![]() |
| الصورة للفنان عمرو ثابت |
قال المعتذرون من حكومة حماس أن ماحدث "تصرفات فردية"، وهذه تحديدا هي المشكلة.
مساحة السلطة المتروكة للأمن الداخلي في الشوارع لضبط الناس وتصرفاتهم وفق أهواء الجنود وتقديراتهم عن الأمن والاستقرار والسلوك الإسلامي القويم يبدو أنها كالعادة ومثل باقي الأنظمة القمعية الأمنية تفوق مساحة ضبط القادة السياسيين لجنودهم.
التصرفات الفردية لجنود الأمن في النظم الأمنية هو تفويض لا غنى عنه لتخويف الناس وتربيتهم على الخوف من "النظام" وإيثار السلامة. السياسيون دورهم أن يتحدثوا عن النظام الجميل، والاعتذار عن بعض ما يشوبه من تصرفات فردية ترصدها الكاميرات أو تتوجه إلى من لهم ظهر.
يبدو أن وجودنا في غزة، وكلامنا، قد ذهب فعلا إلى حدود احتمال بعض ضباط الأمن الداخلي فنفد صبره وبدأ في استخدام التصرفات الفردية المعتادة مع وفد دولي، ولكن بقدر من الحذر، بدلا من تكسير العظم بكعوب البنادق أو السحل مثلما يحدث مع الشباب الفلسطيني.
لم أكن أتوقع أن ينفد صبرهم، وبعدما نفد، راجعت نفسي للحظات، باعتباري كنت مشتركا في إنفاد صبرهم. وفكرت إن كان ذلك سيحول دون عودة بالفيست إلى غزة مرة أخرى. رغم تأكيدات المسئولين المعتذرين رفيعي المستوى، من يصدق المسئولين أصلا!
ولكني لم أشك لحظة أننا يجب أن نتجاوز الصمت التضامني مع المستبدين العرب أثناء حروبهم مع الأعداء. لا أحتمل رائحة الرحلات القذرة للتضامن مع صدام حسين والقذافي في حروبهما المتخيلة وصمودهما المتخيل أمام الصهيونية والامبريالية. ولا يفوتني تحية أسلوب الأول في الصمود والممانعة وهو ما انتهي ببلده تحت الاحتلال، وأسلوب الثاني الذي انتهى بالبلد متحررا فوق جثته مع بعض التدخل الدولي. نعم، هي شماتة في الأسلوب القمعي في حماية الشعور القومي من التفتت من أجل مقاومة احتلال أو ممانعة إمبريالية. وها هو الأحمق الثالث بشار الأسد تتداعي سلطته، رغم كل جهوده في القمع الذي أبدع في ابتكار تهمة "إضعاف الشعور القومي" لمحاكمة أصحاب الآراء التي تتجرأ وتنتقد نظامه المقاوم متجاهلة أنه في مواجهة مع إسرائيل وأمريكا. بلا أي ذوق ولا شعور قومي!
سعيد أن كثيرين في وفد بالفيست تجاوزوا تلك الحالة ولم يمنعهم تضامنهم مع غزة تحت حصارها الإسرائيلي- المصري. أن يذكروا "الطرف الثالث" في الحصار: حكومة حماس. يوسف رخا وخالد الخميسي وسحر الموجي يؤكدون على نفس المعنى.
أحرّض أيضا بعض أصدقائنا الغزّاوية الذين شعروا بوخز الضمير لأن تلك الانتقادات يمكن أن تصب في صالح إسرائيل، أحرضهم على عدم الرفق بـ"الشعور القومي" الذي كان دائما مطية المستبدين مدعي المقاومة الذين ينتهي الأمر دائما على يديهم إلى هزائم قومية مروعة، بدءا من عبد الناصر إلى صدام والبقية تأتي.
المجتمعات الحرة هي التي تضع إسرائيل في الركن عمليا، وتضعف شعورها القومي بالتفوق الحضاري وسط محيط من الجهلة المستبدين.
لا تعنيني المشاعر القومية في كلا الطرفين التي تقود صراعا من أجل حمية قومية أو دينية. وأعتقد أنه حان الوقت لفشخ الشعور القومي وتجاوزه إلى روح الجماعة التي تدافع عن حريتها وكرامتها وحرية وكرامة كل واحد فيها قبل أن تفكر في الهوية والأراضي والحدود.
أهلا بوفود ما بعد انطلاق الثوات العربية، أدامها الله علينا. سنحيا كراما.
