20 June 2012

بالمستقبل متفائلين





في الحلم كنا غدا، الخميس، يوم إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، ولكننا كنا في تونس، أنا وآخرين أعرفهم. محتشدون في شارع بورقيبة بالقرب من مبنى وزارة الداخلية التونسية. نتطلع إلى الشاشات الكبيرة في المقاهي وشاشات أخرى ضخمة منصوبة خصيصا.
كنت واقفا بجوار لوحة إعلانات لشركة "تونيزيانا" أشرب الشاي في المج الذي أهدتني إياه هبة كتذكار من نيويورك عليه صورة وودي آلان. تذكرت كيف فشلت كل محاولاتي لتشغيل إنترنت الموبايل مع شريحة "تونيزيانا"، وكيف قضيت وقتا طويلا في مقارهم أمام لوحتهم الدعائية "بالمستقبل متفائلين" قبل أن يعلنوا لي مرة بعد مرة أن كل شيء على ما يرام بخصوص شريحتهم والإعدادات وفي الوقت نفسه لا أمل في تشغيل الإنترنت. 

قطعت أفكاري ضوضاء بدء المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة، الكل متوتر. توقعات بفوز مرسي. النتيجة: فوز شفيق. 
لحظة تم تفريغها سبقت الانفجار. وجدتني أطيح بالمج وأكسر لوحة الإعلانات، لا أستطيع أن أستبعد حنقي المسبق بسبب موضوع الإنترنت. ولكنني كنت غاضبا أكثر طبعا بسبب النتيجة. شفيق؟ ولم أكن وحدي. أحدهم كان بالفعل قد كسر الشاشة والآخر حمل كرسيا وأطاح به وسط الشارع. الشارع كله انفجر غضبا. 
حشود من جنود الشرطة فجأة ظهرت بيننا وكذلك حشود من السلفيين بقمصان سوداء. تتطور الاشتباكات وتندلع حرائق هنا وهناك. "الشعب يريد إسقاط النظام ... يا ولاد الوسخة!" . أفقد كل من أعرفهم وسط الجري والاشتباكات. أجد نفسي وسط مجموعة من السلفيين، كلهم يرتدون قمصانا سوداء. تطاردنا مجموعة من الجنود فنهرب إلى شارع جانبي. يخرج أحد السلفيين من حقيبته الجلدية زجاجة مولوتوف جاهزة مشتعلة. ويرميها باتجاه الجنود فيتراجعون. تشب النار في سيارة كانت بجوارهم. نتجه إليها ونقلبها ونتخذها ستارا. نرميهم بالطوب والمولوتوف وصوت رصاصهم يخبط جسم السيارة أمامنا. 
يهدأ التراشق قليلا. فينظر السلفيون إلي ويبدو لي أنهم يجدونني غريبا عنهم. يأتيني أحدهم ويحدثني بلهجة مصرية بها مسحة تونسية: عندكم في مصر الزمن متأخر أسبوع، لسه مش عارفين نتيجة تزوير الانتخابات. والإعلام الوسخ في كل مكان بيقول السلفيين بيحرقوا تونس علشان معرض فن تشكيلي. 


11 June 2012

عزيزي شريف عبد الشفيق .. حدثني أكثر عن الأصول الفقهية للشرمطة


تلقى أبى ذات يوم دعوة إلى اجتماع  يضم بعضا ممن يطلق عليهم "القيادات المحلية" في امبابة، وعندما سأل عن الحضور وجد أن هذا الاجتماع يضم  بعض أصحاب المناصب في الدولة وممثلي كبار العائلات بالإضافة لأعضاء سابقين في الحزب الوطني وبعضا من رجال الأعمال الذي كانت تربطهم علاقة عاطفية متقلبة بالحزب الوطني وعددا من المعرّصين المعروفين بكونهم "سماسرة انتخابات"،
وعندما قيل له أن هذا الاجتماع من أجل دعم حملة أحمد شفيق في امبابة سكت كثيرا ولم يجد ما يرد به علي من يدعونه سوى أن يسألهم: "هو إنتم ناويين تبطلوا شرمطة إمتى ؟"

بالأمس تذكرت ذلك الموقف الذي حدث قبل مؤتمر شفيق في امبابة الذي شرفت بمحاولة إفساده وكتبت لك بعده أطلب منك الرجوع إلى صوابك لأني لا أتخيلك بين هؤلاء المعرصين من بقايا الحزب الوطني الذين كانوا حوله يومها. اليوم أكتب إليك ثانية وأغلب ظني أنك قد تركت حملة شفيق وأن ذلك المنعطف الأخير من الشرمطة التي يقوم بها الفريق لم يترك لك هامشا للاختيار. 

صدقني، رغم أنك التففت حول كل ما حدثتك بشأنه عن شفيق، إلا أن ردك كان مهما جدا، سجلت منه نقاطا عديدا لأعود وأكتب عنها لاحقا، فلدي مشروع للكتابة عن كيف يبرر ولاد الوسخة مقاومتهم للثورات. نقاطك كانت ذكية حقا، تليق بذكي ضائع يعمل في خدمة ولاد الوسخة. نقاطك كانت نقدية وملهمة فعلا، ومن الضروري أن يقرأها جيدا كل من هو في الموقف الثوري لتساعده على ان يتخذ موقفا ثوريا أكثر اتساقا.

مثلا حديثك عن هؤلاء الإعلاميين الذين كانوا مقربين من النظام ومؤدبين معه ويقفون الآن وسط "الثوار"، حديثك عن كيف استبطن بعض "الثوار" اخلاق مبارك الذين عارضوه.  سخريتك من اختيار "الثوار" لعصام شرف بديلا عن شفيق، وهو ما كان بديلا فاشلا غير ثوري ولا إصلاحي ولا أي شيء. إشارتك حتى لألفاظي البذيئة باعتبارها من ميراث "بكابورت مبارك" الذي ورثه معارضوه. لانه في رأيك، أفسد مبارك النظام والمعارضة معا. إلا أنه لم يستطع إفساد جناح النظام الذي كان فيه شفيق، ولذلك اختار، مبارك، ذلك المفسد، شفيق، ذلك النظيف، ليكون رئيس وزراؤه بعد اندلاع الثورة ليكفر عن خطاياه بحق هذا الشعب ويأتي بالجناح النظيف في النظام لعل الله يغفر له خطاياه. 

أنا لن أناقشك في طهارة ذلك الجناح في السلطة ولا في طهارة قرار مبارك والمجلس العسكري بالإتيان به كرئيس للوزراء من أجل التغيير فعلا، فأنا لا أناقش الشرمطة.  
ولكني ساعترف لك فعلا أن صف "الثوار" به الكثير من المهرجين والمنافقين والمتسلقين والمتلبسين بكل الموبقات، ليس فقط لانهم جماعة بشرية عادية، ولكن تحديدا لأن "الموقف الثوري" أصبح ذا جاذبية في بعض الأوقات. وأصبح له بريق وقدر من "السلطة" تبرر للكثيرين التظاهر بالتواجد فيه. ولكن بالنسبة لي الموقف الثوري ليس مجسدا في تلك الجماعة التي تقف في الموقف الثوري إلا أن ظلت بشكل ما تنقد نفسها وتطهرها وتتساءل كل لحظة عن الموقف الثوري فعلا.

الجماعة التي تقف أو تحاول أن تقف في "الموقف الثوري"، وبينها بالطبع الطامع والمتسلق، ليست جماعة منزهة بل هي بالأساس ثورية لأنها تحاول بناء طريق جديد، وفي محاولتها هذه تخطيء وتتعثر كثيرا. وقد تضل أصلا عن "الموقف الثوري" وتعود وتبحث عنه. الثورة ليست من يحاولون أن يتحدثون باسمها دائما، ولكن من يحاولون أن يقفوا في موقفها ويتحروه.

هذه الجماعة التي يصفونها بـ"الثوار" وهم ليسوا كذلك "حصريا" لو تابعتها لوجدتها أشد عنفا في نقد سلوك بعضها عندما يكون ضد "الموقف الثوري" أو بخلافه أو يضعفه. وعندما يكون السلوك ضد "الموقف الثوري" تماما يحدث استبعاد ما ولو معنوي. تماما كما يطهر النظام نفسه من جيوب "الإصلاحيين" المترددين في حسم انحيازهم للنظام أو ممن يحاولون الإصلاح من داخل النظام. في اللحظة الحادة التي تصنعها الثورة داعية إلى طريق جديد، بعضهم يحسم أمره معها أو ضدها، كذلك فعل عصام شرف، الذي انحاز للثورة وسار في مسيراتها يوم 25 يناير بينما ظل شفيق آمنا مطمئنا تحت الجناح النظيف للنظام الفاسد، يمكنني أن أعترف بلا مشكلة أن عصام شرف فشل في أن يكون رئيس وزراء في موقف ثوري تحت حكم المجلس العسكري، ولأننا نجرب لاول مرة شخصية كانت تمثل حلا وسطا، قالت أنها من "الجناح الإصلاحي داخل النظام" قبل أن تنحاز للموقف الثوري، فإننا عرفنا الآن أن ذلك الحل كان خاطئا. هكذا ببساطة يا  عزيزي شريف. أما شفيق فقد كان خيارا من ولاد الوسخة الذي يحاولون إنقاذ النظام فبصقنا في وجوههم وبصقنا عليه وقلنا له خلي عندك دم يا ابن الوسخة وارحل مع اللي جابك. ولكن للشرمطة رجالها.


لماذا هذه الألفاظ البذيئة طيب؟ هناك مواقف بذيئة يا عزيزي شريف يصعب التعبير عنها بالألفاظ المهذبة، وهناك انفعال لا يمكن وصفه بألفاظ فصحى. هناك أمور يجب أن تصور كما هي في بذاءتها ويتم نقلها بأمانة، تماما كما نقل البلتاجي عن اللواء الرويني أنه قال يوم "موقعة الجمل" لمبارك: "لم الشراميط بتوعك".  

لقد أبلى الفريق شفيق حسنا في "لم شراميط مبارك" من كل ركن وكل صفيحة زبالة بعد ما تفرقوا بعد حل الحزب الوطني. وهذه الحملة التي جمعت شراميط مبارك من كل مكان ليس غريبا أن يكون سلوكها على هذه الدرجة من الشرمطة.

عندما حدثتك عن شفيق وعلاقته بمبارك كان معظم ردك عن هؤلاء الذي كانوا يتملقون مبارك ثم الآن يتملقون الثورة ، كان ردك هذا يحاول أن يقول "لسنا وحدنا شراميط مبارك، كل المجتمع شراميط نظام مبارك، هناك آخرون كثيرون كانوا أيضا شراميط لمبارك". 
منطق "يا عزيزي كلنا شراميط" في كلامك كان مبهرا، واستخدمته بذكاء ودرامية ويتسق مع خطاب شفيق بتاع "عاوزين ناكل عيش" أو "الإخوان كمان كانوا من النظام السابق"، هذا المستوى من الشرمطة كان عاديا بالنسبة لي ولكن كان المستوى الفائق هو أن ينتقل شفيق مع حملته إلى مستوى "تكلم القحبة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك".
وصل يا شريف إن شفيق وحملته يحاولوا بمساعدة شراميط الأمن والمخابرات وشراميط الإعلام اللي لمهم شفيق مرة تانية إنهم يتهموا الإخوان بالتورط في مهاجمة الثوار يوم "موقعة الجمل"؟   
أنا طبعا لن أناقش ذلك لأني كما قلت لا أناقش الشرمطة ولكني فقط أحاول أن أجعل الشرمطة واضحة وأن أسميها شرمطة.
صوتي لن أعطيه للإخوان،  الإخوان الذين يقفون أحيانا في الموقف الثوري ولكنى أراهم أبعد عن أن يكونوا في الموقف الثوري وهم في السلطة أو قريب منها. والثورة التي أردتها حرية وتحرر ومساواة  لا أقبل أن أجعلها خيارا يهدد حريات الناس وشعورهم بالمساواة والعدل إلى الدرجة التي تدفعهم لانتخاب ابن وسخة زي شفيق.
ولكن الأمر هنا مرة ثانية لا علاقة له بالثورة ولا بالموقف ولا بالإخوان الذي كنت أنت واحد منهم في يوم ما. الإخوان هم الذين هاجموا الثوار في التحرير يا شريف؟ 

لقد كنت أنوي أن أكتب إليك مهنئا إياك ومن معك في حملة شفيق وأقول لكم أنكم فعلا تبلون بلاء يناسب مقامكم، وأنكم في السلطة إن شاء الله ستتمكنون من ارتقاء مستويات أخرى من الشرمطة. ولكني الآن أظنك لا تحتمل الوصول لهذا الحد، صعب. أظنك الآن خارج الحملة تراجع كل لحظة قضيتها بداخلها. 
ولكن إن كنت ما زلت في الحملة، ومشارك في الوصول لهذا المستوى أو ساكت عنه،  فلا أملك إلا إن أقول لك يا شريف  يا عبد الشفيق: إنت هاتبطل شرمطة إمتى؟ 

09 June 2012

لماذا أحمد شفيق؟



ربما وجد الكثيرون فيه صورتهم، صورة الواقفين على مسافة مما يحدث يتقلبون بين التعاطف النسبي مع ما يحدث في الثورة وبين عدم الاستيعاب أحيانًا والرغبة أحيانًا أخرى في أن ينتهي كل هذا ونعود إلى «حياتنا الطبيعية».

يمثل أحمد شفيق لكثيرين صورة «رجل الدولة»، المسؤول الذي أدار مشاريع وليس مثل باقي المعارضين القادمين من ساحات النضال، البعض في مصر لا يزال يفكر في رجل دولة. كان بجانب مبارك ورئيس وزرائه وكان أحد محاولاته لفرملة الثورة؟ بالنسبة لكثيرين هذا شيء حميد.

يمثل شفيق لكثيرين صورة تشبههم، الصامتين داخل النظام من أجل أن «يأكلوا العيش» - كما عبر ببلاغة في مؤتمر صحفي له - الساكتين عن الفساد أو المشاركين فيه أو من يرونه يمر بجانبهم، ممن ليس لديهم أدنى خيال لتغيير ما يحدث بشكل جذري، ربما يفكر بعضهم في تغيير محدود لبعض الأشخاص والسياسات.

البعض يراه مثله كان من الكتلة الكبيرة الساكتة الساكنة التي تؤدي عملها وأقصى أمالها أن تكون ناجحة في «الكارير»، ومثلت لهم الثورة فترة من الغموض والمغامرة غير المحسوبة وذات الآثار الضارة على «الكارير».

البعض الآخر يرى فيه صورة الباشا، العسكري القديم، الذين يفكر في مصلحة الجميع وشفته ممتعضة في حزم ولهجته مستهينة وواثقة تستند إلى سلطة ما خفية تقبع وراءها. البعض لا يزال يفكر كالعبيد ويحب السيد ذا الشرف والحسب والنسب والتاريخ العسكري والمناصب في الدولة، طيب القلب أحيانًا، لكنه أحيانًا ينظر باحتقار لمن لا يفهمه ويوجه له الأوامر التي سيفهمها لاحقًا، يمكنه بهذه الطريقة أن يدير رعية عزبته ويفكر في مشروعات تستفيد من كونهم أنفار «يعملون بملاليم» كما عبر في أحد البرامج.

طريقة كلامه؟ الهذيان والهجص العملي عن المشروعات السياسية الاستثمارية بعيدًا عن عالم الأفكار مقنع لكثيرين ويشبه كلامهم عن السياسة باعتبارها طريقة لإدارة الشركات والمزارع.

وعود شفيق بالتصالح مع الجميع يبدو جذابًا بالنسبة لمشوشي الذهن الذين لا يعرفون أين يقفون تحديدًا. لا هم مع الثورة ولا ضدها. أو هم معها قليلاً أو ضدها كثيرًا أحيانًا. شخصيته المشوشة المثيرة للسخرية بالنسبة لكثيرين تشبه تشوش الكثيرين الذين أعياهم مشهد الثورة المعقد ولا يفهمون حماسة وانفعال وفخر أولئك الذين هم داخل هذا المشهد.

هؤلاء المشوشون الذين يقفون على مسافة يبدون أحيانًا تعاطفًا حذرًا أو عداوة شرسة، حسب تقلب الأحوال والمزاج. يبدو شفيق شبيهًا لهم وهو يبدو تارة تعاطفًا مع شباب الثورة والألتراس ويريد أن ينشئ لهم مراكز شباب ويوفر لهم بونبوني وأحيانًا أخرى يتوعدهم بسيناريو العباسية اللطيف من وجهة نظره.

المسخرة التي تبدو عليها حالة أحمد شفيق في نظر البعض، جعلته بالنسبة للبعض الآخر «واحد منهم» وسط حلقة المرشحين أصحاب الفرص التي تبدو كلها مندفعة باتجاه الثورة بمن فيهم عمرو موسى الذي يحاول مجاراة المعارضين،

لكن شفيق هو الحذر المشوش تجاه الثورة، المتعاطف والعدواني، العسكري والمدني، رجل الدولة المقرب أحيانًا والمستبعد وعلى مسافة من النظام أحيانًا. إنه صورة التشوش والهذيان وتجمع الطاقات المعادية للثورة التي تراوغ في إعلان ذلك أو المتبعة منها وتصرخ من ذلك وتزعق بالشكوى تريد الاحتماء بسلطة قريبة مما تعرفه. سلطة تعيد العالم إلى ما كان عليه أو أقرب إلى ما كان عليه، لا مانع من بعض الحديث عن التطهير والتحديث ومواجهة الفساد مثلما كان يتحدث مبارك. المهم أن تتوقف هذه المغامرة المرعبة ويعود إليهم العالم الذي يعرفونه.



من "بين صورتي خالد سعيد وأحمد شفيق" 

قلة أدب


مخبر حمساوي بتابع جولاتنا في شوارع غزة 

أشكر مصطفى الصواف وكيل وزارة الثقافة لدى ميليشيات حماس القمعية في غزة على اعترافاته التي سردها في رده على تقرير أخبار الأدب  عن احتفالية فلسطين للأدب. رغم أنه كان من اللائق أن يرد مندوب عن وزارة الأمن الداخلي لا وزارة الثقافة لكي يوضح لنا ملابسات اقتحام الحفل الختامي للاحتفالية. ولكن ربما كانت الثقافة في حكومة حماس تابعة للأمن الداخلي. 
 ولعل من يدفعون له أجره ليكون متقنا للدفاع عن التسلط بمعسول الأدب والكلام أن يراجعوا اختيارهم لأنه اعترف بكل انتقاداتنا بشكل باهر واعترف بدور حماس في جزء من الحصار المفروض على غزة وأهلها.
اعترف أنه يجب على زوار غزة أن يخبروا مخبري الأمن بكل تحركاتهم الشخصية لأن تلك هي الأعراف والتقاليد واعترف أن الأنشطة الثقافية يجب أن تمارس وفق ما تراه سلطة حماس من ضوابط. ولو كان إقامة حفل موسيقي بدون فصل بين  الجنسين ضد تقاليد الناس لكان الناس اعترضوا بدافع من ضميرهم وأخلاقهم ولكني أراه يتهم أهل غزة بانهم معدومي الأخلاق والضمير ويحتاجون شرطة حماس لكي تحميهم من الانحراف ولكي تعلمهم تقاليدهم وأخلاقهم التي لا يعرفونها. واعترف بأن مخبري حماس تجاوزوا باقتحام الحفل الختامي وإعاقته ولم يفلح في تبرير ذلك إلا بأن المتحدثين في الحفل أرادوا أن يعيشوا في غابة  بلا ضوابط !
ولعل حكومة حماس أن تحسم موقفها باعتذار أو اتهام أو أن تستأجر واحدا غيره يعرف كيف يكون تبرير أفعال المخبرين أو كيف يتقن اتهام الناس بدلا من الهذيان غير المفهوم عن الغابات.
ولعله من سوء أدبه وقلة فطنته أن يصف بعض كلماتنا في الحفل الختامي بسوء الأدب رغم التصفيق الحار التي قوبلت به هذه الكلمات، فهو بالتالي يصف جزء من شعبه بسوء الأدب. أو لعل لدى كل منا مفهوما مختلفا عن الأدب. فأنا فعلا لست مؤدبا من قبل سلطة مثل الصواف ولا مؤدبا تجاه السلطات القمعية، وكانت كلمتي بالفعل تدعو إلى تجاوز الأدب في التعامل مع السلطات القمعية التي تفرض الخضوع بالبندقية وتطالب الخاضعين بالأدب وتستأجر من يعلمون الناس ثقافة الأدب في مواجهة الظلم.
لعل "غير المؤدبين" من أهل غزة يتمكنون يوما من تعليم حكامهم وتابعيهم مثل الصواف بعض الأدب المفيد وترتد على المقاومين السابقين/ المخبرين الحاليين عاقبة ما يحاولون فرضه على الناس من أدب الخضوع والمهانة. 

27 May 2012

الأسئلة كلها؟

بجد: شفيق أو مرسي؟
يمكن حمدين صباحي يدخل الإعادة؟
كلها مؤشرات غير رسمية؟  هل هناك أي أمل لأبو الفتوح؟ :)

ماذا حدث لمرسي؟
هل حقا صوت المصريون تصويتا عقابيا للإخوان ؟
هل سبب ذلك أدائهم البرلماني؟  صفقاتهم الإصلاحية قليلة الطموح ؟ قلة الثورية؟
هل سبب ذلك تشويه مخطط إعلامي - مخابراتي -  دولتي؟
هل سبب ذلك تعبئة ناجحة من البدائل الأخرى المنحازة من الثورة تحذيرا من الإخوان؟
هل أثر وجود أبو الفتوح كمرشح إخواني ( نوعا ما  - سابق - سري) أو على الأقل كمرشح إسلامي آخر؟
كاريزما الاستبن؟
الإخوان يترنحون تنظيميا؟  هيبتهم تتردى بانغماسهم في السياسة؟
هل تصبح "دعوة الإخوان" هي الضحية الأولى للخرف السياسي للإخوان؟

ما هذا الذي فعله ابن الوسخة شفيق؟
تصويت عقابي لـ"الثورة"؟ لـ "الثوار"؟
ذعر من الإخوان؟ ذعر من كل "الإسلاميين"؟
أصوات الأقباط؟
تزوير؟
حشد كل تنظيمات الاستقرار "جيش - شرطة - أجهزة دولة - مال "؟
مواطنون يرون الثورة بشكل أكثر رخاوة يسمح بانتخاب أحد رجال مبارك "الشرفاء" كتغيير؟
تصويت ضد التغيير؟
تصويت من أجل قمع "الثورة" و"الثوار"؟
فشل لكل "القوى المدنية" في أن تكون املا يعول عليه؟
بؤس الإخوان وصل لدرجة دفع المصريين لابن وسخة زي شفيق؟
هل صوت له من يرى فعلا أنه ابن وسخة؟
كيف لا يرونه ابن وسخة؟


عمرو موسي؟!


ماذا حدث لأبو الفتوح؟
هل كان مشروع تحالف قوى ثورية حوله صعب الهضم على الجمهور؟
أكان توقعا بادي البطلان أنه المرشح صاحب التحالف الأوسع فعلا وصاحب الفرص الأكبر؟
هل حال كونه "إسلاميا -  إخوانيا سابقا" بينه وبين جمهور يبحث عن بديل ثوري- مدني؟
هل أثر انشقاق الدائرة المدنية بينه وبين حمدين على فرصة ذلك التحالف؟
هل أثر ميل رهانه في اللحظات الأخيرة لجذب أصوات الجمهور المحافظ والسلفي على أصوات كتلة لا تريد إسلاميين؟
هل فشل تماما في جذب أصوات معتبرة من بين المسيحيين؟
هل كان تاريخه النقدي داخل التنظيم الإخواني والحركة الإسلامية  الذي تعرفه نخبة غائبا بقدر ما عن حملة شعبية؟
هل بدا اعتزازه بالإخوان ترددا في قطع علاقته بتنظيم الإخوان؟
هل أفلح التركيز على إخوانيته السابقة، أو الحالية التآمرية، في النيل منه؟
هل فشل تحالف أبو الفتوح في إبراز ملامح التحالف بدلا من ملامح أبو الفتوح؟
هل هناك مبالغة في تقدير تأييد الجمهور لـ"الاعتدال الإسلامي" مقارنة بالتعبيرات الأكثر راديكالية من "الإسلامية"؟
هل كانت محاولة تجاوز الاستقطاب الإسلامي - المدني، محاولة لتجاوز استقطاب يريده الناس فعلا؟
هل كان تحالف أبو الفتوح بملامحه الرخوة في الكثير من النقاط مفتقدا للصلابة الثورية التي يبدو أنها مغامرة اللحظة؟

ما هذا الذي فعله حمدين صباحي؟
هل كان حمدين نفسه يتوقع ذلك؟
هل كانت حملة حمدين قبل اللحظات الأخيرة مشروع لتحالف قوى ثورية؟
هل نجحت حملته في التحول في اللحظات الأخيرة لمشروع تحالف قوى ثورية؟
هل يعقل ما تردد عن دفع الإخوان لحمدين لتجنب وصول أبو الفتوح للإعادة؟
هل يعقل ما يقال عن دعم مخابراتي لحمدين لكي يكون مرشح توافق آمن بدلا من شفيق ومرسي؟
هل استثمر حمدين كونه المرشح الذي نوقش برنامجه وتاريخه أقل في الإعلام؟
هل استثمر حمدين كونه وجها محايدا أقرب لعموم المصريين؟
هل كان تصويتا للناصرية؟
هل كان تصويتا لليسار؟
هل كان تصويتا لمرشح مدني ثوري؟
هل كان تصويتا للمرشح المدني صاحب الفرصة الأكبر بعيدا عن الإخوان - حاليين وسابقين -  والفلول؟
هل كان تصويتا انتقاميا من المرشحين الذين  تم فرضهم في معظم وسائل الإعلام والاستطلاعات؟


لماذا لم يتحالف أبو الفتوح وحمدين؟
لم يكن واضحا لمعظم الأطراف أن حملة حمدين ذات شأن وفرصة؟
هل بدت فكرة التحالف مراهقة قبل أن تظهر النتائج؟
الطموح الشخصي لأبو الفتوح؟
الطموح الشخصي لحمدين؟

أكان يمكن التفكير في حمدين كرهان أفضل من أجل تحالف قوى ثورية لمرشح قادر على مواجهة الإخوان؟
هل كان هناك من يعتقد ذلك قبل النتائج؟
التاريخ السياسي لحمدين وتيار الكرامة هل يصلحان لمرشح يقود القوى المدنية فعلا في مواجهة الإخوان؟

كيف يمكن التفكير في التصويت لابن الوسخة شفيق أو للبليد مرسي؟
كيف يمكن التفكير في التصويت لابن وسخة من أجل حماية البلد من الإخوان؟
كيف يمكن التفكير في التصويت لمشروع نهضة التنظيم والطائفة الإخوانية من أجل إنقاذ الثورة؟
هل تبقى شيء من "ثورية" الإخوان؟
هل سينقذ التصويت لشفيق الدولة من براثن السيطرة الإخوانية؟
هل سينقذ التصويت لمرسي الدولة من عودة النظام القديم؟
هل سيؤدي التصويت لشفيق لترميم أعمدة النظام القديم؟
هل سيؤدي التصويت لمرسي في ترميم إسلامي لأعمدة النظام القديم؟

هل من المجدي التفكير في تفاوض مع الإخوان من أجل ضمانات مقابل دعمهم ضد شفيق؟
هل يمكن التفكير في دعم ابن الوسخة شفيق تحت أي ظرف؟

نقاطع؟
نبطل أصواتنا؟
هل يمكن أن تمثل حركة واسعة لإبطال الأصوات انتقاص من شرعية الرئيس القادم وبصقة في وجه ابن الوسخة والبليد معا؟
ها؟

24 May 2012

صمت انتخابي


يستلم ورقة من أمام طاولة ذات مفرش أبيض وسط مساحة خضراء، يمشي ببطء وهو يحدق في ورقته، يركب منطادا يعلو به ببطء أيضا، يحلق المنطاد. 

يتسع المشهد، طاولات ذات مفارش بيضاء، متناثرة في مساحة خضراء واسعة، المنطاد يحلق وسط سرب شبيه، فرد وحيد في كل منطاد، منكس الرأس تجاه ورقته، يفكر، وبين الحين والآخر ينظر إلى الأفق أو يتأمل منطادا مجاورا. يضع علامة ما. يتجاوز المنطاد النيل ويهبط في المساحة الخضراء في الجهة الأخرى منه. يسلّم ورقته إلى طاولة ذات مفرش أبيض ، يمشي بلا كلام مبتعدا وسط المساحة الخضراء الواسعة بينما يهبط منطاد آخر ويتجه آخر إلى طاولة أخرى.

حلم.

21 May 2012

عندما لمس سلافان أذن السيد سيرو



حكاية فلسفية عن الجسد في الثورة المصرية تستلهم روح سلافان بطل رواية "اعتراف منتصف الليل" لجورج ديهامل، كانت  كلمتي في ندوة "الكتابة والجسد" في المركز الثقافي الإيطالي بالقاهرة، السبت الماضي 19 مايو 2012
يمكنكم سماعها هنا  مع ترجمة إيطالية تقاطعني كل دقيقتين، وتقديم بالغ الكرم  من صديقي فادي عوض.



15 May 2012

هيا بنا نفشخ الشعور القومي

الصورة للفنان عمرو ثابت

قال المعتذرون من حكومة حماس أن ماحدث "تصرفات فردية"، وهذه تحديدا هي المشكلة.
مساحة السلطة المتروكة للأمن الداخلي في الشوارع لضبط الناس وتصرفاتهم وفق أهواء الجنود وتقديراتهم عن الأمن والاستقرار والسلوك الإسلامي القويم يبدو أنها كالعادة ومثل باقي الأنظمة القمعية الأمنية تفوق مساحة ضبط القادة السياسيين لجنودهم.
التصرفات الفردية لجنود الأمن في النظم الأمنية هو تفويض لا غنى عنه لتخويف الناس وتربيتهم على الخوف من "النظام" وإيثار السلامة. السياسيون دورهم أن يتحدثوا عن النظام الجميل، والاعتذار عن بعض ما يشوبه من تصرفات فردية ترصدها الكاميرات أو تتوجه إلى من لهم ظهر.
يبدو أن وجودنا في غزة، وكلامنا، قد ذهب فعلا إلى حدود احتمال بعض ضباط الأمن الداخلي فنفد صبره وبدأ في استخدام التصرفات الفردية المعتادة مع وفد دولي، ولكن بقدر من الحذر، بدلا من تكسير العظم بكعوب البنادق أو السحل مثلما يحدث مع الشباب الفلسطيني.
لم أكن أتوقع أن ينفد صبرهم، وبعدما نفد، راجعت نفسي للحظات، باعتباري كنت مشتركا في إنفاد صبرهم. وفكرت إن كان ذلك سيحول دون عودة بالفيست إلى غزة مرة أخرى. رغم تأكيدات المسئولين المعتذرين رفيعي المستوى، من يصدق المسئولين أصلا!
ولكني لم أشك لحظة أننا يجب أن نتجاوز الصمت التضامني مع المستبدين العرب أثناء حروبهم مع الأعداء. لا أحتمل رائحة الرحلات القذرة للتضامن مع صدام حسين والقذافي في حروبهما المتخيلة وصمودهما المتخيل أمام الصهيونية والامبريالية. ولا يفوتني تحية أسلوب الأول في الصمود والممانعة وهو ما انتهي ببلده تحت الاحتلال، وأسلوب الثاني الذي انتهى بالبلد متحررا فوق جثته مع بعض التدخل الدولي. نعم، هي شماتة في الأسلوب القمعي في حماية الشعور القومي من التفتت من أجل مقاومة احتلال أو ممانعة إمبريالية. وها هو الأحمق الثالث بشار الأسد تتداعي سلطته، رغم كل جهوده في القمع الذي أبدع في ابتكار تهمة "إضعاف الشعور القومي" لمحاكمة أصحاب الآراء التي تتجرأ وتنتقد نظامه المقاوم متجاهلة أنه في مواجهة مع إسرائيل وأمريكا. بلا أي ذوق ولا شعور قومي!
سعيد أن كثيرين في وفد بالفيست تجاوزوا تلك الحالة ولم يمنعهم تضامنهم مع غزة تحت حصارها الإسرائيلي- المصري. أن يذكروا "الطرف الثالث" في الحصار: حكومة حماس.  يوسف رخا وخالد الخميسي وسحر الموجي يؤكدون على نفس المعنى.
أحرّض أيضا بعض أصدقائنا الغزّاوية الذين شعروا بوخز الضمير لأن تلك الانتقادات يمكن أن تصب في صالح إسرائيل، أحرضهم على عدم الرفق بـ"الشعور القومي" الذي كان دائما مطية المستبدين مدعي المقاومة الذين ينتهي الأمر دائما على يديهم إلى هزائم قومية مروعة، بدءا من عبد الناصر إلى صدام والبقية تأتي.
المجتمعات الحرة هي التي تضع إسرائيل في الركن عمليا، وتضعف شعورها القومي بالتفوق الحضاري وسط محيط من الجهلة المستبدين.
لا تعنيني المشاعر القومية في كلا الطرفين التي تقود صراعا من أجل حمية قومية أو دينية. وأعتقد أنه حان الوقت لفشخ الشعور القومي وتجاوزه إلى روح الجماعة التي تدافع عن حريتها وكرامتها وحرية وكرامة كل واحد فيها قبل أن تفكر في  الهوية والأراضي والحدود.
أهلا بوفود ما بعد انطلاق الثوات العربية، أدامها الله علينا. سنحيا كراما.

12 May 2012

آيس كريم في قطاع غزة



في 2008 وتحت ضغط حصار خانق على قطاع غزة من جانبين، الاحتلال الإسرائيلي والتخاذل المصري، اقتحم الغزاوية الحدود المصرية إلى سيناء، لقضاء حوائجهم من المواد الغذائية وخلافه.
ساعتها انقسم المصريون بين متعاطف مع الإخوة في غزة وبين مهاجم لفعلتهم النكراء في تجاوز الحدود وانتهاك «السيادة المصرية». ساعتها كتبت في مدونتي عن «تجاوز الحدود» ساخرًا من هؤلاء محبي الحدود أكثر من حبهم للإخوة الفلسطينيين والغاضبين من تجاوزهم للحدود والساكتين عن تجاوز قمعهم للحدود.
أعتقد أن الخلاف بين الفريقين أعمق من الخلاف حول تجاوز تلك الحدود إلى خلاف حول مفهومهم للسياسة نفسها، الخلاف بين رؤية للسياسة باعتبارها وضع حدود أمام حياة البشر من قبل سلطات تدعي حمايتهم، لأنها تعرف الأصلح والأنفع لهم، أم أن السياسة من وجهة نظر المقموعين هي التجاوز المستمر للحدود التي تضعها السلطة ودفعها للتراجع وإفساح المجال أمام الناس، ليعيشوا بحرية وكرامة وليس تحت الحماية والوصاية؟
ها أنا الآن في غزة، ذهبت مع وفد احتفالية فلسطين للأدب «بلفاست» الذي يجوب مدن فلسطين، وهو هذه المرة في غزة  تضامنًا معها ضد حصارها. وهناك أخبرني رجل الأمن الداخلي لحكومة حماس أن أي حركة لي خارج الفندق وخارج  الجدول المخطط هي تجاوز للحدود يجب أن يعلموا بشأنه حتى لو كان للسوبرماركت، وعلمت من الأصدقاء المدونين الغزاوية أن تعبيرهم وحركتهم مهددين دائمًا من قبل أمن حكومة حماس، بعضهم تم اعتقاله، بسبب ما كتبه على «فيس بوك»، وبعضهم تم ضربه واعتقاله، لمشاركته في مسيرات خرجت دون إذن سلطة حماس، سواء كان خروجًا سياسيًا لإنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس الذي يكسر شوكة الوحدة الفلسطينية أو مطلبيًا، احتجاجًا على الإدارة المتردية للطاقة وأزمة الكهرباء.
استمعت من شباب مدونين مستقلين ومن كوادر قيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن ضربهم بالهراوات، لخروجهم في تظاهرات متضامنة مع الثورة المصرية أو السورية أو لخروجهم في مظاهرة الاحتجاج ضد سوء إدارة أزمة الكهرباء، وسمعت من آخرين عن «الأمن الفكري» الذي تقيمه حكومة حماس بالتوازي مع قمع مماثل تقوم به حكومة فتح في الضفة الغربية، حيث تتم مصادرة الصحف التي تصدر من الطرف المعارض سواء في غزة أو الضفة.
شباب آخرون كانوا حذرين من انتقاد ممارسات حكومة حماس ضد حريات المجتمع الفلسطيني، يقولون إننا لا نريد أن نزيد الانقسام الفلسطيني، ومهما كان فنحن إلى جانب المقاومة التي تقوم بها حماس ضد إسرائيل وضد فتح التي تتخذ موقفًا رخوًا من الاحتلال. وكان ردي عليهم هو أنه إذا كانت المقاومة من أجل الحرية فلا يعقل أبدًا أن نتنازل عن الحرية تحت مبررات المقاومة.
كان ما سبق هو ملخص كلمتي التي ألقيتها في الحفل الختامي لاحتفالية فلسطين للأدب في «دار الباشا» بجوار الجامع العمري في غزة. وسط كلماتنا في الحفل كان الأمن الداخلي يصوّر بفجاجة كل المشاركين والحضور، وعندما قامت صديقة فلسطينية بتصوير رجل الأمن وهو يصورنا تقدم آخر إليها بفجاجة واختطف كاميرتها من يدها وسط غضبنا واحتجاجنا.  كانت الكهرباء قد انقطعت عن القاعة وظننت أنها الأزمة العادية للكهرباء، ولكن الزملاء المنظمين قالوا لي إن الأمن قطعه عمدًا، وأمروا صاحب المكان بوقف الندوة فورًا.
احتل رجال الأمن المكان وسط غضبنا وقالوا إننا لا نمتلك تصريحًا ! رغم أن مندوبين لوزارتي الداخلية والثقافة استقبلانا على معبر رفح ورحبا بنا وبالاحتفالية، وأذكر جيدًا تصريح مندوب وزارة الداخلية بأننا يمكن أن نتحرك بحرية بالغة وأن نزور كل ما يعن لنا حتى السجون، لنرى الحالة المتقدمة لحقوق الإنسان!  ولكن من يصدق رجال الأمن؟ 
سألت رجل الأمن، الذي يبدو أنه يقود الكتيبة الباسلة التي أوقفت ندوتنا: «ما الجديد؟ هذا حفلنا الختامي ولنا أربعة أيام نتحدث في ندوات عامة» قال لي: «هذا بسبب كلمتك التي افتريت فيها علينا وقلت إننا نقمع الحريات»، ثم اكتشف بنفسه خطأ كلامه، فأضاف باسمًا «فجئنا نؤكد كلامك!». أي والله قال ذلك.
حاول أن يضيف جادًا أنه يتابع صفحاتنا على الإنترنت وانتقادنا للأمن الداخلي وتابع انتقاد علاء عبد الفتاح  للنظام الفلسطيني على إذاعة من الإذاعات وحاول وعظنا  أن علينا احترام الدولة المضيفة وألا نتحدث عن حكومتها بشكل غير لائق.
«حكومتنا بتتاجر فيكم» قالها لنا شاب من رفح ونحن نسير وفق جدولنا المحدد، لنزور المخيمات البائسة والأنفاق التي تحاول كسر الحصار والمباني والمناطق التي هدمها الاحتلال، وقال لي شباب آخرون إن كل الوفود الأجنبية تدخل لترى استعراض السلطة لبؤس غزة ولنماذج مبالغ فيها من الحصار، لكي تستخدم السلطة تقاريرهم، لتؤكد الظلم الكبير الواقع عليها. وهو حق، ولكنها لا تسمح لهم  برؤية المزيد عن الوضع الداخلي وسوء الإدارة وقمع التحركات المعارضة والحرة والمستقلة ولا الكلام عن ذلك.
أهدانا الشاب من مخيم رفح، الذي شتمنا، آيس كريم وقال:« هذا هدية من الشعب الفلسطيني، نحن لا نموت هنا، لا تدعوا السلطة تتاجر فيكم».
 ندوتنا التي اقتحمها الأمن وكانت خير ختام لاحتفاليتنا التي كشفت الحصار المزدوج، حصار الاحتلال لقطاع غزة اقتصاديًا وحصار سلطة حماس الذي يأخذ المجتمع الغزاوي رهينة تحت مبررات صراعها السياسي مع فتح، وتحت مبررات كونها مقاومة للاحتلال تخشى الخونة والجواسيس. 
خالص تحياتي  للشاب صاحب البقالة في مخيم رفح، وأشكره بحرارة على الآيس كريم وعلى النصيحة.

15 April 2012

هكذا تكلمت كثيرا الأيام الماضية




"أفكار رائعة من أجل أزمة دينية مستمرة". كان هذا عنوان مداخلتي القصيرة في ندوة "أفكار 2012" قبل أيام. ولم تخيب تلك الأفكار الرائعة ظني، فبمجرد البدء في سرد فكرة منها كان شخص ما، يستخدم حساب تويتر ل"سكاي نيوز" التي نظمت الندوة، يسارع بنسبة تلك الفكرة في تويتة/تصريح منسوب إليّ. بينما أنا في الجملة التالية أوضح أن هذه الفكرة محل إعجاب الكثيرين بينما أراها تضع جذور أزمتنا الدينية الماضية والحاضرة والقادمة إن شاء الله!
في هذا الفيديو أذكر بعضا من هذه الأفكار، وللأسف لم أستطع الاستطراد في اللحظة التي بدأت فيها الكلام عن حبيبي كارل بوبر. بعد مشاهدة الفيديو وقراءة كتاب كارل بوبر "المجتمع المفتوح وأعداؤه" أو على الأقل الفصل الأخير منه ستعرفون لماذا هو حبيبي.

الفترة الماضية تحدثت في عدة ندوات، رغم أني لفترة طويلة قررت مقاطعة الندوات مستمعا، لأني قلما وجدت متحدثا شيقا بذل جهدا في تقديم جديد في كلمته، ولأن الوقت دائما ضيق والمتحدثون يأتون متأخرين ويريدون الرحيل سريعا، وبعض حضور الندوة يحاولون النضال من أجل دقيقة زيادة، ومنظمو الندوة يناضلون من أجل البقاء داخل الموضوع والوقت. باختصار، مأساة حلها بسيط وهو أن يفتح هؤلاء الناس مدونات وحسابات على تويتر وفيس بوك.

ولكن الحقيقة أن الندوات وسيلة لطيفة للتعارف السريع وتبادل الأفكار بين مجموعة ضيقة بعينها، قد ينضم لها أفراد متناثرون، وإقامة علاقات عامة مفيدة في الحياة بشكل عام. ولذلك قررت أن أقبل بعض الدعوات، خاصة التي تتضمن سفرا إلى الخارج وصحبة لطيفة، وحاولت جاهدا والله أن أبذل جهدا في تحضير الفكرة التي أطرحها وحاولت أن أفكر نوعا ما في طريقة تجعلني متحدثا أقل إثارة للملل، ولكني أعرف أني أشرد أثناء الكلام وأستمتع مع نفسي بالتفكير في أفكاري أثناء الكلام، ولكن أحيانا الشد والجذب مع أطراف الندوة أو الجمهور يخرجني من هذه الحالة فأستمتع بالسجال أو بالتفكير الجماعي.

مثلا، في ندوة بالجامعة الأمريكية للنقاش حول مشروع البروفيسور تيموثي جارتن آش عن "حدود حرية التعبير" أبديت ضيقي من محاولتنا التفكير في حدود لحرية التعبير أصلا بدلا من أن نقف عند الحدود التي يعتبرها المجتمع والسلطة خارج حرية التعبير ونستشكفها وندافع عن مساحة أوسع من التعبير بدلا من مساعدة المجتمع والسلطة على وضع خطوط بالرصاص لحرية التعبير ويقوم كلاهما بوضع متاريس وقوانين وإقصاء بناء عليها. كان رأيي أن أي تجمع يحاول بين أفراده التوافق حول المقبول واللطيف وغير العدائي من أشكال التعبير، ولكن لحظة الجدل حول حدود حرية التعبير تكشف عن رغبة أصلا في عدم التوافق ورغبة في إظهار العداء والتأهب لمعركة، وكان رأيي ان نفكر في المعركة أصلا بدل الجدل حول مظاهر التأهب لها، ويبدو لي أن المتهمين بخرق حدود التعبير غالبا ما يكونون في موقع مقاومة للسلطة، السياسية والمجتمعية والدينية، وهو ما يجعلني في صفهم غالبا.
كان مدهشا أن الندوة لم تتحول لترحيب وتطبيل بالأستاذ الزائر الذي يروج لمشروعه حول العالم ولكن شهدت نقاشا أصيلا ومحتدما. يمكنكم أن تشاهدوا الندوة هنا وهنا، في الواقع فكرت أن أقوم بتنزيل الفيديو وقص الفقرات الأكثر إثارة منه وتحميلها على يوتيوب ولكن تلك الفكرة أخرت هذه التدوينة أسابيع. وإذا فكرت مرة أخرى فلن أنشر هذه التدوينة أبدا.

في لبنان، استمتعت بصحبة الصديق العزيز فادي العبد الله الذي تطور جزء كبير من صداقتنا عبر هذه المدونة. وكانت فرصة عظيمة أن يدعوني صديقي لنقاش معه على هامش معرض "ثورة ضد ثورة" في بيروت عن "مزاج الثورة". أيوه بقى!
كانت فرصتي لأعبر كيف تتداخل أفكاري ومشاعري عن "الثورة" مع أغنية مي وليد "الليمون" ومع قصيدة أخي محمود عزت"الغجر" ونشيد الألتراس "مش ناسيين التحرير يا ولاد الوسخة"، وكذلك نص شعري شارك به فادي العبد الله في المعرض. وكيف أرى تلك التعبيرات هي الأقرب لمزاج الثورة كما أشعر به ويحركني. يمكنكم أن تستمعوا إلى تسجيل نقاشي مع فادي.

أخيرا، تحدثت في تونس ، التي حاولت زيارتها خمس مرات على الأقل، وفي كل مرة كانت الزيارة تتعطل لسبب مختلف. هذه المرة تمكنت من دخولها رغم أني تأخرت وفوتت طائرتي ثم غيرت موعدها لليوم التالي وتكبدت أموالا طائلة فتأخرت هي ساعات عن موعدها الجديد لكن أخيرا وصلت هناك.
هناك وجدت الحالة متأزمة بين الإسلاميين والآخرين كما عندنا. والمؤتمر الذي شاركت فيه كان عن الأدوار الجديدة للأطراف السياسية بعد اقتراب الإسلاميين من السلطة. اقترحت بدلا من أن نرسم أدوارا محددة لطرف في السلطة وطرف في المعارضة أن نتأمل ديناميكية الصراعات بين القطبين وداخل كل قطب، بتحليل أفعالهم وانحيازاتهم وفق ثلاثة مفاتيح: الميل الثوري مقابل الميل الإصلاحي، والميل للتسلطية مقابل الميل للتحرر، والميل للشعبوية مقابل احترام التنوع والتعدد.
حاولت أن أستخدم هذه المفاتيح لفهم الجدل والصراع والتحوّل داخل كل تيار، وهو الجزء الغاطس تحت السطح، بينما صراعات التيارات تشغل السطح كله. وحاولت أن أوضح ذلك بأمثلة وتفاصيل تمكننا من فهم التحولات الداخلية المهمة داخل التيارات التي تتشكل الآن بدلا من النظر إليها ككتلة صلبة أو لوحة متشكلة بالفعل، حالة الاستقطاب السياسي تجعلنا ميالين للحكم على التيارات أحكاما قاطعة ونهائية. أشك أن مداخلتي ستكون مثيرة إن كنت شعرت بالملل من الفقرة السابقة، ولكن ها هو التسجيل على كل حال.

وسط كل هذا الكلام، افتقدت حديثي الشهري مع سعيد الحلاق، وبدلا منه خضت حوارا ساخنا مع شاب إخواني متحمس كان ينتظر دوره، ولكن في لحظات بعينها بدا وكأنه سيقوم ويطيح بسعيد ويتناول منه المقص والأمواس ويستكمل الحوار معي باستخدامهم، ولكن الله سلّم وتلطف الحوار قرب نهايته، قبل أن يسلّم الشاب رأسه لسعيد الذي جاملني وانا أرحل مؤكدا أنه سيصوّت مثلي لعبد المنعم أبو الفتوح، للأسباب غير الحماسية التي ذكرتها له وراقت له وراق له انحيازي مع عدم حماسي. سعيد هو الآخر حبيب قلبي، ربما أكثر من كارل بوبر.



علّقت يافطة تأييد أبو الفتوح في بلكونة غرفتي في بيت أمي وأبي، لأن زوجتي ليست متحمسة لتأييد أي مرشح وفشلنا في التوافق حول موقف موحد من انتخابات الرئاسة فقررنا تعليق اليافطة هناك وتعليق موقف بلكونتنا إلى حين.
ولكن الثورة مستمرة.