31 January 2006

مسار إجباري



رضوي كانت ذاهلة و ممتقعة من الحزن , و أنا احتفظت بدهشتي الصامتة بلا تعبير.
لا زلت لا أجد كلاما معبرا في مثل هذه الأوقات , الموت يعبر عن نفسه بوضوح لا يحتاج لتعبير و تتضاءل جانبه التعازي .
رغم أن هذا لا يحدث لي كثيرا .. إلا أني فور أن علمت بالنبأ شعرت فجاة أني كان ينبغي أن أراه مرة أخري علي الأقل .
رضوي أصرت أن تري جدها مرة أخيرة بالفعل .. فألقت نظرة علي الجسد المسجي و قبلته ...و بعد أن رحل أخذت الغطاء الذي غسل عليه , و نامت تحته هذه الليلة .
أنا رأيته بعدها في كفن أبيض داخل تابوت وضعت كفي تحته , و طلب مني أحدهم أن أساعده في إعادته – التابوت - للعربة بعد ان تابعت مدهوشا جسده يغادره و ينزل محمولا الي حفرة .



صغيرا , مدركا بالكاد معني الموت , عزمت علي أن أدخر جيدا لكي أشيد لنفسي مقبرة جيدة فوق الأرض .. حجرة محكمة الغلق أوضع فيها فقط ... و لن أنسي أن أكتب في وصيتي ألا يتم وضعي في كفن و ألا يهال علي تراب ... ربما عندما يظن الناس موتي , فقط سأفقد اتصالي بهم ... إلا أنهم هم من " يقتلونني " بالفعل – أو يعذبونني – بما يفعلون .
فاضت عيناي لدقائق أمام " الحفرة " و لم أدر ساعتها – ناضجا بما يكفي الآن أن أدري - ماذا ينبغي حقا أن أفعل !


16 January 2006

" النبي تبسم "

لخمس سنوات , قضيتها في كلية الهندسة, كنت أمر عليه يوميا باسثناء أيام العطلات , أعطيه جنيها و أوجه اليه, بعد السلام الذي لا يرده , كلمة واحدة : " الحياة " ... و احيانا كنت أزيد المبلغ و عدد الكلمات مضيفا " العربي " , " آفاق عربية " أو " الأهالي " .. و لكن وجهه كان دائما ثابتا علي تعبير واحد جهم و لا مبال ...يمكن أن يردك اذا لم يكن يريد ان يقلب في " الكرتونة " ليبحث لك عن فكة للباقي .
فكرت أحيانا أنه ربما يتاجر في أشياء أخري و يتخذ من بيع الصحف ستارا , و حفز خيالي كثيرا مرأي وجهه القاسي و صرامته و زهده في جنيهاتي .
اعتدت بالعشرة علي سلوكه الخشن فلم يعد يضايقني كثيرا أن يردني بالعشرين أو الخمسين جنيها , كنت غالبا ما أعود اليه مرة أخري بين أوقات المحاضرات التي كنت أقضي معظمها جالسا في الكافيتريا , أقرأ أو أفكر أيا من الكليات كان يجب ان أكون فيها آنذاك.
مروري اليومي المنتظم عليه جعله , بمرور الوقت و الجينهات , يضعني في منزلة خاصة .. فسمح لي - تدريجيا - دونا عن " العامة" من طلبة الجامعة , بتصفح الكتب و المجلات و النظر في فهارسهم علي مهل , بينما مصير أسود ينتظر الآخرين ممن يحاولون فقط لمس الكتب او المجلات او الوقوف لمدة قد يراها أطول من اللازم أمام عناوين الجرائد و أغلفة المجلات .

هذه المعاملة الخاصة التي يحتفظ بها لزبائنه الجادين لا تتضمن أي تخفيف من ملامح وجهه الصارم أو لامبالاته بهم و بنقودهم .. و لكنه أحيانا ما كان يتبسط معي و مع غيري و يقلب في "الكرتونة " ليجمع الباقي في حالة شراء المجلات الفصلية أو الكتب ذات الثمن " المحترم" .
المدهش حقا هو ذلك التوحد الذي بينه و بين مساعديه , ربما يعرفون رد الفعل المناسب تجاه الزبون من تعبيرات وجهه ... فاذا ثبتت علي مستوي جهامتها المعتاد فالأمور علي ما يرام , و لكن اذا ما تحولت الي الامتعاض فان المساعد يبدأ في اتخاذ اللازم و ردع المتطفلين .
لثلاث سنوات أخري , أمر جيئة و ذهابا, من وإلي كلية الآداب , في الأغلب مرة كل أسبوع , أصبحت " الحياة " بجنيهين , و تغيرت أسعار كل الجرائد و المجلات , و أصبح مساعديه أكبر سنا و أقل عدوانية مع الطلاب و أكثر تهاونا و ودا معي .
أحد مساعديه اعتاد أن يأتي لي بالحياة فور ان يراني قادما , أضيف أنا مؤخرا : " و المصري اليوم " . ... بينما كبيرهم – عند الكلمة السابقة اكتشفت فجأة أني لا أعرف اسمه – لا يتزحزح , و كأنه تمثال مصري قديم يجلس هكذا منذ فجر التاريخ عند مدخل جامعة القاهرة .

صباح الأمس بعد أن قلت له كلمتي المعتادة :" الحياة " –كنت قد اشتريت المصري اليوم مساءا – وبعد أن تقبل مني الخمسين جنيها بلا مناقشة ثم جمع الباقي من " كرتونته ".... رفع بصره الي و ابتسم و هو يسألني : " انت لسه ما خلصتش ؟"
ليس من عادتي أن أحسن رد الفعل تجاه المفاجآت .. ولكن من حسن الحظ أن ابتسامتي اتسعت من الدهشة - و ليس حدقتاي - و أجبته في سعادة شارحا له قصتي و لكن باختصار ... لا يجب ان أتمادي مع تبسطه معي .
بدأت قسمات وجهه المتغضن تلين مفصحة عن حنو أبوي و هو يقول بصوت أجش غليظ : " أصلك ما بقتش تعدي كتير زي زمان "
اتسعت ابتسامته هو الآخر , تبادلنا جملتين أو أكثر, ثم تبادلنا السلام ., بل انه حياني بهزة من برأسه و أنا راحل .
توقفت قليلا أطالع أغلفة بعض الكتب المعروضة و انا أتابع خلسة كيف يعود وجهه ثانية كما كان, و كيف يرد طالبا بيده جريدة " المساء " و بيده الأخري الممدودة عشرون جنيها , قائلا في صرامة و اقتضاب " مفيش فكة " . .. ألمحه يلقي نظرة خاطفة الي مملكته قبل أن يشيح بوجهه مصوبا بصره الي بقعة ما بعيدا عني و عن الطالب الغاضب الذي لا يزال واقفا مادا يده في حنق .

10 January 2006

من أجل الإنسانية .. لا من أجل التغيير



(1)
الخميس الماضي (5-1-2006) قبل الخامسة بقليل , في الشركة التي أعمل بها و التي لا تبعد أكثر من مائتي مترا من ميدان المذبحة (مصطفي محمود سابقا )... الشركة تعج بالنشاط و الحركة اللذين لا علاقة لهما بالعمل .
اليوم الأخير قبل إجازة طويلة و الكل منتش باالحساب الذي امتلأ أول هذا الشهر بأضعاف ما يكون عادة , بمناسبة الأعياد و حوافز نهاية العام.
أظرف بيضاء تتنقل بين الغرف مكتوب عليها : كفالة أيتام او عمارة مسجد و ايضا عيد ميلاد فلان أو فلانة .... لم ينسوا من سيوافق ذكري ميلاده يوما من أيام العطلة , سوف يتم شراء هدية له بشكل عاجل اليوم .
الكل يخرج محفظته في أريحية و يضع في الظرف ... لا يعود ظرف من غرفة دون اضافة .
راودتني الفكرة و لكن لم أقدم عليها إلا بعد ان ألح علي زميل قائلا أن هذا أجدي من الوقفة التي ستقومون بها في الخامسة ..كما أنه يريد المشاركة, لكن مثل هذه الوقفات لا تلائم مزاجه كثيرا.
أخرجت ظرفا و كتبت عليه " مساعدات للجرحي و المشردين من اللاجئين السودانيين " و أنا أكتب ,حسبتها بسرعة و قدرت ماذا سيكون فيه بعد جولته علي مكاتب الزملاء ...أي من الغرف سيتغير فيها حاله ..و أيها سيخرج منها كما دخل .
كذبت نفسي و نزعتي الاستعلائية و دفعت عني سوء الظن بالآخرين و طويت الظرف , و بعد أن تركته قليلا لزملاء الغرفة , قمت به الي أقرب غرفة ..

" لا ....أنا ما ليش دعوة بالقصص دي ! "
هذا الزميل هو المنظم الاول للأظرف و التبرعات الخيرية المتعددة الأنماط بالاضافة لاعياد الميلاد التي يكون اصحابها من المقربين إليه ..
لم يكن هناك بد من بعض العدوانية ..
- " أنا آسف ... ما اعرفش حد من اللاجئين عيد ميلاده الأيام دي "
يخرج الظرف خاليا من هذه الغرفة ...في الغرفة التالية أذهب بها لصديق دمث لان اعصابي لا تحتمل كثيرا من السخافات .. اعطيه الظرف و اشرح له الموضوع و أطلب منه التنويه ان كان ثمة من يود المشاركة .
يأخذ الظرف دورته المعتادة مع عدد من الزملاء و يعود الي في نهاية الرحلة بلا أية اضافة .... و لكن مع كثير من الجدل مع من يأتون لغرفتنا لالقاء السلام و التهنئة بالأعياد ...
أحاول أن أخوض نقاشا يبدو لا علاقة له بمحاولة اقناعهم باخراج محافظهم .. و لكن أخيرا أكتشف أن الأمر لا يبدو لهم في وضوح كفالة يتيم او إعمار مسجد , كما انه لا عائدا اجتماعيا له مثل ان يجد صاحب عيد الميلاد اسم الدافع علي ورقة بهيجة تنبئه بمن جامله في عيد ميلاده المجيد .
أخيرا .. أعلن للملأ ان هذا الظرف لا علاقة له بجمع تبرعات .. عبروا عن مشاعركم جميعا كما ترغبون ... من يرغب في البصق عليهم بينما هم للأسف رحلوا, فليبصق في الظرف ...من يريد سب دين آبائهم فليترك ورقة بذلك ...حتي من يريد ان يخرج لهم إصبعه الوسطي ...فليقل لي و سأحاول نقل تعبيركم بأمانة !

(2)
الخامسة مساءا في ميدان المذبحة ... موعد الوقفة التي دعا اليها مجموعة المدونين التي أطلقت علي نفسها " متخلفون من أجل التغيير " والتي يعود " الأصل التاريخي" لتسميتها الي ذكري مظاهرة " كنس السيدة " التي أثارت فكرتها سخط المتنورين من أصحاب الفكرالجديد بالحزب الوطني التقدمي و تشكيلاته الأخري في الصحافة القومية و قيادات الأمن.
( كنت هناك بوصفي عضوا شرفيا في هذه المنظمة التي أحظي الآن بعضويتها العاملة بعدما تم تعميدي – بعد الوقفة – في جلسة سمر تدوينية في بيت الأمة : منزل علاء و منال )
كان عددنا قليلا في البداية و لكن بدأ الزملاء في التوافد ... تضامن مع دعوة " المتخلفين " تجمع " يد" كما " لجنة التضامن مع اللاجئين السودانيين " بالاضافة لمجموعة من شباب " شباب من أجل التغيير " و غيرهم .
مساء الخميس و المرور كثيف واعدادا من الناس تقترب و تنظر مليا الي اللافتات و الي وجوه الشباب الصامت الممسكين بها ..
أتخلي عن لافتتي بعد وصول عدد مناسب من الاوراق ... و أبدأ في توزيعها علي المارة و محاولة تجاذب أطراف الحديث معهم ...

- حضرتك أكيد عرفت اللي حصل هنا
- مش واخد بالي
- اللاجئين السودانيين اللي اتقتلوا هنا ... ما سمعتش حاجة زي كده ؟
- و الله طراطيش كلام ... سمعت انهم كانوا عاوزين فلوس و عملوا مظاهرة هنا و ضربوا البوليس و بعدين البوليس ضربهم و مشاهم من هنا .... عادي يعني .
- حضرتك سمعت الكلام ده فين
- اهو بيتقال و ساعات يعني بابص ع السريع في الجرايد
- (نفس عميق ) لا يا أستاذ الموضوع انه (..................)


- حضرتك أكيد عرفت اللي حصل هنا
- طبعا
- و ايه رأيك ؟ أنت من أي فريق ... اللي حصل ده تمام ...و لا مش تمام ؟
- و الله أنا مع الاتنين ... هما كان لازم يمشوا من هنا دول وسخوا المكان و كان عندهم ( ثم أنشودة الإيدز و الجنس في الهواء الطلق و نجيلة الحديقة و المنظر الحضاري ...إلخ )
-( مقاطعا ) اسمح لي حضرتك شايف ايه في الحاجات دي بالضبط تبرر قتل بني آدم
- مافيش , لكن ..
-( مقاطعا ) اسمح لي تاني ..الناس اللي واقفة هنا دي ممكن يكون عندها " لكن " او " المفروض كان .. " لكن احنا وافقن هنا علشان " مافيش " ...مافيش حاجة تبرر قتل بني آدم ..حتي لو كان متهم ... متفقين
- متفقين .
- لا مصريين زي اللي ماتوا في الانتخابات و لا سودانيين و لا من أي ملة أو دين ... الانسان – أي انسان – حياته شيء مقدس و لا يجب التعامل معه باستهانة زي اللي عند الشرطة المصرية ... مضبوط .
- كلامك مضبوط

- حضراتكم أكيد عرفتوا اللي حصل هنا
( شباب يرتدون حلات أنيقة كاملة ...غالبا موظفو بنك أو شركة كبري )
- ششت ...احنا مالناش دعوة
يواصلون طريقهم في مرح و تزيدهم لافتاتنا مرحا .. اكتم رغبة في الانتقام اللفظي ... لا يجب ان تحدث اي مشاحنات هنا ... أفراد الأمن بملابس مدنية هنا بأعداد أكبر منا ينتظرون ذلك

- حضرتك أكيد عرفت اللي حصل هنا
- اه طبعا ... و انت يا استاذ يعني مستني ايه ..دي حكومة وسخة بنت وسخة ... هو انتوا اول مرة تعرفوا؟
- لأ عارفين ..بس ايه الحل ... نسكت
- لا والله .. المفروض نطلع دين أبوهم
- محتاجين الاول نتعلم نرفع صوتنا و نطالب بحقنا ... ماحدش هيحافظ علي حقوقك و انت قاعد ساكت في بيتك
- صحيح ... ربنا معاكم .... سلامو عليكم


- حضرتك أكيد عرفت اللي حصل هنا
- طبعا
- و ايه رأيك ؟ أنت من أي فريق ... اللي حصل ده تمام ...و لا مش تمام ؟
- بصراحة انا مع انه كان لازم يحصل ... مش منظر يعني و ( ثم الأنشودة )
- معلش حضرتك اقرا الورق ده و حاول تدخل علي النت و تسمع كلام من مصادر تانية ..
- ماشي بس انا شفتهم بعنيا و الميدان اتقلب ما تآخذنيش في اللفظ زريبة
- طيب ما فكرتش ليه ممكن واحد ينام في الشارع ... مش أكيد عنده مشكلة
- ما هو مصر مش ناقصة مشاكل .. احنا فينا اللي مكفينا
- كل واحد فيه اللي مكفيه .. بس اخوك تقتله علشان ما يزودش مشاكلك ..و لا تقسم اللقمة بينك و بينه لحد ما تفرج ....
- و الله حتي اللقمة مش مضمونة الايام دي

- ...
-....
- يعني هو البوليس كان المفروض يعمل ايه ؟
- ده شغلهم هما يعرفوا ازاي ... انما اللي لازم يعرفوه انهم يتعلموا يحترموا البني آدم ..
- ما هو لازم السودانيين يحترموا القانون
- آه ..القانون .. القانون اللي بيجرم القتل .... ولا القانون اللي خلي ضباط الشرطة يتحرشوا بالمتظاهرات يوم الاستفتاء ..و يقتلوا الناخبين في الاقاليم .... و يعذبوا المتهمين و المشتبه فيهم في أقسام الشرطة ... انت عايش هنا و أكيد عارف
- معاك حق .. بس برضوا " احنا " كان مضطرين لكده
-لا يمكن ... حتي لو متهمين ... لازم تحافظ حتي علي حياة المتهم ...دي حياة بني آدم ... الانسان له الحق في تعامل أدمي يحترم كل حقوقه .. مش بس مجرد حياته ...فيه 56 بني آدم اتقتلوا هنا ... دي مذبحة ... مافيش مبرر أبدا للي حصل .. 56 نفس يا راجل ... الدور جاي علينا علي كل ضعيف هايطالب بحقه لو ما بدأناش نتعلم نقف جنب بعض ..

(3)
النتيجة كانت ايجابية في مجملها .. كثير من الناس اقترب و قرأ الأوراق و استمع لكلامنا و خطبت أميرة الطحاوي في الجموع و قرأ أحدنا بيانا عن المذبحة .
ساعدنا مساء الخميس و منحنا مرورا كثيفا من المارة و السيارات .
تكلمت كثيرا حتي أصبت بالصداع و لكن بعد أكثر من مناقشة بدأت أتعلم أن أحافظ علي مجري سليم للحوار .. أتجاوز بسرعة أنشودة النجيلة و الإيدز و أدخل في صميم الموضوع ..أحاول ان اتجنب الكلام المجوف و الثنائيات العقيمة التي تعترض مجري التفكير مثل ( مصر /السودان – نحن /هم – المفوضية /الحكومة - ..... ) أحاول التركيز علي كلمات مثل :( بني آدم – إنسان – حق –حياة – تعامل انساني – وحشية – تجاوز – بلطجة – مذبحة – نفس –روح – قتل – دم )
أقول أننا هنا مختلفون حول بعض حقوق او سلوك هؤلاء اللاجئين و حول مشروعية مطالبهم , و لكن كان علينا اولا بدلا من التفكير في ابعادهم من هنا ان نفكر قليلا في مشكلتهم لا مشاكل الحديقة , ثم اننا لا يجب أن نختلف في ان قتل الانسان هو جريمة لا مبرر لها اطلافا ... تحت أيه اعتبارات او ظروف حياة الانسان وحقوقه الأساسية هي الأهم مطلقا .

أعتقد انك ما ان تسير في المسار الصحيح .. يفاجأ محاورك نفسه أنه متفق معك و يبدا في الخجل من مبرراته و كلماته التي يكتشف انها مقارنة بما حدث بلا معني تقريبا .
الناس لم يفقدوا روحهم الإنسانية بعد ...و لكنهم فيما يبدو مضطرون لتجاهلها ليتمكنوا من الحياة ... مضطرون ان يتجاهلوها و الا سيصابون بالاكتئاب كل صباح و هم يطالعون في الجريدة : مصرع العشرات و اصابة المئات ...مذابح و تفجيرات و انتهاكات .... مضطرون لتجاهلها و اخفائها لكي يتمكن كل منهم من تجاوز حق غيره في طابور انتظار الاتوبيس وطابور رغيف الخبز , وأيضا في تجاوز حق غيره في الحصول علي وطيفة او مقعد دراسي او صفقة عمل ... لم يعد هناك ما يسمي بحق أحد ما – هناك استطاعة ( وساطة – رشوة - نفوذ ) تمكنك من تجاوز غيرك .
يلزم أن تطمس حسك الانساني لتحتفل هنيئا بأعياد الميلاد بلا شعور بالذنب تجاه المذابح الجماعية .. لتقضي عطلة أسبوع مرحة عابثة بلا أدني مشاعر مقلقة .
يلزم ان تطمس حسك الانساني لتتمكن من خوض الصراع في الاتجاه الخطا .. ان تنخرط في صراع المظلومين – بعضهم ضد بعض - علي لقيمات الخبز و علي المستقبل الأمن لاولادهم , بينما أنت مضطر - قهرا- لتجاهل وجود أيادي البطش و أيادي الفساد.

ملزمون بطمس انسانيتهم هم أنفسهم و من العسير أن نسألهم عما فعلوا اكتراثا بإنسانية غيرهم .


02 January 2006

مصر : هنا قتلت الإنسانية


".. التقارير الأولية لمعاينة جثث القتلى – 56 قتيلا حتى الساعة الثانية عشرة ظهرا (السبت 31 ديسمبر2005)
معظم الحالات وفاة من اسفكسيا الاختناق
الحالات الأخري : - انفجار في الطحال - هبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة لنزيف داخلي - نزيف في المخ - انفجار في الرئة – البنكرياس
عدد كبير من القتلى هم من الاطفال "
من تقرير تجمع " يد " من معسكرات اللاجئين

" الحكومة السودانية تشكر مصر علي صبرها كل هذه المدة "
متحدث رسمي عن الحكومة السودانية بقناة الجزيرة

" هناك اتفاق مسبق بين الحكومتين المصرية و السودانية بشان فض الاعتصام "
محافظ الجيزة ( جريدة العربي 1-1-2006 )

" مظاهرتان بالقاهرة ظهر و مساء السبت 31-12-2005 تحت شعار ( هنا قتلت الانسانية ) "
/
في السودان : حفل غنائي بهيج مساء السبت 31-12-2005 بحضور الرئيس البشير بمناسبة عيد " استقلال " " دولة " السودان !! "

" أحمد نظيف يستهل مهام ولايته الجديدة بزيارة رجال الشرطة الذين أصيبوا خلال عملية فض اعتصام اللاجئين السودانيين "
المصري اليوم 1-1-2006

" استخدمت الشرطة خراطيم المياه الملونة التي تصيب الأجسام بالحساسية و العيون بالانتفاخ "
العربي 1-1-2006

" بدأ اللاجئون بالقاء الزجاجات و أنابيب البوتاجاز - ! - علي الشرطة "
عمر شعيب - موظف باحد الشركات المجاورة للميدان تواجد بالصدفة الساعة الرابعة فجرا بموقع الحادث -! - و أدلي بتصريحاته كشاهد عيان للاهرام ( الاهرام 1-1-2006)

" التقرير المبدئي لبعض الجثث به آثار عنف بارأس و منطقة الصدر نتيجة استخدام آلات حادة ضد المعتصمين السودانيين "
مصدر طبي بمستشفي الشرطة بالعجوزة( العربي 1-1-2006)

" الضحايا اختنقوا تحت أقدام زملائهم "
الاخبار 1-1-2006

" أدينا واجبنا بالكامل تجاه هؤلاء اللاجئين ... ( مصر ) كان عليها أن تتدخل حفاظا علي هيبتها و حقوقها "
المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية

" مصر تعاملت بحكمة و اقتدار مع أزمة اللاجئين السودانيين "
بيان وزارة الخارجية المصرية

" يا سيدي لك أن تتخيل ... المعتصمون السودانيون مارسوا ( الحياة )- تفهمني طبعا - في الميدان "
مجدي الدقاق رئيس تحرير مجلة الهلال في قناة الجزيرة

" ... و في ذلك كانت مصر نموذجا حضاريا فريدا عندما انتظرت أكثر من ثلاثة أشهر استنفذت خلالها كل الوسائل المتاحة , ثم بعد ذلك تحركت في إطار الشرعية و القانون لتفرض النظام و الأمن الذي هو غاية و هدف أي مجتمع " إنساني " متحضر "
محمد عبد المنعم الرئيس السابق لمؤسسة روزاليوسف في عموده " بالمنطق " الأخبار 1-1-2006

"اعادة تخطيط و تجميل حديقة ميدان مصطفي محمود "
الأخبار 1-1-2006

" هما يستهاهلوا ...دول صيع و شفتهم بعيني بيشربوا بانجو و هما قاعدين في الميدان "
أشرف - ساعي " نوبي " بشركة استثمار عقاري

" كان منظرهم مقرف جدا و ما كنتش قادرة أعدي من جنب الميدان من الريحة ...نعيش ازاي كده "
دينا - عضو هيئة تدريس باحدي الجامعات - تسكن في حي المهندسين

" يا عم ما يروحوا بلدهم او يمشوا جنب الحيط زي ما احنا ماشيين ..عاوزين ايه ... هو احنا يعني اللي عايشين "
سيد - بقال

" دول أكلوا نجيلة الجنينية - يضحك - أنا قلت دول هياكلوا العساكر كمان ... ما كانوش ممكن يمشوا غير بكده "
محمد -طالب بكلية الحقوق

" العمارات اللي حوالين الميدان جالنا منهم شكاوي كتير و كانوا عاوزين يعملوا مظاهرات ضد المعتصمين علشان يمشوا من هنا "
لواء شرطة لقناة العربية

" طب يعني البوليس يعمل ايه ... ما هو مش منظر حضاري برضه قعدتهم دي "
عبده - سائق خاص

" هي صحيح البلد كلها أصلا وسخة ... بس دي المهندسين ...و العرب يا ريس "
سائق ميكروباص

" تم رصد 17 حالة طرد لعوائل سودانية من المساكن التي يستأجرونها في أماكن متفرقة بالقاهرة "
من تقرير تجمع " يد"

" فقط هاتوا أهلنا ثم أطردونا إلى أقرب صحراء لنموت هناك ,وحدنا "
سليمان - احد اللاجئين السودانيين للمتظاهرين في ميدان مصطفي محمود مساء السبت 31-12-2005

" من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا "
قرآن كريم


** فقرة إعلانية **
بشري سارة !
- العشر الأوائل من ذي الحجة ...فرصة لاقتراف أكبر " كمية " من العمل الصالح و الحسنات المضاعفة
- تتوفر مسابح بالعدادات الاوتوماتيكية
- تملك في برج زمزم و تمتع بالحج مع أجمل view علي الحرم المكي الشريف

بمناسبة أعياد الميلاد ...
أجمل أيقونات للعذراء و وليدها المسيح .. الذين لجئا إلي مصر هربا من الاضطهاد ... و لكن بطريقة حضارية
توجها لحي المطرية الشعبي و لم يعتصما في ميدان حي راق !

****





" مَنْ سيُعلّقُ في الميدانِ الخاوي
أغنيةَ الميلادْ
دمّ الأطفالِ السودِ يلطخُ كل فروعِ السَرْو
ِيُـلطخُ كلّ هَدَايا الليل ِ , مَــتَاجرَ حيّ البيضِ الراقي.
مَنْ سيعلّقُ في المَيدانِ الخَاوي أغْنيةَ المِيلادْ
(سَانْتا كْـلُوز)
لا يعرفُ أنّ هناكَ أمانٍ للأطفالِ السودِ
ولا يَهْتم
ّللأطفال السودِ , الموتُ , هراواتُ الأمنِ المصريّ
جيشٌ من (سَانْتا كْـلُوز) أحرقهم أحياءً في الميدانِ
كي يتدَفــأُ أهلُ الحيّ الراقِي
ليلةَ أولَ يومٍ ,
من عامٍ مصريّ
سأبيت
ُوفي قلبي ثقبٌ أسودْ "
محمود عزت





" أولاد القحبة !
لست خجولا حين اصارحكم بحقيقتكم
أن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
تتحرك دكة غسل الموتى
أما انتم لا تهتز لكم قصبة
الان أعريكم
.....
يا حكاما مهزومين
و يا جمهورا مهزوما
ما أوسخنا ... ما أوسخنا ... ما أوسخنا
ما أوسخنا
لا أستثني أحدا"
مظفر النواب


31 December 2005

! سيدي الرئيس



سيدي الرئيس
شكرا لاهتمامك
كانت ستمسي ليلة سخيفة
لو انهم ظلوا هناك بوجوههم السوداء ..
و رائحتهم التي لا تطاق ..
المخمورون
المصابون بالإيدز
و خمورهم الرديئة
و ثيابهم الرثة !


كل شيء سيدي يهون
حتي لو خمسين قتيلا
.. الا بهجة ليلة رأس السنة !

سيدي الرئيس
نخب الإنسان !
Happy New Year!






23 December 2005

" ماشي الحال "

يري " هانز يوناس " أن الوجود أفضل بما لانهاية من اللا وجود , و يتخذ من ذلك منطلقا لفلسفته الأخلاقية الداعية الي الفعل بما يحفظ الوجود الإنساني الآني و استمراره في المستقبل .
بقدر من التلفيق الفلسفي الشائع في الفكر العربي يمكن أن أبرر لنفسي - وفق يوناس – احتفالي اليوم بذكري ميلادي ( بداية وجودي ) باعتبار ان ذلك كان حدثا نقلني الي حالة افضل بما لا نهاية.
في الجملة الأخيرة تحديدا , يبدو تلفيق يوناس هو الآخر واضحا ...فلا أحد كان موجودا أو سوف يكون في حالة اللا وجود – أو حتي يمكنه تخيل ذلك - ليمكنه ان يحكم علي هذه المقارنة .
و لكن علي كل حال انا موجود الأن و أنتم موجودون , و بغض النظر هل ذلك فعلا أفضل أم لا , أو أفضل من ماذا , فــ " ماشي الحال " بدون " يوناس " أو غيره .

بدا لي الأمر طريفا لو أني كنت قد تناولت فلسفة يوناس و قمت بانتقادها علي هذا النحو في اختبار " فلسفة الأخلاق " أمس . إلا إني لم أفعل و فضلت أن أتناول فلسفة " إيمانويل ليفيناس " لما بها من طرافة و ما تثيره لدي من ذكريات ... فـ" ليفيناس " يري أن تجربة وجه الآخر هي مصدر الشعور الأخلاقي ...فوجه الأخر عند " ليفيناس " هو مظهر وجوده الذي يثير فيك المسئولية عنه و تجاهه .... ربما هذا ما حدث لي قبل أكثر من عام في حديقة معهد جوته .. وجه
رضوي و هي تقرا لي قصيدة الشاعر عبد الحميد عبد الهادي عن ولده آثر , قررت أن تقرأها لي بلا سبب مفهوم سوي أنها تذكرتها , و أمام تعابير وجهها و هي تقرأ القصيدة بانفعال , أدركت أني أمام واحد أخر- غيري - من " أبناء الله المدللين " – سوف أحدثكم عنهم فيما بعد - و تلقائيا شعرت بتلك المسئولية التي يتحدث عنها " ليفيناس " فدعوتها علي آيس كريم ثم خطبتها ثم أوقفت لها تاكسيا و ودعتها ثم رجعت الي البيت و نمت .

هل كان هذا فعلا من أفعال المسئولية ...تبدو أفعال
رضوي مصداقا أكثر لأفكار " ليفيناس " فهي من ساعتها تعتني بي عناية كاملة و تظهر نحوي مسئولية " أمومية " نادرة تجعلني خجلا من أخلاقي الفلسفية " الباردة " .

رضوي أهدتني اليوم السيرة الذاتية لإدوارد سعيد " خارج المكان " , لا تعرف الي اي حد مسني ذلك , فبالاضافة أني كنت أكن ودا عميقا علي البعد للراحل إدوارد سعيد كانسان , فانا متيم بشكل كامل بالنموذج الذي كانه كمثقف .
كم أن هذه العبارة " خارج المكان " – يا الله – ...لا شيء يعبر عن " مكاني " أكثر منها .
يوم أمس في الاختبار.. تلك الدكة في طرقة قسم الفلسفة , بدت لي تحديدا مكاني الذي أريده ...حين امتشقت كل ما لدي من حاسة تحليلية نقدية و أخذت أرصد العلاقة بين فلسفة كانط الأخلاقية و بين مثيلتها عند يورجن هابرماس ...أيه متعة تلك التي جعلتني أتناسي عاقبة من يجرؤ علي الاجتهاد في جامعات مصر المحروسة هذه الأيام ... لا يهم ..تكفي جدا تلك اللحظات التي استمتع فيها بكوني محلا للمسائلة والاستجواب الفلسفي .
هل هذا فعلا مكاني علي الأرض أم أني خارج المكان ...مكتوب بجوار اسمي ذلك التوصيف العجيب ( طالب نظامي / منتسب / مؤهلات عليا ) ..لا تسألني عن ذلك التناقض بين نظامي و منتسب ..اسأل الفلاسفة الذين في شئون الطلبة .
هل مكاني هو مكان اسمي الموجود وحده في ورقة منفصلة تحت هذا التوصيف , و بحذائه رقم جلوسي ...الرقم الأخير في القائمة و الطرقة.
هل مكاني هو مكان اسمي - لم لا - فوق لافتة من تلك اللافتات المعلقة علي يمين و يسار طرقة القسم و التي تحمل - بجانب أسماء لها قدرها - أسماء بعض الموظفين علي درجة أستاذ فلسفة .
أم مكاني هو ذلك الذي يحتله اسمي بعد كلمة مهندس أسفل يمين اللوحات التي تحمل تصميماتي الانشائية .
أم هو ذلك الذي يحتله اسمي أحيانا تحت بعض كلمات تشغل حيزا من صفحات جريدة أو مجلة .
أم هو مكان اسمي تحت كلماتي هذه هنا و حسب !

لم يكفني ربع قرن من التسكع و المراوحة و التجريب ... لذا احتجت " يوناس " لابرر احتفالي بذكري ميلادي مع رضوي التي أصرت علي ذلك ... بينما أري أنا في تلك الذكري معاني النفاذ و الفوت و الانقضاء و الأيام المبعثرة... و أري معهم ذكري طموحات كبيرة معلقة و آلاف الكلمات و الأفكار و الاحلام و الخطط و التوقعات و التحولات و الخيبات و المراوحات ثم معاودة الكرة مرة تلو أخري و..........." ماشي الحال " .


الأكثر تعبيرا عما أشعر به اليوم في إيجاز فلسفي غير مخل – دعك من يوناس و ليفيناس و كانط و هابرماس - هو, في الحقيقة , خالد الذكر" عمرو دياب " الذي فاجأني اليوم بأدائه شديد الايحاء لمقطع من أغنية هزلية
له .. اعتبرت ذلك موجها لي بشكل خاص , حين قال باسما و هو يرفع رأسه قليلا في منتصف جملته :
" كل سنة بقي و انت طيب ! "


-------------------------------------


هوامش :
- " ماشي الحال " : الفلسفة المصرية الأكثر أصالة .
- صورة متفلسفة لي بدون مناسبة ... يمكن أن تفيد في حال اضطر المدونون للتضامن معي لاحقا لأي سبب .
- المقطع المذكورلصاحبه من أغنية
" معاك بجد " من آخر عبوة غنائية له .
" كل سنة و انت طيب " : وجه آخر للفلسفة المصرية الأكثر أصالة
.

10 December 2005

! إلي آبائنا الذين في المباحث



رغم ما يتردد من أن الدولة في مصر أزالت كل الحساسيات الدينية بين المصريين , لانها " طلعت أديانهم " و " كفرت أيمانهم " جميعا .... إلا ان وزارة الداخلية تكذب هذه الأنباء و تري أن ذ لك لم يحدث بعد , لذا فحتي الحين الذي يتم فيه ذلك بشكل كامل , فهي تتبني وجهة النظر القائلة ان الدين علاقة شخصية و خاصة جدا جدا بين الفرد و جهاز أمن الدولة ... و تحديدا ادارتين خاصتين في هذا الجهاز : ادراة لمكافحة الأسلمة و ادارة لمكافحة التنصير...و هذه الأسماء ليست رسمية بالطبع .
هاتان الاداراتان برز دورهما مؤخرا علي خلفية الفتن التي اشتعلت بعد ما جري من محاولات فتيات و سيدات الانتقال ذهابا أو إيابا بين الإسلام و المسيحية ..( لا أدري لماذا كلهن من النساء ؟ )
يمكن الآن أن نفهم علي أية خلفية تم القبض علي الصحفي أبي إسلام أحمد عبد الله . فهو يدير مركزا يسمي " مركز التنوير الاسلامي " , و نشاطه هو دراسة مقارنة الأديان ( بغرض الدعوة للإسلام و الرد علي الأديان الأخري ) علي أيدي متخصصين من رجال الأزهر و أساتذة دار العلوم و بعض المتخصصين الآخرين من ذوي الاتجاهات الإسلامية ....و ربما يستضيف رهبانا أو قساوسة أو مفكرين مسيحيين كمحاضرين زائرين .
نشاط المركز يرجع لثلاثة أعوام ..تخرج خلالها دفعتين من الدارسين و الدفعة الثلاثة توقفت الدراسة بها احتجاجا علي اعتقال أبي اسلام ( بحسب تصريح ابنه ) أو ربما بأمر أمن الدولة و هو الأرجح .
هذا المركز أيضا يقدم أنشطة ثقافية عامة لغير الدراسين .. هذه الأنشطة تتقاطع مع أهداف شبكة بلدي علي الانترنت – التي يديرها أبو إسلام – و هذه الأهداف هي مقاومة " النصرانية و التنصير و الماسونية " و الشبكة تفتح ذراعيها –بحسب ما مذكرو بها - للمنصفين من الأقباط المصريين و تهاجم الكنائس الغربية باعتبارها صنيعة الغرب و الاستعمار.
إسلام – نجل الشيخ المعتقل - أفادنا بهذه المعلومات في زيارتنا ( أنا و مالك و سقراطة و منال و علاء ) له الثلاثاء الماضي ...و زاد أنه حدثت حالات تحول للإسلام بالمنطقة التي يقع بها المركز ,كما أن الشباب من ناشطي المركز نجحوا في ايقاف حالات تنصير في نفس المنطقة .
أظن أن الأمر أصبح واضحا بقدر ما ... ولكن سقراطة كانت مندهشة جدا يومها وهي تردد " طب و إيه المشكلة ؟ " و تحاول الاستزادة من إسلام .. و اندهشت أنا من اندهاش سقراطة ...بينما كنت مندهشا أكثر من شيء آخر ... كيف تسامحوا مع هذا المركز كل هذه المدة, بينما فلسلفتهم أن الباب الذي يأتي منه الريح ...ابن مكانه حائطا خرسانيا.
هل تسامحهم مع " المركز " – الذي أري وجوده حقا لناشطيه رغم كل شيء – يندرج تحت ما يشاع عن توجهات لارخاء الحبل لتحركات تساهم في تحجيم تحركات الأقباط المطلبية هنا و هناك و التي تتوازي مع تصاعد أنشطة الدعوة للمسيحية و الرد علي الإسلام علي الانترنت و الفضائيات .. التعامل الأمني " الرخو " مع بوادر فتنة كنيسة محرم بك –ان لم نتحدث عن أضواء خضراء أو تورط ما - يقوي من هذ التفسير ...الذي - ان صح - يشير إلي أن ألعاب التوازن البلهوانية لا زالت تجري في دماء النظام المصري الذي لم يتعظ من درس انشاء و دعم الجماعات الإسلامية في الجامعات و التي انتهت – مع تفاعلات أخري - بمقتل السادات.
و لكن ما الذي جد مؤخرا لكي يعتقل أبي إسلام ؟
هناك تفسير للأمر يرجع الاعتقال لمقالات ساخنة نشرت مؤخرا علي شبكة بلدي ترد علي زكريا بطرس ( قس الفضائيات الشهير ) بلهجة حادة و عدوانية تجاوزت بطرس لتشمل عموم المسيحيين .
و هناك تفسير آخر أخبرنا به إبنه إسلام أن ذلك حدث لأن أباه كشف أمر بعض المندسين من قبل الأمن في " المركز " و قام بطردهم ...كما رفض أبو إسلام أي تعاون مع إدراة مكافحة التنصير بأمن الدولة حول حالات تنصير تعرض لها شبانا مسلمين و نجح في عرقلتها شباب المركز من الدارسين .
و يمكن أن تقوم تفسيرات أخري بناء علي ما ذكره لنا إسلام عن شعبية أبيه بين الشباب الإسلامي و علي غرف البالتوك و انتظار كثير من الشباب لكلمته بشأن أحداث فتنة محرم بك و التي رفض فيها أبو إسلام أي مشاركة لتلاميذه في الفتنة ....و يمكن أن أضيف من عندي أن مشاركة أعداد من الشباب السلفي – لأول مرة - في تظاهرة الثلاثاء الماضي للمطالبة باطلاق أبي إسلام هو تحول نوعي في اسلوب نشاط السلفيين , المنسحبين تماما من الحياة السياسية العامة .
و هو شيء ربما ينبيء عن بدايات تبلور و ظهور مجموعات سلفية جديدة ذات ميول حركية , كما يمكن ان يكون دالا علي مدي نشاط ونفوذ إبي إسلام إنطلاقا من الانترنت و " المركز " .
بغض النظر عن سبب الاعتقال الذي يري علاء أنه من العبث البحث عنه لاننا نتعامل مع أجهزة دولة شديدة الانطوائية لذا فهي لا تعبر عن أفكارها و مشاعرها فيما يخص عدوانيتها مع المواطنين من رعاياها .. بغض النظر عن ذلك السبب ( أو الأسباب ) فإن مجموعة المدونين المذكروة أعلاه بالإضافة لآخرين .. قرروا التضامن مع أبي إسلام باعتباره ناشطا علي الانترنت , ولأن اعتقاله - بغير سند قانوني - انتهاك لحرية التعبير و لحقوق الإنسان بشكل عام.
كما أن هذه فرصة لكي يثبت المدونون حيادهم الكامل و انحيازهم فقط لحرية التعبير , فكما تضامنوا مع كريم عامر الذي اعتقل بسبب تعبيره الذي رآه الكثيرون تطاولا علي الإسلام و المسلمين ...فهم يتضامنون الآن مع أبي إسلام الذي اعتقل بسبب تعبيره الذي يراه الكثيرون أيضا تطاولا علي المسيحية و المسيحيين .



" يا آباءنا الذين في المباحث " أطلقوا سراح أبي إسلام .. و أخلوا سبيل " أبونا" و " أبو البلد" ...وهي تعمر !


08 December 2005

" ! تلك هي المسألة ... "



(1)
تصورت ان تلك اللحظات من مساء أمس , هي من تلك اللحظات الطيبة التي يجود بها أحيانا قدري السمح , و التي يجب أن تملأ أعماقي فرحا , بعضها كان كذلك بالفعل , الا إن بعضها بدا لي غير ذلك , فالتساؤلات هي التي تدفقت سيالة من روحي .

(2)
في الوقت الذي وقفت فيه في منتصف شارع عبد الخالق ثروت أمام نقابة الصحفيين رافعا لافتتي الخاصة المذيلة باسم هذه المدونة و التي تحمل عنوان
تحيتي التدوينية لنهي الزيني , كان أحد الضابط ينظم المرور قانعا بما تبقي من الطريق خاليا منا , و كلما اختبرته و تقدمت خطوات ليبدو وجه لافتتي أوضح للسيارات القادمة , يتقدم هو الآخر موجها سخطه للسيارات لتسرع في مرورها من أمامنا .
رضوي ترفع لاقتة مكتوب عليها بخطي " ارفعوا أيديكم عنا يا حثالة " تحت خبر الاعتداء علي أسماء حريز صحفية " الكرامة " ...الضباط يقرأونها مبتسمين و أيديهم في جيوبهم أو ممسكة باللاسلكي ...
و عندما اقتربت يد أحدهم مني , في شارع 26 يوليو و نحن نسير في فوضي بين صفوف السيارات السائرة أو الواقفة في الاشارة , كانت لأن ضابطا ربت علي كتفي في حنو ينبهني لأتفادي احدي السيارات معتذرا في أدب معللا ذلك الانتهاك الذي بدر منه تجاه حق التظاهر الحر في الشوارع " معلش علشان سلامتكم " .

(3)
المظاهرة كانت من أجل نهي الزيني و أسماء حريز , تضامنا مع القضاة و الصحفيين ضد انتهاكات الانتخابات ..و لكن تدريجيا تحولت المظاهرة كلها لمجاميع كومبارس خلف أعضاء الغد بلافتاتهم المطالبة بالحرية لأيمن نور الحبيس حتي السبت القادم , و خلف بعض شباب الإسلاميين الرافعين صور
" أبي إسلام أحمد عبد الله " الصحفي المختطف لأجل غير مسمي ...شعارات كفاية الفضفاضة توارت معالمها و تلبستها أرواحا أخري علي خلفية تلك اللافتات التي ترفع صور و اسمي الثنائي الحبيس .. و التي تجاوزت أعدادها أعداد لافتات الدعوة الأساسية للمظاهرة .. لم تفلح الهتافات التي تهتف بالحرية للجميع في تجاوز هذا المازق .....شيء أشبه بأن يعتلي أحدهم كتفك رغما عنك و يهتف....
في شارع رمسيس نحتل نصف الطريق فقط ... جميلة اسماعيل " تنشق " عنا و تأمر شباب الغد باحتلال النصف الآخر بلافتة برتقالية عريضة يتصدرها اسم زوجها , تتجاهل اعتراضات الضباط المهذبة جدا , و نفير السيارات الغاضب المزعج .
يتحول الألف متظاهر - تقريبا - لنثار من السائرين بلافتات أو بدون , يهتفون أو يراقبون في صمت , افراد علي الرصيف و آخرون بين السيارات , بعضهم يثرثر ضاحكا و اخرون يتناقشون بجدية – في خضم هذا الصخب - حول إشكاليات الديمقراطية و التغيير .
بعد جولتين في شوارع وسط البلد ,عودة الي نقابة الصحفيين .
الأمن رافقنا في الجولتين و كان في منتهي الرقة مما استفز بعض الشباب الذين ضخموا من بعض الأمور (اصطدام غير مقصود أو احتكاك طفيف ) محاولين تسخين الجو.
هذا التسامح لا يبدو طبيعيا .

(4)
اللحظات الطيبة بالفعل.
قمة تدوينية مصغرة في النادي اليوناني ...
التقطني
عمرو غربية في نهاية المظاهرة و عرفني علي مالك و جين و توجهنا الي النادي و هناك انضم الينا منال و علاء ثم نورا يونس .
بعد فاصل لذيذ من الدردشة و المزاح , توجهنا – عدا
نورا و عمرو غربية – الي منزل أبي إسلام أحمد عبد الله لمقابلة ابنه إسلام (و هذه قصة أخري )
بعد اللقاء عودة الي مقهي البورصة ...
عمرو غربية و محمود توفيق ينضمان الينا بعد لقاء حضراه حول " تطوير " حركة كفاية.
عمرو – باسما - ينقل لنا اشكالية اللقاء الرئيسية : هل
حركة كفاية " بوتقة " تصهر ناشطيها بمختلف اتجاهاتهم, أم أنها " قفة " – أي و الله – يجتمعون فيها مع حفاظ كل ناشط علي كيانه و اتجاهه الخاص .

(5)
سأحاول أن أدلي بدلوي في الاشكالية السابقة " بوتقة أم قفة ؟ " , علي خلفية تلك اللحظات التي قضيتها متظاهرا و التبست علي ّ , أهي لحظات طيبة ام غير ذلك .
مؤكد أنكم منذ قليل علمتم ما فعل الحثالة في اعادة الجولة الثالثة من الانتخابات .
هم حثالة بالفعل حتي ولو ظللنا نطوف وسط البلد حتي الصباح برفقة زملائهم .
تسامحهم معنا اذن ليس الا سحبا لتنظيمهم المجاني لنا بالكردونات و صفوف الجنود.. ليس الا سحبا لفرص كادرات جذابة تجمع المناضلين مع جنود الطاغية .. يتركوننا في مواجهة فوضانا ... و لم لا ؟ ... نحن نخوض معركة افتراضية في شارع لا يعرفنا جيدا ... بعض قائدي السيارات و المارة يظنون أننا جميعا أنصار أيمن نور ...و آخرون لا يعرفون عما يحدث سوي كلمة" كفاية " ... لا أحد تقريبا يعرف نهي الزيني و لا ما فعلت ... اللافتة التي حملتها كانت بلا معني سوي للزملاء المتظاهرين .
وجوه الحثالة تظهر جيدا هناك حيث المعركة الحقيقية عندما تجاوزالاخوان توقعات أصحاب الفكر الجديد , و تجاوزت مقاعدهم عدد المقاعد المرسومة في الديكور الديمقراطي .
" بوتقة أم قفة ؟ "
فلنخرج من هذه الثنائية و لنفتح أفقا أرحب و أكثر شاعرية للسؤال .
هل كفاية " وردة" في عروة السترة الديمقراطية...التي يعدل النظام من هندامها مخفيا في " الصديري " الطبنجة لوقت الجد ...
أم هي " علم " ننصبه و نتظاهر حوله غاضبين كلما جد جديد , سواء تجمعت حولنا حشود الحثالة أم لم تتجمع ؟
" وردة أم علم ؟ " تبدو الإشكالية الآن أكثر شاعرية !

(6)
ليست أعراضا مرضية أن يطمئنني رد الفعل العنيف و يقلقني التسامح الزائف .
النشوة العابرة و أنت تسير حرا تهتف , يجب أن تتحول لغصة عندما تسمع الآن عن اعداد القتلي أمام لجان الانتخاب .. و أعداد معتقلي الأخوان في الدوائر الساخنة ... و تقرأ عن انتهاكات فاضحة في دائرة حمدين صباحي ...و عن اهانة القضاة غير المنبطحين .
لذا فرغم تعاطفي الشديد و غضبي لما حدث في امبابة الأسبوع الماضي , من طعن شاب بعد خروجه من مركز " تضامن " أهل امبابة ( مقر كمال خليل الانتخابي سابقا ) , و الذي أدي لاصابة بالغة في فخذه التئمت بثماني عشر غرزة ,الا ان تذكري لذلك أعاد لي بعضا من الأمل أن هناك تهديدا ما, يشكله قطاع من حركة التغيير قرر التحرك بشكل مختلف , و تحركه استوجب ردا و ارهابا و سفورا للوجوه القبيحة ..
ربما تكون أجمل اللحظات من مساء أمس علي الإطلاق , عندما التقيت الشاب المصاب في المظاهرة " يزكّ " علي ساقه المصابة .
ذلك الذي ملأ أعماقي فرحا و أملا .


" كــَمَنـْجَة بدَقــْـن "



أخيرا ... و بعد مناوشات بيننا كادت أن تتطور إلي اشتباكات بالأيدي , رضخ شاعري المفضل و الكسول , لأمري , و افتتح مدونته منذ أيام ...
مدونة ( نور ) لصاحبها أخي الأوسط محمود ( قريبا ... يأتيكم الأصغر و الأخير من آل عزت ان شاء الله )
http://nournour.blogspot.com
محمود دون قصائدا عامية في البداية كنوع من السلامات المرحة ...... انتظروا له أيضا كوارث فصحي .
و لمن هو في عجلة من امره, ابحث في مجلة " أفق " الالكترونية أو ملتقي الأدب العربي .
من أعجبه منكم شعره , فعليه بتعليقات شديدة اللهجة أو رسائل تهديد لكي يواصل تدوينه بشكل منتظم .