
عزيزي شريف ،،

عزيزي شريف ،،
ببساطة أحببت الاحتجاج دائما لأنه بديل عن السباب العالي الذي يستحقه ولاد الوسخة، ولأني في لحظة التظاهر والاحتجاج أكون مع من أحبهم داخل كردون، يصنع الكوردون لحظة خالصة رومانسية، حالمة ويوتوبية وكأن الكردون يرسم خطا فاصلا بيننا وبين عالم بنت وسخة. أنت تعرف أنه ليست لدي توقعات كبيرة فيما يخص الإنسانية، لذلك فإنني متفائل عادة وأفرح دائما بكل ما يجود به قدري السمح. متسامح مع ولاد الوسخة دائما، ولكن لحظة الاحتجاج كلحظة صوفية أنجذب فيها إلى ما أحب ومن أحب وأعبر عن احتقاري الحاد لما سواه وسواهم.
في الثورة انفجرت لحظاتنا الصوفية، لم نقصد طبعا أن تنفجر أو أن تكون ثورة، ولكن هذا ماحدث. وانتابتني اللوثة: ألقيت حجارة يوم 25 يناير وأنا أهتف تجاه ولاد الوسخة، ثم ألقيت حجارة يوم 28 يناير وأنا أهتف يا ولاد الوسخة ثم ألقيت حجارة يوم 2 فبراير وأنا أجز على أسناني وأسب ولاد الوسخة بما هو أكثر بذاءة، لأنه في تلك المرة الأخيرة أصابوني بحجر في وجهي، إصابة طفيفة ولكنهم للمرة الأولى يتمكنون مني. لو كانت أصابت عيني لكنت الآن أكتب بعين واحدة .. ولاد وسخة!
هذه التدوينة/الرسالة الاستثنائية ستكون دائما مثار جدل بيني وبين كثيرين ممن سيستغربون أني كتبت ذلك، وسأبتسم وأقول أن ذلك ما بدا لي. ولكنك تعرف الآن بشكل ما أن هذه الرسالة، أو هذا الرد، موجه للعديد من ولاد الوسخة، الذين يعكرون مزاجي الآن، وأن عنوان رسالتك إلى موود قد استولى على معظم رسالتي إليك. لا ينبغي لهذا أن يجعلك تظن أن نأيكم عنا يغيرنا / أن طالما غيّر النأي المحبينا..
إليك سلامي وأشواقي، وأحب أن أطمئنك أن الثورة مستمرة، خارج حدود المستطاع ووفق أهواء الخيال. وأعداؤنا من ولاد الوسخة سيماهم على وجوههم من أثر احتقارنا لهم ونحن نسحلهم خلفنا إلى ما لا نعرف تحديدا وما لا يريدون أن يعرفوا. وهذا وحده يثير ابتهاجي ويجعلني أتجاهل شيئا أخلاقيا ينكأني ويذكرني أني شخصيا لا أحب العلاقة بين كون أحدهم من ولاد الوسخة فعلا وما قد يترتب على ذلك من إهانة لأمه.
ولكن الحياة صعبة كما تعرف وغير منصفة، واللغة أيضا.
لو كانت السخافة سائلا لكان منسوبها قد تجاوزارتفاع الحاجز الذي أوجع استنادي إليه ظهري في مؤخرة العربة نصف النقل. كانت العربة تشق طريق الظافرية من وسط سيوة لتأخذنا في جولة إلى جبل الدكرور وما حوله. ولو لم نكن وصلنا في تلك اللحظة لكنت قفزت في أي مكان وعدت مشيا إلى أي مكان بعيدا عن هذه الصحبة التي جمعت أتعس القاهريين والسيويين والأوريبيين.
كانت مشاعرنا متبادلة وكنت متأكدا أني أيضا في نظرهم مشارك في صناعة بحيرة السخافة التي نسبح فيها. لا أدري إن كانت سيوة لم ترق لي أم أن سخافة تلك المجموعة غير المتجانسة، التي ورطتني زميلتي المصورة في صحبتهم لليلة في الصحراء، قد انتهكت مزاجي.
انتظرتهم حتى قفزوا جميعا قبلي، كنت أستجمع مزاجي لأتحرك، وفكرت أن أنتظرهم هنا بما أنهم كلهم ذهبوا. ولكن شجعني مرأى بعض أفراد الطريقة المدنية الشاذلية يهمهمون ويتمايلون جالسين في مكان ما منبسط يصعد إليه سلم من سفح التل الذي يسمونه جبل.
تسلقت زميلتي المصورة الجبل لتلتقط الغروب ومعها السيدتان الأوروبيتان. تجول القاهريون مع السيويين قرب السفح . صعدت السلم متجها إلى مجموعة الصوفية. خلعت حذائي قبل أن أخطو على الجصيرة الخضراء، وألقيت السلام. ابتسم رجل وقور بتساؤل فعرّفت نفسي، وسلمت على شاب ذي ملامح أوروربية ولكنه يرتدي الثوب السيوي التقليدي، وكهل أسمر ذي ابتسامة عذبة وعينين طيبتين.
الملامح المتسائلة للرجل الوقور كانت تقول لي: هات أسئلتك يا صحفي. ابتسامة الكهل الطيب سألتني: إنت منين؟ قلت له: من إمبابة. اتسعت ابتسامته أكثر- ولم أكن أظن أن هناك أكثر - وقال: يا الله، انا قضيت تجنيدي في مطار إمبابة. اقترب مني أكثر وربت على كتفي: أنتم أهل كرم والله، كل ما كنت أقعد على قهوة أشرب شاي وبعدين أطلب الحساب، صاحب القهوة أو واحد قاعد يقول لي توكّل على الله يا دفعة، الله معاك! شربت الشاي طوال تجنيدي مجانا. تشرب شاي بقى؟
ابتسمت: طبعا، بس خفيف، شايكم في سيوة تقيل. يضحك: تحت أمرك يا ... اسم الكريم إيه؟
عرفت أن اسمه بكرين، وأنه من منشدي الطريقة، موظف على المعاش في وزارة الكهرباء وعنده حقل زيتون صغير وستة أبناء.
عندما ذهب ليحضر الشاي، تبادلت مع الشيخ الوقور كلاما رسميا عن الطريقة، وحاولت أن أعرف شيئا عن الشاب الأوروبي، فقال لي أنه فرنسي اسمه ستيفن وأنه كان صحفيا قبل أن يصبح "حرا مثل الفراشة" يقضي نصف السنة في باريس ونصفها في سيوة مع الصوفية، ولكنه لن يتحدث عن حكايته للصحافة، مال عليّ مستبقا: أعرف أنك ستقول أنك لست كباقي الصحفيين، ولكني لن أتحدث إلى أي صحفي. منظر ستيفن يثير شهية الصحفيين بالتأكيد، الأوروبي وسط صوفيي سيوة.
استأت من ستيفن بدون أن أظهر ذلك، فكرت أني أحب روح بكرين وأحب هؤلاء الذين لا يحتلون صدارة المشاهد بسخافة وفي الوقت نفسه لا يتمنعون عن الظهور في تواضع باطنه الترفع. أحترم بعض الخصوصية، المزيد منها ضد شغلي بوضوح، والوجود في جانب كبير منه ظهور ومشاركة. فكرت أني بالتأكيد سأكتب شيئا عن بكرين، وربما أجعل شيئا يخصه افتتاحية ما سأكتبه عن أعياد سيوة.
كنا قبل يومين من بداية الأعياد، وأعضاء الطريقة يستعدون بمراجعة الأشعار والأناشيد. عاد بكرين بالشاي وأتى صبي ومعه أوراق بها نصوص الأشعار وجلس أمام بكرين مستعدا للإنشاد. طلبت نسخة من الأوراق، فقال ستيفن أنه سيعد واحدة لي غدا، ومال عليّ وأخبرني أنه يبيع شريحة ذاكرة عليها تسجيلات للقصائد وأخبرني السعر. اشتريتها منه فورا وأنا أبتسم وأقول في نفسي في سخرية، مبعثها أنه أحرجني قليلا، أني عرفت من أين تأكل الفراشة!
ولكني فكرت أيضا متعاطفا أنه قد يكون صوفيا هائما أو من هؤلاء الروحانيين المهاويس الذين يجوبون العالم يجربون كل تجليات الروحانية وربما كان باحث أنثروبولوجي يتم هنا بحثه الميداني، وفي كل الأحوال يساعد نفسه ببيع هذه الشرائح للسياح والمهتمين.
أكملت مع نفسي بعض الاحتمالات، منها: قد يكون مندوب شركة تسجيلات فرنسية ستسوّق هذه التسجيلات، ولكن لو كان كذلك لما باعها لي.
انتشلني من أفكاري إنشاد بكرين وهو يعلم الصبي. قصائد بسيطة وعذبة، المعاني نفسها في معظم قصائد الصوفية ولكن بتعبيرات مختلفة: "وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها/ ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي". و"تيهتموني في بديع جمالكم/ فلم أدر في بحر الهوى أين موضعي".
في صوت بكرين شجن متعاطف يتلوّن كلما مر على التفاتة رقيقة. كنت على وشك البكاء بالفعل من وقع صوته ورقة القصائد التي كانت تجعلني أشرد متذكرا أحلام الليلة الماضية، زارني فيها بعض من أفتقدهم وبعض من فقدتهم وبعض من لا أعرفهم. تعيدني تلونات صوته إلى الانتباه مرة آخرى مع قصيدة جديدة.
أوقف ستيفن بكرين وسأله عن معنى قصيدة:" لو تهتكنا عليكم لا نلام"، كان بكرين يحاول أن يشرحها له ولكن لم تسعفه التعبيرات. أنا نظرت إليه صامتا، قال لي: إنت عارف معناها؟ قلت له مبتسما : أيوه، بس أنا صحفي ومش هاقول لك؟ فابتسم وضحك بكرين.
كان الصبي قد قام وأكمل بكرين الإنشاد وحده فتناولت الورقة التي تركها الشيخ الوقور وأنشدت معه حتى وصلنا إلى شطر بيت بعينه أخذ بكرين يكرره: "إليكم تذل النفس وهي عزيزة" ولا ينتقل إلى الشطر الآخر. توقفت عن الترديد معه ووضعت الورقة ونظرت إليه. انتبه لذلك فتوقف وقال لي: تعبت؟ ابتسمت وأنا أقول له: تعبت جدا، ولم أدر في بحر الهوى أين موضعي. كفاية ذل بقى!
ضحك وأكمل: إليكم تذل النفس وهي عزيزة/ وليست تذل النفس إلا لمن تهوى.
فكرت أنه يحاول أن يضبط إنشاده على الإيقاع المميز الذي لم أستسغه في البداية حتى اشتركت في الإنشاد ففهمته وأحببته. أخذت أتأمله وهو يردد نفس البيت مرة أخرى، شعرت تجاهه بمزيد من الألفة جعلتني أقاطعه: بخصوص الذل، رامي عياش بيقول: يا حلاوتك وإنت على قلبي قاسي، يا غلاوتك وإنت هاجر وناسي.
انفجر بكرين ضاحكا، وابتسم ستيفن: إيه الكلام ده؟ قلت: دي قصيدة "يا مسهر عيني"، انت فاهم كلام الأغنية؟ هز رأسه أن نعم. فقلت: هو ده التهتك.
هز بكرين رأسه مؤمنّا واتسعت ابتسامته الدائمة مرة أخرى.
الصورة: أنا وبكرين، خلفنا بعض متاع أهل الطريقة وعلى يسراي آثار معركة مع ناموس سيوة - تصوير: مصطفى أحمد


الساحة الخلفية لمسجد عمرو بن العاص التي عقد عمر فيها قرانه منذ أيام كانت دليلا آخر على التفاتاته المميزة. كان كله مساء مميزا واحتفالا بسيطا وجميلا، حظيت فيه بلقاء العديد من الأحباب وسماع "مولاي صلّ وسلم دائما أبدا". وكان ذلك نموذجا آخر يقدمه جيلنا، الذي يمتلك أسبابه الخاصة الوجيهة للفرح، ليثبت أنه يمكن الفرح بأشكال أخرى غير "الأفراح" المزعجة المعلّبة.
عندما انتهيت من قراءة سيرة عبد الوهاب المسيري غير الذاتية –غير الموضوعية "في الجذور والبذور والثمر"، كان ذلك قبل خمس سنوات، وكنت في أتوبيس عائدا من السويس في رحلة عمل.
قرأت معظم الكتاب في الأتوبيسات والقطارات أثناء رحلات العمل، ولما انتهيت بدا لي العالم لحظة أغلقت الكتاب مختلفا عن ذي قبل. ولكني ازددت دهشة عندما بدا الطريق أيضا مختلفا، وكنت قد حفظته عن ظهر قلب ذلك الوقت، حتى اكتشفت عندما انتهت الرحلة في طنطا أنني ركبت الأتوبيس الخطأ بسبب شوقي لقراءة الصفحات الأخيرة.
ومن طنطا للقاهرة أعدت قراءة فصل "من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان" باهتمام شديد.
أذكر أني بحثت في الإنترنت وعثرت على بريده الإلكتروني في موقع ما، وأرسلت له رسالة تضمنت سطرا أو سطرين عن الكتاب لا أذكر عنهم شيئا، ولكن ما أذكره جيدا أني أنهيت رسالتي قائلا:" استمتعت بصحبتك، وأود أن أقول إنني أحبك في الله".
لم أتلق منه ردا.. ولم يكن هذا مانعا أن أواظب في فترة لاحقة على حضور محاضرته الشهرية في جمعية "مصر للثقافة والحوار"، كما لم يكن سببا لكوني لم أتبادل معه كلمة أو أبدي تعليقا أو مداخلة خلال محاضراته. كنت أكتفي بمتابعة حديثه الشيق، وعندما كان يضع سبابته على فمه ويقول أنه سيذكر موقفا ما، كنت أخمن أي موقف من سيرته سيحكي.
كنت أرقبه وهو يمتع الحضور، بينما يضعهم في فوضى وهو يستخدم المصطلحات كما يحب لا كما تواضع عليه الاستخدام العام، وأتابع سجاله مع الحاضرين الذين أدهشهم انتقاده للعلمانية ، كما أرقب دهشة الشباب الإسلامي، الذين يعجبهم حديثه عن ضرورة "المرجعية الإسلامية"، عندما يجدونه خارجا متوكئا على ذراع ابنته غير المحجبة. سألني أحدهم مرة بحيرة شديدة كيف يترك زوجته وابنته غير محجبتبن بعد أن أصبح "مفكرا إسلاميا"! غير أن القاضية كانت عندما اعترف المسيري أنه لا يحضر صلاة الجمعة لأنه لا يضيع وقته في الاستماع لـ"هؤلاء الخطباء".
من الواضح أنه لم يكن نمطيا، و أنه كان يهوى "التفكيك والتركيب" وإعادة إبداع المفاهيم وفق نسقه الخاص. إلا أنه مع ذلك كان يملك بساطة الانحياز، التي جعلته يتجاوز حالة المفكر الذي يظهر في الصور يحك رأسه، إلى حالة أكثر تركيبا تجمع بين عمله البحثي والفكري وبين كونه أحد مؤسسي حزب " الوسط" وأحد رموز حركة "كفاية" ثم منسقها العام. وكان وجوده -وهو الذي يناهز السبعين- في مظاهرات كفاية إشارة إلى أن أصالته كمفكر ليست وليدة علاقة بالورق، بقدر ما وليدة علاقته الحميمة بالعالم عبر خياراته ومواقفه، وتأمله لهذه العلاقة والخيارات والمواقف. سيرته بدورها لم تتضمن مسارا لتطوره الفكري، بل كانت هي وقائع تطور أفكاره التي عاشها و"التزم" بها بحماسة الشباب حتى آخر لحظة.
ولكن البهاء الكبير لصورة الباحث الموسوعي في اليهودية والصهيونية وأستاذ الأدب ذي اللغة المحببة والمناضل بجسارة ضد النظام .. لهذا البهاء مخاطره أيضا. فصورة المفكر الذي انتقد "التسلع" لم تنج من ذلك، وأظن أنه من الصعب لوم التيار الإسلامي على "تسويقه" لصورة المسيري كمفكر إسلامي ناقد للعلمانية والغرب، في غياب واضح لملامح "المرجعية الإسلامية" التي يطرحها بالمقابل، بينما تختلف قطعا عن تلك التي ينادي بها معظم الإسلاميين.
كما أن هذا البهاء الذي جعلني أكتفي بمتعة الاستماع إلى محاضراته، كان سببا أيضا ، فيما يبدو، في أني سمعت انتقادات موجهة للمسيري ولأرائه، بينما ندر أن أقرأ ذلك.
ورغم أن الأهمية الكبيرة لعمله الموسوعي ولأطروحاته حول مشكلات مهمة تجعل من التناول النقدي والمناقشة الواسعة لكليهما طريقا لا بد منه لمحبيه ومنتقديه على حد سواء، لا أذكر أني قرأت في مطبوعات سيارة نقدا لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، أو مراجعة هادئة لإنتاجه الغزير في نقد الحضارة الغربية. بل إن كاتبا صحفيا بارزا وجه انتقادات لتكرار بعض الفصول في أكثر من كتاب للمسيري، قال ذلك دون أن يذكر اسمه وكان على أن أخمن. لذا قلت لصديقي "نواف القديمي" عندما أجرى معه حوارا سجاليا نشر في جريدة "الشرق الأوسط" أنني أخيرا قرأت كلاما للمسيري في مواجهة محاور بعد أن قرأت له كثيرا مما قاله في حضور "حواريين"، ولا ألومهم.
قبل أن أستيقظ صباح الخميس على رسالة تعزيني في وفاة المسيري، كان عمرو عبد الرحمن، الصديق والزميل في مجلة "البوصلة"، يحدثني مساء عن إنهائه لمقال للعدد القادم من المجلة في نقد رؤية المسيري للرأسمالية، وكنت أفكر في مقال مماثل في مناقشة أطروحته حول العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.
سيفتقد كلانا ،وآخرون بالتأكيد، حضور الراحل العزيز. ولكن أتمني أن لا يمنع جميل ذكراه المناقشة الواسعة لأفكاره، بعد أن منع بهاء حضوره بعض ذلك.
وفي تصريحات خاصة للمدونة، نفى الشاعر أن يكون أي من صحفيي الجريدة أو سير العمل بها وراء اسم الديوان.
عندما أحب أتحدث عن الموت، وعندما أبكى أتحدث عن الموت، وعندما تتعالى ضحكتي المتقطعة أتحدث عن الموت ، ولكنني عندما أموت سأتحدث كثيرا، كثيرا جدا، عن الحياة. أي فجيعة في الموت؟ وأي موت فيه؟ سأكون هناك سالما آمنا، ولن يزعجني تآكل لحمى أو ذوبان عظامي في الرمل. هناك سأكون أكثر التصاقا بالحياة، وربما تصبح مقبرتي، بعد حين من الدهر، حديقة فل أو مزرعة برسيم يرعى فيها البقر: ما الفرق؟ في الموت سأكون في قلب الحياة، لا مجرد جزء منها. سأكون صادقا بما يكفي للضحك بصوت عال على أغبياء يبكون أنفسهم كلما مشوا في جنازة،أو تذكروا موتا مختبئا في الهواء. عندما يأتي الموت سأبتسم بسمة هادئة، بسمة صافية جميلة، لم أرها على وجهي من قبل، سأنسى كل تمردي وعنفواني؛ لأصبح مسالما وبريئا، محبا لأحبائي، ومحبا ومتعطشا للحياة، فكن رفيقا ببسمتي أيها الموت، واحفظها أكبر فترة ممكنة في ذاكرتك؛لأنني سأموت كثيرا، وأبتسم كثيرا كثيرا،عندما أصبح زهرة أو شجرة، سمكة أو ديناصورا أو حفنة رمل.لم يكن من المتوقع أن يخضع شرقاوي للنظام بسرعة،..تأخر مع عروسه نيرة عن موعد عقد قرانهما في مسجد الحصري ساعة كاملة.
انتظرت مع رضوى و مينا في مقهى "تاون كافيه" قريبا من المسجد. المقهى في الدور الأول من بناية ليس من السهل العثور على مدخلها، و لكن نوافذه تكشف كل ميدان مسجد الحصري. في نصف مساحته طاولات بلياردو و النصف الآخر يحتله ضباط شرطة. قلت لمينا:لا يبدو هذا كمقهى حقيقي .. هو في الغالب نقطة مراقبة تم إعدادها على عجل لمراقبة الحدث!
تبين فيما بعد أنهم ضباط مرور يمارسون عملهم بإلقاء نظرة على الميدان بين حين و آخر.
على كل حال تم الأمر ..و سيخضع شرقاوي لشكل جديد من النظام.
محمود عزت يكشف أخيرا عن صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الثقافية المصرية.
و في الصورة يبدو محمود ممتنا لـخالد عبد القادر الشاعر الصعيدي، و أحد مطاريد الحركة.. و أهم الفاعلين "الحقيقيين" في هذه الصفحات و صفحات أخرى تتكشف لاحقا.
الأغنية من كلمات الشاعر الصعلوك رامي يحيى المعتقل يوم 6 إبريل من ميدان التحرير. لأنه, كعادته و بشهادة شهود عيان, كان يريد نفخ بالونة !
"مدونة الشروق " : كلمتان في مستطيل صغير في أعلى يسار أغلفة الكتب الثلاثة " أرز باللبن لشخصين " لرحاب بسام و " أما هذه فرقصتي أنا " لغادة محمود و" عايزة أتجوز " لغادة عبد العال, استثمرتا ثلاثة أعوام من الجدل حول " التدوين" و " المدونات " و " المدونين ".
بهاتين الكلمتين و بحنكة صانعي الكتب, وضعت " دار الشروق" بين أيدي قطاع أوسع من الجمهور ما أوسعته كل وسائل الإعلام تغطية و تحليلا و جدلا, محاباة أو معاداة .
وقفت التجربة فوق جبل عال من الكلام عن " ظاهرة التدوين ", و في نفس الوقت تجنبت كل ما يمكن أن يثير القلق وهي تنقل مختاراتها من الفضاء المتحرر من كل القيود إلى أيدي جمهور لا يمنعه فضوله نحو ما يتجاوز المحظور من أن يكون أغلبه أكثر محافظة من الرقابة الرسمية أو التي تبتز الرسمية مزايدة ً.
المدونات المختارة بعيدة عن السياسة بمعناها المباشر,و هي أبعد عن جدل تجاوز الخطوط الحمراء موضوعا أو أسلوبا. و لكن أنماط الكتابة في الكتب الثلاثة التي اشتركت في طابع اليوميات الذاتية و تنوعت بين أشكال مقاربة للقصة القصيرة أو المقال الساخر أو السيناريو.. أنعشت جدلا آخر حول جدوى نقل كتابة, ارتبطت بوسيط الإنترنت و فضاء المدونات, إلى وسيط الورق و عالم الكتب.. و حول إطلاق مسمى " الأدب " على هذه الكتابة.
ساحة جديدة
يقول القدماء " لا مشاحة – أي لا مشكلة – في الاصطلاح " , و ما وراء قولهم هذا أن المشاكل لا تنتهي بسبب الاصطلاح . أو تحديدا بسبب التعامل مع المصطلح بدون استحضار عملية " الاصطلاح" نفسها و وظيفتها.
و مصطلح " التدوين " لا يمكن أن يكون صالحا إلا للتعبير عما يجمع أشتاتا متنوعة لا نهائية الأنماط من الكتابة التي يضمها وسيط " مدونات الإنترنت " . ربما كان من صمم القوالب الأشهر المتاحة مجانا على الشبكة قد أعدها لتشبه دفتر يوميات مرتب حسب تاريخ الكتابة . و لكن هذه القوالب و غيرها قد استخدمت في طيف واسع من الاستخدامات يتنوع بين تسجيل اليوميات الشخصية الحميمة, و بين نشر صور و قصص و أشعار و ربما روايات و مقالات و دراسات و لا ينتهي بنشر البيانات السياسية لحركات و تجمعات .
أغلب الحديث عن " التدوين " هو تعميم مخل إلا فيما يتعلق بالوسيط و ما يتعلق به, مثل كونه أداة مجانية و متاحة لمستخدم الإنترنت العادي يمكن له أن ينشر فيها ما يشاء بلا رقابة ,و يمكنه أن يسمح بإمكانية تعليق القراء بالضوابط التي يحددها صاحب المدونة, و لكن عليه أن يتحمل تبعاتها في ظل وجوده داخل شبكة من المدونات التي تشكل مجتمعا من الكتاب و القراء بالتبادل .
و مثلما تم استخدام مصطلح " التدوين " في أحكام تعميمية مخلة فيما يخص السياسة, وكان يمكن أن تقرأ في صحف ذات مصداقية أن " المدونين المصريين " يقولون كذا أو يفعلون كذا ! .. فقد استخدم مصطلح "المدونات الأدبية " لإصدار أحكام ليست أكثر إحكاما و لا أقل تعميمية, و هذه الأحكام كانت في انتظار " المدونات الثلاث " التي أصبحت كتبا.
ملامح مشتركة
لا مجال إذن, و لا هو من الإنصاف, إصدار أحكام تخص ثلاثتهن إلا فيما يتعلق بالسمات التي تخص المدونات جميعها أو السمات المشتركة التي جعلت إصدارها في كتب ممكنا . فمدونات الكاتبات الثلاث تتميز بنوع من وحدة الموضوع و الأسلوب يناسب عمل كتاب من مختارات منها . فضاء المدونات لا يتسم فقط بتنوع موضوع كل مدونة, بل بتنوع موضوعات و أساليب المدونة الواحدة, فلا يجمعها معا إلا ذات المدون . و لكن مدونتي " حدوتة " لرحاب بسام و " مع نفسي " لغادة محمود تتمتعان بوحدة و تقارب في الأسلوب و الموضوع , فكلاهما لا تبتعد عن طابع اليوميات مكتوبة بلغة أدبية أو قطع أدبية تتخذ من اليوميات موضوعها , أما مدونة " عايزة أتجوز" فهي مخصصة بالكامل لموضوع الزواج و ترتيباته و تقاليده بأسلوب الحكي الساخر ليوميات متخيلة أو حقيقية أو مزيج منهما .
رغم الوحدة النسبية للطابع و الأسلوب لكل مدونة , يبدو ظاهرا أيضا تفاوت إحكام و جودة النصوص في المدونة الواحدة ثم في الكتاب الواحد, فنصوص المدونة تكتب و تنشر منفردة, كل منها يظهر فيه روح مختلفة و حساسية جمالية مختلفة, كل منها يصح أن يكون " نصا " مستقلا, و هو ينشر في الأصل كـ" تدوينة " مستقلة عما قبلها و بعدها . كما أن النصوص المنشورة لم تخضع للتحرير قبل نشرها في كتب إلا في نطاق محدود للغاية لا يتجاوز إضافة هوامش توضيحية قليلة .
يمكن أن نلحظ أيضا أن البساطة هي سمة أسلوبهن جميعا, غادة عبد العال لا تستخدم إلا العامية , رحاب بسام و غادة محمود تستخدمان الفصحى البسيطة القريبة و أحيانا العامية . كما أن ما يكتبن عنه هو أقرب للحياة اليومية للعديد من القراء من الطبقة الوسطى بالأساس , من كتابات شابة أخرى تعبر عن حياة هامشية و متمردة ومختلفة و بعيدة .
رقصات مختلفة
و لكن البساطة و القرب لا يعنيان النمطية, و إلا ما كان لكل كاتبة منهن جمهورها على الإنترنت, الذي لاشك وجد شيئا مختلفا .
فـغادة عبد العال تتميز بحس ساخر و خفة ظل و حكي سلس, تناقش بملاحظة ثاقبة مشاكل البنات الاجتماعية و تنقد التقاليد نقدا لاذعا بدون أن تعلو منصة "نسوية", فتشعر قارئاتها خصوصا بالألفة و تكتسب ثقتهن . لا تبارح ذهنك صور نصوصها التي تصلح مادة لسيناريوهات كوميدية رائعة .
غادة محمود تمتلك حسا مرهفا تعيد من خلاله رسم يومياتها كلوحات حالمة, و تتجاوز حواجز الواقع البارد أو القاسي عبر كلماتها المحلقة التي تتشبث بالتفاصيل الحميمة لتصنع عالما أكثر دفئا و حميمية , و لكنها تجعله أكثر تحليقا و غموضا وهي تتحدث عن حبيبها , و لا تفصح أكثر إلا بعد أن يصبح زوجها . ترقص رقصتها الخاصة بينها و بين نفسها و مع شريكها و لا تجد مشكلة في محافظتها بينها و بيننا على غطاء رأسها , و لكنها تعبر - في نص لم ينشر في الكتاب - عن حبها للخصلة التي تشرد و تخرج من إطار الإيشارب و تذكرها أنها لا زالت موجودة !
رحاب بسام تصنع صفقة بين يومياتها و الأدب عبر " الحدوتة ", تمتلك مقدرة سردية و روائية لافتة , تلون من خلالها الأشياء بألوان زاهية و مبهجة , تتأمل حياتها و تتفلسف عبر تفاصيل عالم الأطفال : مراوحة المرجيحة و المقارنة بين الآيس كريم و الحب , أو عبر تفاصيل "بناتي" مثل ما يبدو و كأنه طريقة لتحضير الأرز باللبن لشخصين .
في نصوصها تحيا -أو تحيا شخوصها- حياة بسيطة للغاية و في الوقت نفسه تحافظ على أفكارها حرة و وحشية . لا تتنازل في حواديتها عن طلب كلا من " جمال الدنيا و حقيقة الأشياء ".. هي تريدهما معا و تحتفظ في حقيبتها بملصق ملون عليه وصية من صديقة : " لا تكبري أبدا ".. و تبدو الكتابة بالنسبة لرحاب تمسكا الوصية .
على مسرح مختلف
لا تخفي الكاتبات في حواراتهن نواياهن ومشروعاتهن الأدبية, التي يتحمس لها البعض و يتحفظ البعض الآخر . و لكن لا يمكن بحال محاكمة كتبهن بالاحتكام إلى القوالب الأدبية المعروفة , فكتبهن من نوع مختلف يمكن تشبيهه بالكتب التي تجمع مقالات صحفية, لا يمكن الحكم عليها إلا بتخيلها في وسيطها الأساسي . و لكنها هذه المرة تجمع ما يسميه أكثر المدونين بـ " التدوينات " المفردة, و يكون من غير المناسب محاولة مقارنتها بالنصوص الأدبية التي تم كتابتها لتنشر متجانسة بين دفتي كتاب .
لا يحتاج الأمر فحسب لحساسية مختلفة للتعامل مع هذه النصوص, بل ربما يحتاج لنظرة جديدة و أدوات جديدة و ربما نقاد جدد يتفاعلون مع ما يكتب على المدونات في سياقه و وفق إيقاعه, و يتذوقون كيف يبني صاحب المدونة سياقا يتعلق بشخصه و أفكاره و مشاعره, يشكل خلفية لنصوصه المفردة " التدوينات " لتعطي مذاقا جماليا مختلفا لا يتوفر لقراءة النص منتزعا من هذا السياق.
ربما من هذه الزاوية يمكن التحفظ على بعض ما يخص " الكتب " لا النصوص , و تحديدا عملية النقل نفسها من وسيط لآخر . ففي كتابي رحاب بسام و غادة محمود تم استبعاد النصوص الأكثر تفاعلا مع اليومي من فاعليات و أحداث, أو تفاعلا و تناصا مع وسط المدونات نفسه عبر روابط لمدونات و كتابات آخرين , و هو ما كان كفيلا, بعد تجاوز عوائق الوسيط عبر الهوامش و الإشارات مثلا بإبراز جانب أكبر من جمالية كتابة نوع من المدونات. كما قد يربك القاريء عدم الإشارة لكون نص مثل " عالم صغير " في كتاب رحاب بسام , قد كتب كقصة قصيرة . فالكاتبة قد كتبته بضمير المتكلم و لكنه يعطي انطباعا مختلفا عن باقي النصوص التي تبدو متسقة في دورانها حول حياة الكاتبة . كما يمكن التنبه أن وجود تاريخ النص أو " التدوينة " ضروري أحيانا لنفهم متى تحديدا و لماذا كتبت رحاب أنها وضعت قطعة من علم مصر بدلا من قطعة من الحطة الفلسطينية في محفظتها . كما يمكن أن يكون التاريخ دالا مهما و خلفية لإشارة رحاب عن حادثة تحرش جنسي أو حديثها عن كيف يبايعون الرئيس في شارعها . ربما كان ذلك قريبا للذاكرة الآن و لكن لن يكون كذلك بعد فترة. النص على المدونة هنا يحتفظ بسياقه الذي يفتقده النص في الكتاب .
بخلاف ما سبق, فقد اتخذ بعض النقاد المرموقين مدخلا لنقد الكتب الثلاث من السؤال : هل تمثل هذه النصوص أدبا ؟ هذا يعيدنا لمشكلة الاصطلاح, و لكن إلى مصطلح " الأدب " هذه المرة . سؤال " ما الأدب ؟" الوجودي لا يقدم إجابات باستثناء التي تقدمها محاولة للاقتراب و تأمل جماليات " إبداع أدبي ما " و الوقوف علي وسائلها , و لكن العبث نفسه هو محاولة وضع الحدود و المعايير التي تسعي لتقييم إبداع آخر مغاير.
النزاع حول مفهوم " الأدب " يمثل باستمرار نزاع بين حساسيات و معايير مختلفة . و لا يحدث هذا النزاع إلا في حالة النجاح الجماهيري الكبير لكتابة ما تعتبرها " جماعة الأدب " – أي أكثر الأدباء و الناشرين و النقاد و الصحفيين - مخالفة لمعاييرها , أو بعد انشقاق في " جماعة الأدب " حول موضوع ما , قصيدة النثر مثلا .
المفارقة هنا أن حماس الكثير من المدونين للنشر الورقي, ليس فقط من أجل الوصول لشرائح أوسع أو أكثر تنوعا من القراء . فعدد زوار مدونة من المدونات المشهورة في أسبوع ربما يفوق عدد نسخ طبعة أو طبعتين من رواية أو ديوان , و الزوار متنوعون تنوع مستخدمي الإنترنت, وهم من كل قراء العربية في كل مكان و ليس في مصر وحدها ... المفارقة أن حماسهم في الغالب هو لنيل رضا " جماعة الأدب " و الدخول فيها, فلفظ "مدون " لا زال يحمل ظلالا مراهقة و نزقة و تشي بطابع الهواية لا الاحتراف, بينما يطمع الشاب " المدون "- طمعا مشروعا بالطبع - في أن يتم تقديمه كشاعر أو روائي أو قاص .
الخوف من الارتجال
كم هو محبط إذن, أن يتخذ بعض النقاد و الأدباء من " جماعة الأدب " المرموقين موقفا عنيفا لا من تجربة الكتب الثلاثة وحدها , و لكن مما يسمونه " المدونات الأدبية " أو " الأدب في المدونات " . و ربما كان موقف الناقد د. محمد عبد المطلب هو الأكثر عنفا على الإطلاق, حين يصرح للأهرام العربي – في التحقيق الذي أجراه مصطفى عبادة - بأن " هذه المدونات, وما يكتب فيها وعنها, هو تزييف لعملية الإبداع الحقيقية " و رغم قوله أن ما قرأه منها قليل إلا إنه يعتقد أن " أصحابها ليسوا موهوبين, وإنما لديهم وسيلة سهلة للنشر, وهي وسيلة بلا رقابة وبلا متابعة نقدية أو تقديم حقيقي لها, ومن ثم فإنها تنطلق إلي آفاق تعرض الإبداع الحقيقي للخطر, نتيجة لسهولة الوصول إليها, دون تكلفة مالية, وتكمن خطورتها في تحولها من الشبكة العنكبوتية إلي الكتاب المطبوع "
بل يصل الحكم إلى المدونات في عمومها فيقول أن " هذه المدونات وراءها وسائل للإنفاق عليها, وهي وسائل وأموال مشبوهة إلي حد كبير جدا " ! و الفقرات بين المزدوجتين حرفيا من نص التحقيق . و هي تكشف عن صورة سلبية للغاية لوسيط " المدونات " نفسه, بما يحول دون تفهم الكتابة المختلفة المرتبطة بهذا الوسيط . و التهمة التي من المفترض أن يحتكرها حصرا الإعلام الحكومي و التي تتعلق بالتمويل المشبوه , تنقض نفسها في فقرة أخرى عندما يقول أن هذه الوسيلة "دون تكلفة مالية " , و هذه فعلا هي الحقيقة البسيطة فالمدونات متوفرة مجانا عبر خدمات تستفيد من عدد مستخدميها و زوارها عبر الإعلانات مثل كل وسائل الإعلام .
كما أني أعيذ الناقد الكبير أن ينطلق من هذه الصورة للمدونات, إلي التعميم فيما يخص " موهبة أصحاب المدونات " أو الحديث عن " ما يكتب في هذه المدونات " و هو ما يشبه الحديث عن " ما يكتب في الورق "!
و ربما يغيب عن هذا التعميم أن العديد من الأدباء الشباب و بعض الكبار لهم الآن مدونات ينشرون فيها كتابتهم و يجربون فيها أشكالا مختلفة من الكتابة . كما أن " موهبة أصحاب المدونات " قد نالت حفاوة نقدية في كتب أخرى نشرت في دور مختلفة بعد نشرها على الإنترنت . مثل " شغل كايرو" لمحمود عزت عن "ميريت" , و "روجرز " لأحمد ناجي و " أسباب وجيهة للفرح " لعمر مصطفى عن "ملامح" , و " ديكورات بسيطة " لأحمد الفخراني عن " أكتب " . النماذج السابقة كلها رغم أنها نشرت أولا على الإنترنت و في مدونات إلا إن ما يجمعها أن معظمها كان شعرا, و هو ما يمكن التعامل مع كل نص منه بشكل مستقل و الرواية الوحيدة "روجرز" كانت منشورة بشكل مستقل عن مدونة صاحبها رغم أن كاتبها ضمنها بعضا من "التدوينات" .
في نقد الكتب المذكورة وغيرها, لم يتم التطرق لـ " موهبة أصحاب المدونات " لأن دور النشر لم تشر لهذا بشكل واضح , أو لأن النصوص استقرت في قوالب أدبية قريبة من " جماعة الأدب " أو بعضا منها . و يبدو أن المشكلة هي في الحاجة للتعامل مع الوسيط الجديد وسياقه و نصوصه المرتبطة به . أو أنها في التخوف من تحرر هذا الوسيط الذي يوصف بأنه " بلا رقابة و لا متابعة نقدية و لا تقديم حقيقي " و هذا صحيح . و يحق لمن يخاف من هذا أن يخاف, و يحق لمن يتفاءل أن يتفاءل. فحرية الكاتب في الالتقاء بجمهوره تزداد, و سلطة الناشر و الناقد تخفت. الرقابة تختفي, ولكن التقديم و المتابعة النقدية يمكن أن يستمرا و يصحبا الإبداع في فضائه الحر إن أصبحا أصدقاء للقاريء الحر, لا أذرعا لسلطة النشر أو سلطة إلقاء الأضواء الإعلامية .
قد يبدو المشهد مختلفا بعد سنين. قد لا يروق للبعض , و لكن لا أعتقد أن كثيرين آخرين يضرهم أن تكون عملية الإبداع – أو أشكال منها - كتحضير أرز باللبن لشخصين فقط , كاتب و قاريء , و قد يتبادلان الأدوار- ولكن لا وجود لعاذل أو طرف ثالث متدخل بأي شكل - يقدم أحدهما ما يحب كما يحب هو أو كما يحب الطرف الثاني أو كلاهما . و يتذوقاه معا فيستمتعا لأن المذاق جميل بالنسبة لهما, و على الأرجح لا ينفصل جماله عن نوع ألفة و قرب تنشأ بينهما .