Showing posts with label 25 يناير. Show all posts
Showing posts with label 25 يناير. Show all posts

15 February 2011

عندما طارد الخيال الواقع في شوارع مصر .. وأسقطه



في كل لحظة كان يقال لنا: "يكفي هذا. ما تحقق جميل، لا تضيعوه"، كنا ننقسم ونتناقش بحدة وعنف وقلق على "ثورتنا". ولكن في النهاية كان خيالا ما يجمعنا ويشجعنا على الاستمرار معا وتخيل لحظة قادمة أجمل.
منذ 25 يناير حين انطلقت الشرارة وحتى 11 فبراير حين أصابت هدفها كان الواقع يتقلب بين إنعاش التفاؤل وإثارة الإحباط. ولكن خيالا ما كان هو سيد هذه المغامرة: لو كنا اكتفينا في كل لحظة بالتي سبقتها لما وصلنا لهذه اللحظة الجديدة، لنمضي قدما!
منذ أن تفرق اعتصام التحرير مساء 25 يناير كان الخيال يجمع المجموعات الصغيرة التي تناثرت في وسط القاهرة لتتجمع ثانية وتستمر في التظاهر حتى فجر اليوم التالي وعندما تعبت الجموع كان هناك إصرار على المعاودة في اليوم التالي.
في شوارع مصر وفضاءاتها الافتراضية كانت جماعة تتشكل منذ سنوات. جماعة أكبر من كل المجموعات الناشطة، جماعة كان يجمعها خيال عنيد: نحن نستحق أفضل من هذا ومستعدون للمغامرة في سبيل ذلك، مستعدون للوقوف في وقفات احتجاجية من عشرات أو مئات، مستعدون للمحاولة مرة بعد مرة.
هذه الجماعة التي بلا مركز ولا رأس، هي أيضا مجرد خيال يجمع أفرادا ومجموعات متناثرة تحاول هنا وهناك في أمل وإصرار. كل هؤلاء الذين قرروا الاعتناء بأنفسهم ولم يتوقفوا عن الأمل والتفاؤل، وعن إبداع وسائل وأشكال جديدة في سبيل ذلك، كانوا يتضفرون في المجال العام بوجهيه: الواقعي والافتراضي، في الشارع وعلى الإنترنت.
منذ أول هتاف للتغيير في 2004: "يسقط مبارك" وحتى الحركة الواسعة في 2010 التي رفضت السكوت على قتل خالد سعيد. كانت الجماعة تتشكل وتضم إليها المزيد من المجموعات والأفراد.
كان العماد الرئيسي لهذه المجموعة هم الشباب الذين على هامش كل كل الجماعات القديمة المنهكة. كان الشباب قد بدأوا يتقدمون الصفوف وتكاد تلهث ورائهم الأجيال الأكبر: شباب المدونين وشباب 6 إبريل والشباب الذين تقدموا حملة ترشيح البرادعي، وتقدموا البرادعي نفسه، وشباب حملة كلنا خالد سعيد.
هذه الجماعة التي لم تكن تدري حجمها الحقيقي ولا تأثيرها، كان شعورها يتصاعد ظهر 25 يناير أنها على موعد.
الذين دعوا إلى التظاهر يوم 25 يناير والذين سخروا من الدعوة، الذين أسموها ثورة والذين دعوا لتخفيض التوقعات، الذين تفائلوا والذين لم يتفائلوا، الذين قرروا المشاركة والذين قرروا التجاهل، كل هؤلاء بدا لهم يوم 25 يناير مختلفا، وانضموا تدريجيا إلى ركب الخيال.
الخيال رفع سقف المطالب لحظيا من التفاصيل إلى "سقوط النظام"، وسطوته هي التي أعادت الجموع أضعافا مضاعفة إلى الشارع يوم الجمعة 28 يناير.
قطع الاتصالات في خطوة غير مسبوقة كان من ناحية إظهارا لمدى قبح ورداءة هذا النظام المرتعد من تواصل تلك الجماعة الآملة من شعبه، ولكنه من ناحية أخرى أبلغ هذه الجماعة رسالة: أنها أقوى مما تتصور مما يستدعي هذا التصعيد الكبير. ورغم التوقع بحدوث مجزرة ضخمة وقمع استثنائي إلا أن الخيال قادها إلى الشوارع وبدت جموع الشرطة في مواجهة هذه الجماعة ومن تعاطف معها عقبة يمكن تجاوزها.
في نهاية اليوم انهارت قوات الشرطة وبدا "النظام" ضعيفا وخائرا بدون سطوته الأمنية التي كانت تطارد الخيال وتحافظ على الأمر الواقع واستقراره وبدأ اعتصام التحرير.
اعتصام التحرير كان تشبث هذه الجماعة بلحظة اكتشافها لنفسها في مواجهة نظام يتشبث بما تبقى من هيبته بعد أن فقد عصاه وخوذته.
اعتصام التحرير بدا خارج السيطرة تماما إلا من سطوة الخيال المغامر الذي ازداد حماسة عند كل تنازل من نظام يتداعى. كانت حسابات الواقع تقلقنا، ويثير أسانا ركون المجتمع إلى الاستقرار والأمان واستعادة الهدوء وحصاره المعنوي لحماستنا إلى المزيد. ولكن سطوة الخيال لم تدع لنا خيارا. من سيبتعد خطوات عن هذه الجماعة مع أي ادعاءات للحكمة يجد نفسه مرة أخرى في الواقع بعيدا عن لمسة الجنون الشائقة للخيال.
لقد ذهب الخيال إلى مداه. طارد الواقع وأمسكه من خناقه ثم - بلغة مواجهات الشارع – سحله خلفه في شوارع مصر... وسقط النظام!
اللحظة الجديدة التي تنتمي للخيال أكثر منها للواقع لا تزال تثير فزع هؤلاء الذين لم يجربوا أن يثقوا في خيالهم وأن يشتركوا في المغامرة. الثورة مستمرة، والمجتمع المصري لم يقفز بعد فوق كل مشاكله. الأمرالواقع سيحاول محاصرة الثورة كل لحظة والخيال سيدفعها نحو المزيد.
ثقوا في خيالكم، تقبلوا المغامرة والمخاطرة. أمامكم حياة لتخترعوها!


14 February 2011

في الوطن الجديد



,,
أنا مش غريب هنا في الوطن الجديد
وعمري ما كنت غريب في الحلم ،،

سلام يسري وفرقة الطمي

12 February 2011

عيشوا كراما تحت ظل العلم



في التاكسي الذي كان ينقلني من مظاهرة صلاح سالم إلى المظاهرة أمام نادي هليوبوليس، بحثا عن أقرب مكان إلى قصر العروبة، سمعت صوتا في الراديو يعلن رحيل مبارك.
كان سائق التاكسي قبل ثوان يحاول إقناعي بأنه لا شيء جديد سيحدث والأفضل أن تتوقف المظاهرات وأن نعود لحياتنا. قلت له أننا في لحظة قوتنا وأنه أصبح مجرد رئيس مثير للشفقة ولا يجب علينا أن نتراجع. كان الجميع يترقبون لحظة النهاية، ولكن رغم ذلك جاء رحيل الرئيس وانهيار النظام الحاكم كله كمفاجأة مدهشة. ضبابية الحلم الطويل الذي نعيشه منذ 25 يناير تتلون الآن بالفانتازيا!
وكأنني لأول مرة أسمع "عيشوا كراما تحت ظل العلم" من أم كلثوم عندما بثتها تلك الإذاعة عقب الخطاب القصير.
وسط الحشود كنت كأنني في لحظة ارتباك بين حلم ويقظة. مذهولا وجذلا، جادا وساخرا، فخورا وخجلا، واثقا ومرتبكا. لم أحتمل الزحام العنيف في ميدان التحرير. اشتريت علما لأول مرة وذهبت إلى مقهى قريب واحتفتت مع رفاق تظاهرنا معا عشرات ومئات لسنوات، وانتشينا عندما كنا آلافا قليلة. ابتهجت بالوجوه التي شاركتها التقلب بين التفاؤل والإحباط ولكننا لم تتوقف عن العناد والحركة بمسئولية ما تجاه أنفسنا وتجاه وجودنا في هذا العالم وأن هذا الإحساس بالمسئولية يعني شيئا ولو كنا أفرادا معدودين ولو لم يحدث شيء.
السنة الماضية كنت أجاهد للنهوض من قاع اكتئاب عنيف منعني من التحرك مع حملة دعم البرادعي أو حملة الاحتجاج ضد تعذيب وقتل خالد سعيد. ولكن كنت أرقب من قريب اتساع نظاق الإحساس بالمسئولية تجاه مصيرنا الجماعي. لم أتوقع أن يكون قد وصل لهذه الدرجة المذهلة، ولكن يبدو أن عطر الياسمين التونسي أنعش خيالنا.
ما حدث أن الخيال سحل كل حسابات الواقع في شوارع القاهرة. كانت كل محاولة للارتفاع ورؤية ما يحدث من أعلى مثيرة للقلق والإحباط. وكانت كل مشاركة على الأرض كنفر من أنفار الثورة مثيرة للبهجة والنشوة والحماسة. وسط تلك الجماعة التي تحركت بمسئولية وتقبلت المغامرة كان الشعور بالألفة والقوة والكرامة.
الأيام الماضية قبلت المغامرة، بلا أدنى رغبة في الموت شهيدا. كنت مستمتعا بكل لحظة ومتشبثا بهذه المتعة والعودة إليها إلى ما لا نهاية. افتقدت الموسيقى والسينما ومقهى الكيت كات وأصدقاء وأحباب لم يجمعني بهم ميدان الثورة.
منذ فارقت الميدان قرب الفجر، لا يزال يغلبني البكاء إلى هذه اللحظة، أعتقد أنه سيتوقف عندما أعود بعد لحظات إلى هناك.
صباح اليوم ابتهجت عندما عثرت على أغنية "مصر التي في خاطري" بصوت دلال أبو آمنة.
"عيشوا كراما تحت ظل العلم!"

لن نشفى من الياسمين أبدا


شيء ما كان بيننا يقول أن هذه المرة ليست ككل مرة، وأن لقاءنا في تلك اللحظة كان هو الموعد.
غضب 25 يناير، الذي لم يكن يريد أن ينتهي، حصد أولى ثماره.
انفتح باب إلى الحرية، وأمامنا مسيرة طويلة وصعبة في سبيلها. لن نُشفى من الياسمين أبدا!

11 February 2011

إلى شوارع جديدة ولحظات جديدة



ملمس الأسفلت أمام مبنى ماسبيرو كان منعشا ليلة أمس.
بعد منتصف الليل، وخطاب مبارك المثير للشفقة أكثر من الإحباط، امتلأ ميدان التحرير عن آخره بشرا وغضبا. كان تقديرنا مبالغا لما تبقى من كرامة مبارك وتقديره للأمور، كنا نظنها تكفي لكي يستسلم لحقيقة أن له لم يعد الاستمرار ممكنا ويكفي هذا.
مبارك يرفض الاستسلام للحقيقة ولكنه ينحني أكثر فأكثر أمام الشارع، إذن: إلى الشارع !
الحشود التي بدأ يضيق بها ميدان التحرير تتجه إلى شوراع جديدة: قصر العروبة ومبنى ماسبيرو، بعد أن تم احتلال شارع مجلس الشعب ومحاصرة مباني البرلمان ومجلس الوزراء. الشوارع الجديدة تفتح الباب أمام لحظات جديدة.
كل لحظة يقال لنا فيها: "ما تحقق جميل وعظيم! يكفي هذا!" تدفعنا لصنع لحظات جديدة. هذه اللحظة لم تكن لتكون لو كنا اكتفينا باللحظات السابقة. غضب 25 يناير لا يريد أن ينتهي .. ولا يجب. أمامنا معركة طويلة من أجل الحرية. إسقاط مبارك ليس إلا مجرد تدشين للمعركة الأكبر. النظام الذي ينحني كل يوم معترفا بأن مطالبنا مشروعة وممكنة عليه أن يستمر في الاستجابة للمزيد منها.
مبادرات الشارع تقود الشارع. كل أصوات مجموعات التمثيل والحوار والتفاوض والمبادرات، المشكورة، تعبر عن أصحابها، المشكورين. على كل المجموعات والمبادرات أن تنطلق وتتحرك بدون محاولة البحث عن تفويض وتمثيل. هذه ثورة شارع شعبية . محاولات توجهيها والتأثير فيها ونقدها مشروعة بالتأكيد. ولكن على كل المحاولات، المنحازة للثورة، أن تحاول ملاحقة إيقاع الشارع والتناغم مع اللحظة الحالية لكي تستطيع أن تساهم في تشكيل اللحظة القادمة.
صوت كل منا وقدمه الموجودة في الشارع ونقاشنا على المفارق والحواجز وعلى الأسفلت يشكل اللحظة الحالية والقادمة.
إلى الشوارع الجديدة!


الصورة من روان الشيمي

06 February 2011

خلف حدود الخيال



بلادك خوفك؟
لا بأس
ما أجمل البلد الآمن المطمئن هنالك
خلف حدود الخيال
بلادك ما أنت تصنعه
فتصور، وخَف، وارتعش
وأقم في مهب احتمالات هذا الزمان
ولا تتوسم به أي وجه لأي احتمال

جودت فخر الدين
ديوان "ليس بعد"، رياض الريس، بيروت 2006


الصورة من أبي العربي

04 February 2011

اعلنوا انحيازاتكم الآن

صباح الثورة !
انتهت فورة الإعجاب بالشعب المصري العظيم. الآن يبدو واضحا أن الانتفاضة المصرية تخوض معركتها ضد انقسام اجتماعي واضح وليس فقط ضد السلطة. الروح الحرة التي أشعلت الانتفاضة تواجه روح الانحطاط والتخاذل التي أبقت نظام مبارك 30 عاما مستقرا.
اللجان الشعبية لحماية الأحياء أصبح معظمها ضد الانتفاضة وتضيق الخناق حولنا، برفضهم دخول الطعام وأحيانا الأدوية ومفاوضتهم معنا كل لحظة حول المرور من هنا إلى هناك. الهستريا المجتمعية فاقت كل الحدود. تناست أن الأمن هو الذي ترك مواقعه وتفرغ لقمع الانتفاضة ثم ترك الشارع عقابا له وتنكيلا، ب ثم روعت السلطة الناس بقرار حظر تجول جعل الشوارع خالية من الضمانة الحقيقية للأمان والتي كانت الحياة الطبيعية في الشارع وحشدت الناس لحماية بعضهم من بعضهم .
شباب الانتفاضة أصبحوا في نفس الوقت عملاء للأمريكان والصهاينة من جانب وإيران وحزب الله من جانب.
لا أحد يعلم ما تأتي به اللحظة المقبلة، ولكن الروح الحرة بين الشعب وبين النخب تظهر كل لحظة معلنة مراهنتها على المستقبل. الثورات رهانات كبيرة ومواجهة بين صلابة الإرادات والانحيازات.
كل صباح يأتي بمزيد من التفاؤل مع صمود هؤلاء الذين يغامرون. الآلاف يتوافدون الآن إلى ميدان التحرير وإلى ميادين أخرى في العديد من المدن المصرية والأيام العصيبة الماضية لم تكسرنا. اختلفت مع الذين يراهنون فقط على الصمود في الميدان بدون تفاوض سياسي ولا زلت. ولكني مع الكثيرين ممن يوافقوني على الرأي أو يختلفون في الميدان. الانحياز الحاد الآن هو الحماية للروح الحرة الانتفاضة ضد عسف السلطة وتسلط العسكر والهستريا المجتمعية المنحطة.
ولكن في النهاية مصر أوسع من الميادين والمعركة أطول وأبعد. أعتقد أن علينا أن نختار سريعا متحدثا باسمنا يكمل مسيرة حركة 25 يناير ويتابع تنفيذ المطالب. المطالب أوسع من سقوط مبارك، والنظام الذي نريده يحتاج حركة أوسع من مئات الآلاف التي تتوافد إلى الميدان.
اعلنوا انحيازاتكم الآن .. إلى الميدان ثم يكون لنا كلام!

03 February 2011

امسك شرطة !

صورة لأحد بطاقات مجندي الشرطة الذين اشتركوا في مظاهرات مؤيدي مبارك التي اعتدت على المعتصمين في ميدان التحرير يوم 2 فبراير، قبل أن يتم القبض عليهم وتسليمهم للجيش.

تصوير: مصطفى بهجت




29 January 2011

افهم يا غبي



رغم انقطاع الاتصالات وتوقع حدوث مجزرة بالأمس، بدأت المظاهرات متفرقة وقليلة من نشطاء انضم إليهم جموع من الشباب ثم الأهالي ولكن الفتيل اشتعل سريعا وانفجر الشارع وكان يوما جماهيريا كاسحا واستثنائيا.
المناطق التي تركزت فيها المظاهرات والاعتصامات كانت الأقل تعرضا للسلب والنهب. ولكن أنا ممتن لكل الذين كسروا وأحرقوا أقسام الشرطة ومقرات الحزب الوطني.
على سور المقر الرئيسي للحزب الوطني على الكورنيش، المحترق حاليا، مكتوب: ارحل يا غبي !
هذه رسالة الشباب اليوم الذين يتوافدون الآن على ميدان التحرير ومناطق أخرى تحديا لحظر التجول الذي فرضه الجيش وسيبدأ بعد ساعة من الآن.
إلى الشارع من جديد!


الشعب .. يريد .. إسقاط .. الرئيس


بعد خطاب مبارك، الهتاف الآن في ميدان التحرير: الشعب يريد إسقاط الرئيس.
والصورة جرافيتي على قاعدة تمثال طه حسين من اعتصام ميدان الجلاء.

28 January 2011

وداعا إنترنت .. إلى الشارع رغم كل شيء

انقطعت الإنترنت عن كل مصرتقريبا . أدخل من مصدر ربما ينقطع بعد قليل.
الأمور تطورت أسرع مما نظن. النظام يعلن عن هشاشته وشراسته في الوقت نفسه. ولكن الشباب متحمسون وسيلبون نداء جمعة الغضب.
حاولوا متابعة الأخبار ونشرها. من المتوقع أن يحدث قمع عنيف واستثنائي ظهر اليوم، أو أن يكون يوما استثنائيا تصنعه حركة جماهيرية كاسحة. لا أحد يمكنه التكهن.
إلى الشارع رغم كل شيء.

كيف نشفى من الياسمين غدا؟


قبل قليل من فجر الأربعاء، كانت بعض مجموعات المتظاهرين الذين تفرقوا من ميدان التحرير لا تزال تجوب شوارع وسط القاهرة والكورنيش وروض الفرج والسبتية. يكاد يهدهم التعب، يشتبكون مع الأمن عند مفرق وآخر ويهربون منه، بعضهم ينادي بالعودة إلى البيوت ومعاودة التظاهر في اليوم التالي. ولكن المجموعات التي كانت تتشكل من آلاف قليلة وبالكاد يعرفون بعضهم بعضا كانت وكأنها لا تريد أن تفترق.
وكأنهم يخشون ألا يتجمعوا ثانية بعد أن لبوا معا موعدا تم إلقاءه في الفضاء الإلكتروني، أو يخافون أن يفقدوا تلك النشوة الجماعية التي تحركهم معا.
عند مفارق الطرق يتصارخ المتظاهرون إن تفرقت المظاهرة، ويحدث ما يشبه الاستفتاء السريع، يصرخ كل فريق بحجته لماذا يريد السير في هذا الاتجاه، يحدث التفاوض سريعا بين من يرون بعضهم لأول مرة غالبا، وعندما تظهر أغلبية واضحة تتجه إلى طريق ما تتبعها الأقلية طائعة. لم يفرق هذه المجموعات إلا القمع العنيف والاعتقالات الواسعة وفجر الأربعاء يبزغ. مع ظهر الأربعاء كان المتظاهرون يحاولون مرة أخرى التجمع والتظاهر في مناطق مختلفة من القاهرة ومثلهم كانوا في المحافظات، العنف المتزايد لم يوقف رغبة المزيد من الشباب في التظاهر. على الشبكات الاجتماعية يتابعون التجمعات ويسألون عن مسار تحركها وينزلون لملاقاتها. مع ظهر الخميس لا يبدو أن العنف الشديد ولا الاعتقالات أثروا على الحماسة. على الشبكات الاجتماعية تتصاعد الدعوة للتظاهر مجددا ظهر الجمعة.
في اعتصام التحرير مساء 25 يناير ترددت أكثر من مرة عبارة :”لا زلنا في اليوم الأول! لقد استمروا شهرا !”.
إنها العدوى التونسية. الغضب المصري لم يستطع مقاومة إغراء رحيق الياسمين التونسي. ولو أن معظم التونسيين لا يحبون اسم "انتفاضة الياسمين"، ولكن يبدو أن الشباب المتحمس في مصر لا يرى ما حدث أقل جمالا ولا إغراء.

مظاهر التقاط العدوى والإلهام واضحة، في لحظات الفتور أو تكالب الهتافات كان الهتاف الأبرز المستعار من الانتفاضة التونسية يجمع الأصوات فتستعير لهجة قريبة من لهجة الأشقاء وتهتف: “الشعب يريد إسقاط النظام".

لا أحد يعرف تحديدا كيف تنتشر الدعوة إلى التظاهر والتجمع ولكن كل شيء يتم بشكل لا مركزي وتتبعا لمبادرات تطلق في الفضاء الإلكتروني تستفيد من جمهور الشباب الذي تجمع حول المبادرات الجديدة: “كلنا خالد سعيد" وحملة البرادعي و”6 إبريل". ومن الشبكة الواسعة التي تجمع شبابا مهتما ربما تفرقه الأفكار والاهتمامات، ولكن في هذه اللحظة يبدو على الفضاء الإلكتروني كجماعة واحدة تخوض معركة وتتبادل الأفكار والاقتراحات والنقاش بدون أي مركز. شكل الشبكة اللامركزية الذي يمثل أسلوب تواصلهم يحكم الآن شكل الحركة المتصاعدة.

النجاح التونسي للانتفاضة التي بلا قيادة أو مركز وفر الإلهام. إلهام الغاضبين للغاضبين وصل متأخرا قليلا جدا بعد إلهام الاحتراق اليائس. منذ 2004 إلى الآن، أكثر من ست سنوات من الاحتجاج المصري المتواصل التواق للتغيير يتجمع الآن غيرة من التغيير التونسي.
الروح الشابة في الشارع وعلى الإنترنت يبدو وكأنها في كل لحظة انتهاء لاحتجاج تخشى ألا ينطلق آخر، تخشى أن تعود إلى واقع راكد . اللهفة اليومية، لليوم الثالث إلى الآن، لإبقاء جذوة الاحتجاج مشتعلة يتبادلها الشباب على الشبكات الاجتماعية، تتردد أحيانا عبارة: "لا عودة! يجب أن نستمر لأقصى وقت ممكن". وكأنهم مثل محمود درويش في قصيدته، في لحظة لقاء الحبيبة التي ربما لا يراها غدا يترك نفسه تتعلق بجمال اللحظة ويخشى فواتها ويردد: كيف أشفى من الياسمين غدا؟
لا أحد يمكنه التكهن بمصير الغد أو بعد غد. ولكن الأكيد أن طاقة الاحتجاج الشابة التي تم تشبيكها السنوات الماضية ستظل قادرة على إزعاج السلطة ولم يعد ثمن سخطها بخسا.

27 يناير 2011

26 January 2011

الثالثة تابتة



تمنيت أن أبيت الليلة في ميدان التحرير، كتلك الليلة، ولكن لا بأس.
استلقيت على الأسفلت، هتفت كثيرا، استنشفت بعضا من الغاز المسيل للدموع التي ترقرقت فقط في عيني. ركضت في شوارع وسط القاهرة وسط مجانين أعزاء ودوا لو تظاهروا حتى الصباح، استمعت إلى أوامر من لا أعرفهم وشاهدت تفاوضا عند كل مفرق حول طريق المظاهرة. ألقيت بعضا من الحجارة على الجنود الذين هاجمونا تحت نفق أحمد حلمي ثم هربت مع الجموع إلى حواري السبتية والقللي.
وددت لو تابعت الإصرار المجنون على البقاء في الشارع حتى الصباح ولكنه بدا في الثالثة فجرا في حواري روض الفرج خيارا عبثيا.
في التاكسي ابتهجت بأغنية عمرو دياب القديمة نسبيا، ولأن قفل المرحاض العمومي في ميدان التحرير، الذي كسره الرفاق وفتحوا أبواب المرحاض للجماهير، لا يزال في جيبي.
غدا يوم جديد.