24 July 2010

الاعتداء على صورتنا


,, صور التعذيب كانت في الغالب، أثار لكدمات، جلد محترق، جثث مشوهه. أو فيديوهات تقدم الوقائع لمشهد ضابط يضرب مواطنا على قفاه، أو يضع جسم ما في مؤخرته. مشاهد بشعة بالتأكيد لكن التكرار أضعف من أثرها. أصبحت صور معادة ومكررة مثل صور ضحايا التفجيرات في العراق، أو القصف الإسرائيلي لغزة.
أما حالة خالد سعيد فقد كانت استثناء لما سبق. لم يكن هناك فيديو، كما أن الأمر المؤثر أكثر لم تكن صورة جثة خالد بعد الضرب وتشريح الطبيب الشرعي الذي قال أنه قد مات نتيجة الاختناق. كانت الصورة الأكثر تأثيراً صورة خالد قبل الحادثة كشاب وسيم لا يزال في بداية حياته يبتسم متفائلاً. المسافة بين الصورتين كانت هي الأكثر تأثيراً. حالة خالد سعيد كان نقلة جديدة في عصر الصور الذي نعيش فيها، فالصورة هنا لا تلعب على مساحة الكشف بل على مساحة الخيال. تترك الصورتين المساحة للمشاهد ليتخيل بشاعة ما حدث، لهذا كان أثر حادثة خالد أقوى من أثر حالات التعذيب الأخرى. ولهذا كان اهتمام الإعلام بقضية خالد أقوى من اهتمامه ببقية قضايا التعذيب حتي تلك التي تكشفت بعد حادثة خالد،،

,, ليس استخفافا بالموت، ولكن وجه خالد سعيد الجذاب في الصورة أظهر جانبنا الأسوأ. استمر التعذيب المنهجي في مصر لعشرين عاما أو أكثر ولكنه كان دائما موجها ضد "هوامشنا". ضد هؤلاء الناس الذين لا نعتبرهم فعلا"ناس": فقراء العشوائيات، الجانحين، أطفال الشوارع، العاهرات والإسلاميين الجهاديين.
حالة خالد سعيد فقط هي التي أثبتت "أننا" يمكن أن ننزلق في أي لحظة لنواجه مصير "هوامشنا" ،،

19 May 2010

ما نعود إليه


بلا تردد فكرت في عم علي عندما طلب مني صديقي السكندري أن أساعده في البحث عن شقة في أرض الجمعية. قبل أربع سنوات وبعد بحث مضن في كافة أنحاء القاهرة أتاني عم علي بالشقة التي ناسبتني تماما ولا تزال. سألت أبي عن عم علي السمسار فأعطاني رقمه وقال أنه بواب العمارة التي يسكن فيها صديقه اللواء.
لا زلت أذكر لواء أمن الدولة الدمث الهاديء وشقته الواسعة وزوجته اللطيفة وابنته الذكية ذات العينين لامعتي السواد والابن ذا الشعر الفاتح. رقم عم علي خارج الخدمة. مررت على العمارة قبيل منتصف الليل، وأنا أقترب حاولت أن أخمن في أي طابق كانت شقة اللواء، ربما كانت في الدور الأول حيث توجد البلوزة الزهرية التي ربما تخص البنت والفستان الرمادي الذي يناسب الأم. دخلت إلى حوش المنزل وكان باب حجرة البواب مفتوحا وعندما اقتربت رأتني المرأة وقامت وهي تقول: "أيوه". سألتها عن عم علي فقالت وهي تعدل طرحتها وتخرج من الحجرة: "مش هنا والله". سألتها إن كان في مكان قريب فقالت وهي تشيح بوجهها وتستعد لدخول الحجرة مرة أخرى: "ولا أعرف".
لم تسمعني أشكرها فخرجت وأنا أفكر أن ردها يشي بحزن وعتاب، وتجاهلها يخفي غضب مكتوم. قد تكون غاضبة من غياب زوجها هذه الساعة وتركها وحيدة ترد على الأغراب.
وأنا خارج حاولت أن أتذكر مرة أخرى مكان شقة اللواء، فتذكرت مشهدا في شقتهم عالقا بذاكرتي. عيد ميلاد البنت أو الولد، ربما كنت في العاشرة أو أصغر قليلا، كل الأولاد وقفوا في صف واحد لكي يمثلوا "قطارا" عندما بدأت أغنية "توت توت" لعبد المنعم مدبولي. إلا أنا، لم أتحرك رغم إلحاحهم. قام معهم كهل أعتقد أنه زميل اللواء، قد يكون عميدا أو عقيدا مثله آنذاك، ويبدو أنه شعر بالإهانة من اشتراكه معهم بينما أنا جالس أتفرج. تركهم وجلس بجانبي وأصر على أن يعرف لماذا لم أقم معهم لنلعب لعبة القطار. لم أعرف كيف أرد عليه ولكني هززت كتفي وصمتت. جاءت زوجة اللواء اللطيفة وقالت له: "ما تسيبه بمزاجه"، وأعطتني قطعة جاتوه معظمها شيكولاته. ابتسمت وقلت بخجل أني لا أحب الشيكولاته وأفضل الكريمة. ضحكت وقبلتني وهي تقول: "أمرك يا سيدي!" وذهبت لتغيّرها بينما استمر الرجل السمج في مجادلتي قائلا: إنت بتحب تبقى "خالف تعرف"؟ نظرت إليه ولم أعرف حقا كيف أرد عليه ولماذا فهززت كتفي مرة أخرى وكدت أقوم لأنضم إلى القطار هربا منه.
في وقت متأخر من اليوم التالي ذهبت مرة أخرى ودخلت حوش العمارة. رأتني زوجة عم علي فقامت. سألتها عنه فقالت: "لا والله يا أستاذ مش هنا". قلت أني أريده لأني أبحث عن شقة. فقالت: "ما أعرفش والله". خرجت بنت صغيرة من الحجرة فضربتها وهي تعيدها إلى الداخل: "خشي يا بنت الكلب!" قلت لها:" طيب تليفونه معايا بس مش بيرد". ردت: "أنا ولا أعرف تليفونه خالص!" شكرتها ومشيت. وفكرت أنها غاضبة منه جدا، ربما يكون قد تزوج بأخرى أو يخونها أو يضربها أو بينهما خلاف كبير يدعوه لهجرها بهذا الشكل.
وأنا خارج كانت فتاة طويلة شقراء تدخل العمارة وهي تضع مفاتيح سيارتها في حقيبتها. لا تبدو شبيهة بالبنت التي أعتقد أنها كانت قصيرة وشعرها فاحم السواد. تذكرت أنها كانت متفوقة وأنها حصلت على منحة لدراسة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية وأن أخاها دخل كلية الهندسة، ربما كان اسمه أحمد أو محمد ولكن كنا نقول له ميشو. وظل هو لفترة طويلة يقول لكل من يناديه بذلك: "أنا مش ميشو. أحمد لو سمحت". أو محمد، لا أذكر. أذكر مشاهد ضعيفة الإضاءة في حديقة شاليه في الإسماعيلية، أذكر جيدا الضحكة الصاخبة للبنت، وصورة لي مع أبي أظنها من هذه الإجازة، يجلس هو على كرسي ويضع رجلا على رجل وأنا أستند إلى كرسيه وكأني أضع رجلا لى رجل وأنا واقف.
ذهبت إلى بيت أبي وسألته إن كان معه رقم آخر لعم علي وسألته عن أخبار أسرة اللواء. لم يكن هناك رقم آخر وبدأ يحكي لي أن البنت تخرجت وتعمل في بنك في دبي وأن ميشو - هكذا قال - يعمل مهندسا ولا يزال يسكن مع أبيه اللواء الذي تقاعد في مدينة نصر بعد أن تركوا شقة أرض الجمعية. ثم أضاف أني بالتأكيد أذكر إصابة الزوجة بالسرطان ووفاتها بسرعة، وأن ذلك حدث من فترة طويلة.
تذكرت أني زرت زوجته وهي مريضة مرة مع أمي، ونحن عائدين بكت أمي بكاء حارا ففكرت أنها تحبها كثيرا رغم أنهما لا يتزاوران عادة، ولم أفهم إلا عند وفاتها بعد ذلك بقليل. حاولت أن أتذكر ملامح ابنتها وابنها وهما أكبر سنا فلم أجد في ذاكرتي إلا صورا طفولية. فكرت أني لم ألحظ أبدا وجود بواب في عمارتهم، ثم تذكرت أني لم أر عم علي أبدا وأن أبي هو الذي قابله وقتها وأني أتخيله يشبه نجاح الموجي.
وأنا أقترب من العمارة في اليوم التالي في وقت متأخر أيضا انقبض قلبي وكأني رأيت وجه الزوجة في شرفة. ليست هي.
وجدت المرأة تكنس الحوش. سلمت عليها فردت بود. فكرت أنها أحسن مزاجا الليلة وأن عم علي قد عاد أو انصلحت الأمور. سألتها فسألتني: "هو مش إنت اللي جيت قبل كده يا أستاذ وسألت عليه؟". أجبتها فردت: "ما أنا قلت لك إن عم علي مشي من العمارة دي من شهور. ومش عارفين راح فين. وإحنا جينا بداله".


اللوحة لهبة خليفة

06 May 2010

لأني لن أتعلم أبدا


لا أصدق أني كدت أغلق باب ثلاجة العصائر دون أن أشتري شيئا لأني لم أجد عصير برتقال بينما كنت على وشك فقدان الوعي من هبوط ضغط الدم. لا أصدق أيضا أني اندفعت في لعب الكرة ونسيت شهيتي المنقطعة تقريبا منذ ثلاثة أشهر، وأني تناولت وجبتين قليلتين فقط في اليومين السابقين.
بدا لي أدائي مبشرا أثناء الإحماء، بالنسبة لمن لم يلعب مباراة منذ أكثر من عشر سنوات تقريبا. وفي بداية اللعب كذلك، لم أكن سيئا جدا، أعتقد أن من راقبني كان يجب أن يقول أني كنت لاعبا جيدا لا يحتاج إلا بعض الوقت.
بعض الخفة والحماسة دفعاني لربع ساعة، بعدها بدأ رأسي يدوخ . طلبت من صديقي أن يحل محلي سريعا واتجهت بأقصى سرعة تسمح بها حالتي إلى طيف ثلاجة تذكرت أني رأيته وأنا خارج من غرفة خلع الملابس. في الطريق الرملي الأحمر الذي يلف الملعب كان شباب وكهول وسيدات وفتيات يهرولون وهم يتبادلون الأحاديث بينما أهرول في إعياء أتمنى أن أصل قبل أن أفقد الوعي. كنت أفكر أني ساكون مثار سخرية لو فقدت وعيي بعد ربع ساعة فقط من اللعب، وذلك بعد أن أكون مثار شفقة حتى يعثر عليّ أصدقائي بعد أن ينتهوا من المباراة.
وصلت إلى الثلاجة وأنا أتماسك بالكاد، فتحتها وبحثت عن عصير برتقال فلم أجد. لا أحب عصير التفاح ولا الجوافة ولا ذلك الكوكتيل العجيب، وكدت أغلق باب الثلاجة. بدا لي ذلك جنونيا عندما انتبهت لكوني أبحث عن عصير البرتقال بالتحديد وأعتقد أني وجهت لنفسي أو لمزاجي سبابا ما وأنا أمد يدي ألتقط أقرب علبة عصير وأفتحها وأشربها وأنا واقف أمام الباب المشرع للثلاجة. أتبعتها بواحدة أخرى وانتبهت ساعتها أنه عصير تفاح، ثم أخذت زجاجة مياه وكدت أنسى أن أدفع للرجل الذي كان ينظر لي مندهشا بلا كلام..
جلست على حافة حوض زهور إلى جانب الطريق أتأمل المارين من رواد النادي وأستعيد توازن رأسي تدريجيا. كنت بحاجة لمسند أريح إليه ظهري، فاستندت بيدي على الطين وسط زهور الحوض لأرخي ظهري قليلا ورفعت رأسي للسماء التي لا يخدش ظلمتها كل تلك الأضواء الكاشفة في الملاعب ولا حتى البدر التام تلك الليلة. تذكرت وقوفي بجانب سور هذا النادي مساء كل خميس قبل خمس سنين أنتظر الميكروباص وظهري يئن من الجلوس على كراسي الصالون الكلاسيكية في بيت أهل خطيبتي السابقة، بعد يوم طويل من العمل بظهر منتصب أمام الكمبيوتر لعشر ساعات على الأقل، ثم الرحلة المتعبة في المترو أو في تاكسي.
خفضت بصري وتأملت "الشورت" الذي يتسع الآن لحجم قبضة يد بجانب فخذي بينما كان ضيقا جدا عليّ قبل سنة في الإجازة الأخيرة وأنا أحتفل بالذكرى الثانية لزواجي الذي أصبح سابقا أيضا.
كان وعيي يعود ومعه المزيد من تفاصيل كل تلك الأشياء السابقة التي أحاول تجاوزها ولكنها تعود لتحتل أحلامي، وتجعلني أقوم من نومي كل صباح ناسيا كم قطعت من المسافة بعيدا عنها فأبدأ من أول الحزن.
تركت نفسي أحدق في شاب وفتاة يرتديان ملابس رياضية ويجلسان على الأرض في ركن الطريق ويتبادلان حديثا ضاحكا. شغلت نفسي عني بتخيل باقي القصة التي لن أعرفها أبدا. تخيلت باق طويل مبهج وتمنيته لهما وشعرت أني أفضل حالا.
قمت وقد دب فيّ نشاط وبعض العناد وسرت إلى حيث يلعب أصدقائي المشغولين عني بالمباراة الحماسية، جلست لبعض الوقت حتى أراد أحدهم أن يرتاح فقمت بدون تفكير وأخذت مكانه.
بدوت لي مرة أخرى بحالة جيدة، وانفردت بالمرمى مرتين، وقلت لنفسي أن ذلك بسبب ذاكرتي التي تحفظ جيدا إجادتي السابقة للتحرك بدون كرة أو بسبب زهد لاعبي الفريق المنافس في مراقبتي. في النهاية أضعت هدفين بغرابة تبدو لي أليفة هذه الأيام. مازحت زملاء الفريق أني سأضيعهم هذه الليلة. كنت خجلا من لطفهم الذي يكبح لومهم المتسق أكثر مع حماستهم للفوز.
بدأ التعب يتمكن مني ثانية ولكني اقتبست بعضا من حماستهم وأنا أواجه ذلك اللاعب الذي يرتدي فانلة زرقاء. بدا وكأنه سيمرر الكرة عن يساري ولكنه غير فجأة اتجاهه ومر من يميني. كنت مندفعا ففقدت توازني وحاولت قدماي تحاشي السقوط ولكن رأسي الذي دار فجأة جعلني أتعثر وأسقط على ذراعي اليمنى. تذكرت أني مررت من حارس مرمى في حوش الأورمان الثانوية في شتاء 1996 بنفس الطريقة فسقط وضحكت جدا وأنا أضع الكرة في المرمى الخالي وأعود بهدوء وكلتا يديّ في جيبيّ وأحدهم يحتضنني وهو يهتف: وجيه! اسم شهرتي بين زملاء فصل الفائقين الذي أطلقه عليّ حسين قنديل بسبب كفيّ اللذين كانتا دائما في جيبيّ، أو واحدة منهما على الأقل، أثناء الحصص.
ابتسمت وأنا مستلق على ظهري ما زلت على الأرض وعضضت على شفتي السفلي في مزيج من الخجل والسخرية من نفسي وفكرت أني فقدت مع بعض الوزن الكثير من التوازن. قمت بعد لحظات وأنا أتحسس مكان خدش خفيف في ذراعي وارتحت لتلميح أحدهم في مرح: "ضايع"، لطفهم الصامت كان مخجلا أكثر من اللازم، قلت له ضاحكا أنه لم ير شيئا بعد.
قضيت الليلة في بيت صديق انفصل لتوه عن رفيقة سنوات طوال. ولم يخجل كلانا من الترقرق المفاجيء للدموع في العيون أثناء الحوارات المرحة أوالاستعادة المقتضبة للذكريات. نمت عنده وحلمت بأني أتناول وجبة سمك في الإسكندرية مع كل الفريق، وأعتقد أن ذلك كان على حسابي كنوع من التعويض، رغم "أننا" فزنا في النهاية.
في الحمّام صباحا وقفت أمام المرآة أتأمل الخدش في ذراعي. آلمني عندما مسته المياه الساخنة. أصابني ضيق مفاجيء وقلت لنفسي ومزاجي يكاد يتعكر ويستعيد خدوشا أخرى: لحد إمتى هاتعمل في نفسك الحاجات الغربية دي!
ولكن تذكرت فجأة أن لاعبا واحدا من الفريق الآخر كان يأكل معنا في الحلم، هو اللاعب الذي يرتدي فانلة زرقاء وسقطتُ لما مر مني. انتبهت لابتسامتي في المرآة فضحكت وأنا أتأمل الخدش الأهون والحلم الأقل مراوغة، وقلت لنفسي: قلبك أبيض، تعيش وتاخد غيرها.

30 April 2010

الخسارات


1
أضع ساقا فوق ساق أحاول أن أقنع نفسي أني هنا أعرف شيئا وأستريح في ركن أعرفه في هذا العالم الذي يحيرني ويثيرني ويقطع أنفاسي. تتساقط الجنيهات المعدنية من جيبي المائل مع ساقي المرفوعة، وتتدحرج كيفما اتفق لاستدارتها وحافتها الخشنة وتكوينات البلاط المخدوش المترّب للمقهى المكشوف. لا تعرف عيني قانون حركتها ولا تحاول إلا البحث في المساحة التي تطولها يدي مستهينة بالقدر الهين للخسارة. للمرة الثانية يقاطعني الرنين الوقح للجنيهات المعدنية يخدش ارتياحي واستهانتي. هذه المرة أقوم بطيئا وتتجاهل عيني أي محاولة للتقصي، أتحسس جيبي أتأكد أن كل الجنيهات المعدنية راحت وأجلس على راحتي.

2
فكرت أن الريح ستطوح تلك السجادة الخفيفة التي وضعتها من منتصفها على المنشر. قلت سأثبتها بعد أن أنشر كل السجاد المبلل الذي كان يطفو بالأمس فوق بركة الماء التي لفظتها مواسير ضيقة الروح فغمرت الشقة ومنحتني سببا إضافيا واهيا وغريبا للبكاء وأنا عائد آخر الليل متعبا أريد أن أستريح من معارك كثيرة خاسرة أقضي وقتي على أرضها ألملم ما تبقى وأحفظ شيئا جميلا لي من هنا أوهناك.
قد تكون الريح التي أتت بعصفورة لطيفة حطت فوق السجادة الثقيلة الجميلة التي علمت أني سأفقدها لأسباب أخرى هي نفسها الريح التي أزعجتها فطارت ولكن بعد أن التقطت لها صورة ونسيت السجادة الخفيفة التي لم أرها تسقط ولم أرها ثانية.

18 April 2010

أم رامي

كان قد بدأ يغالب النوم وهو يقود السيارة نصف النقل على الطريق الضيقة المظلمة من الجوادية إلى بلقاس ليوصلنا إلى موقف البيجو المتجه إلى القاهرة، ولكن المصوّر المحشور بيني وبينه أنعشه بسؤاله عن الراقصات.

ابتسم وقال إن الصغيرة منهما- كانتا اثنتين- تابت أكثر من مرة ورجعت، و الفرح الذي كنا فيه هو ثالث فرح لها بعد العودة من التوبة الأخيرة. أما الأكبر سنا فهي أم رامي. ضحكنا لسماع الاسم، فأكمل أن أم رامي راقصة مشهورة في المنطقة وأنها مختلفة جدا – مثل اسمها- عن باقي الراقصات.

في الفرح كانت أم رامي ترتدي بدلة حمراء ضيقة بها فتحات يبرز منها لحمها المضغوط، وعلي ثديها الأيسر وشم يبدو من بعيد كختم النسر. ورغم أن الراقصة الأصغر كانت أجمل بقوامها الملفوف المائل للامتلاء- تشيه منة شلبي في أول ظهورها- إلا أن الجمهور كان أكثر إقبالا على مشاركة أم رامي الرقص. الراقصة الأصغر- التي نسيت اسمها فعلا- لم تكن بنفس الحماسة. بينما أم رامي كانت مبتهجة بشكل يبدو حقيقيا. كانت تأخذ المايك أحيانا لتشارك في الغناء. أو لتؤدي فواصل مع الفرقة. مثلا: يهتف النوبتجي: "بنحيي الحاج أيمن" فترد أم رامي" الحاج أيمن أخلاق". "بنحيي بلقاس- بلقاس أخلاق" وهكذا.

الجمهور المتسابق على الرقص مع أم رامي ملأ المسرح، مما اضطر العريس إلى التنبيه على النوبتجي الذي أعلن أن العريس لا يريد أن يرقص أي أحد مع "البنات"- سألت وعرفت أن البنات هن الراقصات- وأضاف النوبتجي أن العريس نفسه لن يرقص مع البنات!

العريس كان وسيما وميالا للهدوء ويرفض القيام للرقص. وكان مشهدا عظيما والسيدة ذات العباءة البنفسجية تمر بين الجمهور الغارق في أنهار البيرة وسحابات الحشيش وتصعد المسرح وهي ممسكة بالصينية بيد وتقلب بالأخرى كوب شاي وتناوله للعريس، الذي قام لها شاكرا وأخذ رشفة من الشاي باستمتاع ووضعه بجانبه قبل أن يتبادل ضحكة مع عروسه التي كانت ساكنة تماما معظم الوقت مختبئة خلف مكياجها الثقيل.

قال وهو ينحرف إلى طريق أوسع: “أنا اشتريت لأم رامي كمبيوتر لأني بافهم في الحاجات دي ودخلت بيتها وركبته. أم رامي فعلا أغرب رقاصة عرفتها". كان يحكي وعيناه مفتوحتان عن آخرهما أنه وجدها في بيتها ست بيت عادية. زوجها إداري في مستشفى، وابنها شاطر في المدرسة ويفهم جيدا في الكمبيوتر. أضاف أن الراقصات الأخريات يتزوجن كثيرا لمدد قصيرة من هذا وذاك، ولكن أم رامي عندها أسرة مستقرة وزوجها هذا أول من تزوجها. سأله زميلي المصور:" وهو ما يعرفش ولا إيه إنها رقاصة؟". أجاب مستنكرا:”ما يعرفش إزاي. يعرف طبعا. كل الناس عارفة. أم رامي مشهورة".

ترك عجلة القيادة وأشاح بيده وهو يقول "مشهورة"، ثم أضاف أن أم رامي هي الراقصة الوحيدة التي يعرفها و تسكن وسط قرية بشكل مستقر بدلا من أن تختبيء في زحام مدينة بعيدة أو تتنقل بين القرى تقيم فترة مع فلان وعلان.

"لا مش بس كده. دي كمان أم رامي هي اللي بانية البيت اللي ساكنة فيه". ابتسم وهز رأسه متعجبا: "الله يمسيكي بالخير يا أم رامي" ثم انتبه إلى الانطباع الذي يتركه ذلك المسا فأردف جادا:”على فكرة أم رامي مالهاش في الغلط مش زي الباقيين".

قبل رحيلنا من الفرح صعد إلى المسرح وسلم على بعض أعضاء الفرقة وعلى أم رامي. كان مطرب ثقيل الظل قد بدأ يغني لأم كلثوم ثم يشير لأم رامي كل فترة لكي تخفف قليلا من وطأة سخافته بفاصل من الرقص وكلام تقوله بصوت أجش ولكنه مترع بالشبق. كان المايك رديئا والموسيقى صاخبة ولم أفهم من كلامها سوى عبارة واحدة كانت تكررها :"إحنا النسوان الحريفة".

16 April 2010

بتر العلاقة


صفِّ رغبتك، قطرةً، قطرةً. انس ما كان غدا.

قاوم الدمع ثوانٍ، ليأتي بأعمق ما فيك من الفقد.

ما تزرعه حبا، تحصده برقة، أوتقتلعه بعنف.


14 April 2010

05 April 2010

سعيد


سألني سعيد الحلاق أربعة عشر مرة إن كنت متزوجا.
منذ وفاة محمود عبد العزيز، الحلاق، قبيل أول العام الماضي إلى الآن، ولأني أحلق مرة في الشهر تقريبا، ولأني ذهبت دائما إلى سعيد باستثناء مرة واحدة، فإنهم فعلا أربعة عشر مرة.
يتذكر سعيد بدقة كيف أحب أن أقص شعري وكيف لا أحب أي تحديد للحيتي مفضلا ترك التناثر العشوائي للشعر يشكل حدودها، وأنني لا أحب أي نوع من الكريمات ولا الشامبو ولا البلسم ولا أي شيء من تلك المنتجات الملونة الكثيرة المرصوصة عنده، ولكنه لا يتوقف أبدا عن هذا السؤال.

من المحتمل أني لم أبد له أبدا مقنعا كمتزوج. ربما هي لهجتي تجاه الحياة، تنقصها "النضج"- أبتسم عادة أمام هذا الاستخدام للكلمة، فالناضج يؤكل - أو هو نقصان اليقين أو ربما فائض القلق. بشكل عام أنا لست مقنعا لسعيد، أي حوار بيننا ينتهي بصمت ما. كأننا ندور في مدارين منفصلين ونتبادل إشعارات الوجود وتحديد المسافة في لحظات عشوائية، نراوح بين البون الشاسع والقرب الذي يكاد ولكنه لا يكون.

أعتقد أنه من الصعب محاورة سعيد فضلا عن إقناعه لأنه بالأساس غير مكترث، غير مكترث بعمق وأصالة. لا يبدي اهتماما لا بالكرة ولا بالدين ولا بالموسيقى ولا بالأفلام ولا بالسياسة ولا بالنساء ويبدو فاترا وحازما في تعامله مع أصحابه، لا يمدح أو يتذمر من أي شيء. أمر واحد فقط يؤرقه، أنه متزوج ولا يزال مقيما في بيت أبيه. أعتقد أن هذا ما يدفعه دائما لسؤالي نفس السؤال، وإجابتي التي لم تكن أبدا مقنعة له لكي يتذكرها، كافية لكي يسألني بعد جوابي إن كانت لدي شقة أو أنني مقيم في بيت أهلي، ثم يتبع ذلك بشكوى صادقة من إقامته وزوجته عند أهله ويتمنى صادقا أن يحصل على شقة لكي ينتقل للسكن في بيت يخصه.

آخر مرة، قبل يومين، عندما سألني سعيد هذا السؤال، بدت لي الإجابة الدقيقة معقدة ولا تناسب عدم اكتراث سعيد ولا غرضه من السؤال. لذا فإني إجابتي كانت مقتضبة: لا.
لم يبد عليه أي تعبير، فقط انقطع مسار الحوار المعتاد وضاعت فرصته هذه المرة. وكان ذلك مريحا لي للحظات، ولكنه كان أسرع وصول إلى الصمت، بدا سعيد مختلفا وأنا أعلم أنه يبتلع شكواه الوحيدة من هذا العالم، ولم يعد ذلك مريحا.
أضفت مبتسما: مش متجوز لكن مش قاعد عند أهلي، عندي شقة.
نظر لي سعيد عبر المرآة وابتسم بشيء من الحرج: إيه ده! هو أنا حكيت لك؟
قلت وأنا أفكر أن ذلك قد يضع نهاية لأحد حواراتنا الأهم والأكثر استقرارا منذ عرفته: كل مرة تحكي لي، خمسة عشر مرة فقط يا سعيد !
لم أحسب بدقة ساعتها.
قهقه سعيد بعنف وتوقف عن الحلاقة، ابتعد قلبلا واستند بذراعيه على الكرسي الذي أجلس عليه وهو ينظر إلى الأرض يخفي وجهه عن المرآة ولكني رأيت احمرار أذنيه وهو يقول: لا مؤاخذة يا باشا. كادت دمعة تطفر من عيني وأنا أشاركه الضحك ولكني هززت رأسي ممتنا ومعجبا بسعيد وذاكرته الصافية إلا من همه: يخرب عقلك يا سعيد !


لا تشبه صورة جوني دب في "ماذا يقلق جيلبرت جريب" سعيد. ولكني شاهدت الفيلم بالأمس ، ويبدو لي أن شيئا مشتركا يقلقنا أنا وسعيد وجيلبرت.