28 January 2011

وداعا إنترنت .. إلى الشارع رغم كل شيء

انقطعت الإنترنت عن كل مصرتقريبا . أدخل من مصدر ربما ينقطع بعد قليل.
الأمور تطورت أسرع مما نظن. النظام يعلن عن هشاشته وشراسته في الوقت نفسه. ولكن الشباب متحمسون وسيلبون نداء جمعة الغضب.
حاولوا متابعة الأخبار ونشرها. من المتوقع أن يحدث قمع عنيف واستثنائي ظهر اليوم، أو أن يكون يوما استثنائيا تصنعه حركة جماهيرية كاسحة. لا أحد يمكنه التكهن.
إلى الشارع رغم كل شيء.

كيف نشفى من الياسمين غدا؟


قبل قليل من فجر الأربعاء، كانت بعض مجموعات المتظاهرين الذين تفرقوا من ميدان التحرير لا تزال تجوب شوارع وسط القاهرة والكورنيش وروض الفرج والسبتية. يكاد يهدهم التعب، يشتبكون مع الأمن عند مفرق وآخر ويهربون منه، بعضهم ينادي بالعودة إلى البيوت ومعاودة التظاهر في اليوم التالي. ولكن المجموعات التي كانت تتشكل من آلاف قليلة وبالكاد يعرفون بعضهم بعضا كانت وكأنها لا تريد أن تفترق.
وكأنهم يخشون ألا يتجمعوا ثانية بعد أن لبوا معا موعدا تم إلقاءه في الفضاء الإلكتروني، أو يخافون أن يفقدوا تلك النشوة الجماعية التي تحركهم معا.
عند مفارق الطرق يتصارخ المتظاهرون إن تفرقت المظاهرة، ويحدث ما يشبه الاستفتاء السريع، يصرخ كل فريق بحجته لماذا يريد السير في هذا الاتجاه، يحدث التفاوض سريعا بين من يرون بعضهم لأول مرة غالبا، وعندما تظهر أغلبية واضحة تتجه إلى طريق ما تتبعها الأقلية طائعة. لم يفرق هذه المجموعات إلا القمع العنيف والاعتقالات الواسعة وفجر الأربعاء يبزغ. مع ظهر الأربعاء كان المتظاهرون يحاولون مرة أخرى التجمع والتظاهر في مناطق مختلفة من القاهرة ومثلهم كانوا في المحافظات، العنف المتزايد لم يوقف رغبة المزيد من الشباب في التظاهر. على الشبكات الاجتماعية يتابعون التجمعات ويسألون عن مسار تحركها وينزلون لملاقاتها. مع ظهر الخميس لا يبدو أن العنف الشديد ولا الاعتقالات أثروا على الحماسة. على الشبكات الاجتماعية تتصاعد الدعوة للتظاهر مجددا ظهر الجمعة.
في اعتصام التحرير مساء 25 يناير ترددت أكثر من مرة عبارة :”لا زلنا في اليوم الأول! لقد استمروا شهرا !”.
إنها العدوى التونسية. الغضب المصري لم يستطع مقاومة إغراء رحيق الياسمين التونسي. ولو أن معظم التونسيين لا يحبون اسم "انتفاضة الياسمين"، ولكن يبدو أن الشباب المتحمس في مصر لا يرى ما حدث أقل جمالا ولا إغراء.

مظاهر التقاط العدوى والإلهام واضحة، في لحظات الفتور أو تكالب الهتافات كان الهتاف الأبرز المستعار من الانتفاضة التونسية يجمع الأصوات فتستعير لهجة قريبة من لهجة الأشقاء وتهتف: “الشعب يريد إسقاط النظام".

لا أحد يعرف تحديدا كيف تنتشر الدعوة إلى التظاهر والتجمع ولكن كل شيء يتم بشكل لا مركزي وتتبعا لمبادرات تطلق في الفضاء الإلكتروني تستفيد من جمهور الشباب الذي تجمع حول المبادرات الجديدة: “كلنا خالد سعيد" وحملة البرادعي و”6 إبريل". ومن الشبكة الواسعة التي تجمع شبابا مهتما ربما تفرقه الأفكار والاهتمامات، ولكن في هذه اللحظة يبدو على الفضاء الإلكتروني كجماعة واحدة تخوض معركة وتتبادل الأفكار والاقتراحات والنقاش بدون أي مركز. شكل الشبكة اللامركزية الذي يمثل أسلوب تواصلهم يحكم الآن شكل الحركة المتصاعدة.

النجاح التونسي للانتفاضة التي بلا قيادة أو مركز وفر الإلهام. إلهام الغاضبين للغاضبين وصل متأخرا قليلا جدا بعد إلهام الاحتراق اليائس. منذ 2004 إلى الآن، أكثر من ست سنوات من الاحتجاج المصري المتواصل التواق للتغيير يتجمع الآن غيرة من التغيير التونسي.
الروح الشابة في الشارع وعلى الإنترنت يبدو وكأنها في كل لحظة انتهاء لاحتجاج تخشى ألا ينطلق آخر، تخشى أن تعود إلى واقع راكد . اللهفة اليومية، لليوم الثالث إلى الآن، لإبقاء جذوة الاحتجاج مشتعلة يتبادلها الشباب على الشبكات الاجتماعية، تتردد أحيانا عبارة: "لا عودة! يجب أن نستمر لأقصى وقت ممكن". وكأنهم مثل محمود درويش في قصيدته، في لحظة لقاء الحبيبة التي ربما لا يراها غدا يترك نفسه تتعلق بجمال اللحظة ويخشى فواتها ويردد: كيف أشفى من الياسمين غدا؟
لا أحد يمكنه التكهن بمصير الغد أو بعد غد. ولكن الأكيد أن طاقة الاحتجاج الشابة التي تم تشبيكها السنوات الماضية ستظل قادرة على إزعاج السلطة ولم يعد ثمن سخطها بخسا.

27 يناير 2011

26 January 2011

الثالثة تابتة



تمنيت أن أبيت الليلة في ميدان التحرير، كتلك الليلة، ولكن لا بأس.
استلقيت على الأسفلت، هتفت كثيرا، استنشفت بعضا من الغاز المسيل للدموع التي ترقرقت فقط في عيني. ركضت في شوارع وسط القاهرة وسط مجانين أعزاء ودوا لو تظاهروا حتى الصباح، استمعت إلى أوامر من لا أعرفهم وشاهدت تفاوضا عند كل مفرق حول طريق المظاهرة. ألقيت بعضا من الحجارة على الجنود الذين هاجمونا تحت نفق أحمد حلمي ثم هربت مع الجموع إلى حواري السبتية والقللي.
وددت لو تابعت الإصرار المجنون على البقاء في الشارع حتى الصباح ولكنه بدا في الثالثة فجرا في حواري روض الفرج خيارا عبثيا.
في التاكسي ابتهجت بأغنية عمرو دياب القديمة نسبيا، ولأن قفل المرحاض العمومي في ميدان التحرير، الذي كسره الرفاق وفتحوا أبواب المرحاض للجماهير، لا يزال في جيبي.
غدا يوم جديد.

20 January 2011

إلى الأرواح القابلة للاشتعال: بو عزيزي لم يفعلها


شعرت جدتي بالذعر عندما أشعلت جارتها النار في نفسها قبل أكثر من ثلاثين سنة. لم يكن ذلك الحادث الوحيد من نوعه، وكان ذلك بالنسبة لها سلوكا مروعا ومؤشرا على أخلاقيات جديدة شعرت أنها ستعانيها طويلا، وكان. خلال الزيارات المتقطعة سمعت العديد من الحكايات المماثلة.

انتقلت جدتي في الخمسينات من ريف الصعيد إلى حي شعبي قريب من وسط القاهرة إلى حي شعبي/ عشوائي في ضواحيها، واعتبرت السلوك المروع البائس المتكرر في الضاحية العشوائية الفقيرة واحدا من حزمة ممارسات أفزعتها، وشعرت أنها انتقلت من محيطات بساطة الحال إلى محيطات الضيق البائس للعيش الذي يبتذل الروح ويكاد ينزع منها احتمالات الأمل، ويبتذل الجسد الإنساني ويتركهما عرضة للإحراق في لحظة يأس خانقة لا ترى في الأفق مخرجا.

التداول الإعلامي لبعض محاولات الاحتراق التي ستشهدها الأيام القادمة، بخلاف المحاولات ذات الطابع الاحتجاجي السياسي، لن يكون إلا تسليط ضوء على حوادث متكررة لم تكن لتمثل خبرا ذا بال قبل أن يحرق بوعزيزي نفسه لتندلع سلسلة احتجاجات انتهت بانتفاضة شعبية في تونس. يعرف ساكنو الأحياء الشعبية والفقيرة والعشوائية ذلك جيدا. وكلهم سمعوا على الأقل بحادثة حاول فيها أحدهم إحراق نفسه يأسا وضيقا، وربما تشهد الأيام القادمة دراسات ترصد حجم هذه الظاهرة في سياقها الاجتماعي بعد أن تهدأ أيام استهلاكها السياسي.

التعاطف الكبير مع أصحاب هذا السلوك لا يغني عن وصفه بما يستحقه: سلوك بائس مروع يبتذل الحياة إلى حد مثير للإحباط والنفور.
الملمح السياسي الإضافي في بعض محاولات الاحتراق الجديدة، القيام بذلك أمام مجلس الشعب والهتاف ضد أمن الدولة، لا يستحق توصيفا أفضل.
الإحساس بالضيق وانعدام المنافذ الذي يلجيء إلى الأسوأ لا يشبه ابتذال الحياة دون ضرورة وبهوس سياسي مأخوذ بصور إعلامية ويريد جذب الشهية السياسية والإعلامية المستثارة حاليا بالحالة التونسية.
ربما كانت بعض تجليات تلك الشهية السياسية والإعلامية أكثر بؤسا: الشهية الباردة في التناول بدون ما يستحقه الأمر من تعاطف كبير ونفور أكبر، أو الشهية المترقبة الحماسية التي تقفز فوق هول المحاولة و تنتظر تكرار بقية سيناريو الفيلم الذي شهده الجيران.
مع كامل التعاطف، فإن ما فعله بو عزيزي كان سلوكا بائسا منفرا. أحيانا ما يأتي السيء بما هو أفضل، الحياة ليست فيلما تجاريا. الارتباط الشرطي بين ما فعله بو عزيزي وبين الانتفاضة التونسية يبدو مجرد ربط بين ما هو متوفر لدينا من ابتذال قابل للاشتعال وبين ما نريده من تغيير. بينما يمكن رؤية ما حدث بطريقة أخرى.

الانتفاضة التونسية لم يطلقها بو عزيزي بل أطلقها أولئك الذين لم يتعاملوا مع مشهد احتراقه ببرود أو بحماسة مبتهجة أننا وصلنا للأسوأ و«سيأتي» التغيير. أطلقها أولئك الذين شعروا بالمهانة والنفور من ابتذال الحياة وانسداد منافذها إلى هذه الدرجة وقرروا أن «يذهبوا» هم ويفتحوا منفذا. صحيح أن من نزلوا الشارع احتجاجا خاطروا بأرواحهم، وعشرات فقدوها بالفعل، إلا أنهم كانوا يدافعون عن حياتهم، عن حياة أفضل يستحقونها ويتعلقون بها ويغامرون من أجلها.
إلقاء النفس في هوة يأسا من أنه لا مصير أفضل غيرها لا يساوي مغامرة القفز بمنتهى الأمل لتجاوز الهوة والوصول لحافة أخرى.
الروح المغامرة هي التي قامت بالانتفاضة التونسية وإليها ينتمي شهداء المواجهات التي فتحت المنفذ إلى التغيير. أما الروح اليائسة فهي تستحق الشفقة. والسيء لا يأتي بالضرورة بالأفضل، أيضا لأن الحياة ليست فيلما تجاريا.


04 January 2011

ربع درجة ستيجماتيزم


قبل خمسة عشر عاما تقريبا قالت لي مِس عزيزة مدرسة الرياضيات، أن شعري خفيف وأني سأصاب بالصلع قبل أن أتم الثلاثين. وأصابني ذلك بالرعب.
لقد أتممت الآن ثلاثين عاما، لم يصبني الصلع. لا زال شعري خفيفا، ولكنه لا زال هناك. وليكن كلامي خفيفا عليه!
قدري السمح لا يزال كريما معي، بل فقدت في عامي الأخير الكثير من وزني ومعظم الكرش. بشكل ما لا أصدق أني سأصاحب في الحياة كرشا بارزا، اعتبرته دائما عرضا زائلا سيفارقني. انتظرت في السنين الفائتة لحظة نشاط وانضباط تعيدني إلى الرياضة لأستعيد قوامي الرياضي الذي أؤمن أنه لي مهما حدث. لم يحدث ذلك حتى الآن ولكن يمكن اعتبار السنة الفائتة للتو برنامج خاص للتخسيس بالعصف الذهني والعصبي والنفسي.
لم يكن هذا جيدا في معظمه ولا كان سيئا كله، ولكنه ما حدث لي. ورغم كل شيء طورت في البانيو عادة "الاسترخاء بينما أيامي ترتجف". كان مدهشا أن يسبقني سارتر إلى ذلك التعبير، كأني وأنا أقرؤه كنت أكتبه.
أنا وجسدي في الماء الساخن وكوب من الشاي الأخضر بالنعناع، مؤخرا أميل لشاي "ديلما" تحديدا، مع صوت موسيقى من السماعات النقية في الصالة، مؤخرا أميل للأدوار التي لحنها داود حسني لتغنيها ليلى مراد.
الاسترخاء والانفصال التام، الحالة اللا إنسانية من الانسحاب من كل منحنيات الحيوية الإنسانية المرهقة:الأنس والوحشة، اللذة والألم، البهجة والأسى، الحنين والفقد. فقط ذلك الخدر الذي لا يمكن وصفه باللذيذ، فقط خدر، توقُف، تعليق لكل شيء إلى حين. يدي تمر على جسدي وهي منه، نظري يتوه عند منابت الشعر في فخذي، كل شيء على ما يرام. الرضا الكامل بيني وبين جسدي وسمعي وبصري وما أتذوقه. فقط الرضا لا الإعجاب، لا شيء يعجبني، لا شيء يزعجني. ما لا أراه لا أذكره.
أستثني نظارتي التي تذكرني بها يدي وهي تبحث عنها لا إراديا، اعتادت ان تعدل من وضعها لكي لا تنزلق فوق أنفي. أبتسم وأهرش في أنفي لكي لا تعود يدي بلا طائل.
بسببها، النظارة، ذهبت أول أمس إلى طبيب العيون نفسه الذي ذهبت إليه أول مرة، وكانت الوحيدة، قبل عشر سنوات. كان هو نفسه لم يتغير كثيرا، وعندما فحص عينيّ قال لي نفس ما قاله منذ عشر سنوات: نظرك جيد، لا تحتاج إلى النظارة، ولكن استعملها في القراءة والكتابة وعند التركيز لتحافظ على نظرك إن كنت تقرأ أو تكتب بكثافة.
رددت عليه بما قلته منذ عشر سنوات ثم أخبرته بأننا نعيد مشهدا قديما بتطابق مدهش، فضحك. قلت له أني أعلم أن نظري جيد لا يزال، انا فقط جئت أريد عمل نظارة جديدة بينما فقدت ورقة الكشف الذي مر عليه عشر سنوات.
عشر سنوات مدة طويلة.
قبل عشر سنوات كنت في السنة الثانية بكلية الهندسة فاقدا كل حماسة لدراسة الهندسة، مفتقدا الشغف الذي جعلني التلميذ الأثير عند مس عزيزة وكل مدرسي الرياضيات الذين عرفتهم، أفكر في الانتقال إلى كلية الآداب أو السياسة والاقتصاد بينما يبدو ذلك مستحيلا عمليا، أقترب من الاستسلام بكامل السعادة لفكرة أني وقعت في غرام زميلتي التي تبقى مثلي في المدرج بين المحاضرات وتأكل سندوتشات أحضرتها معها من المنزل، فأستعيد بعضا من الشغف لأكون الأول في مادتين اخترتهما فقط لألفت نظرها أني فقط قررت ألا أكون مهندسا ولكني لست بليدا، وأني بشكل ما أفعل ما أريد إن مسني الشغف.
شرحت لها هذا فيما بعد، بعد سنة ونصف تقريبا ونحن واقفين في الممر بجوار مبنى قسم العمارة، وقلت لها أن ما أريده وٍسأفعله أني سأدرس الفلسفة وسأعمل صحفيا ولكن بعد بضع سنوات من العمل مهندسا لكي يمكن لنا أن نتزوج سريعا. وعندما انتهيت من قول ذلك انفجرَتْ في الضحك.
أكملتُ بمنتهى الجدية أن عليها أن تستعد لكوني لن أسعى في أي وقت للترف ولن نسافر أبدا إلى الخليج مهما حدث وسأتورط دائما في السياسة ولكن يغلب على ظني أني سأعيش مرتاحا ولن يصيبني أذى كبيرا.
لقد حدث كل ما قلته تماما، بشكل يبدو لي غريبا ومثيرا للإعجاب، إلا أننا لم نتزوج. نظارتي وشعري الخفيف لا يزالا يعجبانني في صور حفل الخطوبة.
قبل ساعات من نهاية السنة انكسر مسند نظارة السنوات العشر. كنت قد حلمت قبل أسابيع أني أشتري نظارة جديدة بدون إطار بأذرع سوداء لامعة بعض الشيء وأرى نفسي في مرآة المحل تحت أضواء قوية تظهر خفة كثافة شعري.
بالأمس اشتريت نظارة جديدة تماما كالتي حلمت بها ولم يبد لي شعري في المرآة خفيفا بدرجة مقلقة. سأستلمها اليوم.

22 December 2010

شيء ما حدث لي


,,
ذات مساء من أكثر من عشرين سنة، كان جياكومتي، النحات والمصوّر السويسري، يعبر ميدانا فصدمته سيارة وأصيب بجرح والتوت ساقه. وفي الإغماءة اليقظة التي راح فيها شعر أولا بنوع من البهجة: "أخيرا شيء ما حدث لي!".

إني أعرف راديكاليته، فقد كان ينتظر الأسوأ، إن هذه الحياة التي يحبها إلى الدرجة التي لم يكن يتمنى معها حياة أخرى، كانت حياة مقلوبة، وربما محطمة بحماقة عنف الصدفة. وكان يقول لنفسه: "لم أوجد إذا لأنحت، ولا حتى لأعيش، لم أوجد لشيء".
إن ما كان يحمسه هو نظام السببية المهدد عندما يُرفع عنه القناع فجأة، ويُحرق في أضواء المدينة وفي الناس وفي جسمه هو نفسه وقد تلطخ بالوحل بتلك النظرة المحجرة ككوارث الطبيعة.
إني أعجب بهذه الإرادة التي تقبل كل شيء. وإن كنا نحب المفاجآت فينبغي أن نحبها حتى ذلك الحد، حتى ومضاتها النادرة التي تكشف للهواة أن الأرض لم تخلق لهم.

في مقتبل عمري كنت أدعي أني لا أحب غير المفاجآت. كان على كل خيط من نسيج حياتي أن يكون غير متوقع وأن تنبعث منه رائحة الطلاء الجديد. كنت أقبل مقدما الظروف الطارئة والحوادث المزعجة، ولكي أكون عادلا يجب أن أقول أني كنت أقبلها قبولا حسنا.
وذات مساء انطفأت الكهرباء بسبب عطل، وناداني أحدهم من غرفة أخرى، وتقدمت مندفعا فاصطدم رأسي بمصراع الباب، وكانت الصدمة قوية بحيث كسرت لي سنا من أسناني. شعرت بنوع من المرح وضحكت له رغم الألم، كما سوف يضحك جياكومتي بعد ذلك بسبب ما حدث لساقه.
الأمر أنني كنت قد قررت مسبقا أن تكون لقصتي نهاية سعيدة، فرأيت في هذه السن المكسورة علامة، تنبيها غامضا سوف أفهمه فيما بعد.
ربما فقدت ذراعا أو ساقا أو عيني. ولكن لأن كل شيء يتوقف على الأسلوب فإن مصائبي لن تكون أبدا سوى محن، سوى وسائل لعمل كتاب. تعلمت أن أتقبل الأحزان، ورأيت فيها بواكير "موتي الانتصاري" والدرجات التي ينحتها ليرفعني إليها.
إن هذه العناية الفظة قليلا لم أكن أستقبحها، وكنت مهتما بأن أظهر جديرا بها. كنت أعتبر الأسوأ شرط الأفضل. إن أخطائي نفسها كانت تفيد، وهذا يعني أني لم أكن أقترف أخطاء. سوف أكسب الحرب من كثرة خسارة المعارك.

لقد أهملت الوقاية ونسيت أن أرتدي معطفي وكوفيتي. أفضل دائما أن أتهم نفسي على أن أتهم العالم، لا عن سلامة قلب، ولكن لكي لا أكون متعلقا إلا بنفسي. إن هذا التكبر لم يكن يمنع التواضع، وكنت أعتقد طوعا بأني كنت عرضة للخطأ بقدر ما كان ضعفي أقصر طريق طبيعي إلى "الخير". وكنت أرتب أمري لأشعر في حركة حياتي بجاذبية لا تقاوم كانت لا تنقطع في إجباري، حتى على الرغم مني، على تحقيق تقدم جديد.

كثيرا ما كان يقال لي: إن الماضي يدفعنا. ولكني كنت واثقا أن المستقبل يشدني. لقد دسست في نفسي "تقدم البرجوازيين" المتصل، وجعلت منه محركا ذا اشتعال داخلي، وهبطت بقيمة الماضي أمام الحاضر، والحاضر أمام المستقبل. وحولت التطورية الهادئة إلى نوبات ثورية متقطعة.

لقد أسات التصرف أمس. لانه كان أمس. وأحس اليوم الحكم القاسي الذي سوف أصدره على نفسي غدا. إني أمنع نفسي من الاقتراب من ماضيّ. المراهقة والسن الناضجة وحتى السنة التي مضت للتو، كل ذلك سوف يكون دائما العهد القديم. الجديد يبدأ في الساعة الحاضرة، ولكنه ليس مشيّدا على الإطلاق، إنه سيهدم غدا مجانا ... وقد أوتيت حماقة الافتتان بذلك.

أعترف في بشاشة وتواضع ماكر: أنا موهوب للنقد الذاتي. وأتلذذ بصفاء بصيرتي. منذ بداية عمري "أدركت" حقا كل شيء من غير معرفة ولا كلمات، ربما بشكل أعمى. موتي هو سبب ولادتي، وولادتي تقذفني نحو موتي. مشدود حتى التمزق بين هذين الطرفين. أموت وأحيا عند كل خفقة قلب. أصبحت آخرتي مستقبلي: كان ذلك يضرب كل لحظة بالعبث، مهما كان مضمونها. وكان ذلك في عمق مركز انتباهي، وشرودي الأعمق، وتسليتي الأشد عمقا. كان ذلك في فراغ كل امتلاء وفي الوهمية الخفيفة لكل واقع.

يكاد ذلك يقتل أحيانا طعم الحلوى في فمي، والأحزان والأفراح في قلبي. ولكن ذلك كان أيضا ينقذ أتفه اللحظات، فاللحظة في النهاية تأتي وتدفعني قدما. لقد أعطتني آخرتي الصبر على الحياة، فانتظرت.
في كل دقيقة كنت أنتظر الدقيقة المقبلة لأنها كانت تشد إليها الدقيقة التي تليها. عشت هانئا في العجلة المتناهية، وطورت عادتي "السيئة": أن أحاول الاسترخاء بينما أيامي ترتجف. متقدما دائما على نفسي، كان كل شيء يستغرقني، ولكن لا شيء يوقفني. يا له من عزاء!
،،
سارتر
"الكلمات"
نص مزيج من ترجمتي سهيل إدريس عن دار "الآداب" وخليل صابات عن دار "شرقيات" مع تصرف وتعديلات وإعادة ترتيب مني، بناء على معرفتي الشخصية الأوثق بسارتر وبإذن خاص منه في مقابلة تمت مساء أمس في مقهاي المفضل في الكيت كات.
قلت له أني أتمنى دراسة الفرنسية لأعيد ترجمة "الكلمات" مرة أخرى. فابتسم وعاتبني أولا على الاهتمام برفيقه اللدود ميرلو-بونتي السنة الماضية وهنأني - جادا وساخرا- بذكرى ميلادي، ثم قال لي: "أعد ترتيب كلماتي كما تشاء، نحن متفاهمان بالكامل رغم حواجز اللغة والترجمة. متفاهمان أنه لا يجب الجزع أبدا من سوء التفاهم، لأن هذا ما لدينا دائما، فقط نكتشفه عندما تختلف خططنا".

31 October 2010

بكرين


لو كانت السخافة سائلا لكان منسوبها قد تجاوزارتفاع الحاجز الذي أوجع استنادي إليه ظهري في مؤخرة العربة نصف النقل. كانت العربة تشق طريق الظافرية من وسط سيوة لتأخذنا في جولة إلى جبل الدكرور وما حوله. ولو لم نكن وصلنا في تلك اللحظة لكنت قفزت في أي مكان وعدت مشيا إلى أي مكان بعيدا عن هذه الصحبة التي جمعت أتعس القاهريين والسيويين والأوريبيين.

كانت مشاعرنا متبادلة وكنت متأكدا أني أيضا في نظرهم مشارك في صناعة بحيرة السخافة التي نسبح فيها. لا أدري إن كانت سيوة لم ترق لي أم أن سخافة تلك المجموعة غير المتجانسة، التي ورطتني زميلتي المصورة في صحبتهم لليلة في الصحراء، قد انتهكت مزاجي.

انتظرتهم حتى قفزوا جميعا قبلي، كنت أستجمع مزاجي لأتحرك، وفكرت أن أنتظرهم هنا بما أنهم كلهم ذهبوا. ولكن شجعني مرأى بعض أفراد الطريقة المدنية الشاذلية يهمهمون ويتمايلون جالسين في مكان ما منبسط يصعد إليه سلم من سفح التل الذي يسمونه جبل.

تسلقت زميلتي المصورة الجبل لتلتقط الغروب ومعها السيدتان الأوروبيتان. تجول القاهريون مع السيويين قرب السفح . صعدت السلم متجها إلى مجموعة الصوفية. خلعت حذائي قبل أن أخطو على الجصيرة الخضراء، وألقيت السلام. ابتسم رجل وقور بتساؤل فعرّفت نفسي، وسلمت على شاب ذي ملامح أوروربية ولكنه يرتدي الثوب السيوي التقليدي، وكهل أسمر ذي ابتسامة عذبة وعينين طيبتين.

الملامح المتسائلة للرجل الوقور كانت تقول لي: هات أسئلتك يا صحفي. ابتسامة الكهل الطيب سألتني: إنت منين؟ قلت له: من إمبابة. اتسعت ابتسامته أكثر- ولم أكن أظن أن هناك أكثر - وقال: يا الله، انا قضيت تجنيدي في مطار إمبابة. اقترب مني أكثر وربت على كتفي: أنتم أهل كرم والله، كل ما كنت أقعد على قهوة أشرب شاي وبعدين أطلب الحساب، صاحب القهوة أو واحد قاعد يقول لي توكّل على الله يا دفعة، الله معاك! شربت الشاي طوال تجنيدي مجانا. تشرب شاي بقى؟
ابتسمت
: طبعا، بس خفيف، شايكم في سيوة تقيل. يضحك: تحت أمرك يا ... اسم الكريم إيه؟

عرفت أن اسمه بكرين، وأنه من منشدي الطريقة، موظف على المعاش في وزارة الكهرباء وعنده حقل زيتون صغير وستة أبناء.
عندما ذهب ليحضر الشاي، تبادلت مع الشيخ الوقور كلاما رسميا عن الطريقة، وحاولت أن أعرف شيئا عن الشاب الأوروبي، فقال لي أنه فرنسي اسمه ستيفن وأنه كان صحفيا قبل أن يصبح
"حرا مثل الفراشة" يقضي نصف السنة في باريس ونصفها في سيوة مع الصوفية، ولكنه لن يتحدث عن حكايته للصحافة، مال عليّ مستبقا: أعرف أنك ستقول أنك لست كباقي الصحفيين، ولكني لن أتحدث إلى أي صحفي. منظر ستيفن يثير شهية الصحفيين بالتأكيد، الأوروبي وسط صوفيي سيوة.
استأت من ستيفن بدون أن أظهر ذلك، فكرت أني أحب روح بكرين وأحب هؤلاء الذين لا يحتلون صدارة المشاهد بسخافة وفي الوقت نفسه لا يتمنعون عن الظهور في تواضع باطنه الترفع
. أحترم بعض الخصوصية، المزيد منها ضد شغلي بوضوح، والوجود في جانب كبير منه ظهور ومشاركة. فكرت أني بالتأكيد سأكتب شيئا عن بكرين، وربما أجعل شيئا يخصه افتتاحية ما سأكتبه عن أعياد سيوة.

كنا قبل يومين من بداية الأعياد، وأعضاء الطريقة يستعدون بمراجعة الأشعار والأناشيد. عاد بكرين بالشاي وأتى صبي ومعه أوراق بها نصوص الأشعار وجلس أمام بكرين مستعدا للإنشاد. طلبت نسخة من الأوراق، فقال ستيفن أنه سيعد واحدة لي غدا، ومال عليّ وأخبرني أنه يبيع شريحة ذاكرة عليها تسجيلات للقصائد وأخبرني السعر. اشتريتها منه فورا وأنا أبتسم وأقول في نفسي في سخرية، مبعثها أنه أحرجني قليلا، أني عرفت من أين تأكل الفراشة!

ولكني فكرت أيضا متعاطفا أنه قد يكون صوفيا هائما أو من هؤلاء الروحانيين المهاويس الذين يجوبون العالم يجربون كل تجليات الروحانية وربما كان باحث أنثروبولوجي يتم هنا بحثه الميداني، وفي كل الأحوال يساعد نفسه ببيع هذه الشرائح للسياح والمهتمين.

أكملت مع نفسي بعض الاحتمالات، منها: قد يكون مندوب شركة تسجيلات فرنسية ستسوّق هذه التسجيلات، ولكن لو كان كذلك لما باعها لي.

انتشلني من أفكاري إنشاد بكرين وهو يعلم الصبي. قصائد بسيطة وعذبة، المعاني نفسها في معظم قصائد الصوفية ولكن بتعبيرات مختلفة: "وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها/ ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي". و"تيهتموني في بديع جمالكم/ فلم أدر في بحر الهوى أين موضعي".

في صوت بكرين شجن متعاطف يتلوّن كلما مر على التفاتة رقيقة. كنت على وشك البكاء بالفعل من وقع صوته ورقة القصائد التي كانت تجعلني أشرد متذكرا أحلام الليلة الماضية، زارني فيها بعض من أفتقدهم وبعض من فقدتهم وبعض من لا أعرفهم. تعيدني تلونات صوته إلى الانتباه مرة آخرى مع قصيدة جديدة.

أوقف ستيفن بكرين وسأله عن معنى قصيدة:" لو تهتكنا عليكم لا نلام"، كان بكرين يحاول أن يشرحها له ولكن لم تسعفه التعبيرات. أنا نظرت إليه صامتا، قال لي: إنت عارف معناها؟ قلت له مبتسما : أيوه، بس أنا صحفي ومش هاقول لك؟ فابتسم وضحك بكرين.

كان الصبي قد قام وأكمل بكرين الإنشاد وحده فتناولت الورقة التي تركها الشيخ الوقور وأنشدت معه حتى وصلنا إلى شطر بيت بعينه أخذ بكرين يكرره: "إليكم تذل النفس وهي عزيزة" ولا ينتقل إلى الشطر الآخر. توقفت عن الترديد معه ووضعت الورقة ونظرت إليه. انتبه لذلك فتوقف وقال لي: تعبت؟ ابتسمت وأنا أقول له: تعبت جدا، ولم أدر في بحر الهوى أين موضعي. كفاية ذل بقى!

ضحك وأكمل: إليكم تذل النفس وهي عزيزة/ وليست تذل النفس إلا لمن تهوى.

فكرت أنه يحاول أن يضبط إنشاده على الإيقاع المميز الذي لم أستسغه في البداية حتى اشتركت في الإنشاد ففهمته وأحببته. أخذت أتأمله وهو يردد نفس البيت مرة أخرى، شعرت تجاهه بمزيد من الألفة جعلتني أقاطعه: بخصوص الذل، رامي عياش بيقول: يا حلاوتك وإنت على قلبي قاسي، يا غلاوتك وإنت هاجر وناسي.

انفجر بكرين ضاحكا، وابتسم ستيفن: إيه الكلام ده؟ قلت: دي قصيدة "يا مسهر عيني"، انت فاهم كلام الأغنية؟ هز رأسه أن نعم. فقلت: هو ده التهتك.

هز بكرين رأسه مؤمنّا واتسعت ابتسامته الدائمة مرة أخرى.


الصورة: أنا وبكرين، خلفنا بعض متاع أهل الطريقة وعلى يسراي آثار معركة مع ناموس سيوة - تصوير: مصطفى أحمد

28 October 2010

أنا ومنتصر وسارتر وتامر حسني



في مقالات هذا الكتاب يصر أحمد منتصر على الخلط بين البنيوية والتفكيكية وأشياء أخرى ويرفض نصيحتي بمراجعة ذلك، ولكن ذلك ليس مهما.

الأهم أن هناك تفاهم كبير مضمر بيني وبين منتصر، ولذلك أكتب هذه المقدمة. التفاهم لا علاقة له بالاتفاق أو بالاختلاف مع ما يكتبه ولكن بـ"كيف يفكر أحمد منتصر؟". لا أقصد الكيفية التي يفكر بها فعلا، ولكن اختياره لعبارة "كيف يفكر أحمد منتصر؟" كعنوان لسلسة كتاباته في صفحته على الفيس بوك التي كانت المسودات الأولى لمعظم مقالات هذا الكتاب.

مصدر التفاهم، المتوهم من جانبي على الأقل، تلك الروح التي تطل من خلف العبارة تعلن الاعتزاز الشديد والمفرط أحيانا بالذات وما تعبر عنه، مع بعض السخرية منها استباقا لأي سخرية مضادة وتبسطا مع الذوات الأخرى التي من حقها أن تعتز بنفسها أيضا وأن تعبر عن ذلك.

الكثير من الفلاسفة الكبار كانوا سيخجلون من اختيار عنوان لهذا. فضلا عن أن معظم دارسي الفلسفة ومدرسيها يفنون أعمارهم يحققون في أفكار الآخرين: "كيف يفكر أفلاطون؟" مثلا. وذلك سؤال- وغلاوتك عزيزي القاريء- إجابته قد تكون صعبة على أفلاطون نفسه. والنتيجة الطبيعية أن معظم المتفلسفين يظلون حتى نهاية تلك الأعمار الفانية بدون أن يعرفوا حقا وبدقة كيف فكر أفلاطون، وبالتالي يخجلون من إطلاعنا على أفكارهم هم، إن كانوا قد جرءوا على ذلك ولم يحبطهم أنهم لم يفهموا جيدا أفكار ناظر مدرستهم القديمة.

أعتقد أن هناك فارق رئيسي بين من نعدهم فلاسفة وبين من نعتبرهم مجرد دارسين ومدرسين للفلسفة، يتمثل في الجرأة على قول "أنا أقول لكم كذا". وجاهة الـ"كذا" أو عدمها موضوع آخر.

أنا ومنتصر متفاهمان بخصوص تلك الجرأة. فلا منتصر يخجل من أن يخوض في هذا الكتاب في محاولات تنظير بلغة مستهترة أحيانا بتراث التنظير قبله ولغته واصطلاحاته، ولا أنا أخجل من أن أكتب مقدمة لذلك، بل إن آخرين أيضا لم يخجلوا وكتبوا مقدمات مجاورة لنفس الكتاب.

لا داعي للخجل على الإطلاق، فأولا: الزمن وحده كفيل بإطلاعكم على الأهمية البالغة لواحد منا على الأقل. ثانيا: أن الكتب ليست تقديسا لبعض الكلام ورفعه درجة فوق باقي الكلام غير المنشور في كتب، ولا المقدمات هي الغلاف المحلّى بماء الذهب الذي يتصدر أوراق الكتاب، ولذلك فإن كلانا ليس بحاجة أصلا لتلك الأهمية.

أما ثالثا: بخصوص الجرأة على التنظير، فالأمر ببساطة يعبر عنه جان بول سارتر الذي أعتقد أن تفاهما مضمرا آخر بيني وبينه كان سببا في محبتي المفرطة له. يقول سارتر في أحد حواراته: "نحن نعرف أنفسنا قليلا جدا، ما زلنا لا ننفتح على بعضنا البعض بشكل كامل ... بينما حقيقة الكتابة أن تقول : أنا أمسك بالقلم، اسمي سارتر، هذا ما أفكر به".

لا أعتقد أني أكن تقديرا كبيرا لهؤلاء الكتاب الذين يكتبون مشيرين إلى البعيد محاولين أن يمنحوني معرفة "موضوعية" بالعالم والإنسانية. أنا أقدر أكثر الكاتب، أو أي مؤلف ومبدع، عندما أشعر أنه يشير إلى نفسه لأنه سيحاول أن يمنحني معرفة أعمق بذاتيته، يكشف لي بوضوح أكثر عن نفسه، عندما أشعر أنه يقول ببساطة: أنا اسمي سارتر – أو تامر حسني - وهذا ما أفكر به. عندما يحاول أن يفسح قليلا، أو يقترب كثيرا، لأشاركه رؤية العالم والإنسانية من منظور موقفه الوجودي المتفرد.

آه! بخصوص الوجودية والتفكيكية والبنيوية والبراجماتية والماركسية والمثالية والمادية، وكل ذلك الكلام الكبير الذين يتحدث عنه منتصر هنا وهناك في مقالاته. فأنا أنصح القاريء أن يعود إلى كتابات رموزها إن كان لديه وقت ويريد أن يعرف ماذا كانوا يقصدون حقا بهذه المصطلحات. ولكن إن كان القاريء غير مهتم ويريد فقط أن يعرف كيف يفكر أحمد منتصر، لأنه يشاركنا - أنا وسارتر وتامر حسني - تقديره لهذا النوع من التعبير الوجودي، فسيعرف من خلال هذا الكتاب.أنا أقدر في منتصر صراحته وجرأته وطريقة تعبيره "الحقيقية" وفق ما يقوله سارتر عن "حقيقة الكتابة". انظر كيف يحدثنا منتصر عن طريقة خداعه لنا وعن تفاصيل مؤامراته البراجماتية خلف قناعاته المعلنة، رغم أن الإفصاح عن ذلك ليس براجماتيا أبدا. كيف يمكن أن أكون ممتنا أكثر يا منتصر؟

مممم .. كنت سأكون ممتنا أكثر لمنتصر لو أنه لم يعد صياغة كتاباته الأكثر عفوية التي نشرها على الفيس بوك في قالب المقال الأكثر تقليدية. وأنا نصحته بالرجوع عن ذلك ولكنه لم يسمع نصيحتي.


مقدمة كتبتها قبل أسابيع لكتاب أحمد منتصر "ربنا يهديك" الذي صدر قبل أيام

22 October 2010

هذا الحزب من ذاك البلد

هناك دفاع شهير وشائع ضد أي انتقادات تشير إلى مشكلات وعيوب مؤسسة أو جماعة: “إنها ثقافة المجتمع الذي يحيط بهذه المؤسسة أو الجماعة ويؤثر فيها".

يستخدم هذا الدفاع من جانب شباب الحزب الوطني بكثافة عالية ضد الانتقادات الأكثر حدة التي توجه إليهم. مثلا: التعايش مع استغلال النفوذ والفساد، القبول بخلل الميزان الديمقراطي وزيادة ثقل اختيارات القيادات العليا عن اختيارات" شعب الحزب" من أسفل، قلة الاهتمام بالأفكار السياسية في مقابل التوجه نحو العناية الكثيفة بالإدارة عبر تقديم الخدمات ومحاولة حل المشكلات التي تظهر هنا وهناك.

هناك زاوية نظر ترى أن بعض ملامح الثقافة الاجتماعية السائدة تدعم دفاعهم: المقاومة الضعيفة للفساد في مستوياته الصغيرة، استبداد صغير في الأسرة وأماكن العمل واستغلال نفوذ صارخ عبر أسلوب "الواسطة" وتجاهل عادي ويومي للقانون، التذمر من أجل الحصول على خدمات أفضل وحل المشكلات مع غياب التفكير على مستوى سياسي في مجتمع مختلف يتجاوز مشكلاته بشكل جذري.

وفق وجهة النظر هذه يمثل الحزب الوطني "جماعة طبيعية" من المجتمع المصري تحمل عيوبه، ويكون اختياره من قبل الشباب الراغب في الدخول إلى ساحة السياسية اختيارا وجيها. فهو من جهة ساحة عملية لممارسة السياسة ومواجهة هذه المشكلات على أرضها بدلا من الإشارة إليها من بعيد عبر شعارات وأحلام سياسية لا يفهمها الجمهور. وهم في الوقت نفسه يعترفون بكل الخطايا والآثام التي يحملها المجتمع ومعه مجتمع أعضاء حزبه الحاكم، مع بعض الاعتذاريات والتبريرات والتخفيفات هنا وهناك.

ولكن الجانب الآخر لهذه الصورة ليس في صالح دفاع شباب الحزب الوطني عن اختيارهم. فالحزب الذي تتجلى فيه جوانب هذه الثقافة لا يبدو في نظر الكثيرين أنه ساحة للفعل السياسي الواقعي الذي يحاول تجاوز مشكلات هذه الثقافة. فزاوية النظر الأخرى ترى أن ساحات الحزب قد تكون محضنا لانتعاش هذه الثقافة وازدهارها وإعادة تصديرها للمجتمع، بحكم كونه في موقع السلطة وكونه قارب الراغبين في عسلها. وعن طريق اشتراك أعضاء الحزب أو سكوتهم عما يحدث وعن قمع أقرب الخيارات البديلة فهم شركاء أيضا في سيادة طريقة واحدة في التفكير في أي تغيير: التغيير من داخل السلطة نفسها، وبالإيقاع الذي يفضله القابضون عليها، إن كانوا يفضلون، وبدون الطموح إلى أي أفكار ومقترحات بديلة أو خيال سياسي مختلف.

بين المجتمع والحزب، الذي يحتل منذ نشأته موقع السلطة، علاقة جدلية معقدة، ولا يمكن تحديد ضربة البداية، فهي بعيدة الغور في تاريخ المجتمعات ووعيها السياسي والاجتماعي. والنتيجة حتى هذه اللحظة من المباراة وليدة الشد والجذب المتبادل بين السلطة والمجتمع، وقد يكون تأمل بعض التفاصيل والوجوه مفيدا من أجل رؤية الصورة المتداخلة والجدلية بين صورتين سائدتين مستخدمتان في الهجوم والدفاع: المجتمع المجني عليه في مقابل الحزب الجاني، أوالمجتمع المهتريء في مقابل الحزب الذي يحاول ستر عورته والسهر على نهضته.

افتتاحية ملف عن شباب الحزب الوطني في "الشروق" بعنوان: شد وجذب مع ميكيافيللي