياقه الذي يفتقده النص في الكتاب .
بخلاف ما سبق, فقد اتخذ بعض النقاد المرموقين مدخلا لنقد الكتب الثلاث من السؤال : هل تمثل هذه النصوص أدبا ؟ هذا يعيدنا لمشكلة الاصطلاح, و لكن إلى مصطلح " الأدب " هذه المرة . سؤال " ما الأدب ؟" الوجودي لا يقدم إجابات باستثناء التي تقدمها محاولة للاقتراب و تأمل جماليات " إبداع أدبي ما " و الوقوف علي وسائلها , و لكن العبث نفسه هو محاولة وضع الحدود و المعايير التي تسعي لتقييم إبداع آخر مغاير.
النزاع حول مفهوم " الأدب " يمثل باستمرار نزاع بين حساسيات و معايير مختلفة . و لا يحدث هذا النزاع إلا في حالة النجاح الجماهيري الكبير لكتابة ما تعتبرها " جماعة الأدب " – أي أكثر الأدباء و الناشرين و النقاد و الصحفيين - مخالفة لمعاييرها , أو بعد انشقاق في " جماعة الأدب " حول موضوع ما , قصيدة النثر مثلا .
المفارقة هنا أن حماس الكثير من المدونين للنشر الورقي, ليس فقط من أجل الوصول لشرائح أوسع أو أكثر تنوعا من القراء . فعدد زوار مدونة من المدونات المشهورة في أسبوع ربما يفوق عدد نسخ طبعة أو طبعتين من رواية أو ديوان , و الزوار متنوعون تنوع مستخدمي الإنترنت, وهم من كل قراء العربية في كل مكان و ليس في مصر وحدها ... المفارقة أن حماسهم في الغالب هو لنيل رضا " جماعة الأدب " و الدخول فيها, فلفظ "مدون " لا زال يحمل ظلالا مراهقة و نزقة و تشي بطابع الهواية لا الاحتراف, بينما يطمع الشاب " المدون "- طمعا مشروعا بالطبع - في أن يتم تقديمه كشاعر أو روائي أو قاص .
الخوف من الارتجال
كم هو محبط إذن, أن يتخذ بعض النقاد و الأدباء من " جماعة الأدب " المرموقين موقفا عنيفا لا من تجربة الكتب الثلاثة وحدها , و لكن مما يسمونه " المدونات الأدبية " أو " الأدب في المدونات " . و ربما كان موقف الناقد د. محمد عبد المطلب هو الأكثر عنفا على الإطلاق, حين يصرح للأهرام العربي – في التحقيق الذي أجراه مصطفى عبادة - بأن " هذه المدونات, وما يكتب فيها وعنها, هو تزييف لعملية الإبداع الحقيقية " و رغم قوله أن ما قرأه منها قليل إلا إنه يعتقد أن " أصحابها ليسوا موهوبين, وإنما لديهم وسيلة سهلة للنشر, وهي وسيلة بلا رقابة وبلا متابعة نقدية أو تقديم حقيقي لها, ومن ثم فإنها تنطلق إلي آفاق تعرض الإبداع الحقيقي للخطر, نتيجة لسهولة الوصول إليها, دون تكلفة مالية, وتكمن خطورتها في تحولها من الشبكة العنكبوتية إلي الكتاب المطبوع "
بل يصل الحكم إلى المدونات في عمومها فيقول أن " هذه المدونات وراءها وسائل للإنفاق عليها, وهي وسائل وأموال مشبوهة إلي حد كبير جدا " ! و الفقرات بين المزدوجتين حرفيا من نص التحقيق . و هي تكشف عن صورة سلبية للغاية لوسيط " المدونات " نفسه, بما يحول دون تفهم الكتابة المختلفة المرتبطة بهذا الوسيط . و التهمة التي من المفترض أن يحتكرها حصرا الإعلام الحكومي و التي تتعلق بالتمويل المشبوه , تنقض نفسها في فقرة أخرى عندما يقول أن هذه الوسيلة "دون تكلفة مالية " , و هذه فعلا هي الحقيقة البسيطة فالمدونات متوفرة مجانا عبر خدمات تستفيد من عدد مستخدميها و زوارها عبر الإعلانات مثل كل وسائل الإعلام .
كما أني أعيذ الناقد الكبير أن ينطلق من هذه الصورة للمدونات, إلي التعميم فيما يخص " موهبة أصحاب المدونات " أو الحديث عن " ما يكتب في هذه المدونات " و هو ما يشبه الحديث عن " ما يكتب في الورق "!
و ربما يغيب عن هذا التعميم أن العديد من الأدباء الشباب و بعض الكبار لهم الآن مدونات ينشرون فيها كتابتهم و يجربون فيها أشكالا مختلفة من الكتابة . كما أن " موهبة أصحاب المدونات " قد نالت حفاوة نقدية في كتب أخرى نشرت في دور مختلفة بعد نشرها على الإنترنت . مثل " شغل كايرو" لمحمود عزت عن "ميريت" , و "روجرز " لأحمد ناجي و " أسباب وجيهة للفرح " لعمر مصطفى عن "ملامح" , و " ديكورات بسيطة " لأحمد الفخراني عن " أكتب " . النماذج السابقة كلها رغم أنها نشرت أولا على الإنترنت و في مدونات إلا إن ما يجمعها أن معظمها كان شعرا, و هو ما يمكن التعامل مع كل نص منه بشكل مستقل و الرواية الوحيدة "روجرز" كانت منشورة بشكل مستقل عن مدونة صاحبها رغم أن كاتبها ضمنها بعضا من "التدوينات" .
في نقد الكتب المذكورة وغيرها, لم يتم التطرق لـ " موهبة أصحاب المدونات " لأن دور النشر لم تشر لهذا بشكل واضح , أو لأن النصوص استقرت في قوالب أدبية قريبة من " جماعة الأدب " أو بعضا منها . و يبدو أن المشكلة هي في الحاجة للتعامل مع الوسيط الجديد وسياقه و نصوصه المرتبطة به . أو أنها في التخوف من تحرر هذا الوسيط الذي يوصف بأنه " بلا رقابة و لا متابعة نقدية و لا تقديم حقيقي " و هذا صحيح . و يحق لمن يخاف من هذا أن يخاف, و يحق لمن يتفاءل أن يتفاءل. فحرية الكاتب في الالتقاء بجمهوره تزداد, و سلطة الناشر و الناقد تخفت. الرقابة تختفي, ولكن التقديم و المتابعة النقدية يمكن أن يستمرا و يصحبا الإبداع في فضائه الحر إن أصبحا أصدقاء للقاريء الحر, لا أذرعا لسلطة النشر أو سلطة إلقاء الأضواء الإعلامية .
قد يبدو المشهد مختلفا بعد سنين. قد لا يروق للبعض , و لكن لا أعتقد أن كثيرين آخرين يضرهم أن تكون عملية الإبداع – أو أشكال منها - كتحضير أرز باللبن لشخصين فقط , كاتب و قاريء , و قد يتبادلان الأدوار- ولكن لا وجود لعاذل أو طرف ثالث متدخل بأي شكل - يقدم أحدهما ما يحب كما يحب هو أو كما يحب الطرف الثاني أو كلاهما . و يتذوقاه معا فيستمتعا لأن المذاق جميل بالنسبة لهما, و على الأرجح لا ينفصل جماله عن نوع ألفة و قرب تنشأ بينهما .
ما أتفق مع علاء سيف بشأنه هو أن هناك فجوة بين صورة الواقع في الصحافة المصرية و بين الواقع نفسه. أكثر من تجربة شخصية أقارن فيها بين ما أعرفه عن موضوع أو حدث ما اقتربت منه أو انخرطت فيه , و بين ما نشر في الصحافة, أجد الأمر مأسويا و مزريا .
ليست الصحافة وحدها , بل السياسة أيضا , فالصور التي يكونها " الوسط السياسي المعارض" عن الواقع يسري عليها هذا الأمر أيضا, و نموذج ذلك ما كتبته عن تعامل الصحافة و المعارضة مع الحقائق البسيطة في قضية خصخصة عمرافندي, بغض النظر عن الموقف منها, أتكلم فقط عن الحقائق المعلوماتية البسيطة الغائبة أو المغيبة بدافع الاستسهال أو تعمد إعادة إنتاج نفس الصورة التي يجب أن تظهر فيها الحكومة بمظهر الشيطان, لكي يمكن أن تتخذ المعارضة موقفا بسيطا مواجها و تصير ملاكا مجنحا..
الصحافة و السياسة مجالان , مثل مجالات أخري كثيرة , يصيران أقرب للانحراف و الفساد إن لم يجدا تصحيحا ما من قبل الجمهور, أو من قبل منافسة حقيقية علي الجمهور .
في الصحافة كما السياسة, الجمهور يستهلك ما يؤمن به مسبقا : صور الشياطين و الملائكة, و صور الأشرار الجبابرة المتغولين الذين لا قبل لأحد بهم . لا مجال أصلا لكي يتعامل الجمهور مع ما يصدره إليهم الصحفيون و السياسيون من معلومات و أفكار , بحس نقدي .. سواء منهم من أعرض عن الشأن العام و قضاياه فهي عنده من ظواهر الطبيعة أو كالأقدار لا يملك فيها دورا و لا لها دفعا , أو من يهتم منهم بالشأن العام علي طريقة التعاطف مع جموع الملائكة في مواجهة الشياطين. لذا فالصحافة و التيارات السياسية مستمرون في إعادة إنتاج نفس الصور بكفاءة و دأب و حماسة . و بالتبعية تتحول المنافسة لكسب الجمهور من مجال تقديم خدمة مهنية متميزة, بالنسبة للصحافة , أو تقديم صور صادقة للواقع و رؤي بديلة نقدية علي أرضية هذا الواقع في مجال السياسة .. إلي التباري في درجة شيطنة الشياطين ,أو في مستوي خفة ظل السخرية المريرة العاجزة أمام الواقع الذي يسيطر عليه هؤلاء الأبالسة .
هذا المناخ العام الذي يشد إليه حتي التجارب السياسية و الصحفية التي تحاول أن تكون مختلفة , لا يبدو لي أن مواجهته يمكن أن تقتصر علي مبادرات سياسية أو صحفية جادة , بل يتوقف بالضرورة علي مشاركة من جمهور ناقد و مهتم , ليس ذلك فحسب بل و منحاز أيضا ... ليس بالضرورة للتجربة السياسية أو الصحفية, بل منحاز و مهتم بضرورة خلق مجال عام أكثر احتراما و عقلانية و شفافية.
و هنا أختلف مع علاء في نقده العنيف لجريدة البديل لما اعتبره تلفيقا و نسبة ما لم يقله إليه في تحقيق صحفي , و مبالغته في الهجوم علي التجربة الجديدة برمتها, و الدعوة لمقاطعتها , بشكل رأيته عدوانيا بعض الشيء .
طبعا أتفهم غضب من يفتح الجريدة في الصباح فيجد عكس ما يؤمن به يروى علي لسانه, و لكن اختلافي مع تعبيره سببه أن علاء نفسه مهتم بالصحافة الشعبية علي الإنترنت , و هي بالإضافة لكونها صحافة أخري موازية , فهي يمكن أن تكون أحد وسائل الجمهور الناقد و المهتم للمشاركة في تصحيح أخطاء و عثرات الصحافة التقليدية , لذا فإن رد الفعل الواعى بهذه المهمة لا يجب أن ينزلق للعدوانية تجاه التجارب الجديدة أو أشخاص الصحفيين .
بالإضافة للمناخ العام السابق ذكره , و بعيدا عن أي صحيفة أو صحفي بعينهما , فاحتمالات سوء النية أو التلفيق العمديأو التردي اللامسؤول للمهنية الصحفية ... كلها واردة , و لكن افتراض ذلك مسبقا هو نوع من إعادة إنتاج صورة مشيطنة جديدة و لكنها هذه المرة للصحافة نفسها باعتبارها مجالا فاسدا ابتداء , و ليس لأسباب يمكن مواجهتها . فينتهي الأمر إلي دوران في الدائرة المغلقة ذاتها .
فالأمر كما يحتمل ما سبق فهو يحتمل أيضا الخطأ غير المقصود في فهم كلام المصدر أو في اعادة صياغته و اختصاره لدواعي صحفية, و ربما يحتمل خطأ فردي لصحفي, تلفيق أو غيره , لا يستدعي بالضرورة حكما علي الصحيفة بأكملها , فرئاسة التحرير لا يفترض أنها تملك خلفيات مكتملة لكل موضوع تمكنها من الحكم علي مدي صدق النقل عن المصادر أو الجزم بصحة خبر ما .
و لكن ما يصلح لهذا و ذاك هو رد الفعل المهتم و المنحاز لمجال عام أكثر شفافية , الذي يهتم بالرد و التصحيح عموما, و يهتم أيضا بوصول الرد لهذه الجريدة لاختبار صدقيتها, و استعدادها لتقبل النقد و التصحيح. و يصعب الحكم علي ذلك إذا أحال المنتقد هذا الاختبار لأزمة بمزجه انتقاده و تصحيحه بسباب مقذع للجريدة و الصحفي.
كنت أود أن أكتب شيئا أقل إشكالية , علي سبيل الدعاية لجريدة " البديل " التي أنحاز إليها , و لكن ما كان يمكن تجنب الحديث علي خلفية هذه الأزمة الصغيرة . ربما كان ذلك من حسن الحظ, لكي يمكن أن أقول أنني منحاز للبديل و أدعوكم للانحياز إليه ليس لأنه آت من الفردوس بالبديل الجاهز و لكن لأنه محاولة لانجاز هذا البديل عن طريق تقاطع بين الصحافة والسياسة يتجنب المناخ الرديء إياه , فالتجربة الصحفية و أصحابها يعلنون انحيازهم السياسي الواضح المتجه يسارا , بما يعني التعبير عن مصالح أوسع دائرة من الناس تشمل بالضرورة المقهورين و المهمشين و المحرومين من الفرص, و يتجنبون الحياد الذي تبدو عليه تجارب أخري , أعني تحديدا " المصري اليوم " رغم كفاءته و مهنيته العالية , بينما الحياد وهم .
الانحياز يسارا , كما أراه , لا يعني ابتذال حالات البؤس لاستخدامها في السجالات و الحديث باسمها , و لكن النظر النقدي للواقع و إمكانات تجاوزه و محاولة البحث عن البديل الممكن . البديل الذي لا يلامس الأحلام البعيدة ادعاء , و لكنه يخطو خطوة ممكنة باتجاهها .
التجربة الصحفية المتزنة التي يمكن أن تجعل ذلك ممكنا هي التي تتجنب الشيطنة و ممارسة المعارضة كهوس محموم و حديث زاعق عن رؤوس النظام , و لكن تلتزم بالأمانة في النظر للواقع و تفاصيله بغرض التامل في البدائل التي يمكن ان تجعل للناس طريقا إلي وضع أفضل .
إلي الآن , بينما لم يمر علي صدور البديل الكثير, يمكنني بوضوح أن أراه يسير في هذا الاتجاه و ينحاز بهذه الكيفية , و إن لم ينجز ذلك يمكنني أن ألمس ما يحاول أن يكونه.
لا أحد يدعي أن البديل جريدة ممتازة تجاوزت كل مشكلات الصحافة المصرية, البديل تجربة ممكنة لو توفرت جهود و إرادات تريد لها أن تكون . و لعلي أظن أن الأمر ليس فقط معقودا بإرادة صناع التجربة, بل أيضا بإرادة جمهور يساند التجربة و يشارك فيها مهتما و ناقدا و منحازا, إن لم يكن للاتجاه السياسي فعلي الأقل لصالح توافر نوافذ صحفية حقيقية و مختلفة .
خبر اعتقال شاب من الإخوان المسلمين في مصر, هو بالضبط ما يضرب له المثال في أدبيات الصحافة التعليمية أن كلبا عض رجلا .. لا جديد, و لا ثمة ما يدهش, و لا ما يستوجب التساؤل.
لا يتعرض جميع أعضاء الإخوان للاعتقال بالطبع, و هذا فقط لأن الجماعة كيان ضخم للغاية بما يفوق قدرة أي نظام علي غمره بالاعتقالات الدورية. و لكن في المعتاد الاعتقالات تصيب الكوادر الأكثر نشاطا و بروزا, و هي مستمرة بشكل شبه منتظم و كثيف.
بعضها نسمع به , تقرأ مثلا في الصحف عن اعتقال 50 من قيادات الإخوان بالغربية, و البعض الآخر روتين حياتي بالنسبة لأمن الدولة و نشطاء الإخوان, اعتقالات قصيرة و استجوابات سريعة و ربما بعض التعذيب ثم إطلاق سراح.
روتين اعتقال الإخوان يبدو لي مثل ضربات إرهاق الخصم في الملاكمة, فإصابته بالقاضية غير ممكن, و لا يمكن لاعتقال فرد أو أفراد أن يؤثر جذريا, فالتنظيم الشديد المؤسسية لا يتوقف علي أي فرد, كما أنه لا وجود لكاريزمات فاعلة و استثنائية , باستثناء عدد من الكاريزمات الإعلامية, و ارتباط جماهير الإخوان بالجماعة ارتباط لا شخصي, و إن وجد فهو موزع علي شخوص الكوادر الوسيطة في دوائرها الصغيرة. الاعتقال الطويل لبعض القادة هو كذلك نوع من محاولة الإرهاق الأعنف لرأس التنظيم الضيق بما ينتاسب مع مكانتهم.
اعتقال عبد المنعم محمود لم يكن إذن ليصبح حدثا استثنائيا أو جديدا أو مثير للعجب. و لكن ليس بعد أن أصبح عبد المنعم مدونا شهيرا, و الأبرز ضمن موجة صاعدة من المدونين الأعضاء في الإخوان المسلمين .
الآن يمكنني أن أتخلي عن مثالي الأثير فيما يتعلق بأخبار اعتقالات شباب الأخوان : مثل موت بيادق الشطرنج. بينما يظهر علي السطح معتلقو التيارات الأخرى لحم و دم , و وجوها ذات ملامح, و أفرادا يملكون تاريخا و مآثر و حكايات و أصدقاء. حتى الخمسين معتقلا من قيادات الأخوان بالغربية – كمثال - لم نكن نعلم شيئا عن ملامح أحدهم أو مأساته الخاصة, لم يكن ليصل إلا وجوه و حكايات البارزين إعلاميا في واجهة الجماعة, و ربما بعض أساتذة الجامعة , و بعضا من أعضاء مكتب الإرشاد و مجلس شورى الجماعة.
إن كان ثمة شيء جيد في ما حدث و يحدث, فهو بالتأكيد أن نرى و نسمع – علي الملأ – وجوه و أصوات الأصدقاء من شباب الإخوان المسلمين, أن تكون المدونات الشخصية وسيطا لرؤية الملامح و سماع النبرات المختلفة, لكشف مآزق الأفراد و معاناتهم الخاصة, بدلا من التقارير الصحفية و البيانات و التصريحات التي تحيل البشر لأرقام أو أجزاء من كتل كبيرة لها شخصياتها الاعتبارية السابغة.
بعد حملة التضامن مع طلاب الأزهر في قضية العرض العسكري , و مدونات أبناء المحالين للمحاكمات العسكرية , ثم حملة التضامن مع عبد المنعم محمود , يدور الآن جدل حميد حول كون الفرد الإخواني في المقام الأول فردا يدون أم إخوانيا يدون. و هل يتبع قناعته الخاصة فيما يتعلق بفاعليات سياسية يدعي إليها الأفراد, أم يلتزم بتعليمات قياديي الجماعة.
إن كان التنظيم هو أول ما يفتقده المجتمع المصري - الفكة حاليا - ففي رأيي أن الإخوان المسلمين كتنظيم يحتاج للجدل السابق, و للتساؤل حول وضع الفرد داخل الجماعة و مساحة الاجتماع المفترضة بين الأفراد ,و حدودها و هل هي رؤية دينية ما أم تتجاوز ذلك , و هل تفترض بالضرورة رؤية سياسية موحدة , و هو السؤال الذي يلخص ما أراه مشكلة الإخوان البنيوية.
و لكن لنجعل هذه اللحظة للوقوف صفا واحدا : الحرية للإخوان فردا فردا, الحرية لعبد المنعم .
بعض المشاغل حالت بيني و بين نصرة أخي محمود – ظالما أو مظلوما – في المشاجرة التي نشبت بينه و بين "معلم" قهوة كتكوت. و لولا أني علمت متأخرا, لتطايرت في القهوة كراس و أشلاء. و لكن الله سلم و لقن محمود " المعلم " درسا.
الدرس الأهم أن المنتديات ذات المشرفين و المعلمين قد عفا عليها الزمن و عفا الله عن الكتاب أن يراقب كتابتهم مشرفون علي الاندثار, مثلما هي المنتديات, منذ أصبح في مقدور كل إنسان يستعمل الكمبيوتر, أن يكون مشرف مدونته الشخصية .
لا مجال للمقارنة بالطبع بين مدونة شخصية , و بين منتدى يراقبه مشرفون و له لائحة ضوابط و محاذير . و إن كانت للمنتديات بعض الميزات, مثل إتاحة عدد كبير من القراءات لكل المشاركات في المنتديات النشطة العريقة, بالإضافة لترتيب الموضوعات بحسب ارتباط المكتوب بمجال أساسي, و ليس بالكاتب, منتديات أو أقسام تهتم بالأدب , أو بالسياسة, أو بالدين .. و لكن يبدو لي أن من التقنيات ما يعوض ذلك بحيث يجمع بين الحرية الكبيرة في المدونات للكاتب الفرد و بين إمكانات التواصل و جمع المكتوب في مجال واحد في المنتديات .
المجامع أو المجمعات, أيا كان اسمها- مثل مجمع المدونات المصرية مثلا - يمكنها أن تكون بديلا عن صفحة المنتدي , تجمع تدوينات مجموعة من المدونين المهتمين بموضوع أو مجال ما , و إن كان الكتاب أو المدونون يكتبون في موضوعات متنوعة يمكن للوسومات أو التصنيفات أن تفيد في المجامع المتخصصة , أو في أقسام متخصصة داخل المجمع الواحد .
المجامع أو المجمعات تكون في هذه الحالة منتدي مفتوح لكل القراء , و يمكن حصر عضوية كتابه أو تركها مفتوحة بحسب اتفاقهم , و الصفحة التي تجمع الموضوعات المكتوبة و ترتبها بالأحدث كتابة أو تعليقا بديلا عن صفحة المنتدي التي تجمع المشاركات , و لكن هنا كل موضوع مكتوب أو تدوينة هي ملك خاص لكاتبها, فهي صفحة من مدونته هو مشرفها الوحيد .و وجود المجمع هو وجود هام و مفيد لكل المدونين و الكتاب و لكنه وجود مكمل لوجود مساحاتهم الخاصة المستقلة, المدونات, التي يمكنها ان تجمع بين عضوية مجامع أو مجمعات متعددة .
ما سبق مقترح انطباعي بدا لي ممكنا بحسب معلوماتي القليلة حول تقنيات مواقع الإنترنت , و بالتأكيد لدى الجناح التقني لتنظيم 30 فبراير و لديكم أفكار أفضل, فلتتفضلوا ...
أخيرا ... و بعد مناوشات بيننا كادت أن تتطور إلي اشتباكات بالأيدي , رضخ شاعري المفضل و الكسول , لأمري , و افتتح مدونته منذ أيام ...
مدونة ( نور ) لصاحبها أخي الأوسط محمود ( قريبا ... يأتيكم الأصغر و الأخير من آل عزت ان شاء الله )
http://nournour.blogspot.com
محمود دون قصائدا عامية في البداية كنوع من السلامات المرحة ...... انتظروا له أيضا كوارث فصحي .
و لمن هو في عجلة من امره, ابحث في مجلة " أفق " الالكترونية أو ملتقي الأدب العربي .
من أعجبه منكم شعره , فعليه بتعليقات شديدة اللهجة أو رسائل تهديد لكي يواصل تدوينه بشكل منتظم .