Showing posts with label ناس. Show all posts
Showing posts with label ناس. Show all posts

08 January 2012

عزيزي شريف .. فكك من اللي إنت فيه!


عزيزي شريف ،،

ظنك في محله. الاحترام الشخصي المتبادل بيننا لا يزال قائما. وأرجو ألا تأخذ محاولتنا إفساد مؤتمر شفيق في امبابة مأخذ الجد.
نعم لقد حاولنا إفساد مؤتمر شفيق الذي تنشط في حملته،، ولكنه كان فاصلا فكاهيا بالنسبة لي، وإن كان جوهريا لأن الثورة لا تعني لي سوى تعبيرنا عن احتقارنا المستمر والحاسم لولاد الوسخة. وهو ما حدث.
يا شريف، قرأت لك الكثير من التبرير لوجودك إلى جانب الفريق شفيق. وبسببها تحديدا خففت قليلا من تصنيفي للناس أوقات الثورات إلى ثوار يواجههم ولاد وسخة. واضفت إليه: ناس ضايعة!
ولكن لا يمكنني أن أتجاهل أن "الناس الضايعة"، رغم كل الاحترام الشخصي والود وربما الشفقة، إلا أنهم في النهاية يصبون في معظم الأحيان إلى جانب ولاد الوسخة.
جنود الأمن المركزي وجنود الجيش الغلابة الذين شاركوا في قتل رفاقنا وإصابتهم هم أفراد ضائعون لكنه في النهاية مجرد حشود وجنود ولاد الوسخة. ولا يمنعني التعاطف الشخصي مع أحدهم، لدرجة الجلوس والبكاء بجانبه على حاله فيما بعد، أن أرميه بالطوب وقت المواجهة وأن أركل درعه وخوذته.
لن أناقشك بشأن شفيق وكفاءته، لا قدرة لي على تقييم التقارير عن أداءه في مجال الطيران المدني، وإن كنت أرى أن حال مطار القاهرة ومصر للطيران خرا، وحقائبي تاهت مرتين! ولكن هذا ليس موضوعنا.
الموضوع ببساطة يا شريف أن هناك ثورة، آه والله، أصرت على البدء في الإطاحة بنظام من الاستبداد الذي يحمي كل أشكال التسلط والفساد والبلادة، ورحيل مبارك كان فقط مجرد إشارة البدء لانطلاق الثورة ضد النظام، وشفيقك كان مجرد رجل نظيف اليد وكفء في عمله، بفرض صحة كل كلامك، ولكنه في النهاية كان مجرد بيدق شطرنج حرّكة ولاد الوسخة، بل مبارك شخصيا، ابن القحبة نفسه، في محاولة لمحاصرتنا شعبيا بدفع رجل نظيف لواجهة النظام مع العديد من الوعود بشان الديمقراطية. وبعدها كان ما سيحدث هو بعض الإصلاحات وتطهير لواجهات النظام وتطهير للبلد منا نحن وكل من شارك وحرض وأرادها ثورة.
إنت شايف اللي بيحصل دلوقتي لصحابنا مالك وعلاء يا شريف! كان ايه اللي هايحصل لو كان مبارك لسه موجود وشفيق بتاعك ما كانش حل جهاز أمن الدولة؟ ما تفوق يا شريف!

شفيق في أحسن الأحوال مجرد بيدق عبيط في فريق ولاد الوسخة، إن لم يكن ابن وسخة أصيل. ولاد الوسخة ليست سبة ولا قلة أدب، ولكن منهم أهالينا وجيراننا ومواطنون شرفاء كثر لا يجدون غضاضة في التسلط والاستبداد من أجل الأمن والأمان والاستقرار. تماما كما كان شفيق وزيرا ثم رئيس وزراء يحترم مبارك، أي واحد يحترم مبارك يا شريف يبقى ابن ستين وسخة! فوق يا شريف!

أي موظف شاطر كان جنب مبارك وساكت علشان يعرف يعمل شغله وبيعارض مبارك في سره وبينه وبين ربنا، ربنا يجازيه خير يا روح قلبي. لكن أنا شايف إن دوري إني أقوله مش عاوزين من العينات دي تاني علشان ولاد الوسخة اللي زيك بيشجعوا ولاد الوسخة الأوسخ منهم على الاستمرار والاستقرار. لما تبقى تعرف تقول لأ ده غلط، ده فساد، ده استبداد، تبقى تيجي تشتغل سياسي وترشح نفسك. معلش هارد لك فرصتك راحت المرة دي. تقاعد بقى يا هزؤ وما تهزأش نفسك.

ما حاولنا فعله يا شريف يوم مؤتمر امبابة أننا قلنا له: ارحل زي مبارك.ما إنت كنت بتلعب في فريقه يا جحش! ما كنتش تعرف يا حمار! مش كنتم مع بعض، سواء ولاد وسخة زي ما بنقول أورجال دولة أطهار من داخل النظام، مش حرامية زي عز مثلا، هأو! مش عيب لما مبارك يسقط ويتقلب على ضهره والثورة تفرض وضع جديد ييجي هو عاوز يبقى رئيس! دي أخلاق ولاد وسخة صحيح!
يا شريف، فكك من اللي انت فيه ده وارجع، وفكك من موضوع "الرجل البنائي الجميل” .إنت جاي في فبراير تمسك في شفيق وتقول لي بنائي. أحا يا شريف! ما تعرفش إن الثورة بتهدم وتكسر في السلطة الاستبدادية وبتقطع أذرعها؟ ما تفوق يا بني!

فكك من اللي انت فيه ده يا شريف. آخر حاجة كنت أتصورها وكويس إني ما شفتهاش بعيني إني أشوفك جنب البنائيين الإصلاحيين الحلوين اللي بالصدفة بعضهم من كبار المعرصين في الحزب الوطني في امبابة، اسأل لو ما تعرفش!
كنا مع بعض قليلين زمان ضد ولاد الوسخة يا شريف، دلوقتي جموع أكثر في كل مكان مع الثورة ومع الحرية وضد ولاد الوسخة. ولكن لا تزال الأغلبية مع أي استقرار وتعطي صوتها لأقرب استقرار ولأقوى بديل في الصندوق. إرادة الصناديق هي اللي بتشكل موقفك يا شريف؟!
كنت معنا في الحملة لمساندة حق البهائيين في المواطنة وأنت تعلم أن استفتاء شعبيا كان سيهرسهم. الصناديق ليست إلا ضربة بداية وأداة للديمقراطية، التي تحتاج طوال الوقت لأقلية من الأحرار لتجعل المجتمع والدولة يخافان من انتهاك الحرية، التي يمكن أن تنتهك ببساطة وبشكل أبشع باختيار أغلبية الصناديق أو صمتهم. سمعت عن الفاشية يا شريف؟
الأغلبية في الشارع كانت واقفة تتفرج يا شريف، لكن كانت هناك، كما هو الحال دائما، أقلية عنيدة أكثر وحالمة أكثر ومؤمنة بالثورة، زي الست اللي ما أعرفهاش اللي بتقول عليها اللي شتمتكم من البلكونة. أنا ما أعرفش كل حاجة عنها، لكنها اختارات تكون مع الثورة و ما كنتش أتمنى ييجي الوقت اللي ست من بلكونة في امبابة تبقى في صفنا وإنت تبقى مع الناس اللي طلعت تشتمهم وتقول لهم يا فلول يا زبالة وتدلق عليهم مياه وسخة!
ارجع يا شريف!

08 August 2011

عزيزي ناجي ..

أحمد ناجي وعمرو عزت

عزيزي ناجي ..

هكذا أحب أن أناديك، لا إبليس أو بيسو أو أحمد.

أنت تعلم جيدا أني أحبك في الله، مهما لامني عباد الله. لذلك فأنا الآن أشعر بالذنب لأني تلكأت في لقياك قبل سفرك الطويل، وبالغيرة من موود لأنك راسلته، بعدما راسلت أبو عمو ورؤوف.
لسبب غامض لم يتعكر أبدا من قبل صفو الوداد بيننا، الوداد نفسه هو الأكثر غموضا بالنسبة لكثيرين، لذا لا مانع أن أقرر أن أراسلك ردا على رسالتك إلى موود.

كل ما سبق لا علاقة له بأن موود تسبب في زيادة ساعات عملي اليومين الماضيين، بسبب شيء ما له علاقة بالشيوعية، وكل ما سبق لا علاقة لك به، ولكنني أحببت أن أؤكد على أنه لا شيء يمكن أن يجعلني أغضب منك أنت أو موود، شيء ما يجعلني أعرف أننا، أنا وأنت وموود، معا. بينما في جهة أخرى هناك آخرين ولاد وسخة !

أما بعد، فقد استغربت قولك أنك ستنتهي مع موود في الجحيم لأنه لا أحد تعرفانه في الجنة. حزنت لأنك تعرف أنني من أهل الجنة، أنت تعلم جيدا ذلك، سيكون من الظلم جدا ألا يكون كذلك. والسبب الرئيسي هو كوني لطيفا مع كل ولاد الوسخة، ولذلك لا أقول لهم أبدا أنهم ولاد وسخة مهما حصل.
لسبب ما لا يمكنني ذلك، كما لا يمكنك أن تكون ناشطا سياسيا حتى لو تحمست لرابطة الشباب التقدمي وحضرت أحد اجتماعاتها.

هناك شيء له علاقة بالمشاعر يحدد كل ما له علاقة بالسياسة، لذلك استغربت أيضا استهجانك للعلاقة بين السياسة والمشاعر. رغم أنك قلت أن علاقتك بيوم 25 يناير كان مشاركة من تحبهم سعادتهم ونشوتهم في الميدان.
هذا تحديدا ما كتبته بأسلوب آخر في "أول دخولنا الجنينة". لحسن الحظ لم ير عمرو مصطفى تلك التدوينة وإلا اعتبرها تدريبات على المخطط الكبير. لا يمكنني أن أقول أن عمرو مصطفى شخص ابن وسخة رغم أنه يستحق ذلك، أو هو نموذج لذلك، ولكن لأنه - بشكل غامض أيضا – إنسان بعينه، فلا يمكنني ذلك فعلا.

لا أهدف من تذكيرك بتدوينتي أن أشير بأناقة إلى أني سبقتك، رغم أنني فعلت، بينما أنا هنا في هذه الرسالة أحاول بقدر من المراوغة الاقتراب من أسلوبك، خاصة إنني عادة لا أستخدمة عبارات من نوع: ولاد الوسخة.
ولكن ما أشعر به حقا يا ناجي، وأشكرك على إتاحة الفرصة هنا لي لأقول ذلك، أن الثورة وكل ذلك الذي حدث لم يكن – بالنسبة لي – إلا تعبيرا عن احتقارنا لولاد الوسخة .. ولاد الستين وسخة ودولتهم .. ومجتمعهم ابن الوسخة بالمرة.

ببساطة أحببت الاحتجاج دائما لأنه بديل عن السباب العالي الذي يستحقه ولاد الوسخة، ولأني في لحظة التظاهر والاحتجاج أكون مع من أحبهم داخل كردون، يصنع الكوردون لحظة خالصة رومانسية، حالمة ويوتوبية وكأن الكردون يرسم خطا فاصلا بيننا وبين عالم بنت وسخة. أنت تعرف أنه ليست لدي توقعات كبيرة فيما يخص الإنسانية، لذلك فإنني متفائل عادة وأفرح دائما بكل ما يجود به قدري السمح. متسامح مع ولاد الوسخة دائما، ولكن لحظة الاحتجاج كلحظة صوفية أنجذب فيها إلى ما أحب ومن أحب وأعبر عن احتقاري الحاد لما سواه وسواهم.

في الثورة انفجرت لحظاتنا الصوفية، لم نقصد طبعا أن تنفجر أو أن تكون ثورة، ولكن هذا ماحدث. وانتابتني اللوثة: ألقيت حجارة يوم 25 يناير وأنا أهتف تجاه ولاد الوسخة، ثم ألقيت حجارة يوم 28 يناير وأنا أهتف يا ولاد الوسخة ثم ألقيت حجارة يوم 2 فبراير وأنا أجز على أسناني وأسب ولاد الوسخة بما هو أكثر بذاءة، لأنه في تلك المرة الأخيرة أصابوني بحجر في وجهي، إصابة طفيفة ولكنهم للمرة الأولى يتمكنون مني. لو كانت أصابت عيني لكنت الآن أكتب بعين واحدة .. ولاد وسخة!

هذه التدوينة/الرسالة الاستثنائية ستكون دائما مثار جدل بيني وبين كثيرين ممن سيستغربون أني كتبت ذلك، وسأبتسم وأقول أن ذلك ما بدا لي. ولكنك تعرف الآن بشكل ما أن هذه الرسالة، أو هذا الرد، موجه للعديد من ولاد الوسخة، الذين يعكرون مزاجي الآن، وأن عنوان رسالتك إلى موود قد استولى على معظم رسالتي إليك. لا ينبغي لهذا أن يجعلك تظن أن نأيكم عنا يغيرنا / أن طالما غيّر النأي المحبينا..

إليك سلامي وأشواقي، وأحب أن أطمئنك أن الثورة مستمرة، خارج حدود المستطاع ووفق أهواء الخيال. وأعداؤنا من ولاد الوسخة سيماهم على وجوههم من أثر احتقارنا لهم ونحن نسحلهم خلفنا إلى ما لا نعرف تحديدا وما لا يريدون أن يعرفوا. وهذا وحده يثير ابتهاجي ويجعلني أتجاهل شيئا أخلاقيا ينكأني ويذكرني أني شخصيا لا أحب العلاقة بين كون أحدهم من ولاد الوسخة فعلا وما قد يترتب على ذلك من إهانة لأمه.

ولكن الحياة صعبة كما تعرف وغير منصفة، واللغة أيضا.

31 October 2010

بكرين


لو كانت السخافة سائلا لكان منسوبها قد تجاوزارتفاع الحاجز الذي أوجع استنادي إليه ظهري في مؤخرة العربة نصف النقل. كانت العربة تشق طريق الظافرية من وسط سيوة لتأخذنا في جولة إلى جبل الدكرور وما حوله. ولو لم نكن وصلنا في تلك اللحظة لكنت قفزت في أي مكان وعدت مشيا إلى أي مكان بعيدا عن هذه الصحبة التي جمعت أتعس القاهريين والسيويين والأوريبيين.

كانت مشاعرنا متبادلة وكنت متأكدا أني أيضا في نظرهم مشارك في صناعة بحيرة السخافة التي نسبح فيها. لا أدري إن كانت سيوة لم ترق لي أم أن سخافة تلك المجموعة غير المتجانسة، التي ورطتني زميلتي المصورة في صحبتهم لليلة في الصحراء، قد انتهكت مزاجي.

انتظرتهم حتى قفزوا جميعا قبلي، كنت أستجمع مزاجي لأتحرك، وفكرت أن أنتظرهم هنا بما أنهم كلهم ذهبوا. ولكن شجعني مرأى بعض أفراد الطريقة المدنية الشاذلية يهمهمون ويتمايلون جالسين في مكان ما منبسط يصعد إليه سلم من سفح التل الذي يسمونه جبل.

تسلقت زميلتي المصورة الجبل لتلتقط الغروب ومعها السيدتان الأوروبيتان. تجول القاهريون مع السيويين قرب السفح . صعدت السلم متجها إلى مجموعة الصوفية. خلعت حذائي قبل أن أخطو على الجصيرة الخضراء، وألقيت السلام. ابتسم رجل وقور بتساؤل فعرّفت نفسي، وسلمت على شاب ذي ملامح أوروربية ولكنه يرتدي الثوب السيوي التقليدي، وكهل أسمر ذي ابتسامة عذبة وعينين طيبتين.

الملامح المتسائلة للرجل الوقور كانت تقول لي: هات أسئلتك يا صحفي. ابتسامة الكهل الطيب سألتني: إنت منين؟ قلت له: من إمبابة. اتسعت ابتسامته أكثر- ولم أكن أظن أن هناك أكثر - وقال: يا الله، انا قضيت تجنيدي في مطار إمبابة. اقترب مني أكثر وربت على كتفي: أنتم أهل كرم والله، كل ما كنت أقعد على قهوة أشرب شاي وبعدين أطلب الحساب، صاحب القهوة أو واحد قاعد يقول لي توكّل على الله يا دفعة، الله معاك! شربت الشاي طوال تجنيدي مجانا. تشرب شاي بقى؟
ابتسمت
: طبعا، بس خفيف، شايكم في سيوة تقيل. يضحك: تحت أمرك يا ... اسم الكريم إيه؟

عرفت أن اسمه بكرين، وأنه من منشدي الطريقة، موظف على المعاش في وزارة الكهرباء وعنده حقل زيتون صغير وستة أبناء.
عندما ذهب ليحضر الشاي، تبادلت مع الشيخ الوقور كلاما رسميا عن الطريقة، وحاولت أن أعرف شيئا عن الشاب الأوروبي، فقال لي أنه فرنسي اسمه ستيفن وأنه كان صحفيا قبل أن يصبح
"حرا مثل الفراشة" يقضي نصف السنة في باريس ونصفها في سيوة مع الصوفية، ولكنه لن يتحدث عن حكايته للصحافة، مال عليّ مستبقا: أعرف أنك ستقول أنك لست كباقي الصحفيين، ولكني لن أتحدث إلى أي صحفي. منظر ستيفن يثير شهية الصحفيين بالتأكيد، الأوروبي وسط صوفيي سيوة.
استأت من ستيفن بدون أن أظهر ذلك، فكرت أني أحب روح بكرين وأحب هؤلاء الذين لا يحتلون صدارة المشاهد بسخافة وفي الوقت نفسه لا يتمنعون عن الظهور في تواضع باطنه الترفع
. أحترم بعض الخصوصية، المزيد منها ضد شغلي بوضوح، والوجود في جانب كبير منه ظهور ومشاركة. فكرت أني بالتأكيد سأكتب شيئا عن بكرين، وربما أجعل شيئا يخصه افتتاحية ما سأكتبه عن أعياد سيوة.

كنا قبل يومين من بداية الأعياد، وأعضاء الطريقة يستعدون بمراجعة الأشعار والأناشيد. عاد بكرين بالشاي وأتى صبي ومعه أوراق بها نصوص الأشعار وجلس أمام بكرين مستعدا للإنشاد. طلبت نسخة من الأوراق، فقال ستيفن أنه سيعد واحدة لي غدا، ومال عليّ وأخبرني أنه يبيع شريحة ذاكرة عليها تسجيلات للقصائد وأخبرني السعر. اشتريتها منه فورا وأنا أبتسم وأقول في نفسي في سخرية، مبعثها أنه أحرجني قليلا، أني عرفت من أين تأكل الفراشة!

ولكني فكرت أيضا متعاطفا أنه قد يكون صوفيا هائما أو من هؤلاء الروحانيين المهاويس الذين يجوبون العالم يجربون كل تجليات الروحانية وربما كان باحث أنثروبولوجي يتم هنا بحثه الميداني، وفي كل الأحوال يساعد نفسه ببيع هذه الشرائح للسياح والمهتمين.

أكملت مع نفسي بعض الاحتمالات، منها: قد يكون مندوب شركة تسجيلات فرنسية ستسوّق هذه التسجيلات، ولكن لو كان كذلك لما باعها لي.

انتشلني من أفكاري إنشاد بكرين وهو يعلم الصبي. قصائد بسيطة وعذبة، المعاني نفسها في معظم قصائد الصوفية ولكن بتعبيرات مختلفة: "وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها/ ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي". و"تيهتموني في بديع جمالكم/ فلم أدر في بحر الهوى أين موضعي".

في صوت بكرين شجن متعاطف يتلوّن كلما مر على التفاتة رقيقة. كنت على وشك البكاء بالفعل من وقع صوته ورقة القصائد التي كانت تجعلني أشرد متذكرا أحلام الليلة الماضية، زارني فيها بعض من أفتقدهم وبعض من فقدتهم وبعض من لا أعرفهم. تعيدني تلونات صوته إلى الانتباه مرة آخرى مع قصيدة جديدة.

أوقف ستيفن بكرين وسأله عن معنى قصيدة:" لو تهتكنا عليكم لا نلام"، كان بكرين يحاول أن يشرحها له ولكن لم تسعفه التعبيرات. أنا نظرت إليه صامتا، قال لي: إنت عارف معناها؟ قلت له مبتسما : أيوه، بس أنا صحفي ومش هاقول لك؟ فابتسم وضحك بكرين.

كان الصبي قد قام وأكمل بكرين الإنشاد وحده فتناولت الورقة التي تركها الشيخ الوقور وأنشدت معه حتى وصلنا إلى شطر بيت بعينه أخذ بكرين يكرره: "إليكم تذل النفس وهي عزيزة" ولا ينتقل إلى الشطر الآخر. توقفت عن الترديد معه ووضعت الورقة ونظرت إليه. انتبه لذلك فتوقف وقال لي: تعبت؟ ابتسمت وأنا أقول له: تعبت جدا، ولم أدر في بحر الهوى أين موضعي. كفاية ذل بقى!

ضحك وأكمل: إليكم تذل النفس وهي عزيزة/ وليست تذل النفس إلا لمن تهوى.

فكرت أنه يحاول أن يضبط إنشاده على الإيقاع المميز الذي لم أستسغه في البداية حتى اشتركت في الإنشاد ففهمته وأحببته. أخذت أتأمله وهو يردد نفس البيت مرة أخرى، شعرت تجاهه بمزيد من الألفة جعلتني أقاطعه: بخصوص الذل، رامي عياش بيقول: يا حلاوتك وإنت على قلبي قاسي، يا غلاوتك وإنت هاجر وناسي.

انفجر بكرين ضاحكا، وابتسم ستيفن: إيه الكلام ده؟ قلت: دي قصيدة "يا مسهر عيني"، انت فاهم كلام الأغنية؟ هز رأسه أن نعم. فقلت: هو ده التهتك.

هز بكرين رأسه مؤمنّا واتسعت ابتسامته الدائمة مرة أخرى.


الصورة: أنا وبكرين، خلفنا بعض متاع أهل الطريقة وعلى يسراي آثار معركة مع ناموس سيوة - تصوير: مصطفى أحمد

18 April 2010

أم رامي

كان قد بدأ يغالب النوم وهو يقود السيارة نصف النقل على الطريق الضيقة المظلمة من الجوادية إلى بلقاس ليوصلنا إلى موقف البيجو المتجه إلى القاهرة، ولكن المصوّر المحشور بيني وبينه أنعشه بسؤاله عن الراقصات.

ابتسم وقال إن الصغيرة منهما- كانتا اثنتين- تابت أكثر من مرة ورجعت، و الفرح الذي كنا فيه هو ثالث فرح لها بعد العودة من التوبة الأخيرة. أما الأكبر سنا فهي أم رامي. ضحكنا لسماع الاسم، فأكمل أن أم رامي راقصة مشهورة في المنطقة وأنها مختلفة جدا – مثل اسمها- عن باقي الراقصات.

في الفرح كانت أم رامي ترتدي بدلة حمراء ضيقة بها فتحات يبرز منها لحمها المضغوط، وعلي ثديها الأيسر وشم يبدو من بعيد كختم النسر. ورغم أن الراقصة الأصغر كانت أجمل بقوامها الملفوف المائل للامتلاء- تشيه منة شلبي في أول ظهورها- إلا أن الجمهور كان أكثر إقبالا على مشاركة أم رامي الرقص. الراقصة الأصغر- التي نسيت اسمها فعلا- لم تكن بنفس الحماسة. بينما أم رامي كانت مبتهجة بشكل يبدو حقيقيا. كانت تأخذ المايك أحيانا لتشارك في الغناء. أو لتؤدي فواصل مع الفرقة. مثلا: يهتف النوبتجي: "بنحيي الحاج أيمن" فترد أم رامي" الحاج أيمن أخلاق". "بنحيي بلقاس- بلقاس أخلاق" وهكذا.

الجمهور المتسابق على الرقص مع أم رامي ملأ المسرح، مما اضطر العريس إلى التنبيه على النوبتجي الذي أعلن أن العريس لا يريد أن يرقص أي أحد مع "البنات"- سألت وعرفت أن البنات هن الراقصات- وأضاف النوبتجي أن العريس نفسه لن يرقص مع البنات!

العريس كان وسيما وميالا للهدوء ويرفض القيام للرقص. وكان مشهدا عظيما والسيدة ذات العباءة البنفسجية تمر بين الجمهور الغارق في أنهار البيرة وسحابات الحشيش وتصعد المسرح وهي ممسكة بالصينية بيد وتقلب بالأخرى كوب شاي وتناوله للعريس، الذي قام لها شاكرا وأخذ رشفة من الشاي باستمتاع ووضعه بجانبه قبل أن يتبادل ضحكة مع عروسه التي كانت ساكنة تماما معظم الوقت مختبئة خلف مكياجها الثقيل.

قال وهو ينحرف إلى طريق أوسع: “أنا اشتريت لأم رامي كمبيوتر لأني بافهم في الحاجات دي ودخلت بيتها وركبته. أم رامي فعلا أغرب رقاصة عرفتها". كان يحكي وعيناه مفتوحتان عن آخرهما أنه وجدها في بيتها ست بيت عادية. زوجها إداري في مستشفى، وابنها شاطر في المدرسة ويفهم جيدا في الكمبيوتر. أضاف أن الراقصات الأخريات يتزوجن كثيرا لمدد قصيرة من هذا وذاك، ولكن أم رامي عندها أسرة مستقرة وزوجها هذا أول من تزوجها. سأله زميلي المصور:" وهو ما يعرفش ولا إيه إنها رقاصة؟". أجاب مستنكرا:”ما يعرفش إزاي. يعرف طبعا. كل الناس عارفة. أم رامي مشهورة".

ترك عجلة القيادة وأشاح بيده وهو يقول "مشهورة"، ثم أضاف أن أم رامي هي الراقصة الوحيدة التي يعرفها و تسكن وسط قرية بشكل مستقر بدلا من أن تختبيء في زحام مدينة بعيدة أو تتنقل بين القرى تقيم فترة مع فلان وعلان.

"لا مش بس كده. دي كمان أم رامي هي اللي بانية البيت اللي ساكنة فيه". ابتسم وهز رأسه متعجبا: "الله يمسيكي بالخير يا أم رامي" ثم انتبه إلى الانطباع الذي يتركه ذلك المسا فأردف جادا:”على فكرة أم رامي مالهاش في الغلط مش زي الباقيين".

قبل رحيلنا من الفرح صعد إلى المسرح وسلم على بعض أعضاء الفرقة وعلى أم رامي. كان مطرب ثقيل الظل قد بدأ يغني لأم كلثوم ثم يشير لأم رامي كل فترة لكي تخفف قليلا من وطأة سخافته بفاصل من الرقص وكلام تقوله بصوت أجش ولكنه مترع بالشبق. كان المايك رديئا والموسيقى صاخبة ولم أفهم من كلامها سوى عبارة واحدة كانت تكررها :"إحنا النسوان الحريفة".

05 April 2010

سعيد


سألني سعيد الحلاق أربعة عشر مرة إن كنت متزوجا.
منذ وفاة محمود عبد العزيز، الحلاق، قبيل أول العام الماضي إلى الآن، ولأني أحلق مرة في الشهر تقريبا، ولأني ذهبت دائما إلى سعيد باستثناء مرة واحدة، فإنهم فعلا أربعة عشر مرة.
يتذكر سعيد بدقة كيف أحب أن أقص شعري وكيف لا أحب أي تحديد للحيتي مفضلا ترك التناثر العشوائي للشعر يشكل حدودها، وأنني لا أحب أي نوع من الكريمات ولا الشامبو ولا البلسم ولا أي شيء من تلك المنتجات الملونة الكثيرة المرصوصة عنده، ولكنه لا يتوقف أبدا عن هذا السؤال.

من المحتمل أني لم أبد له أبدا مقنعا كمتزوج. ربما هي لهجتي تجاه الحياة، تنقصها "النضج"- أبتسم عادة أمام هذا الاستخدام للكلمة، فالناضج يؤكل - أو هو نقصان اليقين أو ربما فائض القلق. بشكل عام أنا لست مقنعا لسعيد، أي حوار بيننا ينتهي بصمت ما. كأننا ندور في مدارين منفصلين ونتبادل إشعارات الوجود وتحديد المسافة في لحظات عشوائية، نراوح بين البون الشاسع والقرب الذي يكاد ولكنه لا يكون.

أعتقد أنه من الصعب محاورة سعيد فضلا عن إقناعه لأنه بالأساس غير مكترث، غير مكترث بعمق وأصالة. لا يبدي اهتماما لا بالكرة ولا بالدين ولا بالموسيقى ولا بالأفلام ولا بالسياسة ولا بالنساء ويبدو فاترا وحازما في تعامله مع أصحابه، لا يمدح أو يتذمر من أي شيء. أمر واحد فقط يؤرقه، أنه متزوج ولا يزال مقيما في بيت أبيه. أعتقد أن هذا ما يدفعه دائما لسؤالي نفس السؤال، وإجابتي التي لم تكن أبدا مقنعة له لكي يتذكرها، كافية لكي يسألني بعد جوابي إن كانت لدي شقة أو أنني مقيم في بيت أهلي، ثم يتبع ذلك بشكوى صادقة من إقامته وزوجته عند أهله ويتمنى صادقا أن يحصل على شقة لكي ينتقل للسكن في بيت يخصه.

آخر مرة، قبل يومين، عندما سألني سعيد هذا السؤال، بدت لي الإجابة الدقيقة معقدة ولا تناسب عدم اكتراث سعيد ولا غرضه من السؤال. لذا فإني إجابتي كانت مقتضبة: لا.
لم يبد عليه أي تعبير، فقط انقطع مسار الحوار المعتاد وضاعت فرصته هذه المرة. وكان ذلك مريحا لي للحظات، ولكنه كان أسرع وصول إلى الصمت، بدا سعيد مختلفا وأنا أعلم أنه يبتلع شكواه الوحيدة من هذا العالم، ولم يعد ذلك مريحا.
أضفت مبتسما: مش متجوز لكن مش قاعد عند أهلي، عندي شقة.
نظر لي سعيد عبر المرآة وابتسم بشيء من الحرج: إيه ده! هو أنا حكيت لك؟
قلت وأنا أفكر أن ذلك قد يضع نهاية لأحد حواراتنا الأهم والأكثر استقرارا منذ عرفته: كل مرة تحكي لي، خمسة عشر مرة فقط يا سعيد !
لم أحسب بدقة ساعتها.
قهقه سعيد بعنف وتوقف عن الحلاقة، ابتعد قلبلا واستند بذراعيه على الكرسي الذي أجلس عليه وهو ينظر إلى الأرض يخفي وجهه عن المرآة ولكني رأيت احمرار أذنيه وهو يقول: لا مؤاخذة يا باشا. كادت دمعة تطفر من عيني وأنا أشاركه الضحك ولكني هززت رأسي ممتنا ومعجبا بسعيد وذاكرته الصافية إلا من همه: يخرب عقلك يا سعيد !


لا تشبه صورة جوني دب في "ماذا يقلق جيلبرت جريب" سعيد. ولكني شاهدت الفيلم بالأمس ، ويبدو لي أن شيئا مشتركا يقلقنا أنا وسعيد وجيلبرت.

17 October 2009

البحث عن مكان للمعنى


أنا أعتبر نفسي صحفيا محظوظا بقدر كبير، فالذين التقيهم دائما أثناء انتقالي من مكان إلى آخر في عالم الصحافة هم أشخاص استثنائيين. يساعدني في ذلك أنني لم أتنقل كثيرا في الحقيقة لأن وجود استثنائيين - بالمعنى الإيجابي- في وسط تسيطر عليه الرداءة الاستثنائية - واسألوا ميزو!- هو ما لا يمكنني تفسيره بأقل من عناية إلهية.
إحدى آيات ذلك أن كان أول من التقيت هو الأستاذ أسامة عفيفي، الذي أعتقد أنه لا يوجد كثيرون مثله لديهم ما يقولونه فيما يخص "فن الصحافة". ولذلك أجد - كلما تنقلت- شبابا وكهولا يخبرونني أنهم تلاميذ "الأستاذ أسامة" ويذكرونه بالخير، في الوقت الذي أتفرج فيه دائما على نماذج متوافرة من آخرين يتطاولون في الأعمدة على حواف الصفحات بينما هم خارج الورق يتوجسون ممن تبدو عليهم أمارات الموهبة ويحاولون بكل ما أوتوا من "فن السخافة" أن يحافظوا على مكانهم بإبقاء المساحة المحيطة بهم مستنقعا خالصا إلا من كل ما هو ضحل ولزج.
لذلك كان أيضا من حسن حظي عندما توجهت إلى "البديل" قبل عامين أن عرفني صديق إلى د.محمد السيد سعيد، أثناء رئاسته للتحرير، وكانت أول معرفتي الشخصية به، وكان أول معرفتي بـ"البديل"- رحمهما الله.
كنت أسمع من الأصدقاء الباحثين والحقوقيين عن دماثة "الدكتور محمد" التي لا ينافسها إلا مكانته كمفكر وباحث وكاتب، ولذلك توقعت ما لقيت من الترحيب والإنصات إلى أفكاري واقتراحاتي ولكن لم أتوقع منه، وهو يعتذر لي لأن المزيد من المكاتب ستتوفر قريبا في غرف أخرى، أن يخبرني في أريحية وبساطة أنه يمكنني أن أقوم بعملي من خلال غرفته نفسها، وحتى وصلة الإنترنت يمكن أن نتبادلها وقت الحاجة !
كان ذلك ملهما جدا والمرء يبدأ عمله متحمسا في جريدة يسارية تريد أن تقدم بديلا. وظللت قرابة أسبوعين تقريبا أجلس يوميا معه في مكتبه، ظن البعض ممن لا يعرفني أنني من قيادات الجريدة، وقبيل انتقالي السريع من الجريدة - قبل توقفها بفترة- علمت أنني كنت محسوبا على "الإدارة" بعد أن اشتعلت في "البديل" الحرب الصامتة بين الشلل المختلفة وتردت العلاقة بين الإدارة والتحرير وصولا إلى أزمة توقف الجريدة. وذلك كان جانبا واحدا من الهوة بين القيم التي كان من المفترض أن تقوم عليها التجربة وهي قيم حملها قسم من قادة التجربة بالفعل وبين ما انتهت إليه هذه التجربة. والجوانب الأخرى من الهوة أجدها في الكلام الذي يتردد دائما في الجلسات الخاصة لكن عند الكتابة والخطابة - للتاريخ والجمهور- تجد التجربة قد تحولت إلى كلمات زاهية وناصعة، وعداها العيب إلى التاريخ والزمن الرديء الذي لا مكان فيه لجريدة محترمة أو الجمهور الذي افتقد حس المقاومة فلم يدعم التجربة.
مع النسيان ولدواعي الاستعمال، تتحول التجارب - صحف، تجمعات سياسية، منظمات- إلى أوسمة على صدور شهدائها، وبعضهم يحتاجون ذلك بشدة، ولكني لا أظن أن د. محمد في حاجة لذلك. فلا يضيره أن نتحدث عن أن أسباب بنيوية داخل "البديل" التي رأس تحريرها أو "كفاية" التي كان من أبرز أعضاء لجنتها التنسيقية، كانت سبب انهيار هذه التجارب. فهو دائما كان ممن لا يخجلون من نقد مكانه السابق وتجاربه السابقة بعد أن يلزم نفسه بالمخاطرة وارتياد الأماكن الجديدة بدلا من الارتكان إلى أماكن دافئة يبررها بعض أقرانه بأنهم باحثون ومفكرون لا ناشطون أو صحفيون.
بدا لي دائما أن محمد السيد سعيد وعبد الوهاب المسيري يمثلان نموذجا واحدا رغم اختلافهما الفكري، فكلاهما كان يضع نفسه في مكان خارج التصنيفات السائدة، ولكنهما كانا متجاوزين لحالة آخرين يسمون أنفسهم كذلك لكي يكتفوا بالمراقبة ويبتعدوا عن أي التزام أوجهد أو تجمع، وفي الوقت نفسه لا يقدمون جديدا ولا أصيلا على مستوى الفكر. فالراحلان كانا من الأنشط في مجال التعامل النقدي مع الأفكار وفي الوقت نفسه الأكثر التزاما وجهدا وأكثر ميلا للحركة مع جماعة لكي تجد الفكرة مكانا لها على الأرض.
ارتبط باسم د.محمد السيد سعيد بوصف "يساري بين الليبراليين، ليبرالي بين اليساريين" إلا أنه بوضوح كان يساريا نقديا، ناقدا لليسار نفسه في المقام الأول، لكنه لم يتراجع عن خوض مغامرة تأسيس أول جريدة يسارية يومية. لا أعتقد أنه من السهل القول أن وجوده على رأس التجربة لم يكن موفقا لأنه كان مفكرا وباحثا أكثر منه صحفيا أو إداريا، ولا يمكنني الدفاع عن العكس. ما تركه محمد السيد سعيد من جهد فكري وبحثي ومكانه في قلوب أقرانه وتلاميذه وأبناء جيله وما بعده يكفي وزيادة لحفظ مكانه ومكانته، وما يمكن أن يكون مزعجا بشأن ذلك هو أن المزيد من الاستثنائيين يجربون ويرحلون وتخلد ذكراهم ولكن قبل رحليهم تنتهي أو تتجمد التجارب الجماعية وهي التي تنفع عموم الناس أكثر وتمكث في الأرض.
خرجت من عزاء الدكتور محمد في مسجد عمر مكرم الأربعاء الماضي بعد ما بدأت القاعة تزدحم وبدأ المرور يتعطل قليلا، ربما بسبب الوجود الكثيف للأمن ترقبا لوصول شخصيات هامة وفقا لتخمين سائق التاكسي الذي ركبته. سألني السائق: عزاء من؟ أجبته. فاستفسر: وماذا كان يعمل؟ وأنا أجيبه كنت زاهدا في بعض التفاصيل التي أعتقد أنها لا تعنيه- وإن كانت تعنيني جدا وكل مهتم بالسياسة والفكر السياسي - ولكني فكرت أنه لو كانت "البديل" - أو أي تجربة أخرى - نجحت في أن تبقى حية وارتبطت ببعض من قامت لتعبر عنهم كنت سأجيبه بحماس بوصف واحد سيعني له شيئا.

19 June 2009

حفلة




رغم أني نمت مبكرا جدا، في الثامنة من مساء أمس، إلا أني أعتقد أنني رأيت كل ما حدث لاحقا في تلك الليلة بشكل أوضح ربما مما كان عليه.
لقد كانا - هي وهو- يحتفلان بكونهما معا، فى أعلى نقطة من مبنى يشبه القصر يحتل منتصف المدينة. وفي اللحظة نفسها عمت الفرحة المدينة واحتفلت كلها معهما.
لقد كنت نائما فلم أعرف أن المدينة فرحت، ولم تكن رغبتي في الحياة قوية بما يكفي لأطيع المنبه وأحظى بفرصة أن أكون معهما على قمة الفرح.
ولكن ماحدث أني استيقظت بشكل لا إرادي، وبحكم عادة بضع شهور، في الثانية بعد منتصف الليل -بالضبط- وفتحت التليفزيون على قناة إنفينيتي وشاهدت "فريزر" وتابعت أخبار المدينة سريعا على الإنترنت خلال فواصل الإعلانات، فعرفت ما فاتني وعدت للنوم وأنا أحلم بالمشهد.
حتى أني رأيت ملامحها وهي تحييهم كأميرة وتريهم دبلة الخطوبة من فوق ثمانية طوابق- تقريبا - بينما هم في الأسفل يلوحون بالأعلام الملونة ويرقصون.

13 November 2008

بمناسبة البرتقال والأفراح

وأنا أتأمل في شاعرية البرتقال وأتذكر محمود درويش، تذكرت أيضا الصورة البديعة لعمر مصطفى "علشان هواكي ريحته فانيليا، طعمه مزازة برتقان ... ". شاعرية مزازة البرتقال لا يمكن لأحد عادة أن يلتفت إليها إلا إن كان محبا أحد أسباب انتظاره للشتاء هو حب البرتقال مثلي، أوأن يكون شاعرا فنانا كعمر.
الساحة الخلفية لمسجد عمرو بن العاص التي عقد عمر فيها قرانه منذ أيام كانت دليلا آخر على التفاتاته المميزة. كان كله مساء مميزا واحتفالا بسيطا وجميلا، حظيت فيه بلقاء العديد من الأحباب وسماع "مولاي صلّ وسلم دائما أبدا". وكان ذلك نموذجا آخر يقدمه جيلنا، الذي يمتلك أسبابه الخاصة الوجيهة للفرح، ليثبت أنه يمكن الفرح بأشكال أخرى غير "الأفراح" المزعجة المعلّبة.
ويبدو أن عمر كان متحمسا للدروب الأخرى للفرح من قبل زفافه، لأنه صنع بحضوره وعوده وصوته ما كنت أتمناه تحديدا عندما دعوت الأصدقاء لحفل زفافي الذي أقيم على نجيلة حديقة الأزهر.

للأسف، لم أستطع أن أقدم شيئا في فرح عمر. محاولة رفع صوتي بشيء ما سيتم إساءة تفسيره نظرا لأن الذوق العام غير مستعد لتقبل جماليات صوتي المختلفة، كما أن محاولاتي للتصوير باءت بهذه الصورة.
سأنتظر مرور فترة العسل لكي أزور عمر ببعض الهدايا والبرتقال، ولكن ما يمكن أن أقدمه لكم الآن هو هذا الرابط لأغان كتبها أو لحنها عمر، اكتشفته حالا.
كما لا أنسى أن أذكر المدعوين منكم، وأنبه العالم، بأن غدا هو موعد عقد قران زوج جديد من المتمردين على الأفراح، ربيع وأزميرالدا. أرق التهاني للعروسين، وتحية نضالية لهذا الجيل المجاهد.

10 August 2008

لا الرحلةُ ابتدأتْ ولا الدربُ انتهى




لا الرحلةُ ابتدأتْ ، ولا الدربُ انتهى
لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ ،
فلنذهب إلى أَعلى الجداريات ...


06 July 2008

رحل ذو الحضور البهيّ.. قبل أن نناقشه


عندما انتهيت من قراءة سيرة عبد الوهاب المسيري غير الذاتية –غير الموضوعية "في الجذور والبذور والثمر"، كان ذلك قبل خمس سنوات، وكنت في أتوبيس عائدا من السويس في رحلة عمل.
قرأت معظم الكتاب في الأتوبيسات والقطارات أثناء رحلات العمل، ولما انتهيت بدا لي العالم لحظة أغلقت الكتاب مختلفا عن ذي قبل. ولكني ازددت دهشة عندما بدا الطريق أيضا مختلفا، وكنت قد حفظته عن ظهر قلب ذلك الوقت، حتى اكتشفت عندما انتهت الرحلة في طنطا أنني ركبت الأتوبيس الخطأ بسبب شوقي لقراءة الصفحات الأخيرة.

ومن طنطا للقاهرة أعدت قراءة فصل "من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان" باهتمام شديد.

أذكر أني بحثت في الإنترنت وعثرت على بريده الإلكتروني في موقع ما، وأرسلت له رسالة تضمنت سطرا أو سطرين عن الكتاب لا أذكر عنهم شيئا، ولكن ما أذكره جيدا أني أنهيت رسالتي قائلا:" استمتعت بصحبتك، وأود أن أقول إنني أحبك في الله".

لم أتلق منه ردا.. ولم يكن هذا مانعا أن أواظب في فترة لاحقة على حضور محاضرته الشهرية في جمعية "مصر للثقافة والحوار"، كما لم يكن سببا لكوني لم أتبادل معه كلمة أو أبدي تعليقا أو مداخلة خلال محاضراته. كنت أكتفي بمتابعة حديثه الشيق، وعندما كان يضع سبابته على فمه ويقول أنه سيذكر موقفا ما، كنت أخمن أي موقف من سيرته سيحكي.

كنت أرقبه وهو يمتع الحضور، بينما يضعهم في فوضى وهو يستخدم المصطلحات كما يحب لا كما تواضع عليه الاستخدام العام، وأتابع سجاله مع الحاضرين الذين أدهشهم انتقاده للعلمانية ، كما أرقب دهشة الشباب الإسلامي، الذين يعجبهم حديثه عن ضرورة "المرجعية الإسلامية"، عندما يجدونه خارجا متوكئا على ذراع ابنته غير المحجبة. سألني أحدهم مرة بحيرة شديدة كيف يترك زوجته وابنته غير محجبتبن بعد أن أصبح "مفكرا إسلاميا"! غير أن القاضية كانت عندما اعترف المسيري أنه لا يحضر صلاة الجمعة لأنه لا يضيع وقته في الاستماع لـ"هؤلاء الخطباء".

من الواضح أنه لم يكن نمطيا، و أنه كان يهوى "التفكيك والتركيب" وإعادة إبداع المفاهيم وفق نسقه الخاص. إلا أنه مع ذلك كان يملك بساطة الانحياز، التي جعلته يتجاوز حالة المفكر الذي يظهر في الصور يحك رأسه، إلى حالة أكثر تركيبا تجمع بين عمله البحثي والفكري وبين كونه أحد مؤسسي حزب " الوسط" وأحد رموز حركة "كفاية" ثم منسقها العام. وكان وجوده -وهو الذي يناهز السبعين- في مظاهرات كفاية إشارة إلى أن أصالته كمفكر ليست وليدة علاقة بالورق، بقدر ما وليدة علاقته الحميمة بالعالم عبر خياراته ومواقفه، وتأمله لهذه العلاقة والخيارات والمواقف. سيرته بدورها لم تتضمن مسارا لتطوره الفكري، بل كانت هي وقائع تطور أفكاره التي عاشها و"التزم" بها بحماسة الشباب حتى آخر لحظة.

ولكن البهاء الكبير لصورة الباحث الموسوعي في اليهودية والصهيونية وأستاذ الأدب ذي اللغة المحببة والمناضل بجسارة ضد النظام .. لهذا البهاء مخاطره أيضا. فصورة المفكر الذي انتقد "التسلع" لم تنج من ذلك، وأظن أنه من الصعب لوم التيار الإسلامي على "تسويقه" لصورة المسيري كمفكر إسلامي ناقد للعلمانية والغرب، في غياب واضح لملامح "المرجعية الإسلامية" التي يطرحها بالمقابل، بينما تختلف قطعا عن تلك التي ينادي بها معظم الإسلاميين.

كما أن هذا البهاء الذي جعلني أكتفي بمتعة الاستماع إلى محاضراته، كان سببا أيضا ، فيما يبدو، في أني سمعت انتقادات موجهة للمسيري ولأرائه، بينما ندر أن أقرأ ذلك.

ورغم أن الأهمية الكبيرة لعمله الموسوعي ولأطروحاته حول مشكلات مهمة تجعل من التناول النقدي والمناقشة الواسعة لكليهما طريقا لا بد منه لمحبيه ومنتقديه على حد سواء، لا أذكر أني قرأت في مطبوعات سيارة نقدا لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، أو مراجعة هادئة لإنتاجه الغزير في نقد الحضارة الغربية. بل إن كاتبا صحفيا بارزا وجه انتقادات لتكرار بعض الفصول في أكثر من كتاب للمسيري، قال ذلك دون أن يذكر اسمه وكان على أن أخمن. لذا قلت لصديقي "نواف القديمي" عندما أجرى معه حوارا سجاليا نشر في جريدة "الشرق الأوسط" أنني أخيرا قرأت كلاما للمسيري في مواجهة محاور بعد أن قرأت له كثيرا مما قاله في حضور "حواريين"، ولا ألومهم.

قبل أن أستيقظ صباح الخميس على رسالة تعزيني في وفاة المسيري، كان عمرو عبد الرحمن، الصديق والزميل في مجلة "البوصلة"، يحدثني مساء عن إنهائه لمقال للعدد القادم من المجلة في نقد رؤية المسيري للرأسمالية، وكنت أفكر في مقال مماثل في مناقشة أطروحته حول العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

سيفتقد كلانا ،وآخرون بالتأكيد، حضور الراحل العزيز. ولكن أتمني أن لا يمنع جميل ذكراه المناقشة الواسعة لأفكاره، بعد أن منع بهاء حضوره بعض ذلك.


27 June 2008

سنموت كثيرا ونبتسم كثيرا

وسط جمع صحفي بهيج تجمع حول تورتة في غرفة قسمي الثقافة والمجتمع بجريدة لبديل"، احتفل ياسر الزيات مدير التحرير بصدور ديوانه "أحسد الموتى" .
وفي تصريحات خاصة للمدونة، نفى الشاعر أن يكون أي من صحفيي الجريدة أو سير العمل بها وراء اسم الديوان.



,,
حديقة فل

عندما أحب أتحدث عن الموت، وعندما أبكى أتحدث عن الموت، وعندما تتعالى ضحكتي المتقطعة أتحدث عن الموت ، ولكنني عندما أموت سأتحدث كثيرا، كثيرا جدا، عن الحياة. أي فجيعة في الموت؟ وأي موت فيه؟ سأكون هناك سالما آمنا، ولن يزعجني تآكل لحمى أو ذوبان عظامي في الرمل. هناك سأكون أكثر التصاقا بالحياة، وربما تصبح مقبرتي، بعد حين من الدهر، حديقة فل أو مزرعة برسيم يرعى فيها البقر: ما الفرق؟ في الموت سأكون في قلب الحياة، لا مجرد جزء منها. سأكون صادقا بما يكفي للضحك بصوت عال على أغبياء يبكون أنفسهم كلما مشوا في جنازة،أو تذكروا موتا مختبئا في الهواء. عندما يأتي الموت سأبتسم بسمة هادئة، بسمة صافية جميلة، لم أرها على وجهي من قبل، سأنسى كل تمردي وعنفواني؛ لأصبح مسالما وبريئا، محبا لأحبائي، ومحبا ومتعطشا للحياة، فكن رفيقا ببسمتي أيها الموت، واحفظها أكبر فترة ممكنة في ذاكرتك؛لأنني سأموت كثيرا، وأبتسم كثيرا كثيرا،عندما أصبح زهرة أو شجرة، سمكة أو ديناصورا أو حفنة رمل.
’’

01 June 2008

نظام شرقاوي الجديد


لم يكن من المتوقع أن يخضع شرقاوي للنظام بسرعة،..تأخر مع عروسه نيرة عن موعد عقد قرانهما في مسجد الحصري ساعة كاملة.

انتظرت مع رضوى و مينا في مقهى "تاون كافيه" قريبا من المسجد. المقهى في الدور الأول من بناية ليس من السهل العثور على مدخلها، و لكن نوافذه تكشف كل ميدان مسجد الحصري. في نصف مساحته طاولات بلياردو و النصف الآخر يحتله ضباط شرطة. قلت لمينا:لا يبدو هذا كمقهى حقيقي .. هو في الغالب نقطة مراقبة تم إعدادها على عجل لمراقبة الحدث!

تبين فيما بعد أنهم ضباط مرور يمارسون عملهم بإلقاء نظرة على الميدان بين حين و آخر.
على كل حال تم الأمر ..و سيخضع شرقاوي لشكل جديد من النظام.

29 May 2008

ما وراء ابتسامات القديسين


محمود عزت يكشف أخيرا عن صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الثقافية المصرية.

و في الصورة يبدو محمود ممتنا لـخالد عبد القادر الشاعر الصعيدي، و أحد مطاريد الحركة.. و أهم الفاعلين "الحقيقيين" في هذه الصفحات و صفحات أخرى تتكشف لاحقا.

12 April 2008

آمال صعلوك


افلت زمام آمالك .. بلاك تيما

الأغنية من كلمات الشاعر الصعلوك رامي يحيى المعتقل يوم 6 إبريل من ميدان التحرير. لأنه, كعادته و بشهادة شهود عيان, كان يريد نفخ بالونة !





03 April 2008

رقصة مختلفة على مسرح مختلف

عن نقد أدب المدونات و المدونات الأدبية


"مدونة الشروق " : كلمتان في مستطيل صغير في أعلى يسار أغلفة الكتب الثلاثة " أرز باللبن لشخصين " لرحاب بسام و " أما هذه فرقصتي أنا " لغادة محمود و" عايزة أتجوز " لغادة عبد العال, استثمرتا ثلاثة أعوام من الجدل حول " التدوين" و " المدونات " و " المدونين ".

بهاتين الكلمتين و بحنكة صانعي الكتب, وضعت " دار الشروق" بين أيدي قطاع أوسع من الجمهور ما أوسعته كل وسائل الإعلام تغطية و تحليلا و جدلا, محاباة أو معاداة .

وقفت التجربة فوق جبل عال من الكلام عن " ظاهرة التدوين ", و في نفس الوقت تجنبت كل ما يمكن أن يثير القلق وهي تنقل مختاراتها من الفضاء المتحرر من كل القيود إلى أيدي جمهور لا يمنعه فضوله نحو ما يتجاوز المحظور من أن يكون أغلبه أكثر محافظة من الرقابة الرسمية أو التي تبتز الرسمية مزايدة ً.

المدونات المختارة بعيدة عن السياسة بمعناها المباشر,و هي أبعد عن جدل تجاوز الخطوط الحمراء موضوعا أو أسلوبا. و لكن أنماط الكتابة في الكتب الثلاثة التي اشتركت في طابع اليوميات الذاتية و تنوعت بين أشكال مقاربة للقصة القصيرة أو المقال الساخر أو السيناريو.. أنعشت جدلا آخر حول جدوى نقل كتابة, ارتبطت بوسيط الإنترنت و فضاء المدونات, إلى وسيط الورق و عالم الكتب.. و حول إطلاق مسمى " الأدب " على هذه الكتابة.

ساحة جديدة

يقول القدماء " لا مشاحة – أي لا مشكلة – في الاصطلاح " , و ما وراء قولهم هذا أن المشاكل لا تنتهي بسبب الاصطلاح . أو تحديدا بسبب التعامل مع المصطلح بدون استحضار عملية " الاصطلاح" نفسها و وظيفتها.

و مصطلح " التدوين " لا يمكن أن يكون صالحا إلا للتعبير عما يجمع أشتاتا متنوعة لا نهائية الأنماط من الكتابة التي يضمها وسيط " مدونات الإنترنت " . ربما كان من صمم القوالب الأشهر المتاحة مجانا على الشبكة قد أعدها لتشبه دفتر يوميات مرتب حسب تاريخ الكتابة . و لكن هذه القوالب و غيرها قد استخدمت في طيف واسع من الاستخدامات يتنوع بين تسجيل اليوميات الشخصية الحميمة, و بين نشر صور و قصص و أشعار و ربما روايات و مقالات و دراسات و لا ينتهي بنشر البيانات السياسية لحركات و تجمعات .

أغلب الحديث عن " التدوين " هو تعميم مخل إلا فيما يتعلق بالوسيط و ما يتعلق به, مثل كونه أداة مجانية و متاحة لمستخدم الإنترنت العادي يمكن له أن ينشر فيها ما يشاء بلا رقابة ,و يمكنه أن يسمح بإمكانية تعليق القراء بالضوابط التي يحددها صاحب المدونة, و لكن عليه أن يتحمل تبعاتها في ظل وجوده داخل شبكة من المدونات التي تشكل مجتمعا من الكتاب و القراء بالتبادل .

و مثلما تم استخدام مصطلح " التدوين " في أحكام تعميمية مخلة فيما يخص السياسة, وكان يمكن أن تقرأ في صحف ذات مصداقية أن " المدونين المصريين " يقولون كذا أو يفعلون كذا ! .. فقد استخدم مصطلح "المدونات الأدبية " لإصدار أحكام ليست أكثر إحكاما و لا أقل تعميمية, و هذه الأحكام كانت في انتظار " المدونات الثلاث " التي أصبحت كتبا.

ملامح مشتركة

لا مجال إذن, و لا هو من الإنصاف, إصدار أحكام تخص ثلاثتهن إلا فيما يتعلق بالسمات التي تخص المدونات جميعها أو السمات المشتركة التي جعلت إصدارها في كتب ممكنا . فمدونات الكاتبات الثلاث تتميز بنوع من وحدة الموضوع و الأسلوب يناسب عمل كتاب من مختارات منها . فضاء المدونات لا يتسم فقط بتنوع موضوع كل مدونة, بل بتنوع موضوعات و أساليب المدونة الواحدة, فلا يجمعها معا إلا ذات المدون . و لكن مدونتي " حدوتة " لرحاب بسام و " مع نفسي " لغادة محمود تتمتعان بوحدة و تقارب في الأسلوب و الموضوع , فكلاهما لا تبتعد عن طابع اليوميات مكتوبة بلغة أدبية أو قطع أدبية تتخذ من اليوميات موضوعها , أما مدونة " عايزة أتجوز" فهي مخصصة بالكامل لموضوع الزواج و ترتيباته و تقاليده بأسلوب الحكي الساخر ليوميات متخيلة أو حقيقية أو مزيج منهما .

رغم الوحدة النسبية للطابع و الأسلوب لكل مدونة , يبدو ظاهرا أيضا تفاوت إحكام و جودة النصوص في المدونة الواحدة ثم في الكتاب الواحد, فنصوص المدونة تكتب و تنشر منفردة, كل منها يظهر فيه روح مختلفة و حساسية جمالية مختلفة, كل منها يصح أن يكون " نصا " مستقلا, و هو ينشر في الأصل كـ" تدوينة " مستقلة عما قبلها و بعدها . كما أن النصوص المنشورة لم تخضع للتحرير قبل نشرها في كتب إلا في نطاق محدود للغاية لا يتجاوز إضافة هوامش توضيحية قليلة .

يمكن أن نلحظ أيضا أن البساطة هي سمة أسلوبهن جميعا, غادة عبد العال لا تستخدم إلا العامية , رحاب بسام و غادة محمود تستخدمان الفصحى البسيطة القريبة و أحيانا العامية . كما أن ما يكتبن عنه هو أقرب للحياة اليومية للعديد من القراء من الطبقة الوسطى بالأساس , من كتابات شابة أخرى تعبر عن حياة هامشية و متمردة ومختلفة و بعيدة .

رقصات مختلفة

و لكن البساطة و القرب لا يعنيان النمطية, و إلا ما كان لكل كاتبة منهن جمهورها على الإنترنت, الذي لاشك وجد شيئا مختلفا .

فـغادة عبد العال تتميز بحس ساخر و خفة ظل و حكي سلس, تناقش بملاحظة ثاقبة مشاكل البنات الاجتماعية و تنقد التقاليد نقدا لاذعا بدون أن تعلو منصة "نسوية", فتشعر قارئاتها خصوصا بالألفة و تكتسب ثقتهن . لا تبارح ذهنك صور نصوصها التي تصلح مادة لسيناريوهات كوميدية رائعة .

غادة محمود تمتلك حسا مرهفا تعيد من خلاله رسم يومياتها كلوحات حالمة, و تتجاوز حواجز الواقع البارد أو القاسي عبر كلماتها المحلقة التي تتشبث بالتفاصيل الحميمة لتصنع عالما أكثر دفئا و حميمية , و لكنها تجعله أكثر تحليقا و غموضا وهي تتحدث عن حبيبها , و لا تفصح أكثر إلا بعد أن يصبح زوجها . ترقص رقصتها الخاصة بينها و بين نفسها و مع شريكها و لا تجد مشكلة في محافظتها بينها و بيننا على غطاء رأسها , و لكنها تعبر - في نص لم ينشر في الكتاب - عن حبها للخصلة التي تشرد و تخرج من إطار الإيشارب و تذكرها أنها لا زالت موجودة !

رحاب بسام تصنع صفقة بين يومياتها و الأدب عبر " الحدوتة ", تمتلك مقدرة سردية و روائية لافتة , تلون من خلالها الأشياء بألوان زاهية و مبهجة , تتأمل حياتها و تتفلسف عبر تفاصيل عالم الأطفال : مراوحة المرجيحة و المقارنة بين الآيس كريم و الحب , أو عبر تفاصيل "بناتي" مثل ما يبدو و كأنه طريقة لتحضير الأرز باللبن لشخصين .

في نصوصها تحيا -أو تحيا شخوصها- حياة بسيطة للغاية و في الوقت نفسه تحافظ على أفكارها حرة و وحشية . لا تتنازل في حواديتها عن طلب كلا من " جمال الدنيا و حقيقة الأشياء ".. هي تريدهما معا و تحتفظ في حقيبتها بملصق ملون عليه وصية من صديقة : " لا تكبري أبدا ".. و تبدو الكتابة بالنسبة لرحاب تمسكا الوصية .

على مسرح مختلف

لا تخفي الكاتبات في حواراتهن نواياهن ومشروعاتهن الأدبية, التي يتحمس لها البعض و يتحفظ البعض الآخر . و لكن لا يمكن بحال محاكمة كتبهن بالاحتكام إلى القوالب الأدبية المعروفة , فكتبهن من نوع مختلف يمكن تشبيهه بالكتب التي تجمع مقالات صحفية, لا يمكن الحكم عليها إلا بتخيلها في وسيطها الأساسي . و لكنها هذه المرة تجمع ما يسميه أكثر المدونين بـ " التدوينات " المفردة, و يكون من غير المناسب محاولة مقارنتها بالنصوص الأدبية التي تم كتابتها لتنشر متجانسة بين دفتي كتاب .

لا يحتاج الأمر فحسب لحساسية مختلفة للتعامل مع هذه النصوص, بل ربما يحتاج لنظرة جديدة و أدوات جديدة و ربما نقاد جدد يتفاعلون مع ما يكتب على المدونات في سياقه و وفق إيقاعه, و يتذوقون كيف يبني صاحب المدونة سياقا يتعلق بشخصه و أفكاره و مشاعره, يشكل خلفية لنصوصه المفردة " التدوينات " لتعطي مذاقا جماليا مختلفا لا يتوفر لقراءة النص منتزعا من هذا السياق.

ربما من هذه الزاوية يمكن التحفظ على بعض ما يخص " الكتب " لا النصوص , و تحديدا عملية النقل نفسها من وسيط لآخر . ففي كتابي رحاب بسام و غادة محمود تم استبعاد النصوص الأكثر تفاعلا مع اليومي من فاعليات و أحداث, أو تفاعلا و تناصا مع وسط المدونات نفسه عبر روابط لمدونات و كتابات آخرين , و هو ما كان كفيلا, بعد تجاوز عوائق الوسيط عبر الهوامش و الإشارات مثلا بإبراز جانب أكبر من جمالية كتابة نوع من المدونات. كما قد يربك القاريء عدم الإشارة لكون نص مثل " عالم صغير " في كتاب رحاب بسام , قد كتب كقصة قصيرة . فالكاتبة قد كتبته بضمير المتكلم و لكنه يعطي انطباعا مختلفا عن باقي النصوص التي تبدو متسقة في دورانها حول حياة الكاتبة . كما يمكن التنبه أن وجود تاريخ النص أو " التدوينة " ضروري أحيانا لنفهم متى تحديدا و لماذا كتبت رحاب أنها وضعت قطعة من علم مصر بدلا من قطعة من الحطة الفلسطينية في محفظتها . كما يمكن أن يكون التاريخ دالا مهما و خلفية لإشارة رحاب عن حادثة تحرش جنسي أو حديثها عن كيف يبايعون الرئيس في شارعها . ربما كان ذلك قريبا للذاكرة الآن و لكن لن يكون كذلك بعد فترة. النص على المدونة هنا يحتفظ بسياقه الذي يفتقده النص في الكتاب .

بخلاف ما سبق, فقد اتخذ بعض النقاد المرموقين مدخلا لنقد الكتب الثلاث من السؤال : هل تمثل هذه النصوص أدبا ؟ هذا يعيدنا لمشكلة الاصطلاح, و لكن إلى مصطلح " الأدب " هذه المرة . سؤال " ما الأدب ؟" الوجودي لا يقدم إجابات باستثناء التي تقدمها محاولة للاقتراب و تأمل جماليات " إبداع أدبي ما " و الوقوف علي وسائلها , و لكن العبث نفسه هو محاولة وضع الحدود و المعايير التي تسعي لتقييم إبداع آخر مغاير.

النزاع حول مفهوم " الأدب " يمثل باستمرار نزاع بين حساسيات و معايير مختلفة . و لا يحدث هذا النزاع إلا في حالة النجاح الجماهيري الكبير لكتابة ما تعتبرها " جماعة الأدب " – أي أكثر الأدباء و الناشرين و النقاد و الصحفيين - مخالفة لمعاييرها , أو بعد انشقاق في " جماعة الأدب " حول موضوع ما , قصيدة النثر مثلا .

المفارقة هنا أن حماس الكثير من المدونين للنشر الورقي, ليس فقط من أجل الوصول لشرائح أوسع أو أكثر تنوعا من القراء . فعدد زوار مدونة من المدونات المشهورة في أسبوع ربما يفوق عدد نسخ طبعة أو طبعتين من رواية أو ديوان , و الزوار متنوعون تنوع مستخدمي الإنترنت, وهم من كل قراء العربية في كل مكان و ليس في مصر وحدها ... المفارقة أن حماسهم في الغالب هو لنيل رضا " جماعة الأدب " و الدخول فيها, فلفظ "مدون " لا زال يحمل ظلالا مراهقة و نزقة و تشي بطابع الهواية لا الاحتراف, بينما يطمع الشاب " المدون "- طمعا مشروعا بالطبع - في أن يتم تقديمه كشاعر أو روائي أو قاص .

الخوف من الارتجال

كم هو محبط إذن, أن يتخذ بعض النقاد و الأدباء من " جماعة الأدب " المرموقين موقفا عنيفا لا من تجربة الكتب الثلاثة وحدها , و لكن مما يسمونه " المدونات الأدبية " أو " الأدب في المدونات " . و ربما كان موقف الناقد د. محمد عبد المطلب هو الأكثر عنفا على الإطلاق, حين يصرح للأهرام العربي – في التحقيق الذي أجراه مصطفى عبادة - بأن " هذه المدونات‏,‏ وما يكتب فيها وعنها‏,‏ هو تزييف لعملية الإبداع الحقيقية " و رغم قوله أن ما قرأه منها قليل إلا إنه يعتقد أن " أصحابها ليسوا موهوبين‏,‏ وإنما لديهم وسيلة سهلة للنشر‏,‏ وهي وسيلة بلا رقابة وبلا متابعة نقدية أو تقديم حقيقي لها‏,‏ ومن ثم فإنها تنطلق إلي آفاق تعرض الإبداع الحقيقي للخطر‏,‏ نتيجة لسهولة الوصول إليها‏,‏ دون تكلفة مالية‏,‏ وتكمن خطورتها في تحولها من الشبكة العنكبوتية إلي الكتاب المطبوع "

بل يصل الحكم إلى المدونات في عمومها فيقول أن " هذه المدونات وراءها وسائل للإنفاق عليها‏,‏ وهي وسائل وأموال مشبوهة إلي حد كبير جدا " ! و الفقرات بين المزدوجتين حرفيا من نص التحقيق . و هي تكشف عن صورة سلبية للغاية لوسيط " المدونات " نفسه, بما يحول دون تفهم الكتابة المختلفة المرتبطة بهذا الوسيط . و التهمة التي من المفترض أن يحتكرها حصرا الإعلام الحكومي و التي تتعلق بالتمويل المشبوه , تنقض نفسها في فقرة أخرى عندما يقول أن هذه الوسيلة "دون تكلفة مالية " , و هذه فعلا هي الحقيقة البسيطة فالمدونات متوفرة مجانا عبر خدمات تستفيد من عدد مستخدميها و زوارها عبر الإعلانات مثل كل وسائل الإعلام .

كما أني أعيذ الناقد الكبير أن ينطلق من هذه الصورة للمدونات, إلي التعميم فيما يخص " موهبة أصحاب المدونات " أو الحديث عن " ما يكتب في هذه المدونات " و هو ما يشبه الحديث عن " ما يكتب في الورق "!

و ربما يغيب عن هذا التعميم أن العديد من الأدباء الشباب و بعض الكبار لهم الآن مدونات ينشرون فيها كتابتهم و يجربون فيها أشكالا مختلفة من الكتابة . كما أن " موهبة أصحاب المدونات " قد نالت حفاوة نقدية في كتب أخرى نشرت في دور مختلفة بعد نشرها على الإنترنت . مثل " شغل كايرو" لمحمود عزت عن "ميريت" , و "روجرز " لأحمد ناجي و " أسباب وجيهة للفرح " لعمر مصطفى عن "ملامح" , و " ديكورات بسيطة " لأحمد الفخراني عن " أكتب " . النماذج السابقة كلها رغم أنها نشرت أولا على الإنترنت و في مدونات إلا إن ما يجمعها أن معظمها كان شعرا, و هو ما يمكن التعامل مع كل نص منه بشكل مستقل و الرواية الوحيدة "روجرز" كانت منشورة بشكل مستقل عن مدونة صاحبها رغم أن كاتبها ضمنها بعضا من "التدوينات" .

في نقد الكتب المذكورة وغيرها, لم يتم التطرق لـ " موهبة أصحاب المدونات " لأن دور النشر لم تشر لهذا بشكل واضح , أو لأن النصوص استقرت في قوالب أدبية قريبة من " جماعة الأدب " أو بعضا منها . و يبدو أن المشكلة هي في الحاجة للتعامل مع الوسيط الجديد وسياقه و نصوصه المرتبطة به . أو أنها في التخوف من تحرر هذا الوسيط الذي يوصف بأنه " بلا رقابة و لا متابعة نقدية و لا تقديم حقيقي " و هذا صحيح . و يحق لمن يخاف من هذا أن يخاف, و يحق لمن يتفاءل أن يتفاءل. فحرية الكاتب في الالتقاء بجمهوره تزداد, و سلطة الناشر و الناقد تخفت. الرقابة تختفي, ولكن التقديم و المتابعة النقدية يمكن أن يستمرا و يصحبا الإبداع في فضائه الحر إن أصبحا أصدقاء للقاريء الحر, لا أذرعا لسلطة النشر أو سلطة إلقاء الأضواء الإعلامية .

قد يبدو المشهد مختلفا بعد سنين. قد لا يروق للبعض , و لكن لا أعتقد أن كثيرين آخرين يضرهم أن تكون عملية الإبداع – أو أشكال منها - كتحضير أرز باللبن لشخصين فقط , كاتب و قاريء , و قد يتبادلان الأدوار- ولكن لا وجود لعاذل أو طرف ثالث متدخل بأي شكل - يقدم أحدهما ما يحب كما يحب هو أو كما يحب الطرف الثاني أو كلاهما . و يتذوقاه معا فيستمتعا لأن المذاق جميل بالنسبة لهما, و على الأرجح لا ينفصل جماله عن نوع ألفة و قرب تنشأ بينهما .



- الصورة من اليمين لغادة محمود و رحاب بسام و غادة عبد العال في حفل توقيع بمعرض القاهرة الكتاب 2008 - تصوير دينا الهواري
- نشر في البديل 03-04-2008