21 April 2013

حقدنا أكبر من حريتنا

قبل أسبوع تقريبًا حكم قاضٍ أمريكي على مقاتل أمريكي سابق في صفوف المارينز بالسجن 20 عامًا وبتعويض قدره 1.4 مليون دولار، لإدانته بارتكاب محاولة إحراق سجاد مسجد في ولاية أوهايو، بعد أن اقتحمه بدافع الانتقام للجنود الأمريكيين الذين قتلوا وأصيبوا على يد مسلمين، كما قال المحكوم عليه راندي لين في اعترافاته، ولكن القاضي رد على مبرراته في ديباجة الحكم قائلاً إن «مرتكبي جرائم الكراهية من أمثاله يريدون أن يدمروا ما هو أبعد من المباني، إنهم يستهدفون نمط حياتنا... لأن حريتنا أكبر من حقد هذا الرجل».
العبارة الأخيرة لن تجد لها مثيلاً في ديباجة حكم من محكمة مصرية على أحد المعتدين على الكنائس أو حتى المساجد ذات الأضرحة التي تعرّض بعضها للاعتداء والحرق، بل والهدم الجزئي والكامل، لأنك لن تجد أصلاً أي حكم أو إدانة في معظم القضايا.
المعتدون على الكنائس بشكل خاص بدافع الكراهية الدينية يتم تفهم حقدهم في جلسات صلح عرفية كانت تتم تحت رعاية جهاز أمن الدولة ورموز الحزب الوطني سابقًا، والآن تتم برعاية وفود من الأزهر والكنيسة ومشايخ السلفيين والإخوان، بينما السلطة تواصل الإنكار مثل سابقتها ويواصل القيادي الإخواني محمد مرسي عادة إخوانه في الكذب حتى مساء أمس في حواره مع قناة الجزيرة، مؤكدًا أن ما يقال عنه «أحداث طائفية» هي مشاجرات عادية وليست طائفية.
وكأن العادي في إثر جريمة يرتكبها مصري مسيحي أو في إثر مشاجرة بين مسلم ومسيحي أن ينتهي الأمر إلى اعتداء وانتقام طائفي من سائر المسيحيين في محيط المكان ومكان عبادتهم الذي لا علاقة له بالمشاجرة أو الجريمة، ماذا يمكن أن تكون الطائفية غير ذلك؟
ولكن يبدو أن القيادي الإخواني محمد مرسي وفريقه الرئاسي وهم يمزجون الكذب بالجهل يضيفون إليه الصفاقة وهم يغضون البصر عن الحال المتردية للحرية الدينية ويضيفون المزيد من الحقد والكراهية الدينية إلى المجتمع.
قبل أيام صرح متحدث باسم الرئاسة "أن مصر ستظل سنيّة". ليس لدي شك في أن عضو الفريق الرئاسي الفاشل لا يعلم هو ولا رئيسه شيئًا عن حدود مهماتهم التي لا تشمل تقرير مستقبل عقائد أهل مصر، ولكني متفهم أنه ورئيسه وجماعته في سبيل التخفيف من حقد حلفائهم السلفيين بخصوص عودة السياحة الإيرانية اضطروا لتطمين الحقد الكبير في قلوبهم ببعض الكلام الفارغ.
تفهّم حقد المعتدين على الكنائس وطمأنة حقد المحرضين ضد الشيعة هو سلوك سياسي متسق مع حقيقة أن حقدنا أكبر من حريتنا.
حريتنا في مجال الدين لا تكاد تظهر أصلًا، وإن أردنا التحدث عن الحرية الدينية في مصر يمكننا أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم .. لا توجد حرية دينية في مصر.
في مصر هناك خيارات محددة فيما يخص الدين: أن تكون مسلمًا سُنِّيًّا أو مسيحيًّا (أرثوذكسيًّا أو كاثوليكيًّا أو بروتستانتيًّا) أو يهوديًّا، لكي تسمح لك الدولة– نظريًّا - بحرية ممارسة الشعائر.
ولكن بالطبع لست حرًا في أن تكون مسيحيًا أو يهوديًا أو مسلمًا غير سُني وتفكر في ممارسة حريتك الدينية في مساواة مع المسلم السُّني. باقي أهل الذمة من الطوائف غير المسلمين السُّنة لا يمكنهم بناء دار عبادة إلا بموافقة الخليفة وفق الخط الهمايوني الصادر سنة 1856م من الخليفة العثماني. وهو بالمناسبة يشبه أفضل دستور شهدته البشرية في أنه ينص على مساواة كل رعايا الدولة العثمانية في الحقوق والواجبات، وفي التفاصيل يمارس التمييز ويرهن بناء أي دار عبادة– غير المساجد بالطبع - بترخيص من الخليفة.
ولأننا فيما يبدو لم نتجاوز في المجال الديني حتى هذه اللحظة حالة الطوائف الخاضعة للخلافة الإسلامية السُّنيّة فإن رئيس الجمهورية يتولى إلى الآن سلطة الموافقة على تراخيص دور العبادة بدلًا من الخليفة، حتى صدور تشريع يسمح ببناء دور العبادة أو عودة الخلافة أيهما أقرب.
وحتى لو كنت مسلمًا سُنيًّا تنتمي لفكر مجموعة لا تحبها وزارة الأوقاف ولا تراها فكرًا إسلاميًا صحيحًا وسطيًا، لا يمكنك أن تتخذ مسجدًا ولا أن تمارس فيه الخطابة أو الدعوة وإلا وقعت تحت طائلة القانون وربما تعرضت للحبس والغرامة.
الخلاصة: لا توجد  - بالمعنى القانوني - حرية دينية في مصر لا للمسلمين ولا لغيرهم.
ولكن يوجد وضع سلطوي وتقييدي يمكن للسلطة استخدامه ضد كل واحد أو مجموعة ويمكنها أن تتجاهل هذا أو ذاك.
وهذا الوضع مثالي بالتأكيد، لكي يمارس القوي حريته استنادًا لقوته – وليس لحقه وحريته– ولكي يظل الأضعف والمختلف تحت تهديد عسف السلطة أو حقد الذين يكرهون الاختلاف أو يكرهون سائر البشر، أيهما أكبر.
الوضع القانوني لحرية الدين في مصر وضع مثالي، لكي يقف عليه الحقد الطائفي ويهاجم كنيسة تنتظر عشرات السنين ترخيصًا من رئيس الجمهورية شخصيًا ، أو يهاجم شقة يجتمع فيها بعض الشيعة أو بعض البهائيين أو مسلمون يتم اتهامهم بأنهم «قرآنيون».
الكراهية الطائفية هي الصديق الصدوق للسلطوية الإسلامية. السلطويون الإسلاميون، الذين يحيلون كل مفرق سياسي إلى معركة بين «الإسلام» وكارهيه، لا يمكنهم أن يتخلوا عن الكراهية الطائفية كحليف انتخابي. هي «البلطجي» الذي يعمل في خدمتهم في أوقات الأزمات. البلطجي الذي لا يمكن أن يتنكروا له ولفضله، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يفخروا به أو يشيدوا بأفضاله، ولكن رد الجميل والحفاظ على حبل الود والتعاون يكون بالستر الجميل وإنكار وجود هذا البلطجي وأفعاله، لكي يستقر هناك في أمان في انتظار استثمار الكراهية الطائفية في تأييد قرار سلطوي جديد أو غزوة صناديق مقبلة.

نشر في المصري اليوم بتاريخ 21 ابريل 2013

17 April 2013

وجوه محمد يسري سلامة وإخوانه

الصورة لـ«سامح مشالي»
في الأيام الأخيرة التي سبقت الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة كدت أصاب بالتسمم. كان سباقا محموما على الظهور التليفزيوني قد بدأ بين البؤس والتعاسة ممثلين في مرسي وشفيق.
كانت الرؤية المتكررة المكثفة لوجهيهما أسوأ أثرا على نفسي من انهماك الناس في تحديد أيهما أقل سوءا.
الظهور المكثف لمرسي منفردا أيضا لا يزال مثيرا للغثيان ومسببا لآثار جانبية سيئة، رغم محاولاته تشتيت انتباهنا عن طريق أصابعه الكثيرة الحقيقية والمتخيّلة، ورغم محاولات باسم يوسف الأسبوعية لصنع ملهاة مسليّة من المأساة المخجلة.
ولأن الحرص على سلامتنا النفسية ضرورة أنصح من حين لآخر أن يكون هدفا لنا أن نتعرض لوجوه قد تعني لنا شيئا أجمل وألطف من رؤية وجوه البؤس التي تتسلط على واقعنا.
ولذلك فإني مدين بالكثير من اللحظات الجميلة لرفاق الثورة الذين أبدعوا الأعلام البيضاء الضخمة الجميلة لوجوه الشهداء: خالد سعيد، سيد بلال، عماد عفت، مينا دانيال، أنس، جيكا. ومؤخرا: الحسيني أبو ضيف.
رأيت العلم الذي يحمل وجه الحسيني أبو ضيف لأول مرة أمام محكمة المنشية في الإسكندرية السبت الماضي في الوقفة التضامنية مع حسن مصطفى، المحكوم عليه بالحبس سنتين لأن يده طالت وجه وكيل نيابة فيما زعموا.
ولكنني مدين أكثر لوجوه رفاق الثورة أنفسهم الذين مازالوا على قيد الحياة والثورة، وأتوا من كل محافظات مصر ليجددوا الولاء لحرية وكرامة الجميع وكل واحد منهم، ويرفعوا الأعلام التي تحمل وجوه الذين فارقوا عالمنا على طريق الحرية والكرامة والعدل، لكي لا تسر الناظرين ممن فارقوا طريق الحرية والكرامة والعدل، ولكن لا يزالون يعكرون عالمنا.
ابتسمت لمرأى وجه الراحل محمد يسري سلامة معنا هناك أمام محكمة المنشية. تخيله أحبابه لو كان حيا لكان معنا أمام المحكمة وليس مع المجموعات التي توزّع مطويات كراهية الشيعة في شوارع الإسكندرية. فصنعوا من وجهه قناعا ورقيا ارتدوه ورفعوه.
منذ رحيل يسري سلامة وأنا أفكر في مراجعة مقالاته وما كتبه. كان انطباعي دائما أنه معلّق في منطقة تفكير وحيرة يعبر عنها في مقالاته التي لم يعجبني معظمها أو أستوعب ما ترمي إليه بوضوح.
ولكني الآن على ضوء ذلك الحب والامتنان الذي أظهره كل من شاركوا وداعه أعرف أن تجربته وحضوره الشخصي في ساحات ثورة لم أشهدها في الإسكندرية ووسط أعضاء حزب الدستور هي أشياء أكثر دلالة من الكلمات والمقالات. لها نفس الدلالة التي لوجوه رفاق الثورة المؤتنسين بأخوتهم الجديدة التي يصنعونها بحضورهم الجسدي وسط وجوه الشهداء على الأعلام البيضاء الشفيفة المرفرفة حولهم.
تذكرت ما قاله محمد يسري سلامة في أحد مقالاته عن الشد والجذب بينه وبين صديق مسيحي بسبب عدم اهتمام سلامة بالاحتجاج على ما حدث لمسيرة ماسبيرو. وكان أجمل ما في المقال اعترافه بالشد والجذب بين رفيق الثورة المسيحي - بدلا من الإنكار الذي يغطي واقعنا القبيح بأغلفة الوحدة المزيفة – بل اعترافه بأن صديقه المسيحي «كان معه كل الحق». نادرا ما يقول الناس في مقالاتهم تلك العبارة.
إعلان سلامة عدم ارتياحه لاحتجاج الأقباط وحدهم بشعارات مسيحية – الذي وضعه قيد التفكير – كان قرين إعلانه رفض تظاهر الإخوان والسلفيين وحدهم تحت شعارات إسلامية، وليس كالسلطويين الطائفيين الذين دافعوا عن استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات وبعد أيام انتقدوا المسيحيين لأنهم ليسوا كمسيحيي السويد يمكنهم أن يحتجوا ضد اعتداءات طائفية عليهم تحت شعارات وطنية علمانية.
ربما لهذا كانت رحلة سلامة من حزب النور لحزب الدستور إعلانا عن سلفي يقرر خوض مغامرة أن تكون مسلما سلفيا، ولكن تضع تحت مجهر التفكير والتجريب والتساؤل التراث الممتد للتفكير السلطوي الطائفي المرتبط بالتدين السلفي. يمكنك أن تكون سلفيا، متشددا أو متطرفا  - كما يقال – ولكن ذلك اختيارك لنفسك، أما الآخرون فلهم اختيارهم، وأنت وهم شركاء هذه اللحظة وهذا المكان.
وجه سلامة الذي أراه صورة بروفايل في صفحات أصدقاء مسيحيين ومسلمين وغير متدينين هو إعلان آخر أن هذا الاستقطاب وهذه المعركة التي تجري الآن ليست بين أنصار الدين وآخرين، ولكنها بين أنصار تفكير سلطوي طائفي وآخرين. تشبثهم بصورة سلامة ليس كيدا للسلطويين الإسلاميين – الذين هزّهم ذلك وكان واضحا في تعامل بعضهم مع رحيله – ولكنه كان احتفاء بالأخوة الجديدة التي بدأت تتشكل في ساحات الثورة.
ظهور زوجته كان ملمحا آخر بدا لي بالغ الدلالة، وكان أيضا سببا في تخبط أبلغ في ردود فعل السلطويين الإسلاميين. فالزوجة التي تحدثت عن خلافها في الرأي مع زوجها في مسألة "الحجاب" واحترامه لحريتها في عدم ارتداء غطاء الرأس، كانت صدمة للسلفيين، الذين أعتقد أن معظمهم لا تزال لديه مسألة سلطة الرجل على المرأة من قبيل الثوابت الأهم - راجع "لو كفر زوجها كفرت معه" - ومسألة جسد المرأة وما ترتديه هي عندهم أهم ما نزلت من أجله الأديان والرسالات والأنبياء.
تخلي سلامة السلفي عن الجانب السلطوي في علاقته بزوجته واحترامه لحريتها كانا صدمة بالغة لمن يعتنقون السلطوية مع وراثتهم للإسلام، وكانا استثناء فريدا ودالا على أصالة ما يحاول أن يختبره ذلك الرجل ويعلن انحيازه له.
يعتقد فيلسوف يهودي اسمه إيمانويل ليفيناس أن تجربة "وجه الآخر" هي التجربة المؤسسة لفكرة «الأخلاق». ذلك الوجه المحدق فيك عندما تحدق فيه هو ما يخبرك أن هذا الآخر هو مثلك تماما. وأن ما بينكما هو علاقة نديّة والتزام متبادل.
من لم ينزل بجسده وقلبه في ساحات الثورة ويتعلم ذلك المعنى: «أنه واحد وأن الآخر مثله وأخوه»، لم يتعلم شيئا غالبا، وعاد إلى بيته محتفظا بعقيدته الطائفية وفخره بكثرة «إخوانه» من نفس الدين والطائفة والتنظيم، وعاد مخلصا لمشاريع سيادة العالم كما تخبره الكتب التي على رف مكتبه أو كما أخبره شيخه.
أما الشيخ محمد يسري سلامة فقد تعلم شيئا واختبره وأعلن انحيازه لما ذاق وعرف، وعبّر عن حيرته وتحيّره أمام بعض ما ورثه من أفكار لم يجد حلاوتها في وجوه الآخرين. 

10 April 2013

الهلال المعقوف

كان بجواري في المدرسة ذلك الزميل المولع برسم الصليب المعقوف النازي على الدكّة الخشبية وعلى غلاف كراسته وعلى الجدران وفي أوقات متطرفة كان يفعل ذلك على قفا الزميل الذي يجلس أمامنا.
لم يكن ذلك زميلا بعينه، ولكن كان هناك دائما ذلك الزميل، مهما تنقلت بين الفصول والمدارس والمراحل الدراسية. وعندما سألت آخرين أجابوني بأنهم كانوا يجدون دائما ذلك الزميل المولع بالصليب المعقوف النازي.
بدأ وجود ذلك الزميل يتقلص مع التقدم في العمر ودخول المرحلة الجامعية، ولكن يحل محله أحيانا الاهتمام الكبير بسيرة حياة هتلر وكتابه «كفاحي». ويبدو لي أنه ليس خاليا من الدلالة وجود ذلك الكتاب دائما على الأرصفة كأحد أكثر الكتب شعبية ومبيعا. وإذا كانت المرحلة العمرية تقلل من احتمال أن تجد زميلا مهتما برسم الصليب المعقوف النازي في كل مكان فإنك لن تعدم هؤلاء الذين يكنون احتراما ما لهتلر ورغبته في نهضة قومية للألمان تقوم على نقائهم العنصري، كما أن هناك احتراما خاصا بعدائه لليهود واضطهاده لهم في إطار احتقاره لأشكال مختلفة من المختلفين: الشيوعيين والسلافيين والمثليين جنسيا والغجر والمعاقين.
كانت تلك التعبيرات عندي لا تفسر إلا في إطار رغبة الزميل الصبي في المراحل المتقدمة من العمر من إظهار قدر تمرده وبلطجته واعتزازه بهويته واحتقاره للآخرين وهويتهم، وأن فتوته وقوته تجعلانه أميل لتأييد أفكار تنادي بكل صراحة بإبادة الأعداء وقهر المختلفين.
ومع التقدم في العمر تبدأ بعض ملامح الاعتزاز بالهوية واحتقار هوية الآخرين والرغبة في البلطجة عليهم تمتزج بعوامل فكرية دينية ووطنية وقومية سائدة ومنتشرة بيننا كالماء والهواء.
 ويبدو إعلان احترام هتلر كتعبير عن معاداة الميل الغالب في عصرنا للتفكير في السياسة من منطلق مفاهيم مثل الديمقراطية والحريات والحقوق الإنسان. وبتأييد هتلر  يقف ذلك الزميل على أرضية متمردة – من وجهة نظره – على هذه الأفكار، ويعلن أن هذا العالم لا مكان فيه للمبادئ المثالية، وأنه يتعين على الإنسان أن يصير وحشا لكي يكون محترما بين الوحوش. وأنه في سبيل نهضة «ديننا» أو «وطننا» أو «قوميتنا» يجب علينا أن ندوس على «قلبنا» وعلى الأفكار المخنثة لاحترام المختلفين والضعفاء وأن نسعى للوحدة التي هي قرين القوة، وعلى الأضعف والأقل أن يخضع للأقوى والأكثر، وهذه هي سنة الحياة.
الصليب المعقوف تاريخيا لا علاقة له بالمسيحية، وعمره يمتد لقرابة 3000 عام قبل ميلاد المسيح، وهو رمز منتشر في الثقافات الهندوسية والبوذية وغيرها. ويرمز في الأغلب إلى «الحظ السعيد» أو «الخير».  وهناك تطورات في استخدامه في أوروبا في القرن العشرين ربطته بالاعتزاز بالعرق الآري، وكان ذلك فيما يبدو السبب في اتخاذه كشعار للحزب النازي في ألمانيا كدلالة على الكبرياء القومي القائم على العرق الآري الذي ينحدر منه معظم الشعب الألماني ويجعله خير عرق أخرج للناس.
الكبرياء القومي المستندة لهوية عادة ما يجد نفسه أمام مشكلة عدم النقاء، ومشكلة وجود أناس مختلفين. الهوية الصافية خرافة غالبا والواقع قاس ومليء بالانحراف والتشتت. ولذلك فإنه على ما يبدو فإن أي دفاع عن كبرياء قومي يقترن أو ينجرف لشكل من أشكال البلطجة القومية الداخلية على هذه العناصر التي تهدد النقاء والتجانس وبالتالي تهدد الوحدة والقوة، وهو ما يهدد بدوره مشروع البلطجة القومية الخارجية، أي مشروعات التوسع وبناء الإمبراطوريات لخدمة العرق الجيد صاحب الهوية الأفضل التي تعلو على باقي الهويات.
تلك العناصر التي تمثل اختلافا عن «هوية عامة» مفترضة هي مصدر قوتنا وعزتنا «المفترضة أيضا»، ويمكن ربطها دائما بـ«الخارج» ومخططاته من أجل التفكيك والتقسيم.
ومن أجل ألا ييدو العرق الخيّر معتديا فإنه يمكن الاستناد إلى روايات أو أحداث أو شخصيات تدعم هذا الربط أو هذا الافتراض أو اعتبار بعض آرائهم وأفكارهم خيانة أو عداء للهوية التي يجب أن تكون عليها الجماعة، لولا وجود هؤلاء المختلفين للأسف الشديد.
لا أدري تحديدا علاقة صالح ومصطفى وحمّو وبكار والشبح وبصلة وزتونة بكل ما سبق من الأفكار وهم يرسمون صليبا معقوفا بجانب أسمائهم على جدار معهد أزهري في قرية الخصوص. ربما كان التلاقح الثقافي المستمر مع الهندوسية أو البوذية يجعل الصليب المعقوف ما زال مجرد علامة بريئة للحظ السعيد والخير، وربما كانت روح البلطجة الصبيانية لأولاد المدارس أو ربما كانوا مجموعة من «النازيين الجدد».
ولكن الأهم بالنسبة لي هو التساؤل إن كان ذلك يعد دليلا أكيدا على استمرار وجود «الزميل النازي» بين طلبة المدارس مع استمرار نفس الأفكار المتناثرة في ثقافتنا الدينية والوطنية والقومية التي تشجع مثل هذا النوع من الأفكار الجميلة، أم أن سوء التفاهم البسيط، الذي وقع هناك وجعل الكثيرين يرددون وما زالوا يرددون أن ذلك الصليب كان إهانة للإسلام يعني أن الصليب المعقوف أصبح شكله غريبا بين العديد من المصريين، بينما هم أنفسهم تتلبسهم روحه السمحة وطموحه النبيل المندفع إلى الغاية دون تأخير إلى درجة نسيان أن من رسم الصليب لإهانة الإسلام  إما ولد اسمه صالح أو ولد آخر اسمه أحمد وبيدلعوه يقولوا له يا حمّو.

04 April 2013

الأزهر مسموما

هل نحتاج لتسمم مئات الناس لكي ننتبه أن السياسة عالقة في المربع الأول؟
وحتى عندما تتهدد أرواح الناس، لا يبدأ التساؤل عن مدى التفاوت بين ما ينفق من أجل الحرص على صحة الرئيس أو شيخ الأزهر وبين ما ينفق من أجل ضمان صحة مجند أو طالب مغترب في المدينة الجامعية أو أمان تنقل طالبات معهد أزهري (الأزهر أيضا كان حاضرا في حادث قطار أسيوط).
 لماذا لا نتساءل عن ذلك؟ لأن ذلك هو «النظام». ما لا يتم التساؤل بشأنه بصوت عال هو «النظام» المتفق عليه أو الذي يقنع به الناس ويخضعون له أو ييأسون من تغييره.
لماذا يبدو ذلك «النظام» بعيدا جدا عن أيدينا. لأن المربع الأول الذي يضم متاريس «النظام» لا يزال هو نفسه وإن تغير الرجال وأحيانا لم يتغيروا.
احتجاجاتنا لا تزال أمام هذه المتاريس في المربع الأول كل مرة. ويتوقف النقاش عند: هل ذلك يمس شرعية الرئيس أو شيخ الأزهر؟ وفي الواقع أن كليهما واقف في مواجهتنا خلف متاريس المربع الأول.
القيادي الإخواني محمد مرسي الساكن في قصر الاتحادية قصته الآن على كل لسان وفضيحته بجلاجل.  ولكن شيخ الأزهر هو البعيد غالبا عن مرمى الجلاجل لأسباب كثيرة.
 ولكنه متورط في نفس المربع. مربع الحفاظ على سلطته وعلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه تحت لافتات «التغيير». وهذه فرصة جيدة لنتكلم عن معنى «الاستقلال» بعيدا عن رنين الكلمة.
الطيب في مواجهة الدعوة إلى استقلال الأزهر أجرى حوارات مع بعض الائتلافات الأزهرية، ولكنه أعد تعديلات قانون الأزهر في يناير2012  بالتشاور مع المجلس العسكري وحكومة الجنزوري وأصدرها المجلس العسكري وقت توليه سلطة التشريع قبل انعقاد البرلمان الذي بدأ عمله بعدها بأيام. قطع  ذلك الطريق على تيارات البرلمان وعلى الجدل المجتمعي من المساس بـ«مؤسسة الأزهر» وأيضا «قيادات الأزهر».
ولكن الطريق الذي تم قطعه هذه المرة لا يزال موجودا ومفتوحا لمرات أخرى، راجعوا فيديو برهامي وهو يشرح فقه الانتهازية السياسية في أفضل دستورعرفه العالم. لا يزال البرلمان يضع قانون تنظيم الأزهر ( أي استقلال؟) والرئيس يجب أن يوافق على تعيين أعضاء هيئة كبار العلماء بعد اقتراح وعرض من شيخ الأزهر بحكم القانون ( أي استقلال؟).
 ولكن في المرة الأولى لاختيار الهيئة، حصّن الطيب نفسه ونخبته القريبة عندما جعل لنفسه الحق، وفق القانون الذي شارك في إعداده، أن يختار هو كل أعضاء هيئة كبار العلماء. ولكن من أجل «منظر الاستقلال» أمر بتشكيل لجنة اختارها هو لكي تختار هيئة كبار العلماء.
امتعض الإخوان والسلفيون من متاريس أحمد الطيب لتحصين نفسه ورفاقه في قانون الأزهر، ومنحهم فقط تمثيلا شرفيا بوجود القرضاوي ورئيس الجمعية الشرعية في الهيئة. إلا أنهم أدركوا بعد مقلب الدستورية وحل البرلمان أنهم بحاجة لمؤسسة لكي تكون «متراسا» للمرجعية الدينية في مواجهة المحكمة الدستورية التي تحمي حريات المواطنين ومساواتهم. لأن العقدة هي في استخدام «الشريعة» لتشريع ما ينتقص من الحريات والحقوق أو يخل بالمساواة. ولذلك كان الإصرار على النص على مرجعية هيئة كبار العلماء في الأزهر فيما يخص الشريعة. (تيجي إنت بقى يا عدو الإخوان يا جميل تدافع عن مرجعية الأزهر ضد الأخونة!)
رغم كل أزماته الوجودية، فإن هاملت صلاح أبو إسماعيل كان من القلائل الذين رفضوا المشاركة في مهرجانات وثائق الأزهر مطالبا بالتمييز بين مؤسسة الأزهر وبين قيادتها الحالية، وكانت ملاحظته الجيدة أن هيئات أوسع مثل «مجمع البحوث الإسلامية» تعبر عن الأزهر أكثر من مكتب شيخ الأزهر الذي يدير لعبة التوازنات السياسية التي تدور في نفس المربع.
يمكننا أن نأخذ بنصيحة أبو إسماعيل، وبدلا من أن نتحدث عن «وسطية الأزهر» لنتحدث عن وسطية «قيادات الأزهر» التي أشرف الأمن على «فلترتها» لعقود لكي تمنع وصول الإخوان والسلفيين إليها.
 يمكن ساعتها أن نتحدث عن «تواؤم» لا «اعتدال». ولكن لكي نعرف الميل العام لأبناء المؤسسة الأزهرية. نحتاج لبحث كم عالما أزهريا في «الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح» الذراع الدعوية لتيارات السلطوية الإسلامية. وسيكون مفيدا أيضا أن نتأمل نتائج انتخابات الاتحادات الطلابية في الأزهر. التي اكتسحها بالكامل طلاب الإخوان المسلمين مع منافسة محدودة من طلاب الدعوة السلفية. أين الطلاب «الوسطيون» الذين يدرسون في الأزهر؟
يمكنك تخيل مستقبل مؤسسة الأزهر أو مستقبل قيادات مؤسسة الأزهر وهم يتواءمون مع «السلطة الجديدة». بعض أعضاء هيئة كبار العلماء بدأ التواؤم بقوة، وردد ما يمكن أن يضعه تحت طائلة باسم يوسف. والهيئة كلها تقوم الآن بتمارين للتواؤم في كل الأوضاع مع السلطة. الحكومة أخذت رأيها في المشروع الأول للصكوك، وغضبت الهيئة من مجلس الشورى لأنه تجاهل أخذ رأيها في المشروع المعدل للصكوك. فصالحها مرسي وأرسل لها المشروع. وفي النهاية الأزهر الذي ينأى بنفسه عن «الأمور الحزبية» اجتمع مع وفد حزب النور تحية له على إصراره على عرض المشروع على الهيئة.
 جدير بالذكر أن حزب النور قبل سنة في البرلمان المنحل تقدم بمشروع قانون لتعديل قانون الأزهر وحذف وصف الأزهر بأنه «المرجع النهائي». وسبحان مغيّر الأحوال والمصالح.
المهم أنه في وسط كل ذلك الإسباجيتي، لا تساؤل عن حقيقة استقلال المؤسسة وسط كل هذا التشابك مع عمل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعن سبب تضخم المؤسسة الأزهرية أصلا منذ عهد عبد الناصر في نفس الوقت الذي قام فيه بسلب أوقافها وحرمها الاستقلال المالي، وعن سبب خلق أطراف صناعية لجامعة الأزهر تقوم بتدريس الطب والهندسة وغيرها، وفي نفس الوقت قطع كل أذرعها الدعوية ومنح سلطة إدارة المساجد كلها لوزارة الأوقاف، وفي ظل هذا الوضع الرديء لا يشكو فقط الطلبة من سوء ورداءة الخدمات والتعليم ولكن يشكو أئمة الأوقاف أيضا - بالإضافة لضعف أجورهم - من شعورهم بالظلم من احتلال قيادات إخوانية - أو متحالفة مع الإخوان – كراسي الوزارة. في الوقت الذي ينشغل  فيه شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء بالعمل كمستشارين للحكومة والبرلمان، لا يملك أيهم أي اتصال ولا صلة رسمية بأي إمام أو خطيب في أي مسجد من مساجد مصر، التي يديرها الآن الإخوان وحلفاؤهم في وزارة الأوقاف.

01 April 2013

عن صهاينة مصر

«ما تتضمنه أحداث الفيلم من مشاهد أو معلومات يشير إلى أشخاص أو جماعات لا تعد بحال وثيقة أو مستندا أو قرينة تترتب عليها أي حقوق، وإنما هي رؤية المؤلف والمخرج التي لا تخرج عن إطار الإبداع الفني»  ختم وتوقيع: الرقابة على المصنفات الفنية
الصورة التي تحمل هذا النص هي أول ما ستشاهده في قاعة السينما التي تعرض الفيلم الوثائقي «عن يهود مصر» من إخراج أمير رمسيس.
بعدها مباشرة ستشاهد رسالة من صناع الفيلم تقول :«البيان السابق كما هو موضح أسفله صادر عن جهاز الرقابة على المصنفات الفنية التابع لوزارة الثقافة وبناء علي طلب من الوزارة بعد حصول الفيلم على ترخيص العرض وليس صادرًا عن أسرة الفيلم».
أدعوكم بشدة للذهاب إلى دور السينما ومشاهدة الفيلم المهم، دعما لتجربة عرض أفلام وثائقية في السينما، وأيضا لكي تعرفوا مصدر الذعر الرسمي والسياسي من فيلم وثائقي يتناول تفصيلة من تاريخ مصر.
الذعر لم يبدأ بالبيان الذي يعبر عن تخبط بين الخوف من حرية التعبير والنشر، وفي نفس الوقت عدم القدرة على اتخاذ إجراء قمعي. وهي الحالة السياسية العامة كما تلاحظون. ولكن ذلك التخبط عبر عن نفسه في بيان ينضح بالجهل، فيقول إن هذا الفيلم الوثائقي ليس وثيقة، وكأن قاعة العرض هي محكمة يخشى أن تتخذ إجراء بخصوص معلومات معينة يوثقها الفيلم استنادا لمراجع وشهادات. وفي نفس الوقت يفضح البيان نفسه وكأنه يريد أن يقول: أي ظلم وأي حقوق مهدرة يتحدث عنها هذا الفيلم فإن الموقف الرسمي هو الاستمرار في إنكارها وعدم الالتفات إليها.
ستخمن بعد مشاهدة الفيلم أن المشكلة تكمن في اكتشاف أن عددا من اليهود المصريين – الأغلبية منهم – لم يكونوا صهاينة ولا مؤيدين لقيام دولة إسرائيل وتمسكوا ببقائهم في مصر، وبعضهم كانوا نشطاء في صفوف اليسار من أجل التحرر الوطني والديمقراطية. وأن ما حدث مع كثير منهم هو اعتبارهم رغما عنهم صهاينة مؤيدين لدولة إسرائيل لمجرد أنهم يهود، ثم استخدام ذلك التزييف في الاعتداء الرسمي والشعبي عليهم. رسميا اعتدت دولة يوليو  على مواطنتهم ودفعت بعضهم للتنازل عن الجنسية وتوقيع تعهدات بعدم العودة إلى مصر مرة أخرى، وشعبيا كان التحريض عليهم من جانب الفاشية الممثلة في حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين مما أدى لوقائع طردهم من بيوتهم والاعتداء على أملاكهم وأعمالهم. ووصل الأمر إلى القرار الرسمي بعدم الاعتداد بتحول بعضهم إلى الإسلام إذا تم ذلك بعد عام 1948. نعم، إكراه في الدين.
ربما تريد وزارة الثقافة أن توحي للمشاهدين بأنه من وحي الخيال أن القيادي اليساري المصري اليهودي الشهير هنري كوريل، الذي تم سحب جنسيته المصرية وطرده إلى فرنسا، قد أدلى بمعلومات مهمة عن العدوان الثلاثي على مصر إلى جمال عبد الناصر عبر وسطاء بشهادة ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق وقتها، ورغم جنسية كوريل الفرنسية، فإنه كان مساندا للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي وتبرع بفيلا يملكها في الزمالك لتكون مقرا للسفارة الجزائرية في القاهرة.
هذه التفاصيل تنتمي للواقع غير المرغوب في اكتشافه وليس لخيال المؤلف والمخرج، تماما مثلما تنتمي شهادة القيادي الإخواني العريق علي نويتو، التي سجلها الفيلم وسجل ما تمتلئ به من ادعاءات وعنصرية وتحريض.
لا يحتاج المشروع الصهيوني إلا لهذه العنصرية ولهذا العدوان والظلم لكي يؤسس دولته التي تجمع هؤلاء المضطهدين، ولا تحتاج دولة جديدة تريد أن تكون وطنا قوميا لكل اليهود إلا أن تقوم الحكومات الجهولة، باسم القومية العربية أو باسم الإسلام، بنزع جنسيات اليهود من مواطنيها وطردهم لكي تكون دولة إسرائيل ضرورة قائمة على مظالم مستمرة لليهود. ورغم ذلك فإن الشهادات والمعلومات تقول إن معظم اليهود المصريين الذين تم سحب جنسيتهم ذهبوا إلى بلدان أخرى غير إسرائيل.
يحتاج المشروع الصهيوني أيضا إلى «أخلاق صهيونية» مقابلة. أخلاق تدعي الدفاع عن حق ديني ووطني وقومي وفي سبيل ذلك لا تبالي بمظلمة آخرين. بل تقوم بإنكار حقهم والتعمية على كل المعلومات التي تشير إلى سيرتهم ومظالمهم. تماما كما يحاول بيان وزارة الثقافة –بالتعاون مع الأمن الوطني العائد بقوة من الخلف- الذي أتخيل أن مسؤولين في دولة إسرائيل ومؤيدين للصهيونية في كل أنحاء العالم سيرحبون بالتأكيد بالاستلهام منه والضغط لنشر بيان مماثل قبل أي أفلام وثائقية عن القضية الفلسطينية.


30 March 2013

حافة نصر الدين !

شرائح اجتماعية كثيرة في مصر ترى أن السلفي والإخواني لم يعد “بتاع ربنا”، وإنما “بتاع سياسة وتجارة ” !

“على حافة شارع نصر الدين في حي الهرم يسير صاحبي الجهادي بلحيته الكثة، بينما يحاول أحد سوّاقي (التوكتوك)* مضايقته بأن اعترض طريقه. نظر صاحبي الجهادي ناحيته، وقال بهدوء الواثق: ولااااا.. أنا مش إخوان.. أنا جهادي.. يعني آخرك معايا رصاصة في دماغك!
ابتلع سائق (التوكتوك) ريقه، وهو يتمتم: لا مؤاخذة يا شيخ.. كنت (باحسبك) إخوان والله!”.
يحكي عمار مطاوع -الشاب الإخواني الذي يعمل في الجريدة الرسمية لحزب الجماعة-هذه القصة في صفحته على الفيس بوك، يبدو لي أنه يوجهها بالأساس إلى أصدقائه من الإخوان، يرسل إليهم فيها برسالة بخصوص المشهد الجديد الذي يتصاعد في الشارع المصري.
المشهد الجديد هو سلسلة الإهانات والمهانات الموجهة لمن يشي مظهرهم بأنهم منحازون للتيار السلطوي الإسلامي على خلفية الاستقطاب الذي يتصاعد وتشتد حدته منذ وصول الإخوان للسلطة. ولأن الإخوان لا مظهر متميز لهم عادة، إلا في حالة تجمعهم في فاعلية بعينها. فإن اللحى تتسبب في أن يلقى السلفيين -بتنوعاتهم- النصيب الأكبر العشوائي من المهانة المتناثرة يوميَّا.
فبالرغم من المكانة العريقة التي كان يحظى بها السلفي في الشارع المصري، خاصة في الأحياء الأكثر شعبية، إلا إنه الآن لم يعد “بتاع ربنا” الذي يدهشهم ويشعرهم بالذنب بـ”التزامه الفائق” الذي يمكن لهم أن يحيوه عن بعد.
قسم من الشارع الآن يرى هذا السلفي متحزِّبًا وخصمًا وشريكًا في السلطة الحالية وربما “تاجر دين”. يتكرر وقوف مصلين في خطبة الجمعة والدروس لتوقيفه عندما ينافح عن السلطة، أو يمارس عادته التاريخية في تكفير المعارضين.
الشيخ عبد الله بدر -أحد أكثر المشايخ السلفيين وقاحة، لدرجة أنهم أقنعوه حاليًّا بعدم الظهور في الإعلام- يتحدث في درس له بمرارة عن رخاوة الرئيس محمد مرسي التي أدت إلى أن يعترض طريق الشيخ “شوية عيال”، ويهددونه ساخرين بنتف لحيته شعرة شعرة.
الشاب عمار مطاوع نشر الحكاية التي تتصدر المقال في أعقاب “اشتباكات المقطم” بين متظاهرين توجهوا للمقر العام لجماعة الإخوان المسلمين، وبين مؤيدين حشدتهم الجماعة من مختلف المحافظات؛ في محاولة لصدهم ووقف سيل الفعاليات المهينة، التي بدأت بدورة كرة قدم أمام المركز العام، ثم تصوير رقصة “هارلم شيك” كان خلفيتها المقر، ثم يوم مفتوح لرسم جرافيتي أمامه انتهى بصدام محدود تضمن صفعة من “بغل” مجاهد على وجه ناشطة، وكان ذلك سبب الحشد للتظاهر مرة أخرى غضبًا.
بعض شباب الإخوان أصبح ينحاز إلى الرؤية “الجهادية” في تأكيده على أن “المشروع الإسلامي” هو مشروع لا يجب في سبيله أن تطلب إلا رضا الإسلاميين وحدهم، أما الآخرون فهم أعداء الدين ليس لهم إلا الخضوع أو القمع.
متظاهرون يرفعون صور القيادي السلفي حازم أبو اسماعيل

تصاعد العنف الأهلي وتطوراته بين الإسلاميين ومحتجين منذ “جمعة كشف الحساب” في أكتوبر الماضي -ومرورًا باشتباكات “الاتحادية”، ثم اشتباكات “موقعة المحلاوي” في الإسكندرية، ووصولاً إلى “موقعة المقطم”- دفع منظمات حقوقية -لا تبادل الإخوان والسلفيين أي ود- إلى أن تصدر بيانًا مثيرًا للجدل يدين الإيذاء البدني المتعمد على الهوية بسبب ما شهدته بعض الاشتباكات من تنكيل عنيف ببعض السلفيين بسبب لحاهم أو بسبب من يتم التعرف على انتمائه للإخوان. بينما كان هناك تنكيل متبادل للمحتجزين في طرفي الاشتباك الذي تناثر في شوارع حي المقطم، ولاحقًا أدان مجلس إدارة أحد مساجد المقطم حشود الإخوان والإسلاميين لاحتلالهم المسجد، وتحويله إلى مكان للاحتجاز وتعذيب “الأسرى”.
رغم ذلك يبدو أن وقع المعركة كان قاسيًا هذه المرة أيضًا على شباب الإخوان، وعنيفًا للدرجة التي دفعت منظمات حقوقية لانتقاد تفصيلة صغيرة وسط سياق المعارك للتنبيه على فداحتها.
تعليق الشاب الإخواني عمار على الأحداث القاسية عبر حكايته التي تتصدر المقال، يمثل أحد المواقف الأكثر جماهيرية بين مؤيدي تيارات السلطوية الإسلامية الذين ضاقوا بالتظاهر بقبول الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية التي قيل لهم إنها في النهاية صناديق ستفتح لهم أبواب التمكين، وأمام المقاومة الشرسة لأعداء التمكين لا يملكون أعصابهم ويدعون الرئيس مرسي صراحة لسحق المعارضين.
الشاب عمار رغم عضويته في جماعة الإخوان، وعمله في جريدتها الرسمية، إلا أنه مناصر لحازم صلاح أبو إسماعيل، وهو في ذلك ليس نموذجًا فريدًا للنزيف الداخلي لهيبة الخطاب الإخواني التوافقي لصالح الخطابات الأكثر وضوحًا واتساقًا.
في تدوينة سابقة لعمار يشرح كيف أن علاقته بالجهاديين بدأت في حملة حازم أبو إسماعيل من أجل الانتخابات الرئاسية السابقة، قبل استبعاده منها بسبب جنسية أمه الأمريكية. تعرَّف عمار عن قرب لأول مرة على “الجهاديين” الذين يقول عنهم: “وجدتهم أكثر اتساقًا، وأعلى وضوحًا. علمني الجهاديون أن العلمانيين أعداء وخصوم لا نسعى للتوافق معهم، ولا يهمنا رضاهم، هم أعداء فكرتنا ومشروعنا وديننا، وأن الأولى بالسعي للترضي والكسب هم الإسلاميون وحدهم.. الإسلاميون وفقط”.
حكاية عمار سخرية مريرة من كل تراث الإخوان الذي يحاول كبح جماح الفكرة الجهادية من أجل “التمكين” و “إعادة الخلافة”، وازدراء للمحاولة الإخوانية للتوافق مع “الآخر” غير الإسلامي.
يزدري عمار ذلك، ويفخر بصديقه الجهادي الذي يلوّح -ولو مزاحًا– بالرد على إهانة محتملة بالرصاص. يتحسَّر عمار على فحولة صديقه الجهادي أمام الإهانة البسيطة في مقابل رخاوة الإخواني أمام السيرك الأهلي المنصوب له في مصر الآن.
يروي عمار لرفاقه تلك الحكاية بكل أسى؛ لعلهم يتعلمون مثله من الوضوح والاتساق “الجهادي” في الاعتراف بأن “المشروع الإسلامي” هو مشروع لا يجب في سبيله أن تطلب إلا رضا الإسلاميين وحدهم، أما الآخرون فهم أعداء الدين ليس لهم إلا الخضوع أو القمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• مركبة نارية ذات ثلاث عجلات، تستخدم كوسيلة للانتقال بالأجرة.

27 March 2013

ما فعله الإخوان بالدولة

اتفقت مع بعض من ما زالوا أصدقاء من الإخوان على ألا يذكروا في حواراتهم معي كلمة «فلول» في تعبيراتهم السياسية في مقابل أن أتوقف عن وصف طريقة تعامل الإخوان مع مسألة «الفلول» بالطريقة اللائقة والبذيئة التي يفضلها الكثير من المصريين للإشارة إلى فعل «الكيل بمكيالين».
لا يمكن للفظ الدقيق البذيء الأكثر بلاغة أن ينشر في الصحف والمواقع الرسمية لأن الرقابة في بلدنا تكيل بمكيالين أيضا، وتعريف الأخلاق أصبح بشكل ما هو عدم استخدام الألفاظ الصريحة التي تعبر بدقة وبوضوح عن أفعال بذيئة، فتحولت الأخلاق السائدة إلى شكل من أشكال التأدب اللغوي في مواجهة البذاءة الفعلية، فتحولت الأخلاق أيضا إلى شكل من أشكال الكيل بمكيالين. 
ولكن لندخل في الموضوع ونتحدث مباشرة عن المكيالين. لدى الإخوان مكيال أول يقضي بأنه لو كنت سياسيا أو وزيرا أو مسؤولا تنفيذيا أو رجل أعمال تعاونت مع «النظام السابق«» ولكنك الآن مع «التغيير» فمن أجل المصالحة والاستقرار وعجلة الإنتاج، عفا الله عما سلف، ونفتح صفحة جديدة.
المكيال الآخر يقول بأنك إن كنت سياسيا أو وزيرا أو مسؤولا تنفيذيا أو رجل أعمال تعاونت مع «النظام السابق» ولكنك الآن مع «التغيير» فأنت تحاول التمسح في الثورة ولكنك في الحقيقة من «الفلول» ويجب أن تخرس أو تخرج خارج البلاد.
ما هو مصدر التعـ .. أقصد الكيل بمكيالين. مصدره هو أن الإخوان باعتبار موقعهم في السلطة يتلاعبون باصطلاحات «النظام السابق» و«التغيير». فأنت إن كنت مع سياسات يرغب الإخوان في تغييرها فأنت مع النظام السابق (سياسات)، وهم مع التغيير (سياسات أخرى). ولكن إن اعترضت على سياسات «النظام السابق» التي يرغب الإخوان في استمرارها، هنا يتحول النظام السابق إلى أشخاص وليس سياسات، ويصبح «التغيير» هو «الإخوان» وأنت معارض للإخوان إذن أنت فلول معترض على التغيير (في شخوص الإخوان) ويسألك ممثل الإخوان في التوك شو: لماذا لم نسمع لك صوتا في الاعتراض على «النظام السابق» (أشخاصه)؟ رغم أنك الآن تتحدث معارضا لاستمرار نفس سياسات «النظام السابق» تحت سلطة الإخوان.
قال أمل دنقل: «من يملك العملة يمسك بالوجهين». وأقول: من يملك بالسلطة يمسك بالمكيالين.  فمن كان معها فهو مع الاستقرار أو مع التغيير، أو كليهما.  ومن كان ضدها فهو ضد الاستقرار أو ضد التغيير، أو ضدهما معا.
ولأن الكيل بمكيالين مرتبط دائما بالسلطة وبالتلاعب بالألفاظ، يسمى ذلك أيضا «التعريض» بالقول، فإن الكيل بمكيالين هو أدق توصيف لـ«التعريض» في خدمة السلطة.
تابع المعارك التي قسمت مؤسسات الدولة والنقابات وغيرها،  تحدث مع نقابيين مهندسين أو أطباء أو صيادلة أو ناشطين طلابيين أو إعلاميين أو غيرهم. من يتحالف مع الإخوان فهو آمن ومن عارضهم فهو «فلول». «الفلول» صارت اللبانة في فم الإخوان، هي الأداة الرئيسية للتعريض من موقع السلطة. ونتيجة لذلك تراكم في رأس السلطة تحالف الإخوان وكل من هم مستعدون وجاهزون للتعريض والكيل بمكيالين على طريقة الإخوان. وفي المقابل فإن بعض من يعارضون التغيير ذهبوا إلى الطرف الآخر، ونتيجة لتعريض الإخوان فإنهم وجدوا طريقة للتعريض المقابل واستغلوا بؤس حالة الإخوان ليقولوا إنهم يعارضون الإخوان بينما هم أيضا يعارضون أي تغيير. وفي حالة المؤسسات الرسمية التي لم يقربها تغيير، فالصراع داخلها أصبح غالبا بين الفساد القديم والفساد الجديد، بين من يريدون الحفاظ على مواقعهم وبين من اقتحموها بمنطق الكيل بمكيالين.
الكيل بمكيالين له أصول شرعية عند الإخوان والإسلاميين، وكما يقول محمد خير، فإن «الاستعلاء بالحق» هو الاسم الشرعي للكيل بمكيالين.
تمكين الأخ المسلم وسلطاته هو استعلاء بالحق. أما تمكين غيره فهو استبداد بالباطل. ولكن دعنا لا نتحدث عن أي معايير، المعايير المزدوجة صالحة دائما والجوهر الحقيقي للصراع  هو أن يحل الأخ – أو تابعه وحليفه – مكان من هو غيره. الأنصار بدلا من الأغيار.
من سكتوا في مواجهة النظام السابق لا يحق لهم «تغيير» أخلاقهم وسلوكهم وأن يتكلموا الآن عن الحريات والديمقراطية. أين كانوا صحيح؟! كانوا يقدروا يعملوا اللي بيعملوه دلوقتي؟!
 أما من سكت في مواجهة النظام السابق ويسكت الآن في مواجهة السلطة الجديدة ونفس
«سياسات النظام السابق» يلاطفه الأخ :«أين كنتم وقتها يا حبيب قلبي؟ كنت تقدر تعمل نفس اللي بتعمله ده؟». فيبتسم الذي سكت ويقول في دلال: «ما انت عارف بقى ما تكسفنيش، أيوه كنا مؤيدين برضه ونمارس التعريض في خدمة أي سلطة. كله علشان الاستقرار وعجلة الإنتاج».
لا توجد ضحكة رقيعة هنا استجابة للهوية الجديدة للسلطة وللأخ الذي يهز رأسه في شجن لا يخلو من شقاوة ويقول له : «ونعم الاستقرار والثبات على المبدأ».  
وهذا هو ملخص رؤية الإخوان بخصوص دولة يوليو، وهو ما لا مقابل له شعبيا سوى مثل بذيء يشير إلى شيء ما فعله العيّان بالميت. 

24 March 2013

أنصار وأغيار

مقطع فيديو لسيدة في لجنة الاقتراع. تتجه إلى الصندوق حاملة ورقة التصويت وتمد يدها إليه ثم تتراجع فجأة وتضم يدها إليها .. وينقطع التصوير. 
أذاعت قناة مصر 25 – التابعة للإخوان المسلمين – هذا المقطع أثناء عملية الاستفتاء على مشروع الدستور كدلالة على محاولات تلاعب. وقتها كانت المعارضة ومنظمات حقوقية تتحدث عن ضعف الإشراف نتيجة مقاطعة بعض القضاة، مما يقلل من نزاهة العملية الانتخابية. وحاول الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من الإسلاميين بكل الطرق نفي كل ما يثار عن ضعف الضمانات أو وقائع تزوير ومخالفات. ورغم أن هذه الواقعة تسير في اتجاه معاكس، لكن احتفت بها قناة مصر 25 وسائر منصات إعلام الإسلاميين لأنها وبشكل واضح محاولة «معادية» للتلاعب.  
كان الدليل الواضح الدامغ أنها سيدة غير محجبة، تم وصفها في بعض المواقع والصحف الإسلامية بأنها سيدة مسيحية – كما لو أن ذلك يمكن القطع به من الفيديو –ولكن في النهاية سيدة غير محجبة بالضرورة هي في طرف «معاد» للإسلاميين، هكذا قرروا وحسموا أنه لو كان هذا المقطع فعلا دليل على محاولة للتلاعب فهو محاولة معادية للإسلاميين الذي يرغبون في تمرير مشروع الدستور. 
تذكرت تلك الواقعة على خلفية الجدل الأيام الماضية حول تقنين وضع جماعة الإخوان المسلمين ثم معارك الشوارع التي دارت حول مقرهم العام في المقطم. الواقعة تقول بشكل بسيط وواضح إنه رغم كل أغلفة الأذرع السياسية سواء للإخوان المسلمين أو للدعوة السلفية، فهي في النهاية أذرع تجميلية لكيانات طائفية لا يتصور أن يؤيدها من هم خارج هذه الطائفة، إلا حالات تستحق الدراسة مثل حالة رفيق حبيب، المفكر المسيحي الملحق بجماعة الإخوان المسلمين.  

كما أنها كيانات سلطوية ومعادية للحريات الشخصية ولديها تصور ضيق بخصوص حياة أولئك الآخرين المختلفين، ولذلك فإن ظهرت سيدة في مقطع فيديو به شبهة تلاعب في التصويت، ولا يبدو من زيها وهيئتها أنها من «مؤيدي السلطويين الإسلاميين» إذن فهي بالتأكيد وبلا شك محاولة من الطرف الآخر .. «الأغيار». 
لست متحمسا للحملة على الإخوان المسلمين لأنهم جماعة غير قانونية، ومنحاز لحرية التنظيم في حدها الأقصى وبأقل قدر من رقابة الدولة وما يمنع فقط الفساد المالي، وأرى أن العديدين ممن يشنون الحملة على الإخوان تورطوا في تبني رؤى تقيد حرية التجمع والتنظيم، وترويج أفكار لديها هوس «التقنين».  وحتى أولئك الذين يدعون الجماعة للاتساق مع القانون السلطوي لتنظيم عمل الجمعيات، فهم يقدمون حق التجمع والتنظيم هدية لجماعة سلطوية ستتمكن من توفيق أوضاعها سريعا وسيساعدها وجودها في السلطة، ثم ستستخدم نفس خطابها الهجومي للتضييق على حق التجمع والتنظيم بشكل عام، وبالنسبة للمنظمات والتجمعات التي تزعجها بشكل خاص، وساعتها سيكون أولئك المهووسون بتقنين الجماعة هم المطالبين بالاتساق مع انتقاداتهم. 
في مواجهة السلطويين يمكن أن يكون هناك أيضا سلطويون آخرون. كما كان السلطويون الإسلاميون في مواجهة سلطوية نظام مبارك. وكذلك الآن، ليس كل من وقف في مربع مقاومة السلطويين الإسلاميين هو منحاز للتحرر حقا. ولكن السلطويين الإسلاميين يحبون دائما وضع أعدائهم في مربع واحد، كأن العالم انقسم إلى إسلاميين وأغيار، وهذا يعيدنا إلى مقطع الفيديو. 
الجماعة لن تجد صعوبة في تقنين أوضاعها وإخفاء بعض الأوضاع غير الملائمة للذوق العام، والأزمة ليست في جذرها قانونية، فالدعوة السلفية التنظيم الحقيقي وراء حزب النور هي جمعية قانونية. ولكن اللجوء إلى ازدواجية التنظيم الحقيقي والذراع السياسية يكشف عن مكمن الأزمة الأساسية: هذه التيارات التي لا تستطيع أن تذهب للديمقراطية بوجهها الحقيقي الطائفي هي التي تتصدر العملية الديمقراطية وهي التي كان لها اليد الأكبر في هندسة العملية الديمقراطية وكتابة الدستور. ولذلك تحولت العملية الديمقراطية إلى معركة صندوقراطية متكررة بين السلطويين الإسلاميين والأغيار.  
وإذا كانت عيون السلطويين الإسلاميين أنفسهم ترى مشروعهم السياسي ومقترحهم لمشروع الدستور هي أشياء لا يتصور أن يتم تأييدها خارج المربعات الطائفية، التي يمكن الكشف عن أتباعها بمجرد النظر،  فكيف يمكن أن تبدأ ديمقراطية؟! 

تتحول الإجراءات الديمقراطية إلى معركة إخضاع بالصناديق، غزوة صناديق حسب التعبير البليغ لمحمد حسين يعقوب. وهذه اللحظة تقول جيدا إن عملية إخضاع الأغيار لا تسير بنجاح، وممارسة السلطة متعذرة إلا بالتأرجح بين استدعاء أدوات ما قبل 28 يناير من قمع الشرطة أو استدعاء «الأنصار» لمواجهة «الأغيار»، أو مزيج منهما كما يبدو واضحا في اشتباكات المقطم وما قبلها. 

17 March 2013

نصيحة للإخوان المسلمين في مواجهة الجرافيتي المُهين

«لما حد ييجي يشتمني في بيتي أعمل معاه إيه؟»
من  الواجب علينا جميعا أن نشارك جماعة الإخوان المسلمين أسئلتها الوجودية التي انتشرت على ألسنة شبابها اليومين الماضيين، بعد أن فاض كيل المهانة التي يوجهها إليها كل عابر سبيل.
ينبغي أن نتفهم جميعا ثقل الإحساس بالمهانة الذي دفع شباب الإخوان أمس إلى النزول ومواجهة مجموعة حاولت أن ترسم جرافيتي عن بؤس الإخوان المسلمين عند مقرهم، مما أدى لكتابة فصل آخر من تاريخ هذا البؤس.
فصول البؤس تتوالي، ومحاولة الوصول لأستاذية العالم انتهت بوضع ذيل ورقي في مؤخرة ذلك الذي يقف أمام السبورة يحاول أن يكتب بخط جميل نفس الديباجات الفارغة للأستاذ السابق ويعتقد من فرط بؤسه أن هذا يكفي.
من الصعب إقناع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في هذه اللحظة العصيبة من تاريخ أستاذيتهمبأن الإيمان بالديباجات الفارغة مدعاة للمسخرة والمهانة، فضلا عن أن محاولة ممارسة السلطة وفقها باعتبارها أفكارا ملهمة ستؤدي إلى استشراء المهانة والمسخرة أكثر فأكثر. ولكن فلنحاول إبراء للذمة.
لنأخذ مثلا السيد محمد مرسي. وهو عضو الجماعة الذي درس الهندسة ويحمل لقب الدكتور ودرجة «الأستاذية» ويشاع كونه رئيسا للجمهورية مما جعله يلتقي بقوات من الأمن المركزي ويلقي فيهم مجموعة من الديباجات الفارغة المعتادة التي يبدو أنها تجاوزت الحد هذه المرة، وتحولت إلى هلفطة واضحةضجت على أثرها ألسنة الناس بالمسخرة، عندما قال مرسي إن الشرطة شاركت الشعب ما وصفه بالعبور الثاني في 25 يناير و«كانت في القلب منه»! وأضاف: «وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون 25 يناير هو أيضا عيد الشرطة، وذكرى ما ضحت به الشرطة ضد الاستعمار وضد المحتل. وانطلقت شرارة أولى لمقاومة المحتل».
 وانطلقت أيضا شرارة أخرى لانقسام عم البلاد بين من هالتهم مسخرة وفداحة الهلفطة وبين من تناقلوها باعتبارها شيئا عاديا وخطابا موفقا للسيد الرئيس. محاولة ردم الهوة ليست سهلة ولكن أخوة الإنسانية تجبرني على أن أتقدم ببعض الملاحظات على هامش الهلفطة لعلها تلقى سمعا عن إخواني شارد عن «القطيع» تجعله يفهم لماذا يتعذب إخوانه في الإنسانية والوطن من هذه الهلفطة التي تأتي لتتوج قمة تل القمامة السياسية التي تصيب الناس بالقرف، فيسعى بعضهم إلى مقر جماعة الإخوان متعمدا إهانتهم لكي يرحمونا ويحافظوا على نظافة هذا الوطن.
الملاحظة الأولى: أن التزوير والكذب فيما يخص الثورة لا يجب أن يمتدا لهذه الدرجة من الوقاحة وإلى أولى الحقائق البسيطة عنها. وأنه من الأفضل لرئيس استغل كلمة «الثورة» وكذب باسمها على حلفائه وناخبيه ألا يجاهر بما يكشف كون «الثورة» عنده هي مجرد فرصة للهلفطة عن مشروع ثوري جامع ليكسب به أصوات المنحازين للثورة كغطاء لمشروعه الأساسي السلطوي الطائفي الذي يقف الآن في مواجهة الثورة.. التي كانت شرارة انطلاقها هي الاحتجاج ضد انتهاكات الحقوق والكرامة على يد الشرطة، وهي الانتهاكات المستمرة تحت قيادته و«في قلب» سلطاته. يمكن له البحث عن ديباجات أخرى فارغة للتقارب معهم بعيدا عن الاستعباط بذكر وجودهم في قلب الثورة، وهو ما يوازي تحية الجيش الإسرائيلي لكونه كان موجودا في قلب «العبور الأول في أكتور 1973».
الملاحظة الثانية: إذا كان الرئيس مضطرا لإرضاء واسترضاء الشرطة لأنه لم يتبق له حلفاء كثيرون بفضل الانكشاف السريع لمشروعه السلطوي الطائفي، فإن ذلك يكشف أكثر وأكثر عن مآل المشروع السياسي الذي أصبح كل همه أن يصلب عود النظام مستندا إلى نفس المؤسسات بنفس بنيتها، وأن يحسن وضع نفس الاقتصاد بنفس شروطه وأن يدعو المجتمع للعمل والإنتاج وفق نفس العلاقات، وكأن الثورة كانت سوء تفاهم عابر بين الشعب والسلطة.
الملاحظة الثالثة: أن تطرق مرسي إلى تكوينه العقلي والديني في حوار تليفزيوني، في إجابة عن سؤال ما لا علاقة له بالتكوين من قريب أو من بعيد ــ يكشف عن امتنان عميق للهلفطة اللغوية التي تتهرب من الأسئلة والتحديات وتجمع المتناقضات جميعا في حب ووئام وتؤسس مشاريع جميلة للتوافق الوطني والانسجام العالمي، تحت قيادة الإخوان بالطبع. ويبدو أن لهذه الهلفطة تاريخا عميقا في التفكير السياسي للإخوان الذين جعلوا نفسهم حزبا سياسيا لكن اسمه «جماعة» ومارسوا أنشطة الأحزاب السياسية ثم أعلنوا معاداتهم للحزبية السياسية عمرا طويلا لأنهم ضد التفرق ومع الوحدة والانسجام،  إلى أن اكتشفوا فجأة أن هذه الهلفطة قد انتهى عمرها الافتراضي فاضطروا إلى التصالح رسميا مع فكرة الحزبية. وربما تشير هذه الهلفطة التاريخية إلى جذور تناقض عميق بين ادعاء قبول الديمقراطية وبين الروح الشمولية السلطوية على طريقة «الحزبية سيئة ولكن نحن الحزب الواحد الذين يجب أن يكون»، وهي الروح التي لا تزال تضيق بالتعدد والاختلاف في أشكال متعددة وتسعى لتقييده في الدستور وسلسلة مشروعات القوانين السلطوية لتنظيم التظاهر والمجتمع المدني والحياة الطلابية والنقابية.
الملاحظة الرابعة تتعلق أيضا بتكوين مرسي وعقليته التي يبدو أنها تأثرت كثيرا بتراث معاصر من الهلفطة الدينية التي تستغل استسلام عقول وقلوب المؤمنين بالغيب إلى كلمات الخطيب المنسابة المطعمة بـ«قال الله وقال الرسول» لكي تدس بينها أي كلام فارغ ومتناقض ينسب نفسه زورا إلى «الإرادة الإلهية». لأنها وحدها القادرة على أن تقول للشيء كن فيكون وتبعث الاتساق في جملة من نوع «أراد الله أن يكون يوم 25 يناير هو أيضا عيد الشرطة» لتكون ممكنة في سياق تحية الشرطة وليس توبيخها.
الملاحظة الختامية أن كل ما سبق، من بؤس مشروع الإخوان وفشلهم وكذبهم وتزويرهم وهلفطتهم السياسية والدينية، كان فعالا وناجحا في حملهم إلى السلطة بنجاح ولكنه يثقلهم الآن إلى درجة أنهم لا يقوون على النظر في عين الثورة ومواجهة باعثها الأول فضلا عن فهم معناها ومغزاها وحركتها وطموحاتها. ولكن عليهم أن يتقبلوا طوعا أو كرها أنه لا يزال للثورة أبناء ودراويش وحواري، هي شغفهم وإيمانهم وبداية تاريخهم، ويسوؤهم جدا أن تتحول الثورة إلى ديباجات فارغة وهلفطة، ومن الصعب عليهم أن يمنعوا أنفسهم عن ازدراء واحتقار وإهانة من يراها ويجعلها كذلك.
وبناء عليه، فإن أمام السادة الإخوان المسؤولين عن المهانة والمسخرة خيارين: أولهما أن يتحلوا ببعض الخجل والحياء وربما منّ عليهم الله ساعتها ببعض الفهم وأدركوا لماذا يذهب إليهم الناس لإهانتهم في مقارهم بدلا من إضاعة وقتهم في أبحاث فقهية ونفسية تحاول أن تجيب عن السؤال: «لما حد ييجي يشتمني في بيتي أعمل له إيه؟». وثانيهما أن يستكملوا مشروعهم ويعتصموا بحبل الهلفطة على طريقة مرسي قائلين: «أراد الله أن يجمع بين الثوار والإخوان في قلب اشتباكات المقطم كما جمعهم في اشتباكات الاتحادية. وكان ذلك إشارة إلى عمق العلاقة بين الثوار والإخوان ووفاء الإخوان لروح الثورة».

15 March 2013

أستاذية مصر

قرأت مذكرات حسن البنا ورسائله ووسائل التربية عند الإخوان المسلمين بالكامل في أوقات الحصص في المقعد الأخير في فصل المدرسة الثانوية، ومن مقعدي ذاك أعجبني اصطلاح "أستاذية العالم" الذي يحاول أن يجد  تعبيرا عصريا لاستعادة أمجاد المسلمين، ويرده لمجاز تعليمي، بديلا عن مرادفات المُلك والسيطرة والعلو التي تبدو في النصوص والأدبيات القديمة ويتحسس منها الحس المعاصر.
لم أنتبه وقتها أن "الأستاذ" كان هناك في الطرف المقابل من الفصل يشكل خلفية صوتية باهتة لقراءاتي واهتماماتي الأخرى. ولكن بالتأكيد كان "الأستاذ البنا" يبدو لي وقتها أستاذا من نوع مختلف.
لم أكن ساعتها قد عرفت إخوانيا واحدا عن قرب، والطالب الإخواني الوحيد الذي رأى معي هذه الكتب جلس بجانبي في حصة واحدة مستأنسا ثم قال لي في نهايتها مستاءا "آه. أنت منهم!" لأنه استنكر أن أقرأ – ولو كتب الإخوان - وقت الحصص، ولأني سخرت مرة من شيء قاله أستاذ اللغة العربية. 
في الجامعة انتهزت فرصة تنظيم  الإخوان لحفل تكريم الطلبة المتفوقين الذين التحقوا بكلية الهندسة وصارحتهم بوضوح إني أريد الاشتراك معهم في الأنشطة الطلابية.
كلفوا طالبا إخوانيا زميلا أن يحاول التحقق من أنني لست "إخوانيا تائها" ضل طريقه في التنسيق بين إخوان المناطق وإخوان الجامعة، والتحقق من أنني لست "مخبرا" أيضا.  ثم انزعجوا من خلفيتي الفكرية السلفية وقتها المهتمة بالاتساق بين الخطاب السياسي والدعوى مع المرجعية الشرعية، ثم انزعجوا في نهاية المرحلة الجامعية – بعد تغيرات كثيرة – من أنني أصبحت أميل يسارا، وفي المرتين استأت من إدراج قراءة كتب بائسة كتبها المرشد الأسبق مصطفى مشهور في برنامج تثقيفي.
 كنت دائما عضوا في "أسرة" مخصصة "للمشاغبين" الذين لم يتمكنوا من التوافق التام مع خط الجماعة ويرفض أن يكون تلميذا طيعا. “الأسرة" هي مجموعة تربوية تمثل النواة التنظيمية الأولى للجماعة.  أجواء العمل الطلابي التي تتسم بالندية و"الأخوة" كانت تخفف من كل ذلك، ثم كانت محاولة واحدة لضمي لأسرة  في منطقة سكني كانت حاسمة بعد أن قابلت كهلا إخوانيا كان من المفترض أن يكون الأستاذ المربي لي بينما لم يرقني اللقاء الأول به.
كان مقام "الأستاذ" في مصر -  ولا يزال -  في وضع هش، ينحدر بسرعة إلى مقام المسخرة، إن لم يكن الأستاذ يملك من الذكاء الاجتماعي ليعرف حدود أستاذيته ويكون صديقا بقدر ما، بل وتلميذا في أحيان أخرى. يمكن لغير المصريين الرجوع لمسرحية "مدرسة المشاغبين". وفي ما يخص الإخوان، فإن عددا كبيرا ممن رافقوني رحلة النشاط داخل الإخوان المسلمين خرجوا أو تم طردهم من الجماعة في أوقات مختلفة لأنهم لم يكونوا في مقام التلمذة الكاملة أمام أساتذة من نوع محمد مرسي وخيرت الشاطر ومحمد بديع. وهي شخصيات وذهنيات لا يمكن لها أن تكون ملهمة إلا بعد أن تعينها مؤسسة ما في منصب أستاذ. ولا يمكن أن يحترمهم إلا تلاميذ بايعوا المؤسسة على عقيدة الاحترام المطلق لمقام "الأستاذ" ولأي أستاذ مثل التلميذ الإخواني الذي استاء مني في الثانوية.
 وكما تقوم المؤسسة التعليمية على ضرورة الاحترام المطلق لأي أستاذ تراه أمامك لكي لا تنهار المنظومة التعليمية مهما كان إلهامها وقدرتها على كسب احترام التلاميذ،، كذلك الجماعة تقوم على الثقة المطلقة بين الأتباع المنخرطين في أنشطة تربوية ودينية وتنموية تذكي روح الأخوة الإسلامية وبين أساتذة يستخدمون نتاج ذلك من "أتباع" في احتلال المجال العام الاجتماعي والسياسي بأي أفعال، مهما بدا حمقها، موقنين أن الثقة والتماسك التنظيمي أدوات مهمة على طريق مشروع "أستاذية العالم".
تبدو "أستاذية مصر" هذه اللحظة عنوانا مناسبا لمأساة وملهاة لا حل سياسيا لها. فمن جهة تتألق  قدرة الجماعة وقواعدها على احتلال المجال العام والفوز بالانتخابات خاصة في الأماكن الأقل مدينية. بينما أولى خطوات المشروع انتهت إلى تفجير ازدراء عميق لهذه الأستاذية. ازدراء هو أبعد من السياسة ويصل إلى وصم اجتماعي لـ" طائفة الإخوان" وانتشار وصفهم أفرادهم  بـ”الخرفان" (الخراف) الممتثلة لراعيها. وانتشر تعبير ساخر يجسد هروب كثير من المتعاطفين معهم من "وصمة" عضوية الجماعة بالقول المستدرك: "أنا مش إخوان بس باحترمهم"
فوجئت أن منشقين أحدث عن الجماعة يستخدمون وصف "الخرفان" ويدافعون،عن قدرته التفسيرية العالية، ربما لأن ما فجر علاقتهم بالجماعة هو أنه لا يمكن أن تستمر داخلها من دون أن تكون "خروفا" تحترم مقام "الأستاذ/ المربي/ الراعي" وتنقاد له وتبرر أخطاءه وتناقضاته إلى أن تصل إلى مقام الأستاذية.
قبل أيام في انتخابات الاتحادات الطلابية الجامعية، وفي ظل نتائج عامة أعلنت الجماعة أنها لم تحصد فيها إلا ما هو أكثر قليلا من ربع المقاعد ، نافس ائتلاف من الطلبة  المستقلين ائتلافا آخر لتحالف الإخوان وقوى سياسية أخرى في كلية التجارة بجامعة عين شمس في القاهرة.الائتلاف المستقل  استثمر وجود الإخوان في الائتلاف المنافس واكتسح الانتخابات وحصد 88% من المقاعد، وكان ذروة استثماره لوجود الإخوان في الجانب المنافس هو أن هذا الائتلاف اعتلى موجة الازدراء لشباب الإخوان ومن يتعاطف ويتحالف معهم وخاض الانتخابات بقائمة كان اسمها "ائتلاف بلا خراف".

نشر في موقع المدن بتاريخ 15 مارس 2013