04 February 2010

ذلك الأمر


خططت ليوم مشحون بلقاءات العمل. استيقظت مبكرا ونشيطا، تناولت فطوري على عجل وأنا أسمع موسيقى سريعة وأمرر عيني بخفة على عناوين الصحف كصحفي نابه يفعل كل شيء بسرعة لكي يجد وقتا أطول للكلام عن العالم.
لا شيء أفكر فيه إلا الكلام الكثير الذي سأقوله وأسمعه اليوم وأنا أفكر في الكلام الأقل الذي سأكتبه بعد أن أفكر بتمعن أكثر في بعض الكلام الكثير. لا شيء سأفكر فيه أبعد من هذا. أما ذلك الأمر الذي فكرت فيه كثيرا بالأمس وأتعبني فنمت اثنتي عشرة ساعة، فسأفكر فيه لعشر دقائق. عشر دقائق فقط وأنا منهك القوى في التاكسي آخر الليل، وسيقضى على ما تبقى مني لأضع رأسي أسرع على الوسادة وأنام.

قبل أن أغادر تأجل أول موعد. دقائق وأُلغي الثاني. ووجدت نفسي أمام نصف يوم فارغ. فكرت بسرعة في خطة بديلة، حدقت في الكتب الجديدة المتناثرة في كل مكان. حاولت بسرعة أن أستدعي كل ما يجب عليّ فعله ولا أجد الوقت. لم أجد شيئا ولا وقتا، وجدتني وحدي وذلك الأمر. ذلك الأمر الذي يلغي فجأة كل المواعيد بين اثنين ويتركهما أمام نصف حياة لا يعرفان للحظات ماذا يفعلان بها. يمكنني أن أفعل ذلك بنفسي، نفسي فقط، ولذلك أنا لست شجاعا بما يكفي لمواجهة ذلك الأمر، ولست قاسيا بما يكفي لتحمل ذلك الأمر. سيظل يغلبني البكاء، فأترك عينيّ ورأسي له حتى يأخدني منه تعب مخيف فأهرب إلى النوم.

سرت مع نفسي حتى حجرة النوم وجلست على السرير، أنا أرغب بشدة في أكون وحيدا. أنا لست منزعجا من كوني وحيدا. فقط أنا مرتعب من ذلك الأمر، فقط أنا مذعور من ذلك الأمر. لم أنزعج وأنا أجدني أقول لنفسي بصوت مسموع أنني متعب جدا، وأهز رأسي. أنا فقط أشفقت على نفسي في مواجهة ذلك الأمر،أنا فقط متعب من ذلك الأمر.
خلعت ملابسي على مهل ورميتها بتراخِ أينما اتفق ووضعت نفسي على السرير، ونمت.

14 January 2010

الشاعر يذهب إلى البحر





(1)

كل صباح ٍ
أفكر أنه الآن..



سأقوم الآن و أبدّل ملابسي
أختار كتابا
أصنع شايا و أشربه
أحشو جيبي بالنقود
و أترك ورقة لمن يهمه الأمر
على طاولة السفرة ْ



ذلك أنه في صباح ٍ عادي ٍ
في يوم عادي ّ
في منتصف الأسبوع
أكون فيه عادة في المدرّج
أستمع إلى تمثال نصفي
يشرح دورة حياة التماثيل النصفية
أو مصلوب على عمودي الفقريّ
أتأمل صنيع المخلوقات اللا مرئية
بمهندس الكوكب
سأكون عند البحر..
أبلل قدمي بالماء
و أكتبُ


كل صباحٍ ..
تذوي روحي على حافة المدرّج
أتقيأ روحي على باب المدرّج
ثم أسير فارغا بقية اليوم..


(2)

قال الشاعرُ
_ الذي يرغب في أن أكون شاعرا _
" كم شاعرا تقابل في الطريق..؟
إذن..
كم طبيبا تفكر فيه حين تسعل فجأة ؟
لا مقارنة يا صديقي
انضم إلى القبيلةِ
لا تنضم إلى الجميع... "


يقول أبي
_ الذي يفضل أن أكون طبيبا _
" الأطباء ينامون مبكرا
و يأكلون الخُضَر
الأطباء مهذبون و حليقو اللحية و وسيمون
كن طبيبا
ثم كن بعدها أي شي ء آخر... "


يقول المعنيّ بالأمر..
_الذي يفضل أن يكون نائما على ظهره الآن
يبلل رأسه الموج _ :

" دعوني الآن قليلا..."

(3)


الآن عليّ أن أذاكر شيئا
عن كرات الدم الحمراء
بينما أكتب ذلك..


كرات الدم الحمراء
التي كان من الممكن أن يخلقها الله بنفسجية ْ
فيسير الناس في الطريق
بوجنات زرقاء..
و تلمع عيونهم بضوء داكن ٍ
و ينزفون من جروحهم الصغيرة
بقعاً بنفسجية مبهجة ..


كان سيقول الشعراء :
آه يا قلوبنا البنفسجية ْ
يا شقيقات الورد البنفسجي
و كان سيكون بابا ضخما
في كتاب أمراض الدم
ذلك الذي يحكي عن كرات الدم البنفسجية..
فلا أكون الآن متوترا
من أي كرات حمراء في هذا الكون
تهرول ورائي كالذنب الصغير
صاعداً في القصيدة..



كرات الدم الحمراء
التي لو كان الناس يشترون القصائد
كعلب الدواء
المكدسة في الدرج وفوق الكومودينو
لكنت الآن
لا أعرف عنها أي شيء
ولا أود
فقط أذهب إلى البحر
أغمرُ قدمي في الماء
و أكتبُ..


(4)

حين أكتب الشعر
حين أدرك أنني أكتب الشعر
حين أفكر أنني أدرك أنني أكتب الشعر
فيندفع الضوء الأزرق
في الشعيرات الدموية الكثيفة
في رأسي ..
و أتحسس اللذة..
التي تتصاعد ُ كمنسوب النهر
إلى حافة القلب السفلى
ثم تغمره تماما


أعرفُ يقينا..
أنني قبلا لم أكن أعلمُ من اللحظة
لم ركب الله بين رئـتيّ قلبا
ثم قال : عِش ْ


وأعرف ما الذي جعل كل هؤلاء
_ كفافيس..
و ناظم حكمت..
و السيّاب.. _
يقفزون إلى عربة القطار الأخيرةِ
الذاهبة إلى البحر..


يلوحون للواقفين على الجانبين
جوار حقائبهم الثقيلة المعتمة..
يلوحون
و يصيحون...


أريد أن أذهبَ إلى البحر..
أريد أن أذهبَ إلى البحر...

(5 )


الشاعر..
هو الذي تفوته كل المحطات
ليصل إلى محطة واحدة
لم يقصدها
فيقفز إليها بغتة ْ
الراكب في القطار الخطأ
إلى المدينة الخطأ
و يلوح للناس من النافذة ْ
المتمني في روحه
لو تتحول الساعات إلى آنية للسمك
يروح و يجيء فيها الوقت بسَكِينة ْ
فلا يخاف من الفقد


الشاعرُ ..
وددت لو أقابله
سأصافحه و أشدّ على يديه
أطلب توقيعه
ثم اكتب هاتفه على راحتي
الشاعر..
الذي لا يشبه الشعراء
الذين لا يشبه كل منهم الآخر
أفكر فيه كثيرا
كلما فكرت في أحدهم
يسافر إلى الإسكندرية صباحا
بدلا من المدرّج
يبلل قدميه
و يغني..


(6)


أريد أن أذهب إلى البحر..
هذا فقط ما أطلبه من الجميع
لن يصابَ أحد بسرطان الرئة
لن تصابوا بالجذام
لست طبيبا..
فقط دعوني أذهب إلى البحر



أريد أن أذهب إلى البحر
من ديوان "عن الكائنات النظيفة"
ميريت 2010



6 ب شارع قصر النيل بجوار سينما ومسرح قصر النيل - وسط القاهرة

09 January 2010

Minor Swing


كان البحر هادئا، والقطار بطيئا ودافئا، والشوارع مبسوطة، والرفقة لطيفة وصاخبة، والوقت موسيقى.
فأنِسْت، وافتقدتُ ما أفتقد.
الإسكندرية - 8 يناير 2010


02 December 2009

ابقى راضيني


بينما كنت أتمنى أن ينقضي سريعا كابوس وجودي في الشارع في يوم عيد ما، قبل عدة سنوات، وأنا محشور في ميكروباص محشور في إشارة على الكورنيش، استمعت لأول مرة إلى أغنية "دنجا دنجا" أو "سوق بينا يا إسطى على الكورنيش ناكل درة ونشرب مانجه".
بخلاف أن لحنها كان جميلا ببساطة، فالكلمات التي تتغنى بلحظة الفسحة على الكرونيش جعلت من ضوضاء الزحام خلفية متوقعة ومتناغمة. لكن صوت المطرب أو المطربة - لم أستطع أن أحدد- كان غامضا بعض الشيء وكأنه محشور أيضا وسط الأغنية أو هكذا شعرت.




فيما بعد، وبعد أن تكرر إعجابي واستمتاعي بها، وفي الغالب كانت أيام أعياد أو مناسبات نشاط الكورنيش، بحثت عن الأغنية لأعرف أنها كات في ألبوم "هاي كواليتي 7" وأن اسم المطرب أو المطربة هو "روح الفؤاد".
لا يهم، حصلت على الأغنية من موقع ما وأصبحت أستمع إليها أحيانا. وبعد فترة ضاعت الأغنية مني وسط زحام الملفات، ثم جدد عيد ما علاقتي بها فبحثت عنها مرة أخرى فكان أن وقعت على صفحة في منتدى "سماعي" مخصصة للفنانة روح الفؤاد تقول أنها مطربة اسكندرانية وأن لها اسطوانتين سجلتا وطبعتا في ألمانيا إحداهما بعنوان "دنجا دنجا" وقام بتوزيع الأغاني لها الموسيقار هاني مهنا الذي كان منتج الاسطوانتين.
حصلت من "سماعي" على التسجيل الأصلي لأغنية "دنجا دنجا" والذي ظهر فيه بهاء صوت روح الفؤاد، وأمتعني التوزيع الذي جعل الإيقاع أقرب لخطوات مسرعة لخيل الحناطير، لا يمكن أن أتخيل ان الأسطى في الأغنية هو سائق أي شيء آخر إلا حنطور.

قبل هذا العيد تذكرت الأغنية عندما انطلقت من كاسيت التاكسي الذي كان سائقه يقلب في محتويات مشغل أغاني إلكترونية ويبدو أنه ليس ملكه، لأنه بعد انتهاء الموال ضحك ساخرا من أن تقول أغنية "ناكل درة ونشرب مانجه" وقال إنها كانت من أوائل الأغاني الهابطة. سألته عن المشكلة تحديدا في أن نغني للفسحة على الكورنيش وأكل الذرة وشرب المانجو وعما يقصده بالأغنية الهابطة. نظر لي مستغربا وبدأ يشرح أن الأغاني الهابطة هي أغاني الهيصة والأفراح والأعياد والرقص، لكن "الأغاني الحقيقية" هي أغاني أم كلثوم وعبد الحليم. وعندما سألته ماذا يحب أن يسمع في الأفراح والأعياد التفت بسرعة ضاحكا: "الأغاني الهابطة طبعا !".
ضحكت وقلت له أن هناك مقطعا في الأغنية أحب أن يسمعه معظم المصريين الذين يفتقرون الآن للطف والذوق - الخاليين من المصلحة - وأخص بالذكر "المتجاهلين" من سائقي التاكسي. انتظرنا إلى نهاية الأغنية ولكني انتبهت إلى أن بعض كوبليهات الأغنية غير موجودة في نسخة هاي كواليتي وفيها الجزء المفضل عندي الذي أقصده: "لما أندهك ابقى راضيني، وتقول لي حاضر وآديني".
أخبرته بذلك فضحك: "مالكش نصيب بقى تقول حاجة!" ابتسمت قائلا له: "طب مشّي واحدة واحدة.. مشينا دنجا دنجا".






27 November 2009

يا بني إحنا عندنا ناس متسولين !


لأسباب شخصية، ربما، يبهرني الاعتراف البسيط بارتكاب الشر مع تسميته كذلك، اللجوء إلى سلوك مع وصفه بالانحطاط بلا مواربة. يبهرني أن غريزة ما تفصح عن نفسها بلا أي محاولة للتبرير في الوعي ولا أي محاولة للتحايل على اللغة المسكونة بالأخلاق. الغضب طاقة عظيمة تفجر الصراحة وتهدر اللياقة والمجاملة والتغاضي.
أعتقد أن كل هؤلاء - اللغة والأخلاق واللياقة والمجاملة والتغاضي- كادوا أن يوقفوا الشاب الجزائري صاحب الفيديو الشهير عندما وصل إلى نقطة مهمة : "دلوقتي مع وصول التذكرة إلى 5000 دينار جزائري، اللي راح يروح السودان دول ...". يتوجب عليه هنا أن يصف وصفا غاضبا مخيفا وملوحا بالشر والانحطاط المرعب، هو لن يتراجع ولكنه تخفيفا سيعتذر عن تخليه عن التغاضي عما يعتقده من انحطاط بعض أشقائه:" يعني إخواتي الجزائريين ما يتضايقوش من هذه النقطة .. راح يروح حثالة المجتمع ! اللي ما يشتغلش، اللي أمه مش هاتبكي عليه!".
كان هذا الفيديو بالطبع قبل المباراة الفاصلة في السودان. التي أخذ "المصريون" فيها على حين غرة، في كرة القدم وفي الانحطاط. أعرب الكثيرون من المصريين على شاشات الفضائيات وفي الصحف عن أسفهم من أننا لم نتمكن من حشد انحطاطنا المقابل، "لم نحشد أبناء إمبابة وبولاق وشبرا"، "أرسلنا جمهورا مهذبا وطريا".
الشاب المصري الذي رد عليه أكد أن "حثالتهم" ليسوا شيئا مقارنة بـ"حثالتنا" ويبدو أن أمر الخمسة آلاف دينار جزائري قد استفزه فقال: "يابني إحنا عندنا ناس متسولين!". ربما يقصد لدينا مستوى خاص من الانحطاط - بحسب نفس التصنيف الطبقي الذي اعتمده الجزائري - لا يملك حتى هذه الدنانير. ولكن المشكلة أن الحكومة المصرية لم تدعم الانحطاط - ويلومها الكثيرون الآن بوضوح على ذلك- ولذلك لم يتمكن "المتسولون" من الذهاب إلى الخرطوم لمواجهة أقرانهم.
لا يبدو لي هذا التفسير كافيا. نحتاج الآن للتسليم أن "حثالتهم" أكثر انحطاطا وشراسة من "متسولينا" الذين لم يتمكنوا هنا سوى من كسر زجاج سيارة المنتخب الجزائري، وحتى هذه الواقعة مشكوك في أمرها. ولكن الواضح وضوح الشمس أن طاقة الغضب التي فجرت طاقات النخب الإعلامية والفنية والثقافية في الجانبين قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن "حثالتنا" الحقيقة هي التي تتقاضى عشرات ومئات الآلاف والملايين لكي تعبّر.
لقد كان الإعلام المصري دائما رائدا، في كل العصور والاستعمالات والأغراض. وعندما حان الوقت ظل أيضا رائدا ومبهرا، على الأقل بالنسبة لي، في اللجوء لصراحة الغضب التي تطفح بما في القلب بلا لياقة أو مجاملة أوتغاض، في "تسوله" المزيد والمزيد من الطاقة المبهرة للغضب من "الحثالة التقليدية" التي لا دنانير لديها لتذهب ولا منابر لديها لتعبّر، في تعبيره بدلا منهم وباسمهم عن الأسف لعدم التمكن من اللجوء للشر مع تسميته بذلك، واستبداله بالانحطاط مع وصفه بذلك،.
"إحنا عندنا فعلا ناس متسولين!"



الصورة لعمرو أديب ومصدرها منتدى "المصريون الآن".
الفيديو من موقع المصري اليوم من إخراج بسام مرتضى

10 November 2009

حمولة زائدة

قبل أسبوع تقريبا في طرقة قسم الفلسفة بجامعة القاهرة وجدت إعلانا عن منح بحثية في سلوفاكيا. وقفت أقرأ الإعلان، عقلي يحدثني بأنها ليست الفرصة ولا هي اللحظة، لكن مشاعري تتمنى أن أجد في فقرة ما قرارا بترحيلي قسرا من هذه المدينة.
أنا لا أعلم ما الذي قد يكون جديدا وقبيحا - زيادة - حدث الأسابيع الماضية، ولا يمكن لأحد أن يؤكد أن شيئا ما بعينه حدث، ولكن بالتأكيد هناك شيء ما. لا يمكن أن يكون بلا سبب أن يحدثني كل من أحب عشرتهم عن تفكيرهم في الهجرة وبسرعة لأن المكان لم يعد يطاق، إما بجد أو بسخرية مريرة. والبعض الآخر يخبرني من تلقاء نفسه أنه سيحتمل هذه المدينة رغم كل هذا القرف، وكأن فكرة الابتعاد قد تم طرحها مؤخرا كاستفتاء عام.
هل لذلك علاقة بأن القاهرة هذه الأسابيع بدت وكأنها ديكور مقهى شعبي يشهد تصوير مشهد مبتذل في فيلم عربي قديم، يتشاجر اثنان لسبب تافه فيهب كل اثنين ويمسكان بخناق بعضهما ولو كانا جالسين على طاولة وحدة يتبادلان الحديث الودي قبل ثوان. أحمد شوبير ومرتضى منصور، بلال فضل وفاطمة ناعوت، مدحت شلبي وعلاء صادق، مهدي عاكف ومكتب الإرشاد، الجبهات المتناحرة داخل 6 إبريل - لم أستطع إلى الآن تمييز جانبين بوضوح- رفعت السعيد وأبو العز الحريري، الناشرون والكتاب الشبان. والشابان الذين خلع كل منهما قميصه وغرس أظافره في وجه الآخر وتبادلا السباب بالآباء وأعضاء الأمهات والدين والملة وخدش صدريهما بالآلات الحادة والقذف بالحجارة من مسافة قريبة جدا أو تفتيتها بحقد على الرأس قبل أن يهدهما التعب فينطرحا على الرصيف جبنا إلى جنب للحظات ثم يرتدي كلا منهما قميصه ويمضي وهو يترنح ويتحسس جروحه ويرفع وجهه إلى السماء ألما ويغلق عينيه ويطلق سبابا مركبا يجمع عضو الأم ووصفها بالعاهرة مع سب دينها.
غيظ مكبوت وعنف بلا طائل، مساحات ضيفة ونفوس ضائقة، فظاظة في اللفظ والإيماءة، سوء ظن وانتهاك نظر، قبح منظر وعفن رائحة، إذعان بلا رضا وتسلط بلا ثقة و كبر بلا كبرياء، تجمع بلا اجتماع وافتراق لا يصنع فارقا. اعتياد على القذارة والدناءة والإساءة، أصوات نافرة ومتنافرة وخرائب متناثرة وسافرة، كلام بلا تواصل وسعي بلا وصول، أكوام بلا تراكم وأعداد بلا نظام، زحام بلا حشود وأعداء لا يعرفون بعضهم إلا ساعة مواجهة تبدأ بلا داع وتنتهي بلا معنى.
عندما وقفت مرة أخرى بعد أيام أمام لوحة الإعلانات في نفس الطرقة كان موعد التقدم لنيل المنحة السلوفاكية قد فات. اختفى إعلانها وحل مكانه إعلان منحة أخرى لهونج كونج. وأنا لن أذهب إلى هونج كونج.

31 October 2009

تحت السلم


أحاول ألا أعتاد ذلك المنظر اليومي، مدخل حجرة بواب العمارة الذي يضطره عند دخوله إلى الانحناء.
هذا ليس منظرا استثنائيا لمن يعرف تصميمات العمارات القاهرية الجديدة، حتى الفاخر منها. ولكنه فقط مجرد تجسد ظاهر للحالة غير الآدمية التي تردى إليها "الحد الأدنى" الذي يستحقه هؤلاء الذين يقبعون في أدنى سلم العرض والطلب.
حاولت بهذا التقرير ألا أنسى، وأن أسجل أن الغرفة الواحدة الضيقة فوق سطح العمارة التي تجمع أسرة البواب، قد أصبحت في العمارات القديمة في وسط البلد سكن بعض شباب المثقفين والفنانين أو الطلاب القادمين للدراسة من المحافظات الأخرى للدراسة في الجامعة. أما الحد الأدنى فقد تحول إلى جحر حقير تحت سلم. صاحبة العمارة التي أسكنها لا تفوت أي مناسبة تمكنها من تذكير الجميع أنها تضحي بهذا الجحر من أجل البواب. من المؤسف - بالنسبة لأصحاب العقارات- أنه لا يمكن ترك البواب وأسرته ينامون في الشارع. النوم في الشارع فقط هو ما يتجاوز "الحد الأدنى" إلى حد غير مقبول. ولكن مساحات الجحور جعلت البوابين وأسراتهم يعيشون فعليا في الشارع.
أثناء إعداد التقرير، انحنيت للمرة الأولى ودخلت أكثر من جحر، بعد أن وصل حواري مع أحد البوابين إلى درجة ودية تسمح أن أطلب ذلك دون أن يسبب له ذلك حرجا، وبعد أن علمت أن زوجته وأولاده بالخارج. وأثناء إعداده أيضا كدت أشتبك بالأيدي مع مجموعة بوابين. طلب أحدهم مني إبراز كارنيه الصحافة، فحاولت أن أجيب بود أنني أكتب لجريدة جديدة- كان ذلك قبل بدء صدور "الشروق"- وأنني لا أطلب منه غير أن نتحدث لدقائق إن كان يريد، ومازحته بأنه هو نفسه لا يملك كارنيه بواب! ولكنه كان عصبيا ومتشنجا وأمسك بتلابيبي وصرخ: "إنت مين إنت؟ وعاوز إيه؟" وصاح مناديا زملائه وكأنه أمسك لتوه جاسوسا.
فشل الود فعدت بسرعة إلى شرنقة "وضعي الاجتماعي" ونهرته بقوة وبعض التعالي - للأسف- وأظهرت له بطاقتي المدون فيها أنني مهندس، موضحا أنني أحاول أن أكتب لجريدة جديدة عن أحوالهم و"حقوقهم"، وكأن نصا مكتوبا للمشهد يدفعني لأن أقول "التي لا تستحقونها يا غجر!" ولكن لم أقل ذلك. كان ذلك التوضيح فيما يبدو بالغ التأثير لأنه سارع بالابتعاد عني خطوة وكذلك فعل زملاؤه الذين تجمعوا. اندهشت أن تشنجه وانفعاله اتخذا مسارات أخرى فكادت الدموع تطفر من عينه وهو يقول: "معلش يا بيه. إحنا يا ما بنشوف. إحنا تعبانين والله". وانحنى قليلا وهو يكرر اعتذاره: "حقك على راسي يا بيه".


الصورة لـ محمد الميموني

19 October 2009

إنت بتقول إيه ؟


دعوة مررها صديق إلى بريدي الإلكتروني عن ندوة مع أكاديمي عن "الهجرة الداخلية في مصر" ينظمها السيداج في المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة. كمواطن نابه وصحفي ثمين الوقت أحيانا أتصل لأتأكد من موعد الفاعليات. أكثر الأشياء التي أكرهها هي أن أتكبد عناء الرحلة عبر هذه المدينة القاهرة لأجد الموعد قد تأجل أو تم إلغاؤه.
تليفون المركز الثقافي الفرنسي يقودك لتضغط العديد من الأرقام لكي تصل إلى بغيتك، أسلوب لطيف لحفظ وقت المواطنين والموظفين. خضت الرحلة في أكثر من مسار ولم يرد أحد إلا عندما أخذت مسار طلب التعرف على نبذة عن البرنامج الثقافي. رد على أحدهم ....
- مافيش ندوة يا أستاذ
- الندوة اللي منظمها السيداج ؟
-آه، دي في مقر السيداج يا أستاذ
- متأكد
- أيوه، في مقر السيداج اللي في وسط البلد
- آه، أعرفه. شكرا، كويس إن أنا أتصلت اتأكد، في الدعوة مكتوب أنه عندكم.
- أي خدمة
أمام مقر السيداج في السادسة إلا خمس دقائق، موظف يجلس خلف زجاج يبدو عليه نوع من القوة توهمك أن صوتك لا يصل ولكن هناك فتحة ما.
- مافيش ندوة يا أستاذ
- إزاي؟ ندوة الهجرة الداخلية ؟
- مافيش أي ندوات النهاردة.
- السيداج هو اللي منظمها.
- آه، صح فيه ندوة النهاردة. لكن تقريبا في فندق مش هنا.
- فندق إيه؟
- ما أعرفش
- طيب عاوز أكلم حد يعرف.
- مافيش حد هنا. كلهم مشيوا.
- مين المسئول عن تنظيم الندوات دي؟
- نقريبا راحوا هم كمان الفندق
- فندق إيه؟
- اللي فيه الندوة
- طيب ما عندهمش تليفونات ؟
- .... ( يهز رأسه نفيا ببلاهة وهو يتفحصني بعينيه وكأنه يختبر نفسه كممثل)
- طيب، أنا هاتصل بحد يعرف
أرفع الموبايل وأتصل بصديقي الذي مرر إليّ الدعوة.أعتقد أنه يعرف أحدا هنا، صديقي لا يرد، يبدو أن مشغول. ولكن قبل أن أغلق الخط يائسا كان الموظف قد ظهر عليه القلق، وربما خاف أن أتصل بشخص يمكن أن يكون من رؤسائه، فرفع سماعة تليفونه.
- ثانية واحدة يا أستاذ
- نعم
-هاكلم السكرتيرة وهي تقول لنا الندوة فين
- ... !؟
لم يستغرق ذلك عشرين ثانية
- بتقول الندوة في المركز الفرنسي في المنيرة
- سألت هناك قالوا هنا !
يعود إليها ويخبرها، فأسمع صراخها في التليفون: الندوة في المركز ومكتوب في الدعوة إنها في المركز !
- في المركز يا أستاذ في المركز
- طيب ممكن نمرة المركز أتأكد (اتصلت أول مرة من المنزل)
يهز رأسه ثانية ويقول ببطء
- مش عندي
-...... ( أحدق فيه لثلاث ثوان)

- طيب ثانية واحدة أشوفه
يخرج دفتر ضخم يقلب فيه ويخبرني بالرقم. أسجله على هاتفي وأشكره في اقتضاب وأنا أبتعد.

أطلب المركز وأنا أحاول إيقاف تاكسي يأخذني إلى المنيرة حيث المركز
- المنيرة يا أسطى ؟
- فين في المنيرة؟
- شارع علي يوسف
- لا ، ما أعرفوش

وينطلق مسرعا !
واحد آخر ...
- المنيرة ؟
- فين ؟
- على يوسف
- تعالى
أركب وأنا أسأله :
- إنت تعرف مين على يوسف ده ؟
ينظر إلىّ ويضحك ...
- لا والله ، أعرف مكانه بس.

أواصل الضغط على الأرقام لأصل إلى "نبذة عن البرنامج الثقافي"، يرد واحد، لا أدري هل هو نفسه أم غيره، ولكن لا وقت لذلك ...
- مافيش ندوة يا أستاذ

- ندوة السيداج ؟
- في مقر السيداج يا أستاذ
- أنا لسه جاي من هناك، وبيقولوا إنه في المركز الفرنسي في المنيرة
- لا يا أستاذ، مافيش ندوة هنا

- إنت متأكد
- أيوه
-طيب أنا جاي لك !
- ..... ؟
- سلام
السائق: أكمل على المنيرة ولا إيه ؟
- أيوه
- لا إله إلا الله !

أمام بوابة الفرنسي أسأل رجل الأمن عن الندوة...
- الندوة بدأت من نص ساعة يا أستاذ
- متشكر جدا! هو مين بيرد عندكم على التليفون ؟
- (مستغربا وممتعضا) مش عارف
- طيب، هي فين الندوة ؟
يشير بيده : أول باب على الشمال.
عشرة أشخاص متناثرين في القاعة الواسعة، والأكاديمي فوق المسرح يتحدث بلهجة ريفية عن معدلات الهجرة الداخلية إلى القاهرة وخطورة ذلك ومحاولات الدولة للحد منه. يرص أرقاما وبيانات ورسومات وإحصاءات. بعد إنتهاء فقرة الأرقام، يسأله الحضور استفسارات معظمها يتعلق بعلاقة الأرقام بظواهر اجتماعية فيجيب بترديد الأرقام مرة أخرى - أو أنني لاحظت ذلك عمدا لأني متحامل. يسأله رجل يعرف نفسه بأنه سوري، لكنته فرنسية وتبدو عليه الهيبة: لماذا يستمر معدل تحول الريف إلى حضر في مصر- كما قلت- بينما توقف ذلك في معظم الدول العربية بعد عقود تحديث من أجل الحفاظ على المساحة الزراعية ؟
يصمت الدكتور لعدة ثوان وينظر إلى السوري ...
-معلش، ممكن السؤال تاني ؟
- سؤالي واضح ..
ويعيد السؤال. يصمت الدكتور وينظر هذه المرة للسقف وملامحه تتقلص ..
- أيوه، معدل الهجرة الداخلية إلى الحضر يؤثر على المساحة الزراعية.

بعد الندوة أذهب إلى الدكتور زاهدا في أي سؤال، أعرفه بنفسي وأنني صحفي وأكتفي بطلب البيانات والأرقام التي سردها في سرعة، فينظر إليّ بريبة ويعاملني كمندوب مبيعات ...
- خلينا على اتصال
- طيب ممكن رقم تليفونك؟
- ممكن تعدي عليّ بكره في الجامعة وتاخد البيانات من على الكمبيوتر
لم يكن قد أغلق الكمبيوتر أمامه بعد ...
- أنا معايا فلاش ميموري وممكن آخدها دلوقتي
ينظر إليّ مرة أخرى بريبة عظيمة
- لا عديّ علي بكره في الجامعة أنا عندي ورق مطبوع
(اللهم طوّلك يا روح)
-ممكن أعدي على الساعة كام؟
- أي وقت بعد الساعة 12 ظهرا
- تمام، لحد كام ؟
- ما تتأخرش عن الساعة 2 لأن عندي سيمينار

-طيب كويس الساعة 1 ؟
- مممم، مش عارف والله احتمال آجي على السيمنار الساعة 2 على طول
- .... ؟!
-.... !
- طيب ممكن رقم تليفونك علشان لو حبيت أستفسر عن رقم معين ؟
ينظر إليّ نفس النظرة ...
- الشريحة بايظة من يومين، ومش شايل موبايل
- ..... !
- ..... !
- طيب، سلام عليكم
- وعليكم السلام
- أنا متشكر جدا
- ..... !

يلقي إليّ بنظرة أخيرة وهو يلتفت إلى بعض الفتيات اللاتي يبدو عليهن أنهن تلميذاته، وأنا أبتعد أسمعه يسألهن: هو الراجل السوري كان عاوز يقول إيه ؟




- أعتذر لميريام فارس عن إقحامها في هذه المسائل الشخصية.

17 October 2009

البحث عن مكان للمعنى


أنا أعتبر نفسي صحفيا محظوظا بقدر كبير، فالذين التقيهم دائما أثناء انتقالي من مكان إلى آخر في عالم الصحافة هم أشخاص استثنائيين. يساعدني في ذلك أنني لم أتنقل كثيرا في الحقيقة لأن وجود استثنائيين - بالمعنى الإيجابي- في وسط تسيطر عليه الرداءة الاستثنائية - واسألوا ميزو!- هو ما لا يمكنني تفسيره بأقل من عناية إلهية.
إحدى آيات ذلك أن كان أول من التقيت هو الأستاذ أسامة عفيفي، الذي أعتقد أنه لا يوجد كثيرون مثله لديهم ما يقولونه فيما يخص "فن الصحافة". ولذلك أجد - كلما تنقلت- شبابا وكهولا يخبرونني أنهم تلاميذ "الأستاذ أسامة" ويذكرونه بالخير، في الوقت الذي أتفرج فيه دائما على نماذج متوافرة من آخرين يتطاولون في الأعمدة على حواف الصفحات بينما هم خارج الورق يتوجسون ممن تبدو عليهم أمارات الموهبة ويحاولون بكل ما أوتوا من "فن السخافة" أن يحافظوا على مكانهم بإبقاء المساحة المحيطة بهم مستنقعا خالصا إلا من كل ما هو ضحل ولزج.
لذلك كان أيضا من حسن حظي عندما توجهت إلى "البديل" قبل عامين أن عرفني صديق إلى د.محمد السيد سعيد، أثناء رئاسته للتحرير، وكانت أول معرفتي الشخصية به، وكان أول معرفتي بـ"البديل"- رحمهما الله.
كنت أسمع من الأصدقاء الباحثين والحقوقيين عن دماثة "الدكتور محمد" التي لا ينافسها إلا مكانته كمفكر وباحث وكاتب، ولذلك توقعت ما لقيت من الترحيب والإنصات إلى أفكاري واقتراحاتي ولكن لم أتوقع منه، وهو يعتذر لي لأن المزيد من المكاتب ستتوفر قريبا في غرف أخرى، أن يخبرني في أريحية وبساطة أنه يمكنني أن أقوم بعملي من خلال غرفته نفسها، وحتى وصلة الإنترنت يمكن أن نتبادلها وقت الحاجة !
كان ذلك ملهما جدا والمرء يبدأ عمله متحمسا في جريدة يسارية تريد أن تقدم بديلا. وظللت قرابة أسبوعين تقريبا أجلس يوميا معه في مكتبه، ظن البعض ممن لا يعرفني أنني من قيادات الجريدة، وقبيل انتقالي السريع من الجريدة - قبل توقفها بفترة- علمت أنني كنت محسوبا على "الإدارة" بعد أن اشتعلت في "البديل" الحرب الصامتة بين الشلل المختلفة وتردت العلاقة بين الإدارة والتحرير وصولا إلى أزمة توقف الجريدة. وذلك كان جانبا واحدا من الهوة بين القيم التي كان من المفترض أن تقوم عليها التجربة وهي قيم حملها قسم من قادة التجربة بالفعل وبين ما انتهت إليه هذه التجربة. والجوانب الأخرى من الهوة أجدها في الكلام الذي يتردد دائما في الجلسات الخاصة لكن عند الكتابة والخطابة - للتاريخ والجمهور- تجد التجربة قد تحولت إلى كلمات زاهية وناصعة، وعداها العيب إلى التاريخ والزمن الرديء الذي لا مكان فيه لجريدة محترمة أو الجمهور الذي افتقد حس المقاومة فلم يدعم التجربة.
مع النسيان ولدواعي الاستعمال، تتحول التجارب - صحف، تجمعات سياسية، منظمات- إلى أوسمة على صدور شهدائها، وبعضهم يحتاجون ذلك بشدة، ولكني لا أظن أن د. محمد في حاجة لذلك. فلا يضيره أن نتحدث عن أن أسباب بنيوية داخل "البديل" التي رأس تحريرها أو "كفاية" التي كان من أبرز أعضاء لجنتها التنسيقية، كانت سبب انهيار هذه التجارب. فهو دائما كان ممن لا يخجلون من نقد مكانه السابق وتجاربه السابقة بعد أن يلزم نفسه بالمخاطرة وارتياد الأماكن الجديدة بدلا من الارتكان إلى أماكن دافئة يبررها بعض أقرانه بأنهم باحثون ومفكرون لا ناشطون أو صحفيون.
بدا لي دائما أن محمد السيد سعيد وعبد الوهاب المسيري يمثلان نموذجا واحدا رغم اختلافهما الفكري، فكلاهما كان يضع نفسه في مكان خارج التصنيفات السائدة، ولكنهما كانا متجاوزين لحالة آخرين يسمون أنفسهم كذلك لكي يكتفوا بالمراقبة ويبتعدوا عن أي التزام أوجهد أو تجمع، وفي الوقت نفسه لا يقدمون جديدا ولا أصيلا على مستوى الفكر. فالراحلان كانا من الأنشط في مجال التعامل النقدي مع الأفكار وفي الوقت نفسه الأكثر التزاما وجهدا وأكثر ميلا للحركة مع جماعة لكي تجد الفكرة مكانا لها على الأرض.
ارتبط باسم د.محمد السيد سعيد بوصف "يساري بين الليبراليين، ليبرالي بين اليساريين" إلا أنه بوضوح كان يساريا نقديا، ناقدا لليسار نفسه في المقام الأول، لكنه لم يتراجع عن خوض مغامرة تأسيس أول جريدة يسارية يومية. لا أعتقد أنه من السهل القول أن وجوده على رأس التجربة لم يكن موفقا لأنه كان مفكرا وباحثا أكثر منه صحفيا أو إداريا، ولا يمكنني الدفاع عن العكس. ما تركه محمد السيد سعيد من جهد فكري وبحثي ومكانه في قلوب أقرانه وتلاميذه وأبناء جيله وما بعده يكفي وزيادة لحفظ مكانه ومكانته، وما يمكن أن يكون مزعجا بشأن ذلك هو أن المزيد من الاستثنائيين يجربون ويرحلون وتخلد ذكراهم ولكن قبل رحليهم تنتهي أو تتجمد التجارب الجماعية وهي التي تنفع عموم الناس أكثر وتمكث في الأرض.
خرجت من عزاء الدكتور محمد في مسجد عمر مكرم الأربعاء الماضي بعد ما بدأت القاعة تزدحم وبدأ المرور يتعطل قليلا، ربما بسبب الوجود الكثيف للأمن ترقبا لوصول شخصيات هامة وفقا لتخمين سائق التاكسي الذي ركبته. سألني السائق: عزاء من؟ أجبته. فاستفسر: وماذا كان يعمل؟ وأنا أجيبه كنت زاهدا في بعض التفاصيل التي أعتقد أنها لا تعنيه- وإن كانت تعنيني جدا وكل مهتم بالسياسة والفكر السياسي - ولكني فكرت أنه لو كانت "البديل" - أو أي تجربة أخرى - نجحت في أن تبقى حية وارتبطت ببعض من قامت لتعبر عنهم كنت سأجيبه بحماس بوصف واحد سيعني له شيئا.

23 August 2009

أن تكون فردا .. لكن ليس وحيدا



كبرق خاطف مرت "قضية هبة نجيب". الدهشة شملت الجميع: هؤلاء الذين تعجبوا مما فعلت واستنكروه، وأولئك الذين انبهروا بشجاعتها وساندوها.
ولكن الأكثر إدهاشا في رأيي، وما لا أود أن ينقضي أثر دهشته سريعا كالبرق بل أتمنى أن يظل كضوء مزعج مسلّط على الأعين المحدقة المستنكرة، هو تحديدا ما لخصته هبة في عنوان ما كتبته على مدونتها: "لماذا أريد العودة .. ببساطة لأنني أريد".

العنوان يحمل رسالة واضحة وقاطعة وجذرية لا تتوسل بظروف استثنائية سيئة ، بل تطلب الانحياز غير المشروط وهي تعلن أن هناك "فردا" يتمسك بفرديته التي تعلو على كل اعتبار آخر ويطالب بالتضامن معه في أن يحرر تلك الفردية ويحرر اختيارها باعتبارها شرطا أول للحياة غير قابل للتفاوض ولا يحتاج لمبرر .
مضمون الرسالة كان سبب الانقسام السريع بين أولئك الذين انحازوا لهبة وإعلانها عن نفسها كـ "فرد" وحقها في أن تكون كذلك، وبين هؤلاء الذين فكروا فيها كـ"ابنة" يجب أن نسمع رأي أبيها، أو فكروا فيها كـ"أنثى" يجب أن نتوجس من استقلالها بحياتها أو يجب أن نقلق عليها بأبوية ، أو ربما فكروا فيها كـ"مظلومة عادية" - مثلهم- تساءلوا مستنكرين لماذا تتذمرعلنا بينما يعانون هم ويعاني آخرون من مظالم أخرى- أشنع ربما- بينما تتمتع هي بحرية الحركة لكي تطالب بحقها أمام جهات مختلفة وبحرية الاتصال بالإنترنت لكي تطلب التضامن معها.

الأمر لا يتعلق بأن هؤلاء يدركون حقيقة ما لم يدركها أولئك، أو العكس، فالإنسان يوجد فردا كما يوجد ابنا وأخا وقاطنا بمنطقة ما محكوما بقوانينها وظروفها. ولكن يبدو لي أن الأمر متعلق بـ"الخيال". يمكن للإنسان أن يتخيل لنفسه أوصافا وأماكنا ومهاما أخرى، عقيدة أخرى وتدينا آخر، أهلا وأصدقاء آخرين، إلا كونه فردا وذاتا عاقلة مريدة. "الإرادة" ركن آخر، أن يتخيل الإنسان مصيرا لنفسه وهوية يختارها ثم يريدها ويتشبث بها. أولئك الذين انحازوا لحقها سريعا إنما انحازوا لأنفسهم ولحقهم في الفردية والخيال والإرادة على خلاف الواقع والمتاح الضيق. انحازوا لحق الصوت الواحد المنفرد أن يكون ما يريد، بينما انشغل الآخرون بتخيل حق الأصوات الأخرى في تقرير مصيرها.

الانحياز إلى "الفردية" والحق في الخيال وحرية الإرادة، لا علاقة له بإيمان مسبق بالمنظومة العالمية لحقوق الإنسان أو قيم الحداثة. بل على العكس، تثبت مثل هذه المواقف أن خيال وإرادة الأفراد والجماعات وخوضها الشجاع لمعارك من هذا النوع هو الذي يفتح الباب - إن كان هناك آخرون مستعدون لتكرار المعركة - لكي يتم إقرار الحقوق وكتابتها وتثبيتها بعد جدل وصراع وتفاوض اجتماعي. أو ليتم تفعيل الحقوق المجمدة والمسطورة نصا في الدساتير والقوانين بينما الكل مستعد لتجاهلها.

محاكمات قضايا التعذيب نشطت بعد شجاعة عماد الكبير في أن يعلن أنه تم انتهاك حقه كمتهم وتم الاعتداء عليه جنسيا وأنه يطالب بعقاب من انتهك حقه. ليخرج حق المتهم المجمد من أسر نظرة المجتمع التي تتغاضى عن كل الانتهاكات بحق "الأوباش المسجلين خطر" الذين يجب أن يعاملوا بقسوة لكي يرتدعوا. تشبث عماد الكبير بفكرة أرادها: "أنه فرد له حقوق حتى لو كان مجرما مدانا"، وكان ذلك خيالا وإرادة أخرجا القواعد القانونية المجمدة إلى العمل.

قضايا التحرش الجنسي، احتاجت لشجاعة نهى رشدي لكي تخرج من أسر نظرة المجتمع التي تدفع الفتاة لأن تخجل من نفسها لو تم التحرش بها. خيال وإرادة نهى دفعاها لكي تتجاهل السيناريوهات النمطية لمثل هذه المواقف وتتشبث بفكرة أن تسوق من تحرش بها إلى الشرطة لتضع النظام القانوني في موقف يبحث فيه عن نصوص تصلح لمحاكمة هذه الجريمة بينما لا ينص إلا على عقوبات لهتك العرض.

الحقوق والقوانين "الحية الفاعلة" ليست تلك التي يتم الاتفاق عليها في قاعات كليات الحقوق أو يقترحها المفكرون في مقالات، بل التي يخوض من أجلها الأفراد والجماعات الصراع والجدل بخيال وإرادة لتجاوز الواقع إلى غيره.

حالات عماد الكبير ونهى رشدي وهبة نجيب، كانت مشكلة فرد، وكان ممكنا أن يتحول كل منهم إلى "حالة متشابهة" وسط حالات: متهم يتم تعذيبه فيسكت، فتاة يتم التحرش بها فتسكت، فتاة تكره على اختيار مكان لحياتها لا تريده فتتكيف. ولكن كل منهم آمن بفرديته وحقه في أن يريد شيئا آخر. وبالإضافة إلى ذلك هذه الفردية التي جعلت من نفسها قضية عامة وخرجت إلى ساحة الجدل في المجتمع، لم تكن فردية وحيدة، بل كانت وسط جماعة وبعد معركتها فتحت الطريق إلى آخرين يريدون أن يسلكوا نفس الطريق.

من حسن حظنا أننا أبناء هذه اللحظة في التاريخ، حيث يتيح التواصل السهل للفرد أن يجد مساحات واسعة أمامه لكي يعمل خياله ويختار أن يكون شيئا آخر غير الذي يفرضه عليه المكان والأهل والمحيط الاجتماعي، بل ويختار أن يكون مع هؤلاء الأفراد أو هذه الجماعة أو تلك ويرتبط معهم بصلات مختلفة أو يطلب مساعدتهم ومساندتهم. عماد الكبير خاض معركته وسط قانويين وصحفيين ومدونين. ونهى رشدي كانت محور تضامن نساء لم يعرفنها ولا سمعن عنها قبلا ولكن فقط لأنها عبرت عنهن. والمتضامنون مع هبة نجيب إما كانوا من عرفوها من مدونتها أو من عرفوها على البعد وتواصلوا معها تضامنا مع حقها، بينما لم تلتق بمعظمهم وربما لن تلتقي.

هذه اللحظة مناسبة جدا لأن نسخر من هؤلاء الذي صدعونا بتأثير وسائل الاتصال الحديثة على التواصل والاجتماع الإنساني الحميم. في الواقع لم تفعل وسائل الاتصال هذه، على رٍأسها الانترنت بالطبع، إلا إنها أتاحت مساحات بديلة للأفراد لكي يجدوا فيها أقرانا لهم وروابط اجتماعية وجماعات اهتمام غير التي كانت متاحة وفق الظروف والإمكانات المحدودة. لا تؤثر هذه المساحات الجديدة إلا على الروابط الاجتماعية الهشة التي لا سند لها إلا الادعاء أو الإكراه. فبديلها يصبح بمرور الوقت أقوى وأقرب: أن تكون فردا ولكن ليس وحيدا.


نشر في "ولاد البلد".
اللوحة لهنري ماتيس.