23 April 2006

طلعت يا محلا نورها



أول أمس في قاعة الحكمة بساقية الصاوي , في الصف الأول من الجزء العلوي , علي يمينك أول ما تنتهي من السلم الثاني من جهة اليسار و أنت تواجه المسرح .. كنت أجلس هناك و في الصف الثاني خلفي مباشرة جلست مجموعة من الشباب الشوام الذين يحبون مارسيل خليفة أكثر مني قليلا , كان منهم فتاة ذات صوت ناعم و فتي ذو صوت أجش يصفق بعنف و مبكرا قليلا عن باقي الجمهور, حتي أنه أفزعني مرتين .
هؤلاء الأصدقاء لا يحبونه فحسب بل إنهم يحفظون أغانيه عن ظهر قلب , كما أنهم لم يفتهم حفله السابق الليلة الماضية في الأوبرا , لذا فإني بالكاد استمعت إلي صوت
مارسيل خليفة و أميمة الخليل هذه الليلة .
لم يخل الأمر من
لحظات سعيدة , خاصة تلك التي بح فيها صوتهم أو تذكروا أن مارسيل يغني الآن لا إحدي اسطواناته , كما أنهم اضطروا للتوقف أثناء الفواصل الموسيقية الرائعة . خاصة تلك التي شغلتها تنويعات بيانو رامي خليفة علي الألحان .
بدا لي أن مارسيل بقدر ما يمكن أن يسعده هذا , كان أيضا حانقا من ذلك الجمهور الذي أتي لاستعراض حفظه أغانيه عن ظهر قلب , و لا يريد أن يستمع إلي جديده أو موسيقاه في ثوبها الجديد . كما أن البعض أراد أن يحيل الحفل مؤتمرا نضاليا .
وقف د.إيمان يحيي و هتف بالفعل و ردد خلفه القليل و ضحك البعض .
مالك أيضا كان حانقا و استنكر أن تغني أميمة " طلعت يا محلا نورها " بلكنة و زيادات لبنانية , كما لم يعجبه أن " المزيكا كانت ياما " علي حد تعبيره .
هذه الأيام تنتهي السهرات عند نادي القضاة و
الاعتصام المفتوح هناك .
قبل أن نذهب ودعنا رضوى
و التقينا يحيي مجاهد و كان من المخطط أن نأخذ فاصلا من فول سعد الحرامي علي مقهي التكعيبة , و لكن ذلك الأخير لم يعد موجودا بعد ان أجبرت الشرطة كل المقاهي القريبة من الاعتصام علي إدخال مقاعدها و إخلاء الطريق تكديرا لصفو مجتمع وسط البلد . مقهي التكعيبة تقريبا ليس له داخل .

في مطعم اسمه " الفقي " في شارع شمبليون , له داخل ولا يدخله أحد تقريبا , اضطر
يحيي للتفاوض نيابة عنا مع ذلك الرجل هناك ليقنعه أنه من المعتاد أنهم يحضرون سلطات و خبز بجانب الأطباق . و ليته فشل في إقناعه و اضطررنا للرحيل , فلم نزل نعاني من عدم القدرة علي نسيان هذه الوجبة .


تناولنا الشاي جلوسا علي البساط المفروش بطول الرصيف المقابل لنادي القضاة , مسندين ظهورنا إلي علم مصر الكبير .
مالك تجاوز سريعا آثار الوجبة. الاعتصامات تجعله في حالة مزاجية فريدة .


بعد رحيلي و يحيي مجاهد . و بينما كان بعض الزملاء يصلون الصبح داخل نادي القضاة و نقابة الصحفيين , استغل " الكفار " قلة عدد الباقين للحراسة و أغاروا عليهم و سرقوا أمتعة المعتصمين وعدة الاعتصام , و لم ينقذ المعتصمون من أيديهم سوي علم مصر الكبير.
لا تزال الطبلة أيضا موجودة و
الاعتصام مستمر.


من الآن فصاعدا , علي مالك أن يؤم المعتصمين لأداء " صلاة الخوف " في مكان الاعتصام .


22 April 2006

20 April 2006

" المدينة خلفنا متلألئة "






" حين يشتد علي الجوع أخرج إلي حي " عين قطيوط " . أفتش في المزابل عن بقايا ما يؤكل . وجدت طفلا يقتات من المزابل مثلي . في رأسه و أطرافه بثور . حافي القدمين و ثيابه مثقوبة ....
عثرت علي دجاجة ميتة. ضممتها إلي صدري وركضت إلي بيتنا . أبواي في المدينة , أخي في ركن ممدد, نصفه الأعلي مرفوع فوق وسادة . يتنفس بصعوبة . عيناه الكبيرتان ترقبان مدخل الباب . يري الدجاجة . تتيقظ عيناه . يبتسم . يتورد وجهه النحيل .يتحرك كأنه يفيق من إغماء .يسعل فرحا . أعثر علي السكين ....
لماذا لا يفور الدم الآن من من عنق هذه الدجاجة كما رأيته يفور من عنق الكبش ؟ شرعت أريشها .
سمعت صوتها ( الأم ) : ماذا تفعل ؟ من أين سرقتها ؟
- عثرت عليها مريضة .ذبحتها قبل أن تموت .إسألي أخي.
- مجنون ! ( خطفتها مني غاضبة ) . الإنسان لا يأكل الجيفة .
أخي و أنا تبادلنا نظرات حزينة . كلانا أغمض عينيه في انتظار ما سنأكله . "


" أسير أمام أبي . يهش علي الكلاب بالحجارة . حين تقترب منا يستعمل العصا التي التقطها . يسب الكلاب و يسبني .
- إمش أمامي يا هذا الخواف . إمش لتأكل أمك القحبة.
تعثرت و سقطت . هوي علي بالعصا . عويت . شتمته في خيالي .يدفعني برأس العصا إلي الأمام . التقطت عصية لأطرد بها الكلاب . أعفس علي الحجارة الناتئة و نبات القراص . يضربنني و يلعنني جهرا , أضربه و ألعنه في خيالي . لولا الخيال لاتفجرت . "




"جنون الجوع و القيظ يفقدانني رؤية الأشياء في وضوح . التقطت سمكة جافة ومداسة . شممتها . رائحتها مقيئة . سلختها . مضغتها باشمئزاز .طعمها نتن . أمضغها و أمضغها دون أن أقوي علي بلعها . حجارة ناتئة تؤلم أخمص قدمي . أمضغ السمكة كعلكة . تفلتها .رائحتها بقيت في فمي .ألوك فراغ فمي . ألوك و ألوك . أمعائي تبقبق . دخت و تدفق الماء الأصفر من فمي و أنفي . تنفست بعمق . قلبي يخفق بعنف . .. العرق يسيل علي وجهي . يسيل و يسيل . فكرت في الرفيق الذي أنقذني ليلة أمس من دورية حملة القبض علي المتشردين . لماذا لم يوقظني؟ ربما حاول فلم أستيقظ . لم يعرف أحدنا اسم الآخر . "



" – سرقوني !
خففنا سرعتنا . أضاف :
- أنت محظوظ
كنا نلهث
- ماذا تعني ؟
-إنهم يغتصبون إذا لم يجدوا ما يسرقون ."


" كنا نتجه إلي إحدي ضواحي المدينة . إنه حساس ( شاذ ) , هذا لا شك فيه . أوقف السيارة في مكان مظلم . في طريق مشجرة . المدينة خلفنا متلألئة .. أشعل ضوء السيارة . ها هي الجولة القصيرة تتوقف هنا . لامس فتحة سروالي بحركة لطيفة . الجولة الحقيقية تبدأ . يفك زرا تلو زر بمهل . أضاء ضوء السقف و انحني عليه ..
....
زررت فتحة سروالي . شبكت ذراعي حول صدري كأن شيئا لم يحدث . إن النساء كثيرات . لماذا هو الإنسان لوطي ؟ هكذا فكرت .
.....
في طريق عودتنا أعطاني خمسين بسيطة و أنزلني قرب المكان الذي أخذني منه .
حرفة جديدة تضاف إلي الحرفتين الأخريين : التسول و السرقة . أخرجت ورقة الخمسين بسيطة و فصحتها . أعدتها إلي جيبي .. هكذا يقحب الناس إذن . "



" بالمال يستطيع الإنسان أن ينكح العالم . هذا ما قاله حشاش في مقهي الطرانكات "



" ابتسمت و هي تفحصنا . و جهها يلمع بالمساحيق و عيناها مكحلتان . نظر إلي رفيقي . أكدت للمرأة أننا لم نشرب كثيرا . فقط نحن مرحان و نريد أن ننعس معها كما فعل رفاقنا في الحي . هي تفحصنا ينظرات باسمة و نحن نخاف أن ترفضنا . قالت لنا : طيب , من سيبدأ الأول ؟ "



" أحيانا كان ينتصب واقفا و يترك الصحيفة أو المجلة من يده و يتحول شرحه إلي خطبة سياسية , يستعرض فيها ثقافته و ذكاؤه في تحليل الأحداث و يستشهد كثيرا بآيات من القرآن و أحاديث الرسول و أقوال الصحابة . حين يطلب منه أحدهم شرحا أكثر وضوحا لإحدي الأفكار يجد الفرصة ليتعالي علينا , نحن الأميين الجهلاء , فيزداد شرحه غموضا . كان دائما علي صواب في نظرنا . لم يكن بعض الرواد يفرق دائما بين قوله و قول الله . كثيرا ما يقول أحدهم :صدق الله العظيم , فيصحح له :" أستغفر الله العظيم , هذا ليس قول الله , إنما هو قولي .... "



" قال : عمي مات .
- مسكين
- قتل نفسه هو و زوجته و أطفاله الثلاث .
- كيف حدث ذلك ولماذا ؟
-قضوا أياما بدون أكل . لم يرد هو و روجته أن يطلبا من أحد الجيران شيئا من القوت . بنيا, من الداخل , بابا آخر من الحجر و الطين و ماتوا . "



" دخل كمال ( التركي ) يترنح . حول عينه اليسري هالة بنفسجية . قال لي :
- لقد هاجمني اثنان في بورديل بن شرقي ( بيت دعارة مرخص )
- لماذا ؟
- لقد اعتبروني نصرانيا , لم يصدقوا أني مسلم . قالا لي : " كيف تكون مسلما و أنت لا تتكلم العربية " ؟
- لكن لماذا كل هذا ؟
- كنت أريد أن أدخل مع فتاة مغربية أنام معها ! "


" بدأت الجموع تتجه نحو اللافتات العمومية . كان هناك ركامات من الحجارة و طريق محفرة تعمل فيها الأشغال العمومية . أذخوا يحشون جيوبهم و قلنسوات جلابيبهم بها . تفرقوا في أربعة اتجاهات رئيسية . التخريب بدأ في كل مكان عبر السوق .. حجر يهشم ساعة كبيرة ثابتة في أعلي جانب باب متجر هندي . . واجهة متجر الأحذية يكسر . قلت للكبداني : لنأخذ بعض الساعات و آلات التصوير ...(..) انظر الآخرين كيف يأخذون الأشياء . "




"رجال الأمن يطلقون النار علي المغاربة
- لماذا
- بسبب ذكري 30 مارس "



" لقد اخترق الرصاص ظهره و بطنه
- إني أري كل شيء
- لم أر قط إنسانا يموت بهذا الشكل إلا في السينما
- ها أنت تراه الآن
- لا بد أنهم يقتلون الناس بهذا الشكل في أماكن أخري
- و ماذا تظن, هل سيوزعون عليهم الحلوي "



" - و أنت أين قبر أخيك ؟
نظرت نحو السور الذي دفن قربه أخي و قلت له :
- هناك .. لا يمكن العثور عليه . إننا لم نبن له قبرا قبل أن نرحل إلي تطوان .. كنا فقراء "


" - لقد عادت الحالة إلي طبيعتها بعد الحادث المشؤوم
- لكن الحالة السياسية ليست بخير في المغرب كله . لابد أن تحدث حوادث أخري أعنف من حادث 30 مارس "


" من المحتمل أن تظهر جثث أخري "

محمد شكري
" الخبز الحافي "
سيرة ذاتية روائية





18 April 2006

قل كلمتك



" قل كلمتك قبل أن تموت
فإنها حتما ستعرف طريقها جيدا
لا يهم ما ستؤول إليه "


مهداة إلي محمد مرسي , أطال الله عمره و لا أسكت صوته

من مقدمة " الخبز الحافي " لمحمد شكري
تحديدا من نسخة محمد التي علي مكتبي الآن

15 April 2006

! ما بدا لي في " الأهرام " نقلا عن شبكة الإنترنت



Image1



نشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر اليوم فقرات معدة من تدونتي السابقة ضمن تحقيق عن صفقة بيع عمرافندي .
و عزا المحرر تساؤلاتي و روايتي للشهادة غير المنشورة إلي محاورات علي شبكة الإنترنت !
لا بأس .. لمصر لا للصحفيين !

06 April 2006

عمرافندي : تساؤلات غير بريئة .. و شهادة غير منشورة





قبل أن أسرد الشهادة غير المنشورة بشأن قضية بيع عمرافندي و التي حصلت عليها " حصريا" , سأحاول في البداية التظاهر بالبراءة و سأضيف بعض التساؤلات غير البريئة , إلي تلك الأخري التي ثارت هنا و هناك من قبل معارضين أنعم الله عليهم بنعمة التساؤل . بينما معارضون آخرون متمترسون خلف عقيدة المعارضة , يمارسونها بيقين مطلق في الضفة المقابلة لما يظنونه موقف الحكومة , أيا كان هذا الموقف وأينما كانت تلك الضفة .

أولي تساؤلاتي هي بشأن بلاغ المهندس يحيي حسين عبد الهادي , رئيس شركة بنزايون , الذي قدمه للنائب العام و اتهم فيه محمود محيي الدين وزير الاستثمار و هادي فهمي رئيس الشركة القابضة للتجارة بتسهيل الاستيلاء علي المال العام و تحديدا ذكر في بلاغه أنهما قاما بضغوط علي لجنة تقييم أصول عمرافندي ,التي كان أحد أعضائها , لكي تقوم هذه اللجنة بتقييم أصول الشركة بأقل من قيمتها الحقيقية لتوافق القيمة التي اعتمدها الوزير و كان قد كلف باعدادها مكتبا استشاريا . كما أنه حدد تلك القيمة من المال العام و التي اتهم وزير الاستثمار و رئيس الشركة القابضة بتسهيل الاستيلاء عليها و قدرها بـ 600 مليون جنيه هي الفارق بين تقييم اللجنة التي كان عضوا بها و تقييم المكتب الاستشاري الذي كلف بذلك من قبل الوزير.

أولي التساؤلات و هو اتهام في الحقيقة , لماذا تجاهلت المعارضة و صحافتها ان الفارق بين الرقمين (الـ 600 مليون جنية ) هو فارق بين تقييمين مختلفين من حيث المبدأ . التقييم الأول الذي جاوز المليار جنيه هو تحديد لقيمة أصول الشركة ( أراض و عقارات و تجهيزاتها و خلافه ) و هذا التقييم صالح بالكلية في حالة تسريح كل العاملين و بيع الشركة كعقارات و أراض , و هذا غير مطروح لأن واحدا من شروط العقد الذي وضعته االشركة القابضة , كما هو معلن, أنه لا تسريح لاي من العاملين . بينما التقييم الثاني هو تقييم اقتصادي يعتمد علي افتراض الدخل الذي قد يحققه عمرافندي كمشروع استشماري في مدة زمنية معينة و عن طريق ذلك يحدد القيمة التي يستحقها عمرافندي كمنشأة اقتصادية بأصولها و عامليها في الوقت الحالي .
الفارق بين أسلوب التقييمين واضح و الغرض منهما مختلف . و تجاهل ذلك و تصوير الفارق بين التقييمين كأنه اهدار مقصود للمال العام , لا أراه إلا ديماجوجية صريحة.

التساؤل الثاني , و هو أنني لو كنت صحفيا لكان السؤال الأول الذي سأوجهه ليحيي حسين هو : " ما هذ هذه الضعوط التي واجهتها أنت و باقي أعضاء اللجنة ؟"
لم أسمع هذا السؤال , ولم أقرأ أو أسمع حتي الآن عن ماهية هذه الضغوط و لم أجد صحفيا واحدا قد اهتم ان يسأل مصدرا آخر من لجنة التقييم عن هذه الضغوط و اذا كانت قد تمت بالفعل أم لا .
ثم اذا كانت هذه الضغوط السرية قد تمت بالفعل , كيف نجح اعضاء اللجنة في التوصل لتقييم يخالف التقييم الاول بهذا الفارق , واذا كان الوزير يريد فعلا تسهيل الاستيلاء علي المال العام فلماذا يشكل لجنة تقييم أخري بعد تكليفه مكتبا استشاريا بذلك , و اذا علمنا أن الوزير هو الذي شكل هذه اللجنة و اختار أعضاءها فلماذا لم يرتب ذلك بشكل ما قبل أن يضطر للضغط عليهم لاحقا .

التساؤل الثالث هو تساؤل منطقي بالأساس : كيف يستقيم أن يقدم المهندس يحيي حسين عبد الهادي بلاغا الي النائب العام يتهم فيه الوزير و رئيس الشركة القابضة بتسهيل الاستيلاء علي المال العام , ثم يظل يردد في أحاديث صحفية لاحقة أنه " لا يشك للحظة في ذمة الدكتور محمود محيي الدين ولا المحاسب هادي فهمي " و الجملة الأخيرة نقلتها نصا من آخر حوارته و الذي نشر في مجلة الشباب (عدد ابريل 2006)

التساؤل قبل الأخير هو: ألم يثر أي مما سبق تساؤل السادة أعضاء حركة صحفيين من أجل التغيير و لجنة الحريات بنقابة الصحفيين و كل الأساتذة الكتاب و الصحفيين الذين كادوا يؤلفون سيرة شعبية جديدة بطلها " يحيي أفندي " كما أطلق عليه كثيرون منهم .

اجابة السؤال السابق لا تشير إلا الي اعتناق عقيدة المعارضة التي تجعل من رجال الحكومة شياطينا علي الأرض , و من يعارضونها ملائكة مجنحين , ما يتعلق بفساد الأولين هو من قبيل المعلوم من السياسة بالضرورة و ما يتعلق ببطولة الأخيرين هو مما لا يحتاج لاثباتات أو تساؤلات .
و رغم أني أحاول بين الحين و الآخر أن أشك في " معارضتي " لكي لا تتحول إلي عقيدة قلا أستطيع الآن ن أبريء نفسي كليا من أعراض اعتناق هذه العقيدة , فلي أسبابي الخاصة التي سأفصح عنها حالا جعلت التساؤلات السابقة أيسر بالنسبة لي .
و لكني أعيذ كل هؤلاء السادة المحترمين , ممن أحسب أن حاستهم النقدية بخير, أعيذهم من عدم التساؤل.

يمكن أن يضاف أيضا للإجابة أن بيع القطاع العام من حيث المبدأ , أمر مستفز لمشاعر الكثيرين لأسباب تاريخية, كما أنه مستفز لآخرين لأسباب أيديولوجية , وما كشف عن الفساد الذي ارتبط بعمليات البيع السابقة - و من المرجح أن يظل كذلك طالما ظل الاستبداد السياسي قائما - قد هيأنا جميعا نفسيا للتسليم فورا بصحة أية أنباء أو إشارات لفساد قادم هنا أو هناك .

التساؤل الأخير لدي هو لماذا لم يثر اهتمام أحد ما أن رئيس شركة عمرافندي لا يتحدث مطلقا بشأن هذا الموضوع علي عكس ما هو متوقع.
لا أدري لماذا لم يثر ذلك الانتباه , و لكني اعلم أن بعض الاعلاميين حاول ان يحصل منه علي تصريحات بشأن الموضوع و لكنه رفض لأكثر من سبب باح لي بهم , كما أنه قد روي لي شهادته كاملة بشان هذا الموضوع ... لا لشيء إلا لأن المهندس عزت محمود رئيس مجلس إدارة عمرافندي حاليا هو أيضا والدي .
و لأنه كذلك فقد استمعت الي شهادته تلك في عدد غير قليل من الساعات التي قضيتها أتحاور معه بشان هذا الموضوع و سأحاول هنا أن أوجز كلامه دون أن أغفل التفاصيل الهامة .
سأبدأ من حيث بدأت الضجة , من لجنة التقييم , هذه اللجنة قد شكلها وزير الاستثمار و رئيس الشركة القابضة المالكة لشركة عمرافندي بهدف اعداد تقييم استرشادي يعتمد في الأساس علي الأصول الثابتة , و تولي رئاستها أحد الخبراء الماليين و ضمت في عضويتها عددا من المستشارين الاقتصاديين بالاضافة لرئيس مجلس ادارة عمرافندي الذي كان رئيسا للجنة الفرعية للجرد وتقييم الأصول و ضمت أيضا رؤساء باقي شركات قطاع الأعمال و منهم رئيس شركة بنزايون المهندس يحيي حسين عبد الهادي .
يقول المهندس عزت محمود أن دور رؤساء الشركات الأخري – و منهم المنهدس يحيي حسين - كان استشاريا إلي حد كبير و في معظمه كان متابعة لعمل اللجنة , في حين أنه بصقته رئيسا للجنة الجرد و تقييم الأصول فهو الذي كان مكلفا باعداد و جمع التقارير التي تتضمن التقييمات لذا فانه يحفظ عن ظهر قلب تقريبا كيف تشكل رقم المليون و مائة مليون جنية التي انتهت اليها اللجنة , كما انه مسؤول عن هذا الرقم تحديدا بصفته رئيسا للشركة التي شاركت قياداتها بالاستعانة بمكاتب استشارية متخصصة في الوصول لهذا التقييم .
و لكنه يعلم أن هذا التقييم للأصول الثابتة ليس مطروحا كرقم للتفاوض لان من شروط البيع انه لن يسمح للمشتري بالتصرف في الاصول الثابتة الا يمقدار 20% كما انه لن يسمح بتسريح اي عدد من العاملين لكي يتسني بيع الاصول كاملة , لذا فان هذا التقييم استرشادي لكي يؤخذ في الاعتبار المكاسب التي يمكن للمشتري ان يجنيها بعد بيع جزء من الأصول مثلا و اعادة توزيع عامليه علي باقي القطاعات .
اذن يمكن اعتبار اي حديث عن ان هذا التقييم قد تم بغرض تحديد سعر للتفاوض عليه تحديدا في عملية البيع هو عدم فهم لطبيعة اللجنة من الأساس .
الأمر الآخر أن المهندس عزت محمود يتساءل بناء علي دوره الكبير في هذا التقييم , لماذا لم يسمع – مجرد السمع – عن هذه الضغوط التي يتحدث عنها المهندس يحيي حسين , و التي من المفترض منطقيا أن تمارس عليه أولا , و يتساءل كيف يمكن أن تمارس ضغوط علي يحيي حسين بينما لم يكن دوره كبيرا في اعداد التقييم ؟
حتي ذلك الاقتراح الذي اقترحه مسئولو الشركة القابضة علي اللجنة بأن توصي بالجمع بين تقييمها و التقييم الاقتصادي ( أقل من نصف مليار ) ...رفضه المهندس عزت و قال ان اللجنة مسئوليتها محدودة بالتوصية بالاستفادة بما قامت به , و انه لا دور لها في تبني تقييم اقتصادي تقديري يتحمل مسئوليته من قام به و أوصي به .
و استجاب مسئولو الشكرة القابضة و حذفوا هذا الاقتراح .

لماذا اذن لم يتحدث المهندس عزت الي الصحافة نافيا وجود تلك الضغوط ؟
عندما تقدم يحيي حسين ببلاغه الي النائب العام , و تلقفت الصحافة هذا البلاغ وبدأت في كتابة دور البطولة , لم يكن أمام المهندس عزت اذا اراد ان يقول الحقيقة التي لن يصدقها أحد إلا ان يكتب دور الشر , من صدق اذن نفي الوزير محمود محيي الدين و نفي رئيس الشركة القابضة .. من احترم قرار النائب العام بحفظ التجقيقات لانه لا شئ هناك .... لا أحد تقريبا, رغم أن هذه هي الحقيقة فيما أعلم , الا لو يسعفنا المهندس يحيي حسين باجابات عن التساؤلات السابقة .
و لان المهندس عزت لم يكن يعلم يقينا ماذا يمكن أن يجري في الخفاء , فانه فضل الصمت حتي لا يخوض معركة بجانب أي من الطرفين , و لان ما يعتقد انها المصلحة العامة لن تجني شيئا من جراء تلك المعركة .
كما أن المهندس عزت التزاما بواجبات منصبه من المفترض ألا يعلن عن تفاصيل عملية التقييم لانه ببساطة يجب أن يظل أي تقييم شأنا سريا, لانك اذا كنت تتفاوض لتحصل علي اعلي سعر , وعلم الطرف الآخر القيمة التي حددتها فلن يزيدها مليما .
( طبعا هذه الارقام الان متداولة , و لذا فاني غير متفق معه في هذا التبرير)

موقف المهندس يحيي حسين غامض إذن , علي ما يبدو هو لا يدري تحديدا الغرض من اللجنة التي كان عضوا بها , يتحدث عن ضغوط مورست علي اللجنة لا وجود لها – بحسب المهندس عزت – كما انه يتهم الوزير و رئيس الشركة بالفساد ثم يعود و يبرئهما من ذلك , كما أنه بالأساس غير معارض لعملية البيع , بل انه يطرح في بعض حواراته الصحفية فكرة بيع كل فرع علي حدة و هو حل غير مطروح الا بنسف شركة عمرافندي التي تعد العلامة التجارية لها احد اهم نقاط التميز في التفاوض علي بيعها , كما ان هذا الحل ينطوي علي ضرورة تسريح عدد كبير من عامليها الذين يعملون في الادارات المركزية و القطاعات المتخصصة و عمال المخازن غير المرتبطة بفروع بعينها .

المهندس عزت يري أن المهندس يحيي حسين رجل نظيف كما عهده و يستبعد كونه يلعب لصالح هذا أو ذاك ,ولكنه يتساءل عن حقيقة ما يقول و لماذا يتهم أشخاصا في ضمائرهم في بلاغ رسمي , ثم يعود مصرحا بعكس ذلك , وهو من حقه أن يختلف معهم سياسيا أو فنيا بشان قراراتهم بلا اتهامات أخلاقية .

بعيدا عن قضية المهندس يحيي حسين , فان المهندس عزت يخشي أن تضيع قضية عمرافندي .
المهندس عزت علي عكس معظم رؤساء الشركات الأخري لم يأت من خارج هذه الشركات – من القوات المسلحة أو من هيئات أخري اقتصادية أو أكاديمية – و لكنه بدأ حياته المهنية مهندسا في عمرافندي و كان عضوا منتخبا بصندوق العاملين بالشركة عن قطاع المشروعات , و لانه عامل في الشركة و ظل كذلك طيلة حياته المهنية و لا يزال , فانه متضامن مع اللجنة النقابية بشان عدم التفريط في حق اي عامل , و يشهد أن وزير الاستثمار تعهد بالالتزام بذلك في عقد البيع .
و لكنه من جانب آخر , يعتقد عن قناعة و خبرة عمر بضرورة بيع الكثير من القطاع العام و لا يعارض البيع من حيث المبدأ , يعترف بالحجم الضخم للفساد الذي ينخر في جسد القطاع العام و الذي لا يمكن لأحد مهما بلغت سلطته ان يقتلعه بضربة واحدة .
و يري ان طبيعة عمل القطاع العام لا تتسق و التجارة التي تقوم علي المغامرة و المخاطرة , التي لا يمكن لموظف في الدولة ان يقوم بها بينما أجهزة رقابية سوف تحاسبه في حال فشلت مغامرته او مخاطرته و تتهمه بتعريض المال العام للتبديد .

و بالنسبة لكيفية البيع , هو يطرح بديلا مغايرا لما يطرحه وزير الاستثمار , فالوزير يري ضرورة البيع الفوري , و لا يريد ان يتحمل مهمة ادارة القطاع العام و لو لعدد قليل من السنوات .
بينما يري المهندس عزت أن اعادة هيكلة للشركة ربما تكون الأنسب لعدة سنوات قادمة قبل طرحها للبيع .
و اعادة الهيكلة في رايه تقضي ببيع بعض الاصول التي يمكن ان تدر سيولة كبيرة ( بنايات في اماكن مميزة او أراض في اماكن مميزة عليها مخازن يمكن نقلها الي اماكن أرخص ) و التي يمكن توزيع عمالها علي الفروع الاخري و بضخ الأموال التي ستدخل خزينة الشركة يمكن القيام بعملية تطوير و تحديث للشركة بعدد اقل من الفروع , و استهداف زيادة ارباحها لكي يمكن طرحها في البورصة كأسهم يشتريها المصريين أو علي الأقل تكون صفقة عمرافندي مغرية لعدد أكبر من المستثمرين المصريين .
المهندس عزت يتبني هذا الحل علي استحياء و يطرحه احيانا كمجرد راي , لانه ليس خبيرا اقتصاديا و هو يترك للاقتصاديين دراسة هذه الحلول و الآراء , و لانه ايضا ملتزم بحدود وظيفته و لانه ليس سياسيا ليطرح رؤي لما لا يقع تحت اختصاصه .
كما أنه من المفترض أن يظن البعض انه منتفع بالبقاء لمدة أطول في منصبه, لذا فانه قد يعارض البيع السريع لاسباب شخضية , و هو يري أن من حقه تجنب مثل هذه الشبهات بالرغم من أن اعلان راتبه من منصبه سوف يبدد هذه الشبهات تماما , و لكن يظل تجنبها واجبا فالراي العام يعرف جيدا ان الراتب هو آخر مصادر تكوين ثروات الكثير من المسؤولين في هذا الأيام و في القطاع العام و الحكومة تحديدا .
و هو يمكن ان يري رؤية مغايرة لرؤية الوزيربشأن أسلوب البيع و لكنه يشهد أنه نظيف اليد و لا يمكن ان يتهمه احد بتسهيل الاستيلاء علي المال العام لانه يطبق سياسات يراها صالحة و هي تمثل توجهات عامة للدولة , و من يريد ان يطرح بديلا سياسيا فليقدمه و يناضل خلفه بدلا من أن يتكيء علي اتهامات بالفساد غير صحيحة و لا دليل عليها.
المهندس عزت شخصيا لا يحب السياسة و لا أكثر أهلها , و يعتقد أن قضيته التي سوف يناضل خلفها من موقعه , هي بيع عادل براع تقييم الاصول الثابتة و امكانية استغلالها من قبل المشتري , و حفظ لكامل حقوق العاملين .
و هو يتمني ممن يؤيدون أو يعارضون البيع ان يساهموا في تقديم البدائل و طرح الحلول التي تستهدف المصلحة العامة بدلا من الانشغال بتكريم أبطال مفترضين أو تجريس فاسدين مفتري عليهم . و يري أن عدم الاشتباك الواقعي الجدي مع صفقة هامة مثل هذه هو الذي يمكن أن يلقي بها في براثن أطراف كثيرة فاسدة تحاول التدخل لمصالحها الخاصة .
إلي هنا انتهت شهادته , و أنهي انا حديثي أني أشهد أني في هذه اللحظة معارضا للنظام القائم و سياساته , و لكني لا أحب أن أتحاز لمعارضة ديماجوجية بلا عقل , و أنا ان كنت لا أعارض الخصخصة من حيث المبدأ, و لكني أري أن الوقوف في طرف المعارضة الناقدة يمكن أن يمثل سندا عمليا للدفاع عن حقوق العمال و محاولة تفادي أيه محاولات لاستغلال البيع لصالح أطراف بعينها بدلا من أن تصب في المصلحة العامة .
كما أني أشهد أني في هذه اللحظة أيضا معارض لوالدي فيما يتعلق يتخوفه من السياسة و أهلها , و معارضته لما أقوم به أحيانا من المشاركة في أنشطة سياسية تنتمي الي جانب المعارضة .
رأيي أنه من الواجب أن ينزل كل المواطنين إلي ساحة الفعل السياسي بأشكال و أقدار مختلفة , دفاعا عن مصالحهم و عن رؤاهم التي يعتقدون أنها لصالح هذا البلد , هذا بجانب أن يناضل كل في موقعه باتقان عمله, و مقاومة و فضح الفساد و الفاسدين .
حاجتنا الي معارضة حقيقة تعرف اين تضع اقدامها ليس أقل ولا أكثر أهمية من حاجتنا الي اصلاح مجتمعي شامل , و لا يغني أحدهما عن الآخر.

و الله علي ما قلت و ما قال أبي و كل ما قيل شهيد !

20 March 2006

.. أول دخولنا الجنينة



متأخرا , بدأت الليلة السابقة علي الاعتصام في البحث عن علم مصر , و توجهت بناء علي مشورة صديق إلي محال الأدوات الرياضية !... في واحد تلو الآخر استمعت إلي نفس الإجابة تقريبا : لقد جئت متأخرا ... تتوفر الآن أعلام الأهلي !
حتي مكتب بيع الأعلام في ميدان التحرير , وجدت عنده قماش العلم بلا عصا حاملة , أخبرني أنه لا يحتاج لبيع العصي الحاملة لأنه باستثناء المواسم الرياضية لا تباع الأعلام إلا للمدارس , لترفع علي الأعمدة المعدنية العالية .

اشتريت شموعا , هذا سهل بالطبع . اشتريتها من محل عطارة صاحبه شاب ملتح , أخبرته , و لم لا , أن هذه الشموع من أجل اعتصام لمدة ليلة في ميدان التحرير تضامنا مع القضاة ... وجم و هز رأسه و لم يعقب .. بدا لي أنه يفكر أن قضاة ما هم الذين يصدرون أحكاما علي رفاق له في قضايا تنظيمات وهمية تثار كل فترة لإرهاب فلول الجماعات الإسلامية المتشرذمة , نسي أن هذه المحاكمات في الأغلب عسكرية , أو ربما فكر وحسب أن القاضي هو ذلك الشخص الذي يحكم بغير ما أنزل الله !

في الصباح أمام المرآة , بدا لي معطفي الثقيل مبالغا فيه , أنا غالبا ما أعود متأخرا, و الليل هذه الأيام ليس بهذه القسوة , و تخليت عن معطفي ... علي الأرض الرطبة لحديقة الجزيرة الوسطي بميدان التحرير , انكمشت بعد أن هدني التعب و لم تشك روحي من برودة الليلة التي كانت أشد قليلا من المعتاد .. إلا أني اكتشفت أنه يبدو علي ذلك بشدة ... فأعطتني منال شالا , كان أحد استعداداتها الكثيرة هي و علاء لهذا الليلة , تلفحت به ثم استلقيت تحت بطانية أحضرها شرقاوي و ألقاها فوقي , و علي الأرجح نمت ساعة بعد تأمل طويل لسماء الميدان الخالية تقريبا من النجوم , علي خلفية الأصوات التي تأتي من هنا و هناك , من تحت الأغطية أو من عند هؤلاء الذين فضلوا مواصلة الغناء و الهتاف و قرع الطبول حتي الفجر .

كل العشاق كانوا هناك بالفعل , كان مرأى القادمين العابرين الطريق إلي الحديقة كمرأي المتواعدين يبحثون في نزق وسط زحام ليلة الخميس عن المكان المحدد للقاء في الميدان .
حتي هؤلاء الذين عدلوا قبل ساعات من وضع نظاراتهم الطبية و " نظروا " حول مدي جدوي تنظيم اعتصام في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ حركة التغيير , أتوا و و قفوا – او جلسوا - لساعات و تأملوا رحابة الحديقة التي استلقينا وسطها , و أعتقد أنهم قارنوا بينها و بين ضيق الساحات القديمة التي أبلتها أقدامنا جيئة و ذهابا عاما كاملا .

بدونا نحن كأصحاب الميدان ... ابتسامات الألفة و استلقاءات الاسترخاء ..
د.يحيي القزاز وقف مبتسما في بشر يرحب بالقادمين من " كبار " العشاق ... رضوي أحضرت ما يقرب من مائة ساندويتش , أكلت أنا منهم اثنين , و لم تمكث كثيرا... مالك اشتري كل أعواد الفل من طفلة و وزعها علينا .. واحدة مصرية ارتدت عود الفل علي رأسها.
علاء كان يجيب علي أسئلة الصحافة العالمية بشأن مجموعة 30 فبراير التي ذيل اسمها اللافتات .. صرح علاء ان اسم المجموعة من وحي ليلة صنع اللافتات و من ابتكار يحيي مجاهد .. سقراطة أحضرت كتابا طبيا و ضوءا و أشك أنها قرات أكثر من صفحة .. عمرو غربية كان أول من استلقي في سكينة ... و أحمد غربية , بعد طول احتجاب , أخذ يتأملنا جميعا ..
النديم كان منشغلا عنا بـ " قصة" جديدة يبدأها للتو .. وائل عباس كان يختفي في ركن ما خلف عدسة الكاميرا ثم يعود ... منال قادت حلقة لعب الورق علي الضوء الذي أحضرته سقراطة بعد أن أطفئت أنوار الميدان جميعا ... شرقاوي مثير الشغب كان مبتهجا للغاية رغم أنه فقد سترته وهاتفه المحمول بينما كان واقفا فوق كتفي يثبت طرف العلم الكبير علي عامود الكهرباء .. ادعي أيضا في مرح لافت أن بالسترة ألفا من الجنيهات (كل شيء سيدي في حب مصر يهون !) ... براء و دعاء تجولا كثيرا يفكران غالبا ماذا يمكن أن يكتبا عن هذه الليلة ... محمد طعيمة صرح أن هناك تواطئا ما بين السلطة و بين هيئة الأرصاد بشأن انخفاض درجة الحرارة هذه الليلة ! .. علي الطيب بدأ تمردا أيديولجيا علي نجم و إمام و غني مع رفاقه من طلاب اليسار الديمقراطي لنانسي عجرم و إليسا ... حلقات كثيرة للغناء , أنشطها و أكثرها مرحا حول مالك الذي تألق هذه الليلة ... مجموعات من المتظاهرين تجوب الميدان و تحدث صخبا..
حتي إبليس الذي يشبع اسم مصر لعنا و سبا هنا و هناك , حضر وبقي لفترة .. أعتقد انه سيعلق مكابرا أنه أتي حبا في لمة الرفاق و الأصدقاء , لا حبا في مصر.. و إن كنت لا أري ثمة فرق بينهما , إلا كالفرق بيننا و بين تجمعنا في حلقة واحدة كبيرة نردد خلف مالك أغاني منير و إمام و عدوية ... حدوتة مصرية و اتجمعوا العشاق .. ياليل يا باشا يا ليل !

16 March 2006

أعلام و شموع و معاطف ثقيلة و عشاق


بدءا من السادسة مساء اليوم (الخميس ) ستجد ميدان التحرير مكتظا بشكل يفوق عادته .
لن يخلو من العشاق السامرين , بل سيزيدون , وسيمكثون أطول من المعتاد .
سيرفعون أعلاما و شموعا و سيرتدون معاطف ثقيلة لانهم ينوون قضاء ليلتهم في وسط الميدان .
سيسمرون .. يغنون و يهتفون و يصيحون و يثرثرون .. يلوحون بالاعلام و يرفعون اللافتات و يوقدون الشموع .

سوف يحاولون أن يبدوا و كأنهم يدعمون باعتصامهم هذه الليلة وقفة القضاة أمام ناديهم ظهر الجمعة , و لكن في الحقيقة هؤلاء العشاق - عشاق الحرية - يأملون أنهم يأوون إلي ركن شديد .

كل العشاق سيكونون هناك ....

05 March 2006

اليسار الآن


أمام مكتبي وجدته واقفا يخبرني , و في لهجته أسي , أنه سوف يحضر مرغما أحد أيام مؤتمر " أيام اشتراكية " .
كدت أنفجر ضحكا من فرط الدهشة و العجب و أنا أسأل المهندس أحمد زميلي في الشركة عن مصدر ذلك الاكراه العنيف الذي يتعرض له , ثم تلاشت دهشتي عندما أخبرني أن حماه الأستاذ الأكاديمي مدعو للحديث في احدي جلسات المؤتمر و سيضطر لحضورها لأسباب ديبلوماسية تتعلق باستقرار الوضع المنزلي !
تابع حديثه و صارحني انه قد خفف عنه كثيرا وجود عرض لفيلم " الجنة الآن " , في نهاية ذلك اليوم الذي سيحاضر فيه حموه .

أحمد ليس مهتما بالسياسة بشكل خاص , لذا فانه لم يبد أي اهتمام بموضوعات جلسات المؤتمر, التي رأيتها كلها مثيرة للاهتمام , و حين أمسك بجدول فعاليات المؤتمر عقد حاجباه بشكل كاريكاتوري و هو يردد عناوين الجلسات بصوت متقعر , كما انه ضحك قليلا عندما أتي لعنوان " مصر الثورية ..." ثم ضحك أكثر عندما اكتشف أنه سيضطر لحضورها تحديدا لانها الجلسة التي سيحاضر فيها حموه .
أحمد علي أيه حال يتابع الصحف و يهتم كثيرا ببعض أنماط الأدب , فتوقعت أن حضوره القسري ذلك اليوم ربما يجعله يراجع فكرته عن الندوات السياسية و ربما نراجع معا فكرتنا عن " ثورية مصر " ! . مؤتمر " أيام اشتراكية " كما عهدته في سنته الأولي يحاول أن يقدم ندوات متنوعة و رشيقة لا يستأثر بها أهل المنصة و لكن يتاح للجمهور , ككل , مساحة كبيرة للتعقيب و النقاش , كما أن أهل المنصة غالبا ما يكونون مختلفي المشارب و الآراء حول موضوع حديثهم .
ربما شذت جلسة " مصر الثورية " التي اتفق أهل منصتها - كل بطريقته - علي أن مصر ثورية ان أرادت و لو توفرت لها بعض الظروف الموضوعية , كما انها كانت كذلك في التاريخ القريب و البعيد .. أهم ما سمعت من حمي زميلي أن الشعب المصري يخشي الفوضي و لا يحبذها و هو غير مستعد لخوض مغامرات ثورية بلا رؤية واضحة متوفرة و قوة سياسية منظمة يعتد بها تتقدمه نحو هدف محدد .
أحمد أتي متأخرا بينما كانت ندوة حميه انتهت , و لاحظت أنه فعل ذلك بقلب واثق لان زوجته هي الأخري تأخرت لسبب ما .
التقيته بينما كنت أهم بالدخول لجلسة " اليسار المصري و الصراع الطبقي " و التي قرر أحمد أن يشارك حميه حضورها كنوع من أنواع الاعتذار.
سألني ان كانت هذه الجلسة لطيفة أم من النوع الثقيل , طمأنته قائلا انها أكثر الندوات إثارة .. كما أنني ضمنتها له " برقبتي" ..مخبرا اياه أني حضرتها من قبل أربعة مرات في أماكن مختلفة و بنفس تشكيل المنصة و غالبا ستكون المداخلات هي هي و من نفس الأشخاص !

كانت سلسلة ندوات " مستقبل اليسار المصري " قد بدأت بعد نهاية الانتخابات البرلمانية و تنقلت من نقابة الصحفيين الي مركز الدراسات الاشتراكية فمركز العدالة (حزب الاشتراكيين المصريين ) ثم مركز البحوث العربية , و هذا ما أدركته منها و ربما كانت هناك حلقات أخري ..يمكن أن ألخص ما دار في هذه السلسلة من الندوات, في أن اليسار قلق من صعود اليمين و انحصار الصراع علي السلطة الشارع بين جناحيه ( الحزب الوطني و الأخوان المسلمين ) و يري أن ذلك تم بينما كان اليسار يتخبط في أزماته العميقة التي يتوجب الآن البدء في حلها ,و في شكل جماعي يوحد كل قوي اليسار.
جميل ... و لكن ما أن تبدأ التفاصيل في الظهور علي السطح يظهر الشيطان , الذي لا أعتقد أن كثيرا من اليساريين يؤمنون بوجوده , لذا فانهم يقعون بسهولة في حبائله التي ينصبها بين ثنايا التفصايل .. فيبدأ النقاش حول حدود الشكل الجماعي و طبيعته ... هل يضم اليسار الماركسي أو اليسار بمختلف ايديولوجياته أو اليسار الواسع الذي يضم أفرادا ذوي ميول اجتماعية و ان كانوا غير عقائديين في يساريتهم .. وهل الشكل المناسب هو حزب جديد ام تحالف أم جبهة أم اتحاد أم .... و هكذا .في هذه الندوة توقعت مسارا ما أكثر عملية خاصة أن الهاجس العملي كان مسيطرا – رغم حبائل الشيطان – علي جو كل الندوات السابقة , و الرغبة في العمل لا الجدل بدت لي صادقة .
تمنيت أنا صادقا أن أشهد مشروعا لهذا الشكل الجماعي لتوحد قوي اليسار يتم تدشينه في هذه الندوة بعد طرحه للنقاش , و إلا فأني سأتابع جيدا تفاصيل فيلم " الجنة الآن " و سأذهب للندوة القادمة في مسلسل الندوات السرمدي هذا , مرتديا حزاما ناسفا لأريح اليسار – الذي يتابع أغلب ناشطوه هذه السلسلة بشغف - من مشكلته و أرتاح انا من فضولي الذي يدفعني لمتابعة المسلسل حتي نهايته التي لا يريد أحد أن يضعها حتي الآن .
في هذه الندوة لم أر المشروع الذي توقعته ولكن احتدم النقاش و تشعب أكثر حول قضية شكل الاتحاد و مضمونه و بدأ البعض يتحدث عن ورقة يقترحها بها مباديء العمل المشترك .
و بدا لي أن بعض المداخلين بالفعل قد سبقني الي فكرة الحزام الناسف حيث تركزت كلماتهم العصبية علي ان الأوراق و الكلمات معدة و جاهزة و أن اليسار لا ينقصه الكلمات قدر ما ينقصه المبادرة الي الفعل , و اعربوا عن يأسهم من الجدل الدائر الآن إن لم يسفر خلال أسبوعين علي الأكثر عن تحرك فعلي .. ( قيل هذا الكلام الجمعة 24 فبراير ).

بعد الندوة ... أحمد أخبرني أنه في حالة سيئة و دعا علي و علي منظمي المؤتمر و رحل لانه لا يستطيع بعد ما سمعه في هذه الندوة ان ينتظر لمشاهدة الفيلم .
لاحقا في الشركة ... أخذ أحمد يحكي لي كيف أنه كان فاقدا القدرة علي فهم ما يدور بالداخل و انه لم يستطع أن يجمع خيوط تلك المأساة التي يناقشها هؤلاء القوم .سألني عن أشياء كثيرة ... عن علاقة اليسار بالتدخين المفرط ... و لماذا يبدون و كأنهم غرباء هكذا – علي حد تعبيره - ... و لماذا يتحدثون بهذه المصطلحات العجيبة التي لا يفهمها ... و قال لي أنه يصلي في مسجد يلقي فيه "عصام العريان" يوميا كلمة بعد الصلاة ..يحدثهم فيها عن متفرقات من الإلهيات الي كرة القدم , ولكن ينتهي الحديث دائما الي ساحة السياسة , و هو يعتقد ان السياسيين ينبغي ان يكونوا هكذا , يعرفون كيف يجتذبونك الي ما يريدون و يتحدثون اليك بما تفهم .
و لكنه استدرك في جملة اعراضية أنه يستثني بعض المتحدثين الذين بدأ عقله يتلمس طريقا ما أثناء حديثهم .. و للغرابة فان هؤلاء المتحدثين هم حصرا: تامر وجيه و بعض من شباب مركز الدراسات الاشتراكية ( الاشتراكيين الثوريين .. و منظمي المؤتمر ) بالاضافة لمداخلة د.سامر سليمان أبرز رموز اتجاه اليسار الديمقراطي الجديد !
الغرابة تتثمل في البون الشاسع بين طرفي من أعجبوه ... من أقصي اليسار الثوري إلي اليسار الديمقراطي الذي يراه الوسط اليساري يميل يمينا عن الخط التقليدي لليسار.
ربما التقط أحمد تلك الحرارة التي تعكس الحيوية التي تميز كلا الطرفين رغم الاختلاف الكبير بينهما .. فمركز الدراسات الاشتراكية ( الاشتراكيين الثوريين ) لن تحتاج لكثير ملاحظة لتدرك كم الجدل الذي يثيره في الوسط اليساري نتيجه خطه العملي الواضح الذي يحاول ان يفلت من قيود وهمية نظرية و يحاول ان ينطلق الي افق جماهيري اوسع و يتخذ في سبيل ذلك مواقف مثيرة ليس فقط للجدل و انما احيانا للهجوم العنيف , تلك الحيوية التي تميز هذا التيار تجعله يعمل بحماسة متفائلة تثير احيانا سخرية البعض , كما أن روحهم " الدعوية " لا تخطئها العين و لكن يبدو أنها لا تسعد كثيرا فصائلا من اليسار المتعالي .
ربما كان الطرف الآخر ( اليسار الديمقراطي ) من أشد منتقدي مواقف الاشتراكيين الثوريين .. و لكنهما معا يشتركان في تلك الحيوية , التي تظهر عند اليسار الديمقراطي في مجال الفكر و المغامرة الايديولوجية التي قرروا خوضها بتبنيهم ذلك الخط الذي تدينه أدبيات الماركسية باعتباره خطا طوباويا و غير علمي .و يبدو لي أن مغامرتهم في طور التخلق , رغم ملامحها العامة التي بدأت في الاتضاح و أجبرت كثيرا من المختلفين معهم علي احترام اجتهادهم و مغامرتهم التي أفصحوا عنها في العددين الرائعين لمجلتهم : " البوصلة " .

علي كل , أحمد أقسم علي أن أخبره أين المشكلة تحديدا ...اذا كان كل هؤلاء الذين كانوا حضورا و تحدثوا في الندوة , يريدون أن يصبحوا معا بشكل ما و بتلك الحرارة .. فما هي تلك المشكلة العويصة في اسم و طبيعة ذلك الوعاء المفترض انه سيجمعهم .. ( راجع اشكالية البوتقة و القفة ).
رأيت أنه من الأفضل ألا أخبره بشيء عن تاريخ اليسار المصري , وفضلت أن أخبره أن هناك ما يشبه الخلافات العائلية المستعصية بين هؤلاء الأشخاص و التجمعات , و أنهم الآن في حالة تصميم الآن علي تجاوز هذه الخلافات .. فان تجاوزوها فستعلم جيدا حجم تلك المشكلة / الكارثة التي جعلتك لا تراهم في شارعك و لكن داخل قاعة ندوات و لم تستطع فهمهم ... و ان لم يستطيعوا ان يتجاوزوها فلن تحتاج لان تفكر فيها ولا فيهم لأنك في الاغلب لن تسمع عنهم ثانية !

04 March 2006

! " مش عزبة "



من الوقفة الاحتجاجية لـ " أدباء و كتاب و فنانون من أجل التغيير " مساء أمس بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة , ردا علي إغلاق مسرح " الجنينة " بدعوي أن عروضه تجتذب تجمعات تمثل خطورة علي الأمن !
لم يفت المتظاهرون أن يتوجهوا بأرق التهاني للأمير الصغير ولي العهد بمناسبة الخطوبة السعيدة , و أهدوه قصيدة جديدة كتبها و ألقاها " نجم " و غناها " علي إسماعيل " من ألحانه .