12 May 2012

آيس كريم في قطاع غزة



في 2008 وتحت ضغط حصار خانق على قطاع غزة من جانبين، الاحتلال الإسرائيلي والتخاذل المصري، اقتحم الغزاوية الحدود المصرية إلى سيناء، لقضاء حوائجهم من المواد الغذائية وخلافه.
ساعتها انقسم المصريون بين متعاطف مع الإخوة في غزة وبين مهاجم لفعلتهم النكراء في تجاوز الحدود وانتهاك «السيادة المصرية». ساعتها كتبت في مدونتي عن «تجاوز الحدود» ساخرًا من هؤلاء محبي الحدود أكثر من حبهم للإخوة الفلسطينيين والغاضبين من تجاوزهم للحدود والساكتين عن تجاوز قمعهم للحدود.
أعتقد أن الخلاف بين الفريقين أعمق من الخلاف حول تجاوز تلك الحدود إلى خلاف حول مفهومهم للسياسة نفسها، الخلاف بين رؤية للسياسة باعتبارها وضع حدود أمام حياة البشر من قبل سلطات تدعي حمايتهم، لأنها تعرف الأصلح والأنفع لهم، أم أن السياسة من وجهة نظر المقموعين هي التجاوز المستمر للحدود التي تضعها السلطة ودفعها للتراجع وإفساح المجال أمام الناس، ليعيشوا بحرية وكرامة وليس تحت الحماية والوصاية؟
ها أنا الآن في غزة، ذهبت مع وفد احتفالية فلسطين للأدب «بلفاست» الذي يجوب مدن فلسطين، وهو هذه المرة في غزة  تضامنًا معها ضد حصارها. وهناك أخبرني رجل الأمن الداخلي لحكومة حماس أن أي حركة لي خارج الفندق وخارج  الجدول المخطط هي تجاوز للحدود يجب أن يعلموا بشأنه حتى لو كان للسوبرماركت، وعلمت من الأصدقاء المدونين الغزاوية أن تعبيرهم وحركتهم مهددين دائمًا من قبل أمن حكومة حماس، بعضهم تم اعتقاله، بسبب ما كتبه على «فيس بوك»، وبعضهم تم ضربه واعتقاله، لمشاركته في مسيرات خرجت دون إذن سلطة حماس، سواء كان خروجًا سياسيًا لإنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس الذي يكسر شوكة الوحدة الفلسطينية أو مطلبيًا، احتجاجًا على الإدارة المتردية للطاقة وأزمة الكهرباء.
استمعت من شباب مدونين مستقلين ومن كوادر قيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن ضربهم بالهراوات، لخروجهم في تظاهرات متضامنة مع الثورة المصرية أو السورية أو لخروجهم في مظاهرة الاحتجاج ضد سوء إدارة أزمة الكهرباء، وسمعت من آخرين عن «الأمن الفكري» الذي تقيمه حكومة حماس بالتوازي مع قمع مماثل تقوم به حكومة فتح في الضفة الغربية، حيث تتم مصادرة الصحف التي تصدر من الطرف المعارض سواء في غزة أو الضفة.
شباب آخرون كانوا حذرين من انتقاد ممارسات حكومة حماس ضد حريات المجتمع الفلسطيني، يقولون إننا لا نريد أن نزيد الانقسام الفلسطيني، ومهما كان فنحن إلى جانب المقاومة التي تقوم بها حماس ضد إسرائيل وضد فتح التي تتخذ موقفًا رخوًا من الاحتلال. وكان ردي عليهم هو أنه إذا كانت المقاومة من أجل الحرية فلا يعقل أبدًا أن نتنازل عن الحرية تحت مبررات المقاومة.
كان ما سبق هو ملخص كلمتي التي ألقيتها في الحفل الختامي لاحتفالية فلسطين للأدب في «دار الباشا» بجوار الجامع العمري في غزة. وسط كلماتنا في الحفل كان الأمن الداخلي يصوّر بفجاجة كل المشاركين والحضور، وعندما قامت صديقة فلسطينية بتصوير رجل الأمن وهو يصورنا تقدم آخر إليها بفجاجة واختطف كاميرتها من يدها وسط غضبنا واحتجاجنا.  كانت الكهرباء قد انقطعت عن القاعة وظننت أنها الأزمة العادية للكهرباء، ولكن الزملاء المنظمين قالوا لي إن الأمن قطعه عمدًا، وأمروا صاحب المكان بوقف الندوة فورًا.
احتل رجال الأمن المكان وسط غضبنا وقالوا إننا لا نمتلك تصريحًا ! رغم أن مندوبين لوزارتي الداخلية والثقافة استقبلانا على معبر رفح ورحبا بنا وبالاحتفالية، وأذكر جيدًا تصريح مندوب وزارة الداخلية بأننا يمكن أن نتحرك بحرية بالغة وأن نزور كل ما يعن لنا حتى السجون، لنرى الحالة المتقدمة لحقوق الإنسان!  ولكن من يصدق رجال الأمن؟ 
سألت رجل الأمن، الذي يبدو أنه يقود الكتيبة الباسلة التي أوقفت ندوتنا: «ما الجديد؟ هذا حفلنا الختامي ولنا أربعة أيام نتحدث في ندوات عامة» قال لي: «هذا بسبب كلمتك التي افتريت فيها علينا وقلت إننا نقمع الحريات»، ثم اكتشف بنفسه خطأ كلامه، فأضاف باسمًا «فجئنا نؤكد كلامك!». أي والله قال ذلك.
حاول أن يضيف جادًا أنه يتابع صفحاتنا على الإنترنت وانتقادنا للأمن الداخلي وتابع انتقاد علاء عبد الفتاح  للنظام الفلسطيني على إذاعة من الإذاعات وحاول وعظنا  أن علينا احترام الدولة المضيفة وألا نتحدث عن حكومتها بشكل غير لائق.
«حكومتنا بتتاجر فيكم» قالها لنا شاب من رفح ونحن نسير وفق جدولنا المحدد، لنزور المخيمات البائسة والأنفاق التي تحاول كسر الحصار والمباني والمناطق التي هدمها الاحتلال، وقال لي شباب آخرون إن كل الوفود الأجنبية تدخل لترى استعراض السلطة لبؤس غزة ولنماذج مبالغ فيها من الحصار، لكي تستخدم السلطة تقاريرهم، لتؤكد الظلم الكبير الواقع عليها. وهو حق، ولكنها لا تسمح لهم  برؤية المزيد عن الوضع الداخلي وسوء الإدارة وقمع التحركات المعارضة والحرة والمستقلة ولا الكلام عن ذلك.
أهدانا الشاب من مخيم رفح، الذي شتمنا، آيس كريم وقال:« هذا هدية من الشعب الفلسطيني، نحن لا نموت هنا، لا تدعوا السلطة تتاجر فيكم».
 ندوتنا التي اقتحمها الأمن وكانت خير ختام لاحتفاليتنا التي كشفت الحصار المزدوج، حصار الاحتلال لقطاع غزة اقتصاديًا وحصار سلطة حماس الذي يأخذ المجتمع الغزاوي رهينة تحت مبررات صراعها السياسي مع فتح، وتحت مبررات كونها مقاومة للاحتلال تخشى الخونة والجواسيس. 
خالص تحياتي  للشاب صاحب البقالة في مخيم رفح، وأشكره بحرارة على الآيس كريم وعلى النصيحة.

2 comments:

Umzug Wien said...

Vielen Dank .. Und ich hoffe, Sie Mved Entwicklung und Schreiben von verschiedenen Themen :)

Räumung wien said...


مدونة مميزة
كل تقديرى واحترامى لكم ... :)