06 March 2013

نقابتي وفلوسي.. ومارس يا خلوصي

ونحن نقترب من عرس صندوقراطي آخر، في ظل دستور وإدارة غير ديمقراطيين، وبغض النظر عن الجدل حول المشاركة في الحرام الصندوقراطي من باب حب الحرام  أو من باب الرخصة وأقل الضررين، ففي كل الأحوال أعتقد أنه من الضروري والمفيد  - والمسلي أحيانا -  أن نتأمل قليلا في مشاهد من تطبيقات الفلسفة الصندوقراطية التي فرضها ويمارسها الإخوان وحلفاؤهم من السلطويين الإسلاميين. ولذلك أدعوك لأن تضغط على هذا الرابط لتشاهد مجانا  فقرة من أمتع فقرات السيرك الإخواني واقرأ الوصف التفصيلي لما حدث.
في الفقرة الرائعة السابقة قاد النقابي الإخواني العملية التصويتية بطريقة بارعة لكل يحول دون المزيد من الشفافية التي اقترحها «مرصد استقلال النقابة» بنشر محاضر كل اجتماعات مجلس النقابة على موقع الإنترنت الخاص بالنقابة.
هذا المجلس بقيادة الأمين العام الإخواني والنقيب الذي يدعي أنه «مش إخوان، لكن ترشح على رأس قائمتهم في انتخابات النقابة» ووراءهم الجموع المخلصة لرعاتها قاموا جميعا بفقرة صندوقراطية رائعة أخرى.
 
كان «المرصد» قد تقدم باقتراح آخر يرفض اتخاذ مجلس النقابة مواقف سياسية باسم كل المهندسين فيما لا يخص الشؤون النقابية. وانتقدوا قيام النقيب بنشر إعلان في عدة صحف باسم مهندسي مصر يهنئ فيه محمد مرسي بفوزه بالرئاسة، ووضع  صور له داخل النقابة، ونشره بيانا على موقع النقابة باسم «النقابات المهنية» يقول "نعم نعم للدستور"  بالإضافة لاشتراك النقابة في مؤتمر للنقابات المهنية لتأييد الإعلان الدستوري لقراقوش آخر الزمان محمد مرسي.
في البداية تجاهلت إدارة الجلسة إدراج الاقتراح، ولكن احتج مهندسو المرصد وهتفوا مطالبين بمناقشة الاقتراح وتعرض بعضهم  لتكميم الفم  - حرفيا - من قبل «لجان التنظيم» والاحتكاك بهم بخشونة.
ولكن في النهاية أمام إصرارهم استجابت المنصة لإدراج الاقتراح وادعت أنه سقط سهوا، وقرأت منسقة «المرصد» الاقتراح،  وعلق ماجد خلوصي، نقيب المهندسين، قائلا إن هذه المواقف التي انتقدوها مواقف وطنية وليست سياسية حزبية وأن إعلانات تأييد مرسي وصوره كانت على نفقته الخاصة وهو حر !
 صرخ معترض:
«مش باسم المهندسين ونقابة المهندسين» لكن وقف مؤيد وقال له: «انتخبناك ونحن نعلم أنك تمارس السياسة، مارس كما كنت تمارس». ثم مارس خلوصي وقام بتعديل الاقتراح لاقتراحين: اقتراح برفض اتخاذ النقابة مواقف حزبية وتمت الموافقة عليه، واقتراح بحق النقابة في اتخاذ «مواقف وطنية»، وتمت الموافقة عليه أيضا في جزء من الثانية كما يمكنك أن تشاهد في هذا الفيديو.
 
ورغم أنني «مش إخوان ولا باحترمهم» هذه الأيام إلا أنني لن أكون معاديا لموقف من يصوتون لصالح حجب معلومات عنهم ولا تأييدهم لقيام نقيب منتخب ببرنامج نقابي باستخدام اسم النقابة في تأييد مشروعات وقرارات سياسية بدعوى أنها مواقف وطنية، متجاهلا اختلاف رأي أعضاء النقابة. ولا سأندهش من تصويتهم باكتساح على تسمية مكتب حسابات بعينه لإدارة حسابات النقابة وتجاهل تقديم معلومات عن العروض الأخرى.
 أنا أعتقد بشكل عام أن
«الخرفانية» أو«حياة القطيع» حرية واختيار. ولا أطالب بأن نفرض على من اختاروها شعارا في الحياة أن يقبلوا طريقة حياة المنحلين الإباحيين الذين يطالبون بنشر عورات العمل النقابي على الإنترنت أو أن يكونوا قليلي الأدب لكي يراجعوا من انتخبوهم إن تجاوزوا حدود ما تم انتخابهم له. ولكن لماذا نفرض العكس أيضا؟ ولماذا نتصارع ليفرض طرف طريقة حياة على  الطرف الآخر بالصندوق؟
لماذا لا يكون  للإباحيين نقابات وللقطعان الخجولة نقابات لكي نحل من الأصل صراعهم على الصندوق.
هذا الاقتراح، أصلا، هو الأصل لو كنا نحترم حرية التجمع والتنظيم والحريات النقابية وحرية التعدد النقابي، ولكن هذا الاقتراح  ليس ممكنا عندنا لأن أعظم دستور عرفه الخرفان يقول «لا تنشأ لتنظيم المهنة إلا نقابة مهنية واحدة».
لماذا؟
هذا تراث سلطوي يبرر نفسه بضرورة الوحدة النقابية من أجل تنظيم شؤون المهنة الفنية بشكل مركزي. بينما يمكن الفصل بين هيئة لتنظيم الشؤون الفنية للمهنة وبين الحرية النقابية والتعدد النقابي الذي يتيح تشكيل نقابات تتبع فلسفات وتوجهات مختلفة للعمل النقابي، كما أنها تدافع عن مصالح مختلفة ومتنوعة ومتعارضة غالبا. كما أن احتكار النقابة لتنظيم شؤون المهنة يعني أن هذه النقابة هي تنظيم إجباري وليست نقابة ينشئها الناس وينضمون أو لا ينضمون بحرية.
 ولكن هناك ارتياحا سلطويا لتراث النقابة الواحدة الإجبارية الذي يمكن للتنظيم الأكبر السيطرة عليه واستغلاله في دعم النظام السياسي، الحزب الوطني سابقا والإخوان المسلمين حاليا.
 فالسيطرة
على نقابة واحدة لكل مهندسي مصر هي مهمة أسهل للجهة الأكثر تنظيما وتمويلا وحشدا في مواجهة أي تيارات جديدة أو مستقلين يريدون المنافسة ولديهم رؤى مختلفة للعمل النقابي.
ولذلك فإن النقيب ماجد خلوصي، عضو لجنة العار المسماة الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، ورغم اختياره في الجمعية لصفته النقابية، فإنه خان مبادئ الحريات النقابية – رغم أنه مش إخوان -  ودافع عن استمرار ذلك التراث السلطوي في العمل النقابي. وتم إقرار استمراره بالفعل ليخدم مصالح الجماعة، وليتوافق بشكل عام مع الرؤية المتكلسة السلطوية للإخوان التي تتوجس من الحريات ومن أي تغيير حقيقي في بنية «النظام» ومن أهمها التنظيم النقابي.
 
 هذا ببساطة ما يفعله الإخوان في معظم الساحات الأخرى، يدافعون عن استمرار الأدوات السلطوية للنظام مادامت كانت في مصلحتهم في المجمل ثم يتهمون معارضيهم بأنهم «فلول». وهو ما حدث أيضا بكل انحطاط في الجمعية العمومية لنقابة المهندسين مع المعارضين أو المعترضين الذين احتجوا على الأكروبات الإخواني في إدارة الجلسة هاتفين : «يسقط حكم المرشد»، فهتفت تجاههم حشود الإخوان : "الفلول برا".
 
المشاهد المماثلة لاشتباكات وصراعات أو تسابق على ملء القاعات بمؤيدين في اجتماعات النقابات المهنية الموحدة للأطباء والصحفيين ثم المهندسين هي المساخر الملائمة لعدم احترام حرية التعدد النقابي التي ينتهكها دستورهم غير الديمقراطي. وهي مساخر ملائمة لإقامة صندوقراطية على مقاس جماعة ضيقة الأفق والخيال تغض بصرها عن مطالب الإفساح لحرية التعدد والتنوع، وتدعي أن هذه المطالب قد سقطت سهوا، ثم تتلاعب بها عمدا.

05 March 2013

دموع السلفيين

الإخوان استخدموا السلفيين كـ”فزاعة”.. إما نحن أو الأسوأ
يبدو أن الأداء المزري لجماعة الإخوان المسلمين في السلطة يستمر في الانحدار بقوة دفع الحمولة السلطوية والطائفية في جذور تفكير وممارسة الجماعة. يتضاعف تأثير حمولة السلطوية والطائفية عندما تكونان في السلطة فعليا، ويستمر في التضاعف إلى الحد الذي يمكّن، سلفيي حزب النور -أصحاب الحمولة الأكبر من السلطوية والطائفية، وإن كانوا على مسافة من السلطة- من فصل عربتهم عن عربة جماعة الإخوان والمزايدة عليها وهي تستمر في الانحدار.
بدا الأمر واضحًا عندما ظهرت مبادرة حزب النور التي اقترب بها خطوات من جبهة الإنقاذ في محاولة لتجاوز الأزمة، وبراءة “المحايدين” في أعينهم. بينما ذهاب الإخوان بعيدًا في تحويل المشهد السياسي المعقد في مصر إلى مشهد عبثي أنسى الكثيرين في غمرة التعقيد والعبث أن حزب النور، أهم الأحزاب السلفية، كانت مطالبه في صياغة الدستور سببًا أساسيًّا في انفجار الاستقطاب الحالي والأزمة الحالية.
أثناء كتابة الدستور كان اطمئنان الإخوان إلى قدراتهم الانتخابية يجعلهم أقل حاجة إلى التشديد على مرجعية الشريعة أو مرجعية جهة دينية في تفسيرها، بخلاف السلفيين الذين رغبوا فعليًّا في مرتكزات يزايدون بها في اتجاه السلطوية الدينية ضد أي مقاومة لتحجيم الاستناد إلى الشريعة فيما يتصادم مع الحريات الأساسية والمساواة (المادة التي تتحدث عن مصادر الشريعة ومادة تكريس الأزهر كمرجع عند تفسير الشريعة). بل ورغب السلفيون تحديدًا في كسب هذه المرتكزات للمزايدة على “توافقية الإخوان” التي يشكون منها مر الشكوى طوال الوقت، ويخشون أن تلتقي مع القوى الديمقراطية في منتصف الطريق.
انهارت “توافقية الإخوان” تحت ضغط مزايدة الكتلة السلفية ومن ورائها جمهورها وجمهور الإخوان المحافظ، الذي صار أبعد عن تقبل
الانتقال إلى معركة “المشروع الإسلامي” كان تركًا للوجه التوافقي مدعي الديمقراطية جانبًا، واللعب بوجه مكشوف على الوتر الطائفي استنادًا لـ”حلف إسلامي” ضد كل الآخرين، كما أن الحلف الإسلامي هذه المرة يبارك الدولة وقادتها الجدد من أجل الاستقرار واستكمال بناء المؤسسات؛ ليتحد جمهور الطائفية مع الجمهور الراغب في الاستقرار والمنهك من الثورة والصراع السياسي.
هذه الكتلة الجماهيرية التي يتباهى بها الإسلاميون بها ينسون تنوعها ويذهبون إلى أبعد في التلويح بمحافظتها -في مواجهة أي رغبة ثورية في عرقلة المسار السياسي- والإرهاب بأن بديل الإخوان في السلطة –إن تذمر المعارضون- هو البديل الأكثر راديكالية: السلفيون. كان حاضرًا في الخطاب الإخواني استخدام السلفيين، بالإضافة للجهاديين، كـ”فزاعة” ليقولوا بشكل مبطن: “نحن أو الأسوأ” أو “نحن أو الطبعة الأكثر صراحة منا” !
القيادي بحزب النور: خالد علم
الدين، مستشار الرئاسة المقال
توافقات مع العلمانيين بعد “التمكين”. كان خيار الإخوان صعبًا لكن يقتضي المضي فيه إلى النهاية والالتحام بالقوى السلفية والجهادية واستنفارها من أجل دعم الخطوات الأولى لـ”المشروع الإسلامي” بالموافقة عل الدستور ولو لم يعجبهم اتساع و”إسلامية” هذه الخطوات فعلا.
وبينما أحب الإخوان في أوقات كثيرة اتخاذ مسافة من السلفيين والجهاديين، فإنهم اضطروا للظهور معًا من أجل “إرهاب” الأعداء. والإرهاب هنا انتقل من الرمزي إلى الفعلي مع حشود الإخوان والسلفيين التي تداعت لإرهاب وتأديب خصومها المعتصمين عند القصر الرئاسي، أو عند مسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية، أو التلويح باقتحام مدينة الإنتاج الإعلامي.
وكانت المواجهة العنيفة عند القصر وفي الإسكندرية، والتي تكبد فيها الإسلاميون خسائر فادحة إيذانًا بأن اللعبة احتدمت، وأنها ليست نزهة، وأن الإرهاب لن يكون مجديًا إلا لو ذهب إلى مداه، وساعتها اختفت حشود الإسلاميين من الشوارع، وبدأت الشرطة تعود لتعمل وتقمع وتقتل باسم الدولة، بينما تمد السلطة يدها الأخرى وتدعو الجميع –وتبتزهم- بضرورة نبذ العنف.
كان خيار الإخوان يقتضي الالتحام بالقوى السلفية والجهادية واستنفارها من أجل دعم الخطوات الأولى لـ”المشروع الإسلامي”.
الأداء الإجرامي المعتاد للشرطة، والذي تسلل ببطء حتى اكتشفته الكاميرات مرة أخرى متلبسًا، ثم كشف عن وجهه في مواجهات مكشوفة، تزامن مع الأداء المزري بشكل عام للرئيس وللإخوان والحكومة، وانتشار مظاهر للعصيان ومقاومة السلطة وإهانة هيبتها بشكل مستمر. ويبدو أن اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، أغرى السلفيين -وبشكل أساسي حزب النور- بجدوى اتخاذ خطوة بعيدًا عن هذه الحالة كلها، فاتخذوا خطوات تجاه المعارضة، وأبدوا انتقادات تجاه الحكومة والإخوان.
ثم احتدمت المعركة بعد إقالة الرئاسة لمستشار من حزب النور بشكل مهين. بكى المستشار في مؤتمر صحفي على الهواء، وردّ النور باستقالة مستشار آخر له في الرئاسة، وبانسحاب ممثلين له من “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”؛ لأن علماء بارزين فيها دعموا الرئاسة في مواجهة المستشار المقال.
الخلافات في “الهيئة” تحمل منعطفًا مختلفًا ومؤشرًا بالغ الدلالة، فهي كانت شكلاً دائمًا لائتلاف عميق للسلطوية الإسلامية، يمثله العلماء والدعاة والمشايخ من كل التيارات الإسلامية. وظلت الهيئة متماسكة رغم خوص الإخوان والسلفيين الانتخابات في قوائم متنافسة، ورغم دعم النور لمرشح منافس لمرشح الإخوان في المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة، ورغم بخل الإخوان على حلفائهم السلفيين بالمناصب والحقائب، مرة أخرى تحت مبرر أنهم “الفزاعة” الأكبر للجمهور المتخوف من الإسلاميين.
الآن يترك حزب السلفيين الأكبر عربة الإخوان مؤقتًا بعدما طالتها “المسخرة”، بل ويتجاوزون حالة “الفزاعة” أيضاً، وينتقلون إلى مربع التفزيع من شبح “أخونة” الدولة، وسيطرة الإخوان على المناصب المفصلية في الدولة التي طالما صرخ المعارضون محذرين منها. وردَّ عليهم “التحالف الإسلامي” وقتها بأنهم كارهون للمشروع الإسلامي ومثيرون للفتنة.. وتلك الأيام نداولها بين الناس.


03 March 2013

شفت السيرك الإخواني بيعمل إيه؟ قول: هيه!

لو كنت عضوا في نقابة، وتقدم أحدهم باقتراح أن يتم نشر محاضر كل جلسات مجالس النقابة على موقع النقابة على الإنترنت، وتمت الدعوة للتصويت عليه في الجمعية العمومية للنقابة، ماذا كنت ستفعل؟
هذا الاقتراح سيجعلك وأنت جالس في بيتك مطلعا على تفاصيل إدارة النقابة والنقاشات الجارية بين أولئك المنتخبين الذين من المفترض بهم الدفاع عن مصالحك، ولكنه بالتأكيد سيضيف عبئا ومسؤولية على أولئك المنتخبين تماما كتصوير الجلسات وبثها على الهواء.
 يبدو الاقتراح ديمقراطيا جدا، بالمعنى الذي يعطي قدرة أكبر  للناس على الاطلاع على كيفية إدارة شؤونهم ويعطيهم قدرة أكبر على متابعة عمل من انتخبوهم وبالتالي يعطيهم قدرة أكبر على محاسبتهم.
ولكن ما حدث في الجمعية العمومية لنقابة المهندسين أن تقدم بهذا الاقتراح "مرصد استقلال نقابة المهندسين"، وتم رفضه!
وفق تقديرات نشطاء نقابيين فإن حشد الإخوان الذين يسيطرون على مجلس النقابة، كان يمثل أغلبية حضور الجمعية العمومية التي لم تتجاوز 3000 مهندس وهي نسبة لا تزيد على 0.50% من أعضاء النقابة. 
المشاركة الضعيفة مشكلة كبرى، ولكنها هنا هدية عظيمة للإخوان. فهي تسهل التلاعب بالإجراءات الديمقراطية لتفريغها من محتواها. وهو ما يبدو أن الإخوان أصبحوا يتقنونه، ولكن اقتراح المرصد كان تحديا كبيرا. الاقتراح كان محرجا، ومن الصعب أن تصوت ضده جموع كبيرة بشكل سافر دون أن يبدوا كـ«خرفان» حقا وصدقا، ولكن تفتقت العبقرية الصندوقراطية الإخوانية عن طرق لإخراج الأمر بصورة أكثر أناقة.
عند عرض المقترح على التصويت، عارضه الإخوان بتماحيك وملاوعة. أمسك أحدهم بالميكروفون وقال: «محاضر الجلسات خاصة بالاجتماع والمجتمعين ولا تخص كل المهندسين كما أنها يمكن أن تتضمن أشياء سرية، ونشرها في العلن غريب جدا»، كما أن مهندسا إخوانيا آخر كتب في حسابه على تويتر في رهافة حس أنه ربما كان في محاضر الجلسات شيء يتحدث عن كفاءة شخص ما، فلماذا ينشر هذا الكلام الذي يؤذي مشاعره؟
صحيح، لماذا نترك أعضاء النقابة يعرفون أن أحد مسؤولي النقابة المنتخبين أو العاملين فيها غير كفء؟!

المهم أن من أدار الجمعية العمومية، وهو الأمين العام للنقابة، الباشمهندس الإخواني علي عبد الرحيم، بدلا من أن يقوم بفتح التصويت مباشرة بـ«نعم» و«لا» على الاقتراح، غيّر مسار التصويت، وطلب تقسيم التصويت إلى تصويتين: «من يوافق على نشر قرارات مجلس النقابة فقط؟» ثم «من يوافق على نشر محاضر الجلسات كاملة؟». وكانت النتيجة هي «نعمين» المطلوب حساب أيِّ «نعم» فيهما أكثر من الأخرى، لأن «لا» ستكون بذيئة وفاضحة الخرفانية.
وبالتأكيد بعد كل هذه «المحلسة» كان لابد أن يفهم حشود المؤيدين أن رغبة الأمين العام ومجلس النقابة هي عدم نشر محاضر الجلسات ولذلك كانت «نعم» الأولى أكثر بكثير من «نعم» الثانية. وتم رفض اقتراح نشر محاضر الاجتماعات والإعلان عن موافقة المهندسين على اقتراح نشر قرارات مجلس النقابة فقط.
الطريف أن نشر قرارات مجلس النقابة منصوص عليه في قانون النقابة، ولم يكن يحتاج لتصويت أصلا!
الاقتراح الديمقراطي تم القفز عليه بفقرة أكروباتية صندقراطيةجميلة كما ترون. اتجاه الديمقراطية بلا شك هو اتجاه تمكين الناس من المعرفة والحصول على معلومات، وهو ما يدعم حريتهم وقدرتهم على اتخاذ قرارات جماعية في اتجاه مصالحهم، ويضمن قدرة أكبر للناس على محاسبة المسؤولين ليكون الناس أقرب ما يكونون إلى حاكمين فعليين وتقليل فرص الاستبداد أو الفساد وهو معنى فكرة «الديمقراطية»، بينما الصندوقراطيةيمكن أن تسير في الاتجاه الآخر أو أي اتجاه مستندة فقط إلى القدرة على حشد  العدد الأكبر والمهارة الكبيرة في توجيههم من قبل مروّض حشود ماهر والتلاعب بالإجراءات كأجدعها بلهوان في سيرك. «قولوا: هيه !».

24 February 2013

عصير الصندوقراطية

أتوجه بخالص التهاني لفريق «أبناء كوزموس» بمناسبة فوزهم ببطولة كرة القدم التي أقيمت الخميس الماضي أمام مقر جماعة الإخوان المسلمين في المقطم، بعد تغلبهم في النهائي بثلاثة أهداف مقابل هدفين على فريق «حسن الباندا»، رحمه الله.
ما فات ليس مزاحا، البطولة أقيمت بالفعل وكانت واحدة من المظاهر التي تتناثر الآن في شوارع مصر كأشكال من «الاحتقار المدني» لسلطة الإخوان المسلمين، التي وصل بؤسها إلى حد أن يجري بين المصريين حوار مجتمعي مفتوح وواسع حول انقلاب عسكري مقترح للخروج من الأزمة.
 
الحوار المجتمعي الواسع يبدو «ديمقراطيا» جدا في نقاشه حول «جدوى الديمقراطية» و«اختيار» الانقلاب العسكري إلى درجة تجعل من الممكن تخيّل أن يكون الانقلاب أحد خيارات التصويت في أقرب انتخابات. لم لا؟ ألا تعني الديمقراطية مجرد الاحتكام إلى الصناديق؟ لماذا لا يمكن للناس الاحتكام إلى الصندوق لاختيار حكم عسكري؟ لماذا لا يمكن للناس الاحتكام إلى الصناديق للنقاش حول جدوى الديمقراطية؟
 
ولأن قيم الديمقراطية هي قيم غربية وافدة علينا ينتقي السلطويون الإسلاميون منها ما يوافق «هويتنا» ويوافق فكرهم السلطوي الإسلامي، لماذا لا ينتقي منها محبو الحكم العسكري أيضا جانبا يروق لهم طلبا لهوية أخرى عريقة في السلطوية واستبداد العسكر. 
 
برغم احتقاري دعوات استدعاء الجيش إلا أن السلطويين الإسلاميين ليسوا أكثر ديمقراطية من أصحاب هذه الدعوات، ولكنهم فقط أكثر «صندوقراطية» منهم. السلطويون الإسلاميون هم التهديد بانتهاك أصل الفكرة الديمقراطية عبر الصناديق التي تدفع طرفا آخر مذعورا للكفر بإجراءات الديمقراطية.
 
ممارسة الديمقراطية إما تستند لرغبة في السعي ناحية التحرر والمساواة والعدل تتمثل في ضمانات لذلك واتفاق مبدئي على ذلك، لتكون آليات الديمقراطية أدوات للسعي في اتجاه هذه القيم وتشارك الناس في كيفية تحقيقها، وإلا فهي «صندوقراطية» عبثية. مجرد مسابقة لـ«حكم الأكثر»ـ الحاصل على العدد الأكبر من الأصوات يقوم بعدها بالتمتع بالسلطة وتصبح رغباته السلطوية مشروعة.
 
هذه العقيدة تجعل السلطويين الإسلاميين لا يرون في مظاهر مقاومة مشروعهم وإدارتهم الفاشلة إلا مؤامرات «قوى منافسة» يعايرونها بضعف قدراتها الانتخابية. وبخلاف ذلك، بفرض وجوده، لا يرون «ناس» تريد أن تعيش حرة وكريمة ولو لم تكن منظمة ولا متحزبة ولا لديها خطط لحكم البلد والعالم.
 
النظرة الصندوقراطية لا ترى «المعترض» المتخوف على حقوقه ومستقبله وتطالبه بأن يكون بالضرورة «معارضا» عليه أن يذهب ليتنظّم ويشكل فريقًا لينزل إلى دوري الصندوقراطية.
تطلب الصندوقراطية من الإنسان أن يجعل حياته مشروعا للتسلط والصراع على التحدث باسم إرادة الشعب، بدلا من أن تكون الديمقراطية مقاومة لأشكال السلطة فوق الناس ليتحرر الناس من كل سلطوية ويعيشوا حياتهم في حرية وكرامة.
 اتجاه الديمقراطية التحررية هو محاولة لتفكيك كل جانب سلطوي في السياسة والإدارة لكي تتحرر حياة الناس منها، بينما اتجاه الصندوقراطية يرهن الحياة للسياسة والصراع على السلطة والإدارة.
 
الفكرة الديمقراطية لا تزال إجراءات تحققها في أول الطريق، وجمهورها مهزوز بين الثقة فيها وبين التخلي عنها والحلم بمستبدين «عادلين»  على غرار عبد الناصر أو الرضا بأشكال أقل كاريزما وأكثر بؤسا على غرار المجلس العسكري يواجهون به الصندوقراطيين الإسلاميين.
 
 لكن أساس الفكرة الديمقراطية، بعيدا عن الإجراءات، يتفجر غضبا في الشوارع. المعارضون والمعترضون لا يجدون مفرا من أن يتركوا حياتهم إلى ساحة السياسة بدلا من أن يتركوا أمورهم لفائز غشيم لا يحسن إلا الفوز في مسابقة الصندوق، ويريدهم أن يكونوا كومبارس في مشروع طائفي سلطوي فاشل.
الصندوقراطية بالطبع لا يمكن أن تكون أساسا لاجتماعهم المطمئن، وعندما تأخذ أصواتهم في صندوق وتطلب منهم الانصراف مطمئنين، فإنهم لا ينصرفون ويحتشدون في الشوارع غاضبين ومتشككين. وعندما تفشل الصندوقراطية في إرساء أسس الاجتماع المشترك تظهر أفكار الانفصال والاستقلال، وهي على عبثيتها في اللحظة الحالية ذات دلالة كبيرة: لماذا نظل نصارع رغباتكم السلطوية التي لا نرتضيها في مسابقة صندوق واحد. لكم صندوقكم ولنا صندوقنا؟
 
في محل لعصير القصب، كان الشاب الإخواني مهذب اللحية يواجه بابتسامة دعوية سيل الانتقادات اللاذعة الموجهة من عم حسن صاحب المحل وزبائنه إلى مرسي والإخوان والحكومة.
 اعترف لهم الشاب في شجاعة بإخوانيته وقفز فوق كل الانتقادات ليطلب منهم أن ينتقوا قنوات فضائية موثوقًا فيها لكي يعرفوا حقيقة ما يحدث. سأله أحدهم: «نسمع مثلا قناة مصر خمسة وخميسة، مع الأستاذ خميس، اللي باسم يوسف بيروّقه كل جمعة؟». ضاقت ابتسامة الشاب قليلا ولم يجد مفرا من القفز فوق كل الكلام والنقاش ليعود إلى أصل العقيدة السياسية، ويقول في حفلطة: «طيب الأفضل من الكلام هو أنكم تنظموا نفسكم وتجهزوا لأقرب انتخابات والناس تقول رأيها في الصندوق وتديروا إنتم البلد بما يصلح».
بتزامن غريب شكا بعض الزبائن من آلام حادة في الخصيتين، أما عم حسن فلم يتوقف عن وضع أعواد القصب في ماكينة العصر، وقال دون أن ينظر إلى الشاب الإخواني: «حاضر يا باشمهندس. ثانية واحدة. هاروح أتنظّم وأجيلك».
 
غفر الله لحسن البنا، وحظ أفضل لفريق "حسن الباندا" في البطولات القادمة.

نشر في المصري اليوم بتاريخ 24 فبراير 2013

20 February 2013

الموت بعيداً من الفتنة

هل هرب محمد محرز من "فتنة" الصراع السياسي في مصر واتجه لساحة معركة أكثر وضوحاً  ليموت برصاص جيش الأسد في سوريا؟
المحاولات التقليدية للتعليق على خبر "استشهاد شاب مصري ذهب للجهاد في سوريا" واجهت أمواجاً متلاطمة من التعقيد. هل كان ذهابه انحيازاً إلى ثورة من أجل الحرية ضدّ نظام قمعي أم هو مجاهد إسلامي مناصر لدولة إسلامية أم مقاتل طائفي يريد النكاية بنظام ينتمي لطائفة أخرى؟ 
سبب التعقيد كان البعد الشخصي لمحمد محرز، المدوّن الذي كانت شبكة علاقاته وصداقاته تجمع أشخاصاً من طرفي الاستقطاب المحتدم الآن في مصر. وكانت شخصيته وحواراته معهم والتي تناقلوها بعد خبر استشهاده على شبكات  التواصل تجعل من دوافعه للذهاب إلى سوريا أعقد من أن تتم قولبتها هي الأخرى. 
لا تبدو هناك إجابة بسيطة تمزج بين ما يعرفه أصدقاؤه عنه من رغبة في الانحياز لثورة من أجل الحرية ضدّ الطغيان، وبين ما كتبه في وصيته من أنه ذهب للقيام بفريضة الجهاد ونصرة لأهل سوريا الذين تعرّف على بعضهم في مصر لاجئين، وما قاله في حوار مع صديق له على فيس بوك: “هانروح نجِيب بشّار في شِوال ونيجي"، وسط حوارات يستخدم فيها محرز لغة متحرّرة لا تبتعد عما يعتبره المصريون المحافظون "ألفاظاً بذيئة”. 
 الأمر لا يتعلق باستثنائية محرز، وهو الأمر الذي يبدو برّاقاً الآن بعد ترسيمه "شهيداً". ولكنها مساحة الاستثنائية المتوقعة لكل فرد لكونه فرداً، ومساحة الاستثنائية المتوقّعة لكثيرين من المشاركين في الثورة المصرية والمتفاعلين معها باجتهاد ومبادرة وبحث دائب ولحظي عن الانحياز والموقف، بكل ما يعنيه ذلك من معاناة وقلق بعيداً عن يقين وثقة  كتل أخرى من الجموع  يتم حشدها وصرفها بأوامر تنظيمية.
عرفت محرز بشكل شخصي مدوّناً وناشطاً في احتجاجات الشارع منذ حراك 2005 وطرفاً في نقاشات كثيرة على هامش الحياة والاحتجاج ثم في الثورة ومعاركها. لم يكن استثنائياً في كونه فرداً قلقاً باحثاً ومتفاعلاً. لم يقتنع بالانتماء الإخواني مثل أفراد عديدين في عائلته، وكان أقربهم أخوه وهو أحد المتحدثين  باسم جماعة الإخوان حالياً.
عرفته لفترة قريباً من حزب الوسط - ذي المرجعية الإسلامية - متأثراً بأفكار عبد الوهاب المسيري بشكل خاص. ولفترة بعد انطلاق الثورة كان مؤيداً لمحمد البرادعي، ولاحقاً اعتبر ذلك سذاجة ثورية.
 في الفترة الأخيرة كان أقرب إلى مجموعات الشباب التي تحاول البحث عن موقف مختلف على أرضية من اجتهادات إسلامية نقدية أحد روافدها نقد المسيري للحداثة والدولة الحديثة والقيم الغربية وتستلهم تجارب "العودة لإسلام حضاري" على طريقة علي عزت بيغوفيتش.
 كان موقفه مؤخراً، مثل كثيرين من هذا الطيف، مزدرياً لطرفي الاستقطاب السياسي العنيف بين تحالف الإسلاميين  وجبهة معارضيهم. موقف  يتخذ مسافة من تيارات السلطوية الإسلامية ولكنه يتفهم الانطلاق من "هوية إسلامية". بعض أبناء هذا الموقف ابتعدوا خطوات وقالوا إن ما يحدث في مصر "فتنة" يحسن تجنّب الانخراط فيها، على خلاف الآخرين الأكثر تأثراً بسيد قطب الذين اجتذبهم غبار المعركة واستنفرهم إلى جوار  تحالف السلطوية الإسلامية مهما كانت الاختلافات.
كانت آخر حواراتي معه تحمل تفهماً منه لانتقادي لـ "سلطوية" المشروع الإسلامي، وكان تساؤله: ولكن هل هناك في العالم المعاصر ودولته الحديثة ذات السيادة القانونية مساحة حرية لجماعة من المؤمنين داخل مجتمع ما، يتبعون في ما بينهم نظاماً قانونياً من شريعتهم الدينية بدون إكراه آخرين من نفس المجتمع لا يرتضون ذلك؟
جرى بيننا مع آخرين نقاش طويل حول اللامركزية واللاسلطوية وتعدّد النظم القانونية في إطار الدولة الواحدة، وحول فكرة الدولة الحديثة نفسها. كان النقاش أكثر تساؤلاً من كونه إنتاجاً لموقف نهائي. وهو كان حائراً بين منطلق الهوية ومنطلق الحرية. 
من دون محاولة البحث عن إجابة تخصّ شخص محرز، أتساءل إن كانت زاوية النظر، التي انتهى قريباً منها، تجد في معركة سوريا لقاء يجمع بين منطلق الهوية ومنطلق الحرية. 
لا يزال الجهاد من منطلق الهوية هناك في خانة واحدة مع مقاومة السلطة الغاشمة والتحرر من سلطويتها.
ولكن لاحقاً ربما تحتلّ الهوية مكانها في السلطة وتبدأ المشكلة نفسها في الظهور مرة أخرى لتصبح "فتنة أخرى" تضع الرؤية الإسلامية النقدية الوسطية الحضارية أمام مأزقها المستمر وهروبها المتكرر.


16 February 2013

مشهد “انتخاب المفتي” ومعركة الكراسي الدينية


دار الافتاء المصرية وفي الاطار المفتي المنتخب د. شوقي إبراهيم عبد الكريم
بعض الاهتمام والترقب الذي حظي به مشهد اختيار مفتي الديار المصرية، لم تحظ به لحظة تشكيل هيئة كبار العلماء التي اختارته ولم تحظ به التعديلات الأخيرة لقانون تنظيم الأزهر، الذي وضع قواعد وطريقة تشكيل الهيئة وطريقة اختيارها للمفتي.
ربما لأن اختيار شخص المفتي يتم لأول مرة عن طريق تصويت أعضاء هيئة كبار العلماء، بدلا من التعيين من قبل رئيس الجمهورية. وربما لأن ذلك يحدث في ظل حكم الرئيس محمد مرسي عضو جماعة الإخوان المسلمين في ظل تربص تجاه سيطرة الجماعة وحلفائها من السلفيين على المناصب الدينية الرسمية.
وهو ما يفسر أيضا ضعف الاهتمام والجدل حول تعديلات قانون تنظيم الأزهر أو تشكل هيئة كبار العلماء، لأنهما رغم أهميتها البالغة، إلا أنهما عكسا توازنا في وجه التيار الإسلامي، وكرسا بقاء بعض الأوضاع على ما هي عليه في المجال الديني، فخلّف ذلك ارتياحا لدى كثيرين.
فتعديلات قانون تنظيم الأزهر صدرت في يناير (كانون الثاني) 2011 أثناء تولي المجلس العسكري السلطة التنفيذية، وتم إصدار التعديلات في عجالة ـ بالتنسيق مع شيخ الأزهر ورئيس الوزراء وقتها كمال الجنزوري ـ قبل الانعقاد الأول للبرلمان في 25 يناير، في محاولة مكشوفة لانتزاع هذه التعديلات من براثن الأغلبية البرلمانية الإسلامية. احتجاج الإخوان على ذلك لم يتطور عمليا. بينما قدم نائب عن حزب النور مشروعا بديلا لتعديلات قانون الأزهر يرفض فيه كون الأزهر “المرجع النهائي في شؤون الإسلام”، ولكن اعتراض ممثلي الأزهر في البرلمان حال دون مناقشته
نص قانون الأزهر على أن يختار شيخ الأزهر الحالي أعضاء أول هيئة لكبار العلماء ويعرضهم على رئيس الجمهورية ليعتمد ذلك ويقره.
ولكن في النهاية رضخ الرئيس، وأقر رسميا أول تشكيل لهيئة كبار العلماء تم بمعرفة شيخ الأزهر، وسط غضب أزهريين ثوار وراغبين في التغيير.
شكل شيخ الأزهر لجنة من “النخبة الأزهرية” المقربة له لتختار 24 عضوا من هيئة كبار العلماء، فاختارت اللجنة نفسها وشيخ الأزهر بالطبع، وأضافت لهم وجوها أخرى من النخبة الأزهرية التي تميزت طوال العهود السابقة بـ”التواؤم” و”الاعتدال”، ومرت عبر “الموافقة الأمنية والسياسية”، لتتبوأ رئاسة جامعة الأزهر أو كلياتها ووزارات الأوقاف ومناصبها الكبرى، بالإضافة إلى أوجه من “الآخرين” أبرزهم: وجه قريب نسبيا من السلفيين وهو رئيس “الجمعية الشرعية”، أكبر الجمعيات الخيرية الدعوية الإسلامية، والشيخ يوسف القرضاوي، المعروف بانتمائه التاريخي إلى الإخوان.
هذا التشكيل لهيئة كبار العلماء مثّل حصنا نسبيا لشخص شيخ الأزهر ومن حوله في مواجهة أي محاولة (إخوانية – سلفية) لغزو قيادة الأزهر أو استبدالهم على طريقة قادة الجيش. فهيئة كبار العلماء مسؤولة عن انتخاب شيخ الأزهر مستقبلا. كما أنها مسؤولة عن انتخاب مفتي الديار المصرية. وكان ذلك انتصارا للنخبة الأزهرية القديمة التي تحاول الحفاظ على وضعها في مواجهة أي تغيير، وفي نفس الوقت اقترابا من مطالب بعض جموع الأزهريين الذين انتفضوا بعد الثورة، مطالبين بتوحيد كل المؤسسات الدينية الإسلامية تحت راية الأزهر.
على العكس من ذلك كانت عملية اختيار وزير الأوقاف، المشرف الرسمي والحصري على كل المساجد بما فيها الجامع الأزهر ومنبره. فالوزير جزء من الحكومة التي يشكلها الإخوان بالتفاهم مع حلفائهم، ولكن بشرط عدم الاستفزاز العنيف لنخبة مؤسسة الأزهر.
في البداية تم ترشيح أحد المشايخ الأزهريين السلفيين: محمد يسري إبراهيم، مما أثار النخبة الأزهرية القديمة والتقليدية وكثير من الأزهريين “الثوار” الراغبين في التغيير، لكن بشرط ألا يخل بهوية المؤسسة التقليدية العريقة، الممثلة في المذهب الأشعري عقيدة، والتصوف السني سلوكا، والمذاهب الأربعة فقها. ويتبادل أنصار هذه الهوية الاتهام بالخروج على المنهج الإسلامي الصحيح مع السلفيين الدارسين أو المدرسين في الأزهر.
ولأنه كان ترشيحا بالغ الاستفزاز، تم ترشيح شخصية آخرى كحل وسط وهو طلعت عفيفي، وهو من قادة “الجمعية الشرعية” التي تمثل موقفا وسطا بين المنهج الأزهري والسلفي، ومر الاختيار وتم تعيينه.
ولكن كان المعيّن كوزير للأوقاف والمرشح السابق له عضوان في “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” وهي الهيئة التي تمثل ائتلافا دعويا شرعيا لعلماء الإخوان والسلفيين وجمعيات دينية أخرى ناشطة ومجموعة من علماء الأزهر الأقرب للإسلام السياسي. كما تضم في عضويتها خيرت الشاطر الذي يظهر إعلاميا بصفته عضوا فيها في اللحظات التي تتطلب “اصطفافا إسلاميا”، ويفضلها صفة له بدلا من صفته كنائب لمرشد جماعة الإخوان.
كان انحصار ترشيحات وزارة الأوقاف في أعضاء “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” إشارة دالة على أن “الهيئة” لعبت دور الظهير الدعوي والشرعي للتيارات الإسلامية، وكان لها دور كبير في “الدعاية الإسلامية” للتصويت بنعم على الإعلان الدستوري في مارس (آذار) 2011 ثم في التصويت لأنصار الشريعة في انتخابات البرلمان، ثم للمرشح الإسلامي في إعادة انتخابات الرئاسة وأخيرا “نعم للشريعة” مرة أخرى في الاستفتاء على الدستور الجديد.
انعكس كل ذلك الصراع على لحظة ترقب اختيار المفتي، رغم نفوذ الإخوان المنعدم تقريبا داخل هيئة كبار العلماء التي اختارها الطيب، لكن البعض توقع توازنات وصفقات. وانحصر الجدال المستقطب حول مرشحين: الأول: عبد الرحمن البر – الأستاذ الأزهري والعضو السابق في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين- والثاني سعد الدين الهلالي صاحب بعض الآراء “الغريبة” التي ندد بها إسلاميون واستنكروا ترشيحه.
المرشحان اختصرا الجدال بين الاتجاه القديم قبل الثورة في اختيار المفتي (من الهامش “المتنور” بعيدا عن المحيط الأزهري التقليدي، لكي لا يمثل إزعاجا للنظام، وتكون مرونته في صالحه) وبين اتجاه يتوقع “التمكين الإخواني”.
ووسط الجدال انتبه البعض تدريجيا لأحد المرشحين من أعضاء “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”، ثم انتبهوا لكون أحد المرشحين من مجلس شورى الإخوان، ولكنه اسم غير بارز في المجال العام. وكان ذلك إشارة إلى التداخل وامتداد الجماعة داخل أوساط علماء الأزهر، وإن م يكونوا بارزين تنظيميا وسياسيا ودعويا.
ولكن الاختيار جاء بعيدا عن كل ذلك، وأتت الأصوات بالدكتور شوقي علام. وهو أكاديمي غير ناشط ولا بارز دعويا ولا سياسيا، وما زال البعض يتكهن باتجاهاته التي يقول بعض المقربين منه أنها علمية بحتة. وربما كان ذلك مقصودا، لكي لا يكون منصب المفتي مخلا بالتعادل الحاصل بين مشيخة الأزهر التي تحميها النخبة الأزهرية القديمة، ووزير الأوقاف المستند لسلطة التحالف الإسلامي. ولكن تصويت أعضاء هيئة كبار العلماء يعكس بالتأكيد ميولا واتجاهات واعتبارات مركبة ومعقدة. كما أن ميول المفتي المجهول واتجاهاته ستتضح لاحقا.
في النهاية، الانتباه للحظة اختيار المفتي الجديد كجزء من مشهد الصراع على “الكراسي الدينية”، عكس روح الاستقطاب السياسي التي يمكن تلخصيها في: “التمكين الإسلامي” في مقابل مقاومته التي تنتهي لمحاولات توازن بين حصص وأشخاص وجماعات تؤدي غالبا إلى نتائج لا علاقة لها بآفاق التغيير في بنية المؤسسات الدينية أو علاقتها بالدولة والمجتمع.
وربما تكون المفاجأة الكبرى المرتقبة، آجلا أو عاجلا، أن حمولة التاريخ والسلطوية في التفكير الديني التقليدي قد تجمع المتخاصمين. كما جمعتهم في حملات شعواء ضد “الشيعة المصريين” على سبيل المثال. فأفكار التيار السائد في الأزهر، من نخبته القديمة ونشطائه الصاعدين، وأفكار خصومهم من الإخوان والسلفيين، قد تتلاقى بشكل ما بعيدا عن صراع الأفراد والجماعات على الكراسي. خاصة أن الطلب القديم على “الوسطية” و”الاعتدال” من قبل السلطة القديمة انتهى، وأصبح هناك طلب آخر لــ”مشروع آخر” من قبل السلطة الجديدة، بينما تتأرجح المعارضة المواجهة للإسلاميين بين الاستناد التقليدي إلى “اعتدال” مفترض لـ”مؤسسة الأزهر”، وبين الانتباه لخطورة تزايد نفوذ المؤسسات الدينية على الديمقراطية.
وهو ما ظهر بالفعل عندما رفضت المعارضة بحسم “مرجعية الأزهر النهائية” في الدستور، لينتهي الأمر إلى تخفيفها إلى “يؤخذ رأي هيئة كبار العلماء في الشؤون الخاصة بالشريعة الإسلامية”، لتمثل توازنا هشا بين طرفي الاستقطاب السياسي لا يرضي كليهما، وأرض صالحة لنمو “صراع جديد”، أو “تواؤم جديد”، بين الأطياف الدينية المؤسسية والسياسية.


13 February 2013

إنه البنا حسن

ما زلت أذكر جيدا كيف كانت مهابة تصيبني عند مروري في شارع رمسيس أمام مقر جمعية الشبان المسلمين حيث تم اغتيال حسن البنا. كانت مهابة مصحوبة بقدر من الفخر والاعتزاز - رغم بعض الأسى الشفيف -  أن ذلك الاغتيال قد منح البنا لقب شهيد ورسخ كثيرا من كونه«إماما مجددا ومجاهدا»، كما كنت أراه وقتها.
كانت قراءة مذكراته قد ألهمتني وشغلت جانبا كبيرا من تفكيري رغم بساطتها، كانت أقرب لفيلم وثائقي جميل عن بطل أسطوري، يحاول بهمة استعادة «الوحدة الإسلامية» المفقودة. ويبني ذلك بدأب من خلال تنظيم يقوم على فكرة الأخوة الإسلامية، ويحاول أن يتجاوز الخلافات العقائدية والفقهية قدر ما يستطيع، ويحاول الرجوع لمعنى أبسط للإسلام. كنت وقتها أفكر أن تلك البساطة هي نقيض محاولة المنهج السلفي استعادة الوحدة الإسلامية أيضا، ولكن عن طريق استعادة تصور صارم للإسلام تحقق في التاريخ في لحظة معينة. ولكن ذلك التصور الصارم كان سببا في شقاقات وخلافات كثيرة حول تفاصيله. التصورات الأكثر صرامة هي التصورات الأقل قدرة على تحقيق «الوحدة» إلا وفق «سلطة» قاهرة.
كانت تجربة البنا ومحاولته حتى بذل الجهد في «التقريب بين السنة والشيعة» ملهمة، ولكن كانت صورة الفيلم تصيبها التشوش أول ما تبدأ مرحلة الدخول إلى المجال السياسي، وتبدأ تفاصيل علاقة البنا بالملك وبالوفد وبالأحزاب. معاداته للأحزاب من أجل توحد الأمة، ممالأته للملك أحيانا، اقترابه من أحزاب ذات طابع فاشي مثل «مصر الفتاة» وإعجابه بنماذج «توحد الأمم» التي حققتها التيارات الفاشية في ألمانيا وإيطاليا وتعبيره عن ذلك.  كنت وقتها أرجئ حكمي على هذا الأمر حتى أعود وأقرأ أكثر عن تاريخ هذه المرحلة لأحاول أن أتجاوز الغبش الذي أفسد جمال وبساطة حلم الوحدة الإسلامية في أولى محطاته في مصر.
كان ذلك منذ أكثر من 15 سنة تقريبا، ومرت مياه كثيرة تحت الجسر. وفي 25 يناير الماضي كنت أمر وسط التظاهرات من شارع رمسيس التي تهتف «يسقط حكم المرشد» فوجدت شعاراتنا مكتوبة على واجهة مقر جمعية الشبان المسلمين ، بل تزيد عليها: «حا .. شي .. المرشد بيمشّيه». ولمحت أيضا اسم «جيكا»مكتوبًا في ركن ما.
كانت رائحة الغاز المسيل للدموع تصل من جهة ماسبيرو. هناك تتقدم وتتقهقر جموع المتظاهرين التي تطالب بسقوط النظام ورحيل الكاذب تابع المرشد الذي خان مؤيديه وحلفاءه، وحنث بكل وعوده التي كانت كفيلة بتحقيق قدر من «الوحدة» بين صفوف المنحازين للثورة.
 كنا نتقدم باتجاه ماسبيرو نأخذ أماكننا بدلا من المتراجعين تحت التأثير القوي للغاز الذي وصل لشارع رمسيس. كل المهابة وقتها كانت لاسم «جيكا» الذي كان المتظاهرون يهتفون باسمه أحيانًا في مواجهة الشرطة، كأنهم يذكرونهم بلعنة الدم التي ستظل تطاردهم، بينما خطوط سوداء عريضة على كل الحوائط حولنا توجه الإهانات للمرشد وللإخوان «الخونة الخائنين الكذابين»، وبين كل الكتابات يظهر اسم «جيكا» مرة أخرى كلعنة على هؤلاء الذين أعطاهم جيكا صوته الانتخابي انحيازا لـ«رفاق الثورة»، بل تظاهر معهم احتفالا بفوز رئيسهم الذي لم يعد رئيسه عندما انقلبت سلطته على أحلامه في الحرية، واستدارت إليه وقتلته برصاصها في شارع محمد محمود.
كان المشهد المستمر منذ صعود الإخوان إلى السلطة نسخة من تشوش الأجزاء التي لم أستطع تبينها وقتها من الفيلم الأسطوري لنشأة الإخوان المسلمين على يد الإمام المجدد المجاهد حسن البنا.
 ولكن التشوش الآن يستحيل وضوحا بالغا.. أن الثورة في اتجاه حلم الحرية وأن حلم «الوحدة الإسلامية» لا مجال له إلا بإخضاع المختلفين والمخالفين وإسكات صوت مقاومتهم بالدستور والقانون أو بالرصاص إن فشل «القتال بالحب» في كسب أصواتهم في الصناديق.
حلم الوحدة الإسلامية ينكشف عما رأيته سابقا في «الحلم السلفي»: لا يمكن تحقيق وحدة إلا باصطناعها ثم حمايتها بسلطة قاهرة. ينكشف المشروع الإسلامي عن مشروع سلطوي باسم الإسلام. يفشل في تحقيق توافقات أولية مع أولى خطواته ويسبب انشقاقا وصراعا مستمرا حتى اللحظة.
لا يزال المشروع السلطوي مغرما بدرب المشروعات الفاشية القومية لتوحيد الأمم التي انتهت تجاربها الماضية بحروب عالمية دامية.
 كان حولي وقتها أمام ماسبيرو عدد لا بأس به ممن أعرف أنهم تركوا الإخوان والتيارات الإسلامية تركا لوهم الوحدة التي ستنطلق منها الأمة الإسلامية لإخضاع العالم، وانحازوا إلى حلم الحرية الذي يقاوم كل محاولات الإخضاع.
في الصفحة الأخيرة لجريدة «الحرية والعدالة» نبهتني صورة رديئة الذوق للذكرى الرابعة والستين لاغتيال البنا وهي تصوره وهو يحمل وردة ويقول: «سنقاتل الناس بالحب». رداءة الصورة اجتمعت مع رداءة الفكرة التي تحتفي بها. ربما كانت جذابة وقتما كان القتال في مواجهة سلطات غاشمة، منح ذلك القتال صورة المقاومة النبيلة كما منح البنا لقب مجاهد وشهيد، ولكن الآن بعدما سقط أصدقاء ورفاق لي برصاص ذلك القتال أو ذلك الحب، وجدتني أكتب بمنتهى المرارة والغضب مشاركا في سحابة من الهجوم العاصف والمرير ضد حسن البنا الذي انتبهت إلى نطاقه الواسع لأول مرة في ذكرى اغتياله.
وقت الذكرى السنة الماضية لم يكن قطار الإخوان قد وصل بعد إلى السلطة.  يرتدي الإخوان "نظارة الحرب على الإسلام"ويرونها موجهة ضد الإسلام وضد كل ما هو إسلامي بدلا من أن يدركوا مواقع أقدامهم واتجاه سيرهم وأن البناء الذي بناه البنا صار مآله إلى تعليات لسور القصر الذي يهينه الغاضبون كل يوم.
 أنتبه الآن إلى أن الإخوان كانوا تاريخيا يحفظون لكل قصر مهابته، من قصور ملوك الأسرة العلوية إلى رفض إهانة اسم مبارك. حلم الوحدة يجب أن يمر عبر سلطة القصر ويجب أن يحمي المشروع السلطوي أسوار القصر ومهابتها ولو كانت ضده لكي يعمل من داخلها لاحقا، السعي إلى القصر لم يكن لتحريره ولكن لحماية المشروع بداخله. وهم الوحدة محددة الملامح سلفا لا ملاذ له من واقع اختلاف الناس إلا سلطة القصر وأسواره. انتهت إلى الأبد كل مهابة في قلبي. بئس البنا والبناء.

06 February 2013

كل خير في اتباع من هم خَلفَك

عندما وجدت مانشيت إحدى الصحف المغربية يتحدث عن إطلاق شرطي النار على نفسه فكرت أن ذلك يمكن أن يكون مدخلا جيدا لفكرة إصلاح الشرطة لنفسها من الداخل، الذي تحدث عنه أحمد مكي وزير العدل، بدلا من دعوات هيكلتها أو الضغط عليها من الخارج، لأن ذلك خلفه - بحسب علم الوزير بالنيّات وما تخفي الصدور – دعوة إلى تفكيكها وهدمها، وبدلا من التشنيع بالقتلى الستة على يد جهاز الشرطة، فإن الحقوقيين يجب أن يتركوا الالتباسإلى الاعتراف بالتقدم الكبير في هذا المجال، الذي يعبر عنه هذا الرقم مقارنة بالأرقام السابقة، حتى إن القتلى الستة أنفسهم يمكنهم أن يشعروا ويشهدوا بهذا التقدمإذا كان لديهم نفس وعي وثقافة وزير العدل وشعروا بأنفسهم كأرقام. وبالتأكيد شعور المقتول على يد الشرطة يختلف عندما يجد نفسه رقما مميزا وسط عدد أقل من الأرقام.
المانشيت كان يتحدث عن انتحار رقم واحد يعمل في جهاز الشرطة المغربية، ولكن بغض النظر عن ذلك، فأنا أشعر أثناء وجودي في العاصمة المغربية كأنني في بلدي، ففي الجريدة المقربة من الحزب الحاكم «العدالة والتنمية»، الذراع السياسية للطبعة المغربية من الإخوان، لا أفتقد الأخبار التي تهاجم البرادعي وتتهمه بـ«التهديد بالعنف في حالة عدم الاستجابة لمطالب المعارضة».
كما أنني لا أفتقد هنا «مناصرين» للبرادعي وحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح. وعندما سألتهم عن ذلك قالوا إننا السابقون في هيمنة الإخوان المسلمين وهم يخشون أنهم لاحقون.
 بعد جولة سريعة على صفحات شباب مغاربة وجدت أنهم قد اتخذوا مواقعهم، تماما كالمصريين أثناء كل معركة سياسية، وتحزبوا واقتسموا الانتماءات، واستمتعوا ولا يزالون باللعبة الصاخبة في مصر. بعض الشباب اعترف لي بأنه من «عاصري الليمون» الذين انتخبوا حزب «العدالة والتنمية» قبل أن يشكو الآن من مرارته ويشارك المصريين الانضمام لصفحات «إخوان كاذبون». وبعضهم من شارك في احتجاجات 20فبرايرمحاولا الإمساك بطرف خيط الثورات العربية، لولا أن الملك قطع الطريق وقام بواحدة من أسرع عمليات التعديل الدستوري ومنح بعض الصلاحيات الإضافية للحكومة التي يشكلها البرلمان، وبالطبع كان الإسلاميون المستفيد الأول رغم أنهم لم يكونوا أصحاب المبادرة.
 يخلق من الشبه أربعين دولة. حتى إن أكثر الشباب «الوسطيين» الذين لا يحبون «الاستقطاب» - كثير من الأنصار الافتراضيين لأبو الفتوح - يرفضون أي إشارة ربع ساخرة تجاه الملك المغربي أو لانتشار صوره في كل مكان، حتى إن صورة كبيرة له كانت تتصدر قاعة الندوة التي أتيت للمشاركة فيها.
الندوة كانت حول تجارب الدول في «إدارة التنوع» بين شعوبها، التنوع الديني والمذهبي واللغوي والعرقي، وبالطبع لم أبخل عليهم بحكايات مسليّة تلخص حالة الحفاوة الشديدة بالتنوع من جانب تحالف السلطوية الإسلامية الذي هيمن على كتابة الدستور المصري الجديد الرائع الذي نسعد الآن بالاستقرار الناتج عن ضمانه للتنوع فيه، وإحساس كل أطياف المجتمع المصري بالأمان وضمان الحقوق والحريات الذي طفح من نصوصه وعملية كتابته لدرجة أن كثيرا منهم انسحبوا من عملية كتابته واستأمنوا حسام الغرياني ويونس مخيون على هذا الأمر ثم خرجوا للاحتفال والاشتباك في الشوارع.
 والغرياني ومخيون كانا بطلي القصة الأكثر تسلية ودلالة، والتي خلدها لنا محضر الاجتماع العاشرمن اجتماعات اللجنة التأسيسية. وقتها اعترض مخيون، الذي يرأس الآن حزب النور، على ذكر الدستور المصري لتعبير «التنوع الثقافي» وقال إن هذه المصطلحات توضع لكي تكون بداية انشقاق في المجتمع. ورد عليه الغرياني بحدة وقال له: «سيادتك لا تعرف أن هناك في مصر تنوعا ثقافيا؟!» وحدثت بينهم مشادة صغيرة دافع فيها مخيون عن نص آخر عن "الوحدة الثقافية"وقال له الغرياني إنهما ليسا متعارضين – سبحان الله !- ولكن انتهى الموقف عندما أخبر مخيون، الغرياني، الذي من المفترض أنه يترأس اللجنة التأسيسية، أن «من خلفه» أخبروه أن كلمة «التنوع» حذفت بالفعل ولا داعي للنقاش. ويبدو أن الغرياني تذكر ساعتها ولاءه لـ«من خلفه» فأوقف دفاعه الحاد وقال له: «الحمد لله أنها حذفت!».
المهم أنه تم حذف كلام من لفظي «الوحدة الثقافية» و«التنوع الثقافي» وتم استبدالهما بشيء غامض اسمه «المقومات الثقافية» يجب أن تحميه وتحفظه الدولة، وهذا هو الإسهام الأساسي للروح التوفيقية للإخوان المسلمين التي انتهت الآن إلى التوفيق بين المتناقضين في الحلال أو الحرام – المهم أن يكون وفق اللائحة- للوصول إلى مركب ثالث لا هو وحدة ولا هو تنوع ولكنه حالة بائسة من ضيق البلاد بأهلها وضيق الجميع ببعضهم البعض واضطرارهم للصراع كل لحظة حول حدود ومعنى هذه «المقومات».
ولا أعتقد أن الغرياني ومخيون كان يمكن أن يتفقا لو أرادا الخوض أكثر في التفاصيل بعيدا عن تنبيه «من خلفهما».
 ربما يكون وراء بعض الاستقرار في المغرب، الذي يجعل من الجميع راغبين في عدم تجاوز حدود الملكية الدستورية، ذلك الإفساح الذي حدث في المجتمع لمزيد من التنوع بالاعتراف رسميا باللغة الأمازيغية وأن ممارسة إسلاميين للسلطة لا تستطيع أن تمس كثيرا – حتى الآن - حالة التنوع الثقافي في الشارع والمجتمع المغربي.
ويبدو لي أن الديمقراطية، بخلاف كونها غزوة صناديق، وسيلة تحمي حرية الدعوة إلى تغيير هذه المقومات عبر حريات التعبير والتجمع والتنظيم، لكن على العكس من ذلك نص الدستور المصري على أن الحريات والحقوق الواردة به تمارس وفق «المقومات» فضلا عن إشارات متناثرة عن التقاليد الأصيلة والقيم الدينية والوطنية والأخلاق، وكلها أشياء عند التفصيل والممارسة محل خلاف كبير. وإذا لم يكن ذلك واضحا لك، فاعتصم بأهم المقومات الإسلامية المعاصرة وهي «اتبع من هم خلفك» واسمع كلام من هم خلف مخيون والغرياني وخلف وزير العدل وإخوان مصر والشام والمغرب واتهم البرادعي بأنه سبب الانشقاق في المجتمع.