12 May 2011

وسط حطام «معركة إمبابة»: خرافات الحارات التي تضعنا أمام الحقيقة


(1)

«إزاي كنت بتعرف المسيحي من المسلم في خناقة إمبارح يا مصطفى؟»

يجلس مصطفى على أول درجة من السلم المؤدي لمدخل منزله على بعد خطوات من كنيسة مارمينا في إمبابة وهو يحك أثر جرح في ساقه: «إزاي بقى! من السحنة، دي حاجة معروفة. وكمان قلبك ودينك وإيمانك بيقول لك" يضيف صديقه سامح: «لازم تحس، دي عقيدة وأكيد بتفرق!". يقاطعه مصطفى وهو يتجه ببصره إلى أول الحارة المتفرعة من شارع المشروع حيث توجد الكنيسة: «بص مثلا اللي جاي ده. مش باين إنه مسيحي؟".

يخاطبه القادم وهو يشير إلى جرح ساقه: «إزيك يا مصطفى. سلامتكيرد:«دي حاجة بسيطة. إزيك إنت يا عم كرم؟ تمام؟» يقف عم كرم ويطمئن على مصطفى ويسأله عن باقي أسرته ويتبادلان الاطئمنان على الأهل والجيران. «ربنا يطمننا عليك يا عم كرم" يمضي كرم يودعه مصطفى الذي ينتظر قليلا ويتذكر السؤال ويكمل الإجابة: «شفت؟ باين عليه. وكمان إحنا هنا عارفين بعض ومين مسلم ومين مسيحي، وحبايب عادي .. لكن هم اللي بدأوا وعزة جلال الله

(2)

الطريق إلى شارع المشروع من شارع الأقصر مفروش بكسر الزجاج والحجارة، وبحكايات السكان عن مشاجرات واشتباكات بين مسلمين ومسيحيين أو «بيننا وبينهم»، على حد تعبير معظم الرواة. يحكون عن تجدد الاشتباكات طوال مساء السبت والساعات الأول من صباح الأحد قبل أن يفرض الجيش حظر التجول التام على معظم شارع الأقصر والكثير من حاراته.

المدرعات وسيارات الأمن المركزي وصفوف جنود الجيش والشرطة على مسافات متقاربة ولا تعرف غير كلمة «ممنوع حد يعدي». يتفاوض مع أحد الصفوف كهل نزل يشتري خبزا ويريد أن يعود إلى بيته، وامرأة تخبرهم أنها باتت عند أمها وتستعطف الضابط لكي تعود إلى بيت زوجها فيسمح لها.

أسماء الحارات تحمل على الأرجح أسماء قدامى سكانها: حارة علي محمد، حارة صليب غبريال. نسبة كبيرة من المسيحيين، معظمهم من عائلات صعيدية، يتركزون في شارع الأقصر وما حوله.

حارة وضعت بدلا من اسمها القديم لوحة بألوان علم مصر تقول: «حارة الشهيد لطفي عزام». يقول الأهالي أنه استشهد يوم 28 يناير في التحرير، في اللوحة صورة لشاب لم يتجاوز العشرين.

قريبا من تقاطع شارعي الأقصر والمشروع، على كرسيين بلاستيكيين يجلس اللواء حمدي بدين، قائد الشرطة العسكرية وبجانبه شيخ بجلباب أبيض ولحية بيضاء طويلة ينظران إلى الشارع المؤدي إلى الكنيسة الذي تسده صفوف الجنود.

يتطور المشهد مع بداية شارع المشروع، أكوام من الخشب المتفحم الغارق في المياه. تبدو قطع من الأثاث ونوافذ وأبواب أمام بناية محترقة عن آخرها، واجهات محلات تم تدميرها، أطلال مقهى.

أمام المقهى المحل الوحيد المفتوح في الشارع: مخبز إفرنجي يجلس أمامه أصحابه وعماله وأمامهم صف من الجنود يقسم الشارع إلى نصفين بشكل غير مفهوم. يشرح عبد الناصر محمد، صاحب المخبز، أنه عند هذه النقطة تنتهي عمارات المسلمين وتبدأ عمارات المسيحيين التي تتوسطها الكنيسة. لا يبدو على الكنيسة أو أسوارها أي آثار حريق أو تكسير مثل المنازل المحيطة. فقط كسر الحجارة والزجاج منتشر أمامها.

(3)

خلف أبواب الكنيسة مباشرة، لا تزال أكوام من الحجارة كانت معدة لـ«صد الهجوم»، كما يقول الشهود المسيحيون. يقف بجابنها الشاب ريمون جرجس، ذراعه مربوطة وحول عنقه شال أحمر عليه صلبان ذهبية. يقول الشباب في الكنيسة أنه كان أبرز من تصدوا للمعتدين على الكنيسة. يقول ريمون: «لم يكن معنا إلا الحجارة وكان معهم رصاص حي ومولوتوف».

يدخل الكنيسة الشيخ الملتحي، الذي كان يجلس قبل دقائق بجانب اللواء بدين ويتحدث مع بعض القساوسة عن ضرورة تهدئة الناس من الطرفين. ينظر إليه ريمون شذرا ويقول: «أكيد داخل يشوف عددنا كام ويشوف معانا إيه. مش لوجه الله!».

رغم التشديد الأمني من الشرطة والجيش، يدخل إلى الكنيسة جيران مسلمون يتبادلون أحاديث ودية أو متوترة مع الآباء أو شباب الكنيسة.

مجموعة من شباب الكنيسة يحتدون وتعلو أصواتهم تجاه الشيخ: «أنتم اللي بدأتم! أنتم ال كنتم عاوزين تدخلوا الكنيسةيحاول الكبار والقساوسة تهدئة الشباب.

بين بعض الشباب والفتيات تدور الحوارات الغاضبة والمذعورة عن السلفيين، تحكى إحداهن عن قصة سمعتها أنهم يخطفون الفتيات المسيحيات ويخدرونهن فيستقيظن ليجدن توقيعن على إشهارالإسلام، ويحكي أحدهم عن نية السلفيين معاودة الهجوم مساء وعن ضرورة إدخال سلاح إلى الكنيسة لرد الهجوم. يتجمع بعض الشباب في ركن يتناقشون إذا كان يجب أن يقولوا للفضائيات أننا سنرد العنف بالعنف أم لا.

يحاول الأب ميساي الاشتراك في تهدئة الشباب ولكن يبدو عليه الغضب وهو يحكي الأب عن تأخر التدخل الأمني: «بعد تجمع سلفيون يطلبون تفتيش الكنيسة ويدعون أن هناك فتاة أسلمت تحتجزها الكنيسة، وهو أمر لا نعلم عنه شيئا، تجمهر سلفيون وشباب مسيحيين أمام الكنيسة وبدأ الطرفين في الهتاف. دخل الكنيسة لواء شرطه ومعه مجموعة جنود كنا نتناقش وأول ما بدأ إطلاق الرصاص خرجوا ولم يعودوا ثانية ولم يظهروا إلا بعد ساعات بعد سقوط قتلى وجرحى». يشير إلى بيريه يمسكه قس آخر: «اللواء خرج مسرعا ونسى البيريه الخاص به".

القس الآخر يمسك البيريه ويريه لكاميرا قناة فضائية تجري معه حوارا.

خدام الكنيسة مرتبكون بين الشباب الغاضب والأهالي الملتاعين وتلبية إلحاح الصحافة وكاميرات الفضائيات واستقبال بعض الرموز والمشاهير الذين بدأوا التوافد. الكنيسة التي يبدو عليها تواضع الحال من الداخل ولا يزال مدخلها وبعض قاعات الدور الأرضي فيها بدون دهان، تبدو من الخارج شامخة وعالية ومزدانة بالزخارف وسط العشوائيات والبيوت بالطوب الأحمر.

(4)

يصر سامح ومصطفى أن الكنيسة تتلقى معونة من أمريكا وأن الأقباط الذين تظاهروا في ماسبيرو قبل أسابيع كانوا يريدون حقوقا للمسيحي تساوي حقوق المسلم، وهذا يعني عندهما أنه يمكن لرئيس مسيحي أن يحكم مصر ويعيدها دولة مسيحية كما كانت.

يضيف سامح: «بس مهما كان. إمبارح والله شلت على كتفي واحد مش من المنطقة راسم على دراعه صورة العدرا. كان واخد طلقات في رجله وهايموت تحت رجلين الناس. وأنا شلته وخرجته برا مع الواد مينا». يضحك مصطفى: «شوف سبحان الله. الكنيسة هي ال بتضرب نار لكن جات في الواد المسيحي!».

يقول سامح: «لكن الكنيسة حبست واحد محامي هنا اسمه عمرو ييجي ساعة. ينفع كده؟».

ينادي سامح ومصطفى على عمرو، الذي ينزل بملابس البيت ويشعل سيجارة ويحكي أنه سمع بتجمهر سلفيين وبعض «مشايخ المنطقة» من أجل بنت محبوسة بالداخل فذهب لاستطلاع الأمر. يقول أنه محام في مجلس الدولة ومعروف في المنطقة وأراد التدخل والتهدئة ولكن وسط الزحام والتدافع والظلام، سقط الشيخ محمد علي أرضا وهتف الشباب المسلم أنهم ضربوا الشيخ. يقول:«دي كانت آخر حاجة سمعتها وغبت عن الوعي وصحيت لقيت نفسي مصاب في الكنيسة. لكن الحق جابوا لي جوه إسعافات أولية وعصير وعاملوني بآخر كرم!».

يدخن سامح ولا يبدو عليه أي تأثر من رواية عمرو الروبي، ويضيف: "لكن ضرب الرصاص بدأ من الكنيسة»، يؤكد عمرو معه الذي قال منذ ثوان أنه فقد الوعي عند بداية الاشتباكات:«صح، ضرب الرصاص بدأ من الكنيسة، جوا فيه سلاح كتير، ده موضوع معروف. أما موضوع السلفيين الأغراب فلازم تسمع من الشيخ حسام».

(5)

الطريق إلى منزل الشيخ حسام يمر عبر حارة صليب غبريال، هنا المنازل مختلطة لكنها مميزة. صلبان على مدخل منزل المسيحيين، و«لا إلى إلا الله" مكتوبة على جدران بيت الشيخ حسام سيد». لدى الشيخ ثلاثة أولاد كل منهم أصيب إصابة خفيفة في «معركة» مساء السبت أمام الكنيسة. يحكون جميعا عن سلفيين من خارج المنطقة تجمهروا أمام الكنيسة وتحدثوا عن الفتاة عبير التي أسلم، ذهب الشيخ حسام إليهم وحاول أن يفهم الأمر إلا أن الأمر تطور سريعا إلى حشدين من المسلمين والمسيحيين. يقول أن الشرطة دخلت الكنيسة وخرجت وقالت أنه لا توجد فتاة في الخارج، فصاح سلفيون أنهم لابد أخرجوها من باب خلفي.

يحكي الشيخ حسام أن الشباب المسيحي بدأ بالاستفزاز وهتاف: «ارفع إيدك فوق، الصليب أهو» و «ارفع راسك فوق إنت قبطي». يعتبر الشيخ حسام أن ذلك استفزازا كبيرا قابله الشباب المسلم بهتاف: «إسلامية إسلامية». ويصر على أن السلفيين والمسلمين كانوا عزل وأن الرصاص بدأ من فوق الكنيسة ومن فوق عمارات مسيحيين.

شهود مسلمون يشيرون إلى أن مسيحي يدعى أطلق الرصاص من سطح منزله فأحرق مسلمون كامل البناية وألقوا أثاث البيت إلى الشارع. يقول الشيخ حسام أن هناك شقيقين يمتلكان مقهي في شارع الأقصر وآخر في شارع المشروع تورطا في إطلاق الرصاص، ويضيف أنه أبلغ الجيش عنهما وأنهما كانا أيضا ضالعين في استفزاز المسلمين سنة 1991 حيث جرت اشتباكات كبيرة بين مسلمين ومسيحين وقتها في شارع الأقصر وما حوله.

أهالي المنطقة يتحدثون عن مشاجرات عادية تنسب بين الحين والآخر تطورت أكثر من مرة إلى مشاجرات بين مسلمين ومسيحيين. والنسبة الكبيرة للمسيحيين في المنطقة، وانتشار السلاح بين العائلات الصعيدية أدى مرات عديدة لسقوط مصابين إصابات بالغة وربما قتلى ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتطور الأمر إلى هذا الحد.

(6)

«أيوه أنا ضربت المسيحيين. اكتب إن محمد حامد شارك في ضرب المسيحيين».

يبتسم محمد وهو يضيف أنه يقضي وقته على ذلك المقهى الذي يقف أمامه ويتعاطى البانجو لكي لا يقولوا مثل كل مرة أنهم السلفيين، ويشير إلى صديقه محمود الشافعي، السلفي والمستاء من كلامه. يضرب محمود كفا بكف وهو يقول: «الطرفين غلطوا لكن الغلط ما يتصلحش بغلط، وكده فتنة ودي مش أخلاق الإسلام».

يعتبر محمود نفسه سلفيا رغم أنه يبدو أكثر متأثرا بالدعاة الشباب الجدد، ويبدو منتقدا أكثر للسلفيين من خارج المنطقة ومن داخلها الذين تجمهروا عند الكنيسة وأصروا على تفتيشها. يقول مدافعا: «فيه سلفيين كتير محترمين ومسالمين، هتفت معاهم : مسلم مسيحي إيد واحدة، لكن سلفيين تانيين شتموني وقالوا لي : عار عليك تقول كده وإنت ملتزم وبلحية!».

يقول محمود أنه أخذ بعضهم إلى شيخه الذي نصحهم بتجنب الفتنة بينما نصحوه هم بأن يهب لنصرة دينه وأخواته الأسيرات وأن المسيحيين كفار وأن كنائسهم حصون للحرب على الإسلام.
يصفهم محمود بـ«التكفيريين» و«المتطرفين» ويتحدث عن أن المسلم الحقيقي يشارك في وأد الفتنة والحفاظ على البلد وعلى الثورة التي أطاحت بالظلم، ويقول أنه يتعاون مع اللجنة الشعبية للدفاع عن الثورة في إمبابة، وأنه عضو حركة «شبابنا» التي تضم شباب وفتيات من مختلف الاتجاهات لنشر التسامح والأخلاق الحميدة.

لا يبدو محمد حامد مكترثا بكل ذلك وهو يؤكد أن المسيحيين قتلوا بالأمس شيوخا وأنهم يحتفظون في كنيستهم بكم هائل من الأسلحة وأن المسلمين لم يكونوا مستعدين، وأنه هرع إلى المعركة أول ما سمع وشارك في إلقاء الحجارة: «ما ينفعش نسيبهم يعلّموا علينا. امبارح ما كناش عاملين حسابنا. لكن بالليل لما الناس ترجع من أشغالها هايبقى أحد الغضب إن شاء الله". يهز محمود رأسه آسفا من كلام صديقه ويصمت.

بعد ساعات وسع الجيش من نطاق حظر التجول ووجود الجنود في كامل شارع الأقصر وأمر بإغلاق المقهى الذي كان يقف أمامه محمد ومحمود. وبعد التشديدات الكثيفة وفرض حظر التجول مبكرا على كامل إمبابة، مرت تلك الليلة بسلام.



نشر في موقع المصري اليوم 9 مايو 2011

24 March 2011

الطواريء مرة أخرى: تسيير الأعمال وتعطيل الثورة؟

Owly Images

قبل عشرين يوما فقط، كان د. عصام شرف معنا في ميدان التحرير الممتليء عن آخره بالمتظاهرين المرحبين باختياره لتشكيل وزارة جديدة لتسيير الأعمال بدلا من وزارة شفيق التي شكلها الرئيس المخلوع. استجاب شرف سريعا للدعوة التي وجهها إليه الشباب لبدء عمله من ميدان التحرير وقال يومها لجموع المتظاهرين: "صحيح أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قام بتكليفي بتشكيل الوزارة، ولكنني هنا لأنني أستمد شرعيتي من هنا.. منكم.. من ميدان التحرير". وأضاف : "الوقت الذي لن أستطيع فيه تحقيق مطالبكم، لن أكون هناك (يعني في مقر الوزارة)، ولكن سأكون معكم هنا في ميدان التحرير".

لا الثوار ولا د. عصام شرف كانوا يعنون أن ميدان التحرير هو الثورة المصرية، ولكن الميدان أصبح رمزا لـ"الشارع" الذي تشكلت فيه الثورة المصرية وكان أداتها الوحيدة لإسقاط الرئيس وتحقيق أول مطالب الثورة. في الشارع تجمع ملايين المصريين وبدأوا في إسقاط النظام السابق الذي حرمهم عمليا من حرية التجمع والتنظيم بينما ردد أنه يتيحها عبر نصوص مطاطة قابلة للالتواء على الفور إن تجاوز المواطنون الهوامش الآمنة – بالنسبة للنظام – في تعبيرهم أو تجمعهم أو تنظيمهم. ردد النظام السابق دائما مبررات الطواريء واللحظات الحرجة التي تمر بها "بلادنا المستهدفة" ومقتضيات الأمن القومي والحفاظ على الاقتصاد وهو يتجاوز حقوق المواطنين بدءا من تعذيبهم فرادي إلى تقييد حرية جموعهم في التنظيم الطلابي والعمالي والحزبي.

أمس وافق مجلس الوزراء على مشروع بمرسوم قانون يسري في حالات الطواريء يجرم الاشتراك في بعض أشكال التظاهر المعطلة للأعمال أو التحريض عليها، ويعاقب على ذلك بالحبس سنة أو الغرامة التي تبلغ قيمتها نصف مليون جنيه. وبموافقته أعاد إلينا أشباح النظام السابق جميعا: تقييد حق التجمع والتعبير بنص مطاط عن "تعطيل الأعمال" مرتبط بحالة الطواريء.

وبعد ساعات من الموافقة على مشروع القانون فضت الشرطة العسكرية اعتصام طلاب كلية الإعلام بجامعة القاهرة بالقوة وباستخدام العصي الكهربائية. وهي حلقة أخيرة من سلسلة ممارسات، رصدتها تقارير منظمات حقوقية وشهادات ناشطين، استخدمت فيها قوات الجيش القوة لفض الاحتجاجات والتجمعات وانتهكت حقوق المواطنين بالاحتجاز غير القانوني والتعذيب والإحالة للمحاكمات العسكرية، كما هددت بعض الاحتجاجات بتطبيق قانون البلطجة على المشاركين فيها، والمبرر دائما ضرورة الحفاظ على الأمن والتعلل بالطواريء.

قبل الثورة عشنا ثلاثين عاما من الطواريء استخدمها النظام لإيقاف وكبح عجلة التغيير، ومنذ بداية الثورة ونحن أيضا في حالة طواريء، ولكنها هذه المرة حالة "طواريء مضادة" صنعتها الثورة وتتمسك بها حتى تتحقق كل مطالبها وحتى يتشكل النظام السياسي المنتخب المعبر عنها. وحتى ذلك الحين لا يزال الشارع هو الساحة التي تثور فيها القوى الاجتماعية والفئات المختلفة لتسقط "النظام الفاسد" في مواقعه المختلفة البعيدة عن المركز السياسي. وحتى بعد تشكل النظام السياسي المنتخب يحب أن تظل حقوق الاحتجاج والتظاهر والاعتصام والإضراب متاحة باعتبارها حريات أساسية.

الآن يعيدنا الجيش ووزارة تسيير الأعمال، الذين يعلنان انحيازهما لمطالب الثورة، إلى مربع الاحتجاج على انتهاك حقوق المواطنين بدعوى الطواريء، بينما كان هذا الاحتجاج الشرارة الأولى في الثورة المصرية. وعجلة الأعمال والاقتصاد، التي يريدان تسييرها، لا يجب أن تسير فوق حقوق العمال والموظفين المنتهكة حقوقهم والذين لا يزالون تحت قيادات فاسدة قمعتهم ونهبتهم.

القوى الاجتماعية المشاركة في الثورة، من عمال ومهنيين وطلبة، لا يمكن أن تقدم مطالبها في التماسات إلى المجلس العسكري والوزارة وتترك لبقايا النظام في كل مكان حرية المناورة والتمسك بمواقعها بألاعيب إدارية.

للأسف الشديد، لا يمكن فهم القانون الأخير إلا كإرهاب لجماهير الثورة في مواقعهم، حيث يمكن اتهام كل احتجاجات المهنيين والعمال والطلبة بـ"تعطيل الأعمال"، فضلا عن احتجاجات ميدان التحرير الذي يمكن اتهامها بتعطيل أعمال القاهرة كلها.

رغم قمع اعتصامهم أمس، احتجاج طلبة كلية الإعلام مستمر وانضم إليهم طلاب كليات أخرى مساء أمس ودعوا للتظاهر اليوم في كل أنحاء جامعة القاهرة. ودعت مجموعات ومنظمات شبابية إلى الاحتجاج الجمعة القادمة في ميدان التحرير وميادين المحافظات ضد الطواريء وتقييد حق التظاهر. وليس هذا إلا نموذجا ومؤشرا أن الثورة التي قدمت التضحيات لن تتراجع وتترك شارعها ومطالبها.

الاحتجاجات المستمرة يا د.شرف تعني أن مطالب جماهير الثورة لم تتحق كلها بعد. ولو أردت أن تنفذ وعدك، في حالة عدم قدرتك على الوفاء بمطالب جماهير الثورة، بتقديم استقالتك والعودة معنا إلى ميدان التحرير، ستكون تلك بالتأكيد حالة طواريء، وسيكون عليك ساعتها أن تواجه معنا إما تهمة البلطجة أو تهمة تعطيل الأعمال.

19 March 2011

في طابور استفتاء ما بعد الثورة: جدل «لا» الممكنة و«نعم» المختلفة


أمام مجمع المدارس بأرض الجمعية في إمبابة، وقف شحاته حماد، المدير العام المتقاعد بإحدى شركات القطاع العام، وابنه العشريني يتأملان الطابور الطويل الممتد بمحاذاة السور الذي يحيط بالمجمع ويمتد إلى مدخل المدرسة وصولا إلى اللجان الانتخابية للاستفتاء على التعديلات الدستورية. يشير أحمد لأبيه ضاحكا إلى الطابور القصير أمام كشك بيع الخبز المجاور. يتذكر أحمد أن الأمر كان معكوسا في آخر انتخابات برلمانية.

يتذكر شحاته المرة الأولى التي أدلى فيها بصوته في استفتاء، كان على بيان 30 مارس 1968 الذي أعلنه جمال عبد الناصر متضمنا إصلاحات باتجاه الديمقراطية بعد احتجاجات من عمال وطلاب. لا يتذكر شحاتة حماد النتيجة ولكنه يضحك قائلا: «تقريبا كانت 99.9%».

يتذكر أنه قال «نعم» وقتها مع الجموع التي يقول أنها لم تكن تتصور أصلا أن هناك إمكان لـ«لا». ولكن هذه المرة مختلفة والنقاش يدور بين كل اثنين حول مزايا وعيوب «نعم» و«لا».

أمامه في الطابور يشتعل نقاش بين ناشط في حزب التجمع بامبابة وشاب سلفي. الناشط كان يتحدث عن ضرورة «لا» لأننا نريد إعلانا دستوريا ودستورا جديدا والشاب السلفي احتد عليه وطالبه بالتوقف عن الدعاية لرأيه أمام اللجنة. يحتدان للحظات قبل أن يتدخل آخرون للتهدئة ويطالبون الجميع بالانتظام في الطابور والنقاش بهدوء وبدون صوت عال.

يقترب شحاتة حماد من مدخل المدرسة حيث يقف جنديان من القوات المسلحة مع فردي أمن من الشرطة يتابعان في كسل الطابور الطويل ويتدخلون كل فترة عندما يطالب أحدهم بمنع أي مواطن من تجاوز دوره. مجموعة من الشباب تتطوع لتنظيم الطابور ومراقبته ويشكلون طابورا خاصا موازيا لكبار السن.

لا يترك شحاتة مكانه في الطابور الرئيسي ويظل يتناقش مع ابنه ومجموعة من الشباب حوله. يقول لهم أنه كان يشارك في السياسة ولكن بحذر، وانضم إلى منبر اليسار بقيادة خالد محيي الدين في السبعينات عندما أنشأ السادات المنابر، لكنه خرج منه بعد انتفاضة 18 و19 يناير1977 مع جموع خرجت خوفا بعد اتهام كوادر يسارية بالتورط في الانتفاضة، ولكنه رفض أن يدخل مع الجموع منبر الوسط الذي تحول فيما بعد إلى الحزب الوطني.

يبدي شحاتة أسفه لأن بعض الشباب المتحمسين الذين يدعون لرفض التعديلات يصفون المؤيدين بأنهم فلول الوطني وأتباع الإخوان والسلفيين ويقول: «عهد الوصاية انتهى بعد ثورة الشباب الأنقياء. بلاش الكلام ده. سيبوا الشعب يختار».

يتقدم مع الطابور إلى داخل المدرسة. بجانبه تظهر مجلة حائط صنعها التلاميذ تتحدث عن ثورة 25 يناير وسط ألوان العلم وفي المنتصف تحية للجيش المصري وفوقها صورة للمشير محمد حسين طنطاوي.

يعلق شحاتة أنه سيقول «نعم» من أجل سرعة الانتقال إلى الديمقراطية لكي نحمي الجيش من السياسة ونحمي السياسة من الجيش، وفي النهاية سنحصل على دستور جديد بعد الانتخابات البرلمانية، ويضيف ببعض الغضب :«فيه ناس بتفهم الناس إنهم لو وافقوا مافيش دستور جديد. ده غلط. في كل الحالات لازم هاييجي دستور جديد. هو احنا والشباب دول هانسيب حقنا تاني بعد الثورة؟».

يبتسم شحاتة في أسى لأن جيله فرط أحيانا في حقه. يقول أنه كانت لديه 3 تذاكر انتخابية. واحدة في الباجور مسقط رأسه حيث يدلي بصوته لكمال الشاذلي من باب العصبية، وواحدة في شبرا الخيمة حيث مقر عمله ويترك رؤسائه يصوتون باسمه وواحدة في روض الفرج حيث يسكن قبل أن ينتقل إلى إمبابة:«تركت آخرين يصوتون باسمي لكن في منطقة سكني صوتت أحيانا لصالح مستقلين ومرشحي المعارضة المحترمين. عمري ما صوتت لمبارك ولا مرة. ما كانش عندنا أمل، الكل كان عارف الطبخة إزاي. دلوقتي الشعب هايقول كلمته بقى».

يدخل ابنه في نقاش مع ماجد الذي يبدو الصليب من فتحة قميصه، الذي يؤكد أنه سيقول «لا» من أجل فرصة لكل التيارات لكي تنظم نفسها قبل الانتخابات البرلمانية. مجموعة من الشباب المسيحيين يوافقون ماجد ولكن بينهم يقول مينا أنه سيقول «نعم» ولا يخشى من سيطرة الإخوان المسلمين على البرلمان لأنه شارك بجوار بعضهم في الثورة ولأنهم أعلنوا أنهم لن ينافسوا على أكثر من ثلث البرلمان وأن كل من شارك في الثورة يريد الآن دولة مدنية. مثل مينا كان هناك محمد عبد الفتاح الشاب السلفي الذي يخوض نقاشا مع زملائه السلفيين مختلفا معهم أن الجدل ليس حول المادة الثانية وأنه سيقول «لا» مخالفا لهم جميعا لأنه يريد إعلانا دستوريا جديدا باسم الثورة التي شارك فيها.

يتابع شحاتة نقاشهم قليلا قبل أن يقرر الانتقال إلى طابور كبار السن، يدلي بصوته سريعا ويخرج. يمازحه الشباب أنها ثورة شباب ويجب أن يكون الاستثناء لصالحهم. يربت على كتف أحدهم ويقول ببعض التأثر: «إحنا خلاص يا بني عشنا أيامنا. دي دولتكم بقى. خلوا بالكم منها.إنتم مسئولين عنها».

17 March 2011

أكثر من «نعم» وأكثر من «لا»

ورقة الاستفتاءعلى التعديلات الدستورية المقترحة التي سيدلي فيها المصريون باختيارهم السبت القادم، لم تسمح لهم إلا بالانقسام إلى كتلتين يدور بينها نقاش وجدل محتدم بين «نعم» و«لا». ولكن التفاصيل داخل كل موقف تحمل تنوعات أكثر وربما بعض تناقضات داخل كل كتلة.

هناك «نعم» اقتناعا بأن التعديلات ترسم طريقا محددا مقبولا نحو دستور جديد يمر عبر برلمان منتخب وفترة انتقالية أقصر، وهناك «نعم»، منتشرة على بعض المواقع السلفية، تعتقد أن التعديلات تقطع الطريق على دستور جديد تماما وذلك يحمي المادة الثانية في الدستور المتعلقة بالشريعة الإسلامية ويقطع الطريق على «مؤامرات العلمانيين والنصاري» بحسب تعبيرات هذه المواقع.

هناك «لا» لا تزال تعتقد أن التعديلات فعلا تقطع الطريق على دستور جديد وتجعله رهنا برغبة رئيس الجمهورية أو أغلبية البرلمان ولا تزال تجادل في إلزام المادة 189مكرر في التعديلات. وهناك «لا» تتمسك بدستور جديد الآن قبل أي انتخابات تجرى وفق الدستور القديم.

هناك «نعم» من تيارات متشوقة إلى صندوق الانتخابات البرلمانية أولا ثقة في انتشارها، في هذه الجبهة يقف الإسلاميون. وهناك «نعم» تؤكد ضرورة خوض المغامرة الديمقراطية في أقرب وقت بدلا من فترة انتقالية مرتبكة وتراهن على تغير خريطة الشارع السياسي بعد المشاركة الواسعة المتوقعة كنتيجة لثورة شعبية استطاعت حشد الملايين في الشوارع هتفوا معا من أجل دولة مدنية وديمقراطية.

هناك «لا» من تيارات لا تزال تطالب بفترة استعداد و تؤكد وجاهة ثقة الإسلاميين وتخشى من انتخابات برلمانية مبكرة، وهنا يقف العديد من الأحزاب والحركات والنشطاء وكتلة كبيرة من الأقباط. وهناك «لا» تعتد بثقتها على حشد إجماع في الشارع وتوافق بين القوى السياسية يمكنه أن يضغط من أجل استكمال تحقيق مطالب الثورة وفق سيناريو تطرحه هذه القوى وليس السيناريو الذي فرضه الجيش بهذه التعديلات، و

هناك «لا» أخرى تعلن ثقتها في الجيش وتطالبه بإعلان دستوري وتعيين لجنة تأسيسية أو تشكيل مجلس رئاسي للفترة الانتقالية.

هناك مثلها «نعم» تطرح ثقة كبيرة في الجيش وإدارته للبلاد وتحديد الخطوات نحو الديمقراطية، وهناك «نعم» لا تزال تميل للموافقة على كل بديل تطرحة السلطة المطروحة خوفا من الفوضى والمجهول. ولكن هناك «نعم» تعترض على أسلوب طرح الجيش للاستفتاء وقلقة من استمرار الجيش كسلطة تدير البلاد، ولكنها توافق علي الاستفتاء رغبة في تقليص فترة إدارة الجيش للبلاد وتعلن قلقها من أسلوب تعامله مع التجمعات الجماهيرية واستخدام العنف في فض الاعتصامات وإحالة المدنيين لمحاكمات عسكرية وتعرضهم للتعذيب وانتهاك حقوقهم أثناء احتجازهم.

هناك «لا» قلقة على الديمقراطية من أن تبدأ في ملعب غير مؤهل ووقت غير موات فتجهض الثورة، وهناك «نعم» قلقة على الديمقراطية من استمرار الفترة الانتقالية في أجواء أمنية متوترة تدفع الجيش لإجراءات تحدد الحريات ومنها حق التظاهر والاعتصام فيجهض غياب الديمقراطية الثورة.

هناك «لا» تتمسك بالشرعية الثورية وتخشى ذوبانها وسط محيط انتخابات تتوقع أن تحكمها العصبيات والأموال ومراكز القوى القديمة في النظام، وهناك «نعم» تتمسك بالشرعية الثورية وتخشى ضياعها وسط مداولات رموز سياسية وتفاوضها مع الجيش، ولأن الثورة لا مركز لها يعلن عن هذه الشرعية – كما هو الحال في حركة الظباط الأحرار في 1952– لذلك ترى ضرورة أن تكون أقرب هيئة منتخبة تعبيرا عنها ولا تريد أن يظل الجيش متحدثا باسم هذه الشرعية الثورية التي انتزعها الشعب.

هناك «نعم» تريد أن تلتقط أنفاسها بعد التسارع الجنوني للإيقاع الفترة الماضية، وهناك «نعم» تريد أن تشمر فورا للمعركة الديمقراطية متفائلة بنفس الإيقاع. هناك «لا» تريد استمرار الإيقاع الثوري وترفض الهدوء والقبول بما تراه أنصاف حلول، وهناك «لا» تريد أن تلتقط أنفاسها قبل المعركة الديمقراطية.

الجدل المحتدم المضغوط في الفترة القصيرة الماضية يعكس مشهدا مثيرا للتفاؤل. «نعم» و«لا» التي تقال باهتمام وحماسة هي أكثر من «نعم» و«لا» باردة في خانة استفتاء. الاهتمام السياسي الوطني المتوقد حاليا يقول أنه مهما كانت النصوص فإن إرادة هؤلاء الذين يعتنون بمصيرهم بهذه الحماسة لا يمكن أن يتم تجاوزها دون رضاهم.


06 March 2011

ليلة اقتحام أمن الدولة بمدينة نصر: النظام القمعي مقلوبا



بعد الرابعة عصرا بقليل، كنا لا نزال أقل من مائة متظاهر أمام مقر أمن الدولة بمدينة نصر، نحدق في مبانيه الضخمة المهيبة ذات الشكل الهرمي المقلوب. باستثناء بعض الرهبة التي تجاوزناها سريعا كان المشهد لوحة كاملة للنظام القمعي مقلوبا.

كان النشطاء في الطريق يتصلون ببعضهم ويتضاحكون من أنهم للمرة الأولى يتجهون هم بأنفسهم إلى مقر أمن الدولة الذي تم اقتيادهم واستدعاؤهم إليه قبلا. يذهبون هذه المرة لحصاره. الأعداد القليلة تتجمع أمام الناصية التي تلتقي فيها زاوية سور المقر بمبنى قسم الشرطة. الضباط على أبواب القسم لا يتجاوزونه. أعداد من الشباب السلفيين تتوافد، حواجبهم معقودة وبداخلهم غضب مكتوم، واحد منهم يقول: كنت أمر من هنا وأضع عيني في الأرض قهرا، اليوم لن أمشي إلا عندما نخرج ومعنا كل إخواننا المتعقلين بالداخل!

نترك الناصية ونتوجه إلى الرصيف المقابل لأحد الأبواب الإلكترونية التي تسدها مدرعة جيش وعدد قليل من جنود الشرطة العسكرية. الأعداد تزيد، فنتقدم ونحتل الجزيرة الوسطى ونقترب أكثر من الباب. بعض الشباب مهووسون بتنظيم المرور ووضع حد لصفوف المظاهرة لكي لا يتعطل الشارع، آخرون يتفاوضون مع بعض ظباط الجيش. يحاول الضباط تهدئة المتظاهرين بأن العمل مجمد والمقر خال. المتظاهرون يطلبون التأكد بأنفسهم، وضباط الجيش ينظرون إليهم في دهشة!

شاب سلفي اعتلى أكتاف الشباب وبدأ يهتف بحرقة ويقسم: مش هانمشي إلا لما ندخل!

تزداد أعداد المتظاهرين في سرعة إلى عدة مئات ثم عدة آلاف. وتبدو أعداد جنود الجيش والشرطة العسكرية قليلة، ويبدو أنهم لم يتوقعوا إلا مظاهرة رمزية. يتقدم المتظاهرون ويحتلون الشارع أمام المدخل مباشرة ويتركون حارة واحدة لمرور السيارات. عدد كبير من عربات القمامة يمر بشكل يثير ريبة المتظاهرين. يوقفونها ويعتلي الشباب العربات ويفتشونها: لا شيء، مجرد قمامة. أعدادنا تزيد ونحتل الشارع بالكامل. تتوجه مجموعة لإغلاق مدخل الشارع وتوجيه السيارات إلى شارع آخر. يشك الشباب في عربة قمامة أخرى ويعتلونها ويجدون بداخلها أكواما من الورق المفروم. عند المفرق يلحظ أحدهم شارعا جانبيا مؤديا إلى مدخل للسور الكبير الذي يحيط بمقر أمن الدولة لا تحرسه سوى مدرعة واحدة وجندي واحد. يصرخ الشباب ويجرون إلى المدخل. ينظر الجندي فوق المدرعة إلينا في ذعر ودهشة ولا يحرك ساكنا. يتجاوز الشباب المدرعة ويكسرون الباب الحديدي العادي ويدخلون إلى ساحة بها مبان ملحقة ويتجهون فورا إلى باب داخلي مؤد إلى مباني أمن الدولة. المجموعة التي تصعد السلم وتحاول كسر قفل الباب تهتف بالشهادتين وتصرخ: أهلا بالشهادة! حدقت أنظارنا في الداخل، توقعنا طلقات قناصة أو ظهور ضباط أو جنود. ولكن الشباب كانوا يقتحمون الباب ويعتلون السور وهم يصرخون: الله أكبر!

انتشر الشباب في المباني المختلفة، يكسرون الأبواب بأقدامهم وبطفايات الحريق، يقلبون في الأوراق والملفات وينصحون بعضهم بعضا بالحفاظ على كل شيء. أحدهم انتابته هستيريا وأخذ يركل الكراسي ويرمي بالأدراج ويركل المكاتب، فاحتضنه أحدهم هاتفا: مش هانخرب حاجة، حافظوا على كل حاجة!

أمام ثلاجة مياه وقف بعض الشباب يتناقشون حول أحقيتنا في شرب هذه المياه، وأحقيتنا في أخذ تذكارات من مكاتب الضباط.

آخرون يهتفون أن الأولوية هي العثور على أماكن احتجاز المعتقلين. بين حين وآخر يخرج شاب هاتفا أنه كان محتجزا في سجن الاستقبال، بعضهم يشكك ويقول إنهم كانوا من العمال القلائل الباقين في المبنى، يذوبون وسط الزحام ويشتركون في تفتيش المكاتب وحمل الملفات إلى الخارج ويرفضون الحديث مع أحد، بعضهم يبكي وبعضهم يصرخ: تحيا مصر .. تحيا مصر!

سريعا يشكل المقتحمون مجموعة لاستلام الملفات وتجميعها قرب المدخل. شباب سلفيون ينخرطون في بكاء وهم جالسون على مكاتب الضباط يقلبون في الأوراق. بين حين وآخر يدوي هتاف: ملف كنيسة القديسين! ملف عبارة السلام! ملفات الإخوان هنا!

شباب فتحوا أجهزة الكمبيوتر وانتزعوا منها القرص الصلب وسلموه إلى اللجنة بالخارج.

جنود الجيش والشرطة العسكرية يتجولون في الممرات حولنا غير مصدقين ويحاولون إقناع الشباب بالخروج. شاب سلفي يصرخ فيهم: أنا اتعذبت هنا! مش خارجين! يقترح البعض: مش هانمشي إلا لما النيابة تيجي وتستلم المبنى والملفات! ينتشر الاقتراح ويتحول إلى إجماع: لن نسلم الأوراق إلى الجيش، نريد لجنة من النيابة والقضاء لتستلم الملفات والمبنى.

يحاول الجيش إيقاف سيل المواطنين الذين سمعوا بالاقتحام وتوافدوا إلى الداخل. كثيرون يلتقطون صورا تذكارية في مكاتب الضباط، وبعض الشباب وصلوا إلى قمة المبنى الرئيسي وأنزلوا علما فوقه وسط هتافات الشباب.

الشباب يضعون الأعلام على السور خلف أكوام الوثائق والملفات والأقراص الصلبة. أكوام أخرى من الوثائق المفرومة. شاب يصرخ بجانب كومة مفرومة: الجيش اتأخر ليه؟ فرموا الملفات المهمة!

يطلب الجيش من الشباب الابتعاد عن الملفات، ولكن الشباب يرفضون ويتفاوضون مع أحد الضباط ويقنعونه بتشكيل مجموعة لحراسة الملفات مع بعض الجنود. نجلس فوق أكوام الملفات وأمامنا صف من الجنود المسلحين.

يحضر مستشار يعرف نفسه للشباب بأنه المستشار وليد شرابي. يطلب ظابط الجيش منا الرحيل فيرفض المستشار ويطلب اختيار عشرين شابا يبقون معه للمساعدة في نقل الملفات ويختارهم من بيننا.

نعرف أن أعدادا أكثر تتجمهر بالخارج، أنباء عن وصول النائب العام إلى المبنى. نشاهد المستشار زكريا عبدالعزيز يدخل. يطمئن الشباب ويبدأون في طاعة أوامر الجيش بالخروج بعد خضوعهم للتفتيش. في الخارج حشود كبيرة تتجمهر أمام المداخل وتشير بعلامة النصر للخارجين والكل يهتف: أمن الدولة بره! مصر هاتفضل حرة!


05 March 2011

الشرعية في الميدان




ظهر أمس اشتريت علما للمرة الثانية في حياتي. المرة الأولى كانت بعد سقوط مبارك. هذه المرة لوحت به ورئيس الوزراء الجديد عصام شرف يلقي كلمته في ميدان التحرير بعد أن لبى دعوتنا لبدء عمله من الميدان ليستمد شرعيته منه. الثورة أكبر بالطبع من ميدان التحرير ولكن الميدان الرمز الأبرز للشارع، وفي الشارع كانت الثورة ولا تزال.

15 February 2011

بعيدا عن حكم العسكر: ما يجب أن يقلقنا حقا من الجيش



لا يبدو أن تحول تحرك الجيش لصالح الثورة إلى انقلاب لصالح حكم عسكري هو المقلق حقا. ولكن المقلق هو أن يحاول الجيش محاصرة الحركة الجماهيرية الدافعة للثورة وإعادة بناء الدولة برؤية تضيق بالحريات العامة وحرية المطالبة الاجتماعية والفئوية التي تعد الضمانات الأهم للديمقراطية الحقيقية والجذرية. مقال هام للصديق عمرو عبد الرحمن، الباحث السياسي والزميل في هيئة تحرير "البوصلة" صوت اليسار الديمقراطي.

الانقلاب الثانى: أسباب وجيهة للتفاؤل .. وللقلق أيضاً

عمرو عبد الرحمن

تشكل الإشارات المتناقضة التى تنطوى عليها بيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال اليومين الماضيين مصدراً لتخوف الكثيرين من أن يكون التدخل العسكرى لإزاحة مبارك مقدمة لتصفية الحركة الجماهيرية الواسعة وإعادة تأسيس دعائم النظام القائم منذ يوليو1952. غنى عن الذكر أن الانقلابات العسكرية لم تكن حدثاً مطمئنا للقوى الديمقراطية فى أى يوم من الأيام، وإذا أخذنا فى الاعتبار ما أفضى إليه تدخل العسكر فى مصر لاكتسب القلق مبرراً إضافياً. إلا أنى أحسب أن القلق فى هذه الحالة فى غير محله أو على الأقل لا ينصب على مايستدعى القلق بالفعل. أظن أنه من غير الوارد تراجع الجيش عن وعوده بشأن تعديل دستورى موسع وانتخابات حرة وغيرها من إجراءات إصلاح سياسى جدى. إلا أن ذلك لا يعنى انتفاء دواعى القلق والتى لا تنصب بالضرورة على موقف الجيش من هذه الإجراءات بقدر ما تنبع من قراءة لطبيعة العلاقات المدنية-العسكرية المركبة التى تم غزلها خلال حقبة الرئيس مبارك نفسها، وهى العلاقات التى قد تقف بحد ذاتها كحجر عثرة فى طريق مد مفاعيل الانتفاضة الديمقراطية إلى ما هو أبعد من ميدان التحرير، حتى فى ظل إقرار الإصلاحات الديمقراطية.

لنبدأ بدواعى التفاؤل... للوقوف على فهم أفضل لطبيعة التدخل العسكرى الأخير لا مفر من مقارنته بانقلاب يوليو 1952 والذى أسس للنظام الحالى. ما حدث فى يوليو كما هو معروف لم يكن انقلاباً باسم الجيش بقدر ما كان انقلاباً قادته مجموعة سياسية داخل الجيش ضد قيادتها وضد القصر فى ذات الوقت. هذه المجموعة السياسية كانت معروفة بتوجهاتها المعادية للديمقراطية الليبرالية وتحميلها مسئولية الأزمة التى عصفت بالنظام السياسى المصرى القائم منذ إقرار دستور 1923. هذا الملمح وسم طيف واسع من الانقلابات العسكرية خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات فى الكثير من المجتمعات حديثة العهد بالاستقلال. أما ما نحن بصدده فهو تدخل للجيش بصفته المؤسسية وبكامل قيادته الموحدة ولسنا بصدد انقلاباً يقوده تنظيماً أو حزباً سياسياً داخل الجيش، وهذا الوضع الجديد، والذى يبدو أنه ناتج عن إجماع داخل هذه القيادات، قد يسهم فى حصار أية ميول سلطوية تخرج عن المهمة التى حددها الجيش لنفسه تحت ضغط الانتفاضة. كذلك لا يبدو أن هذه القيادة تكن عداءاً للديمقراطية الليبرالية، بل ولا يبدو عليها مظاهر تسييس من أى نوع. هى قيادة تشكلت فى ظرف تاريخى مغاير لحقبة التحرر الوطنى وتأثرت بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة طوال الثلاثين عاماً الماضية، وتكشف الأحداث الأخيرة عن عمق تنسيقها مع الإدارة الأمريكية فى كافة تحركاتها. ومن الواضح فى هذا السياق أنها تشربت بعقيدة جديدة قوامها أن حكم القانون وقدر من الديمقراطية الليبرالية هى مبادئ لا غنى عنها لتحقيق أهداف التحديث بالمعنى المجرد للكلمة والمهيمن على عقل مؤسسات الدولة فى مصر. وأخيراً، يأتى التدخل الثانى للجيش فى هذا الصدد على خلفية انتفاضة شعبية فتية دفعته دفعاً لحسم موقفه فى مواجهة سلسلة من التحركات العبثية فى كافة الاتجاهات لاتستهدف إلا ابقاء مبارك فى السلطة ولو على حساب الحد الأدنى من مبادئ الدولة الحديثة وبما يهدد مصالح الكتلة الحاكمة ككل بما فيها المؤسسة العسكرية. بالتالى فنحن بصدد انقلاب هو أقرب ما يكون إلى سلسلة التدخلات العسكرية التى سهلت أو أسست لموجة جديدة من موجات التحول للديمقراطية الليبرالية مع منتصف السبعينيات ونهاية الثمانينيات فى جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية. من البرتغال فى منتصف السبعينيات إلى البرازيل مع نهاية الثمانينيات، ما كان لعملية تصفية الأوضاع السلطوية أن تنجح بدون ضمانات من المؤسسة العسكرية بوصفها مصدر القوة وأداة القهر الرئيسية القادرة على فرض حكم القانون فى مواجهة تحلل أجهزة الدولة المستمر بفعل التكلس السلطوى أو السطوة الأوليجاركية. بل فى الكثير من الأحيان، كالبرتغال مثلا، تولى العسكر تصفية الإرث السلطوى الذى خلفّه عسكرٌ آخرون. أظن أننا بصدد وضع مشابه لهذه التجارب أكثر من كوننا بصدد انقلاب ينتمى لمرحلة التحرر الوطنى: أى أن الجيش يحاول أن يستبطن منطق الدولة أكثر من محاولته الانقلاب علي الدولة. وهذه المحاولة وإن كانت تتمايز عن منطق الانتفاضة إلا أن دعمها، ولو مرحلياً، كان واجباً لحماية الانتفاضة نفسها فى مواجهة مناورة واضحة هدفها شراء الوقت والبدء فى إجراءات ثورة مضادة بالمعنى الحرفى للكلمة.

إلا أن إشكاليات تدخل الجيش بالمعنى المؤسسى السابق ذكره لا تقتصر على مدى وفاء الجيش بتعهداته من عدمه. فالمؤسسة العسكرية كأى مؤسسة تخترقها علاقات القوى الإجتماعية وتتحدد مواقفها واستراتيجياتها فى محيط من الصراعات السياسية والأيديولوجية بما قد يحولها من رصيد للتحول إلى حجر عثرة فى طريقه. بعبارة أخرى، حتى لو أوفى الجيش بكامل تعهداته، ستبقى طبيعة العلاقات العسكرية-المدنية كما نعرفها فى مصر نقطة إشكالية بحد ذاتها. وتعلمنا خبرة السياقات المذكورة سابقاً أن ضمان العسكر للتحول الديمقراطى لا يعنى بالضرورة قبولاً بأن تمتد مفاعيل هذا التحول إلى مواقع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل القطاعات المدنية وأوضاعها المتميزة التى تراكمت عبر عقود، بل إن تصفية هذا النفوذ كان مجال الصراع الأساسى فى العديد من هذه التجارب بهدف دعم هذا التحول الديمقراطى وتحصينه.

فى هذا الصدد، يمكن الحديث عن ثلاثة إشكاليات تثيرها طبيعة العلاقات العسكرية-المدنية فى الحالة المصرية: إشكاليتان تتعلقان بمرحلة الانتقال والأخرى مرشحة للاستمرار إلى ما هو أبعد من ذلك. من جهة أولى، لا يبدو أن المؤسسة العسكرية بحكم طبيعة علاقتها بالميراث الاستبدادى للدولة المصرية وتشربها بمنطقها الأبوى تبدى قدراً من التفهم لتواتر الاحتجاجات الإجتماعية والتى تتجه لتشكل حلقة ثانية أكثر جذرية من حلقات الانتفاضة المصرية. فمن الواضح أن المجلس العسكرى يسعى إلى حصر الأمر فى نطاق التحول الدستورى ويصور خطابه اتساع نطاق الاحتجاجات كما لو كان خروجاً عن مسار الانتفاضة الوطنى وارتداداً إلى صراعات "فئوية الطابع". فى هذا السياق تعتبر التقارير الأخيرة عن حالات الاعتقال وقائع التعذيب المنهجى فى السجون الحربية أو معسكرات التدريب خلال فترة الانتفاضة مؤشراً على المدى الذى يمكن أن تصل إليه هذه الذهنية فى التعاطى مع الاحتجاجات المدنية. من جهة ثانية، يبقى موقف المؤسسة العسكرية تجاه القوى السياسية الحاضرة فى هذه الانتفاضة نفسها محل غموض. أغلب الظن أنه موقف مشبع بترسبات خبرة نظام يوليو مع الإسلام السياسى بصورة أساسية واليسار الراديكالى بدرجة أقل. يخاطب المجلس العسكرى فى بياناته كائنات غامضة تسمى "بالمواطنين الشرفاء"، وهى عبارة موروثة من البلاغة الناصرية التى اعتبرت كل مواطن منصرف عن السياسة بالمجمل هو "المواطن" بألف لام التعريف. غنى عن الذكر أن بدء مسار الإصلاح بتهميش الإسلاميين أو غيرهم لن يؤدى إلا إعادة إنتاج مصادر الخلل الرئيسية فى المجال السياسى المصرى والمتمثلة فى تهميش كل ما هو فاعل وذو حضور والابقاء على كل ما هو هامشى وعاجز. من ناحية ثالثة وأخيرة، قد تشكل طبيعة العلاقات المعقدة التى غزلتها المؤسسة العسكرية مع مؤسسات السوق الرأسمالى والأوليجاركية المتخندقة حول مبارك بدورها عائقاً إضافياً يحول دون مد مفاعيل الثورة الديمقراطية إلى نطاق أوسع. تننتمى غالبية الوجوه العسكرية التى تولت مناصب تنفيذية أو سياسية رفيعة فى العقد الأخير إلى هذا المركب العسكرى- الأوليجاركى (أحمد شفيق نفسه يعد مثالاً صريحاً على هذا التداخل منذ إلتحاقه بلجنة السياسات عام 2002 ثم حكوةمة نظيف فى 2004). هنا تتحرك القوى الديمقراطية فى حقل ألغام غير مطروق وقواعد الاشتباك داخله غير معلومة. المؤكد أن السوابق غير مبشرة سواء تعلق الأمر بنضالات مباشرة على الأرض فى هذه القطاعات أو بمدى القبول بتناول هذه العلاقات بالنشر والتعليق. شهد الصيف الماضى على سبيل المثال واقعة إحالة عدداً من العمال المضربين فى أحد المصانع الحربية إلى محاكمة عسكرية عاجلة، وهى واقعة لا يفصلنا عنها سوى شهور معدودة. كما لا يجب أن ننسى فى هذا الصدد أن ترسانة القوانين المقيدة للحريات، والتى أٌعلن عن نية مراجعاتها فى المرحلة الانتقالية تحت سلطة المجلس العسكرى، تحتفظ فى غالبيتها بمكانة متميزة للمؤسسة العسكرية تحصنها ضد النقد أو التعامل الإعلامى (التشريعات المنظمة للنشر الصحفى تعد مثالاً صارخاً من ضمن أمثلة عدة).

إلا أن الإشكاليات السابقة تطورت خلال حقبة مبارك وستلازمنا لمدة طويلة من الزمن على ما يبدو. وبالتالى لا تنتقص من افتراضنا الرئيسى بأن حسم الجيش كان ضرورياً فى هذه المرحلة وأن التطورات اللاحقة تشير إلى إمكانية إلتزامه بتعهداته الخاصة بانتقال سلمى للسلطة. أما مواجهة إشكاليات العلاقات العسكرية-المدنية فهى مسألة مرهونة بقدرة الحركة الشعبية على تطوير أدوات نضالها بما يتجاوز التظاهر الدائم وتوسيع رقعة هذا النضال إلى ما هو أبعد من ميدان التحرير، وهى الاشكاليات التى ينبغى أن تستحوذ على عقل الثوار بدلاً من الجزع المبالغ فيه بشأن نوايا العسكر.