26 January 2013

"لماذا الاحتجاج مجددا في 25 يناير؟”.. وهل توقف لحظة؟!



يبدو لي غريبا السؤال والاستفسار عن سبب عودة الاحتجاج إلى ميادين القاهرة والمحافظات يوم 25 يناير، وكأن الناس في القاهرة والمحافظات توقفوا لحظة عن الاحتجاج

يمكنني أن أملأ هذا المقال بالإشارة فقط إلى أماكن ومطالب احتجاجات الأسبوع الماضي. ولكن هناك فقط كأمثلة من هذا الأسبوع: قطع عمال إحدى الشركات طريق كورنيش النيل أمام فندق شهير وقت اجتماع للمجموعة للاقتصادية المالكة للشركة فيه، تجمع غاضب واشتباكات أمام قسم شرطة شبرا الخيمة بسبب مقتل مواطن على يد شرطي، تجمع غاضب لأهالي الشهداء أمام محكمة في الإسكندرية وقت محاكمة ضباط متهمين بقتل متظاهرين، احتجاج شباب ألتراس أهلاوي بوقف خدمة مترو الأنفاق وكوبري 6 أكتوبر لبعض الوقت، وهما أهم مرافق المواصلات في القاهرة على الإطلاق، مظاهرة لأئمة المساجد في الأقصر احتجاجا على انحياز إدارة وزارة الأوقاف للمنتمين للإخوان المسلمين، وقفة لحاملي شهادات الدراسات العليا أمام منزل رئيس الوزراء، مجموعاتأناركيةتهاجم مقر حزب الإخوان في مدينة السادس من أكتوبر وتتوعدالجماعة الفاشية"، وقفة احتجاجية للصحفيين أمام نقابتهم في ذكرى الأربعين لزميلهم الراحل الحسيني أبو ضيف الذي سقط في اشتباكات الاتحادية إثر احتشاد شباب الجماعة الفاشية لفض اعتصام المعارضين هناك، وأخيرا، معارضون يوقفون السكك الحديدية في الإسماعيلية وقت زيارة الرئيس للمدينة.
الصورة الأكبر، لمن سيطالع الصفحات الداخلية لأي صحيفة مصرية، فيها عشرات الوقفات أمام أقسام الشرطة والمحاكم والوزارات والمصانع والشركات والجامعات، وحملات حقوقية عن استمرار العسف بحياة وسلامة المواطنين على يد الشرطة وتهديد الحريات الخاصة والحريات الدينية وحرية التعبير والحريات الطلابية والنقابية وتهديدات لحرية الإعلام واستقلال القضاء وتلاعب بالمسار السياسي والنظام الانتخابي. وحملات شبابية تجوب بعض أحياء القاهرة والمحافظات بعنوان "كاذبون باسم الدين"، واحتكاكات واشتباكات شبه يومية في مواقع متعددة وصلت للمساجد بسبب إبداء خطباء وأئمة لآراء سياسية داعمة للسلطة على منابرها. هذا كله فضلا عن اعتصام رمزي ممتد في التحرير وأمام قصر الرئاسة منذ أزمة الإعلان الدستوري ثم أزمة الدستور.
لم يتوقف الاحتجاج لحظة واحدة لأن هناك انتقالا حدث للسلطة ولكن السلطوية لا تزال جاثمة عل أنفاسنا مهما تذرعت بديباجات الثورة.

ولذلك يعود الاحتجاج الجامع في 25 يناير. فقط ليصل إلى ذروة الجدل بين رغبات وآمال ومخاوف طرفي الاستقطاب المتناثر في معارك متفرقة في كل ما سبق.
من ناحية، في أقصى يسار الأمل الثوري، هناك توتر راغب وآمل في أن يكون تاريخ اليوم الأيقوني للثورة المصرية هو التعويذة السحرية التي يمكنها أن تجمع كل شرارات الغضب هذه لتصنع "لحظة فارقة" جديدةمع الاعتذار للشيخ أبو إسماعيل - كما صنعت سابقا لحظة فارقة ضربت الزمن المصري وأخرجته من إطار "الحسابات العقلانية والمتوقعة" إلى زمن آخر انفتح فيه الواقع على الخيال ، ولا يزال الخيال يصارع ثقل الواقع الجاثم على ضفاف النيل.
وعلى الطرف النقيض، هناك توتر سلطوي يتساءل مستنكرا عن "جدوى" و"عقلانية" ذلك الطموح لتلك "اللحظة الفارقة" المحتملة. استنكار يستعيذ من هذه اللحظة بكل ما تدعيه السلطة من إنجازات أو أعذار عن الأخطاء والخطايا، وبكل ما أوتي لسان السلطة في مصر من بلاغة مديح الاستقرار والصبر أو هجاء المعارضين و"مؤامراتهم". البلاغة نفسها التي استخدمها مبارك ثم المجلس العسكري، حرفيا. البلاغة التي تتلبس كل الأطراف والتيارات والفئات الاجتماعية التي تمثل الآن، ببساطة، ثقل الواقع الذي يصارعه الخيال.
في أوقات الثورات واللحظات التأسيسية في حياة الجماعات كان هناك دائما ذلك الخيال الذي راود البشرية لتنتقل معه من ثقل واقع التسلط والتفاوت إلى السير في اتجاه اقتراحات "الحرية والمساواة"، كان ولا يزال تمام ذلك خيالا، ولكن بعضه صار إنجازا على الأرض وبعضه لا يزال طرقا مرسومة بمداد الخيال، يكافح المقاومون الحالمون من أجل التقدم فيه قليلا ومن أجل أن يتقهقر السلطويون والطائفيون فيه قليلا.
تحاول كل جماعة سلطوية قديمة أو جديدة احتكار الواقع والواقعية والعقلانية والممكنات. وتلك علامة تركهم لخيال الثورة إلى خيالات السلطة والواقع. للواقع الثقيل خيالاته المضادة. مثل خيالات من شاركوا وصدّقوا أنفسهم أو كذبوا عليها وعلى الناس أن النسخة المعدلة هنا والشائهة هناك من دستور 1971 هي فعلا دستور نادر المثال.أو خيالات الرئيس وجماعته عن "المؤامرات" التي لا يعلن عنها أبدا. وخيالاتهم المنثورة في قرارتهم وتصريحاتهم وأبواقهم الإعلامية التي يحيلها برنامج ساخر مساء الجمعة من كل أسبوع إلى مسخرة العالم.

الخيالات الأهم عن إمكان الإصلاح المحدودباسم الثورة - بنفس هيكل ومؤسسات وفلسفة دولة يوليو السلطوية، بعد إضافة ديباجة إسلامية لهذه السلطوية.
لا تعرف خيالات السلطوية عن خيال الثورة سوى أنه أشواق تسكن لمجرد زيارة صناديق الانتخابات، ثم تترك المشايخ الحائزين على ثقة الشعب ديمقراطيا يتحفزون للانتقاص من ساحة الديمقراطية وحرياتها وضماناتها، ويتبجحون بالحق في تضييق المجال العام وتكبيل مجال التشارك الديمقراطي باسم "الأغلبية" وإجراءات ديمقراطية شكليةعلى مثال تصعيد وإضافة سلطات لمجلس الشورى الميت إكلينكيا، ناهيك عن إجراءات استثنائية مثلالإعلان الدستوري.
هيهات.

أين يمكن يا ترى أن تذهب تلك الطاقة الكبيرة عند هؤلاء الذين ألهمهم الخيال الثوري ثم وجدوا بينه وبين آمالهم مسار سياسي أخلد إلى الأرض وثقل الواقع، وسلطة استمرت في زرع شوارع القاهرة بأسوار أسمنتية في مواجهة الاحتجاجات، وأسوار من التحريض الطائفي والتخوين في مواجهة المعارضة وحشود تحلم بفاشية طائفية وتهرع لنجدتها.
في الاحتجاجات اليومية المتناثرة ومعاركها السابق ذكرها تنفجر هذه الطاقات هنا وهناك بلا هوادة. بضرباتها اليومية تحاول بخيال أرحبديمقراطي بحق- أن ترغم الواقع على أن يسعها وينزل على سلطانها.
ربما لن يكون يوم 25 يناير هذه السنة آخر المحطات. والآمال المعلقة على لحظة فارقة يأتي بها اليوم الأيقوني لن تتوقف عنده وربما تصادف تواريخ أخرى تصنعها. والنفاد النبيل لصبر الشباب والحالمين والمقاومين الذي لا ينهي الأمر بضربة واحدة ثورية، يتعلم أن الثورة عملية أطول وأعقد من الإسقاط المتكرر لسلطة هؤلاء الشائخين سنا وروحا وخيالا، هؤلاء الذين تجبرهم الضربات الثورية وتفشي الخيال وخروجه عن السيطرة على أن يظهروا كامن سلطويتهم وطائفيتهم ليكونوا رعبا ثم يكونوا مسخرة.

نشر في "الشرق الأوسط" في 25 يناير 2013

20 January 2013

البقية في حياتنا

الخبر الذي لمحته ذلك الصباح عن تاجر الملابس الذي توفى داخل قسم الوراق، وتاه وسط زحام الأخبار والمشاغل، تحول مساء اليوم التالي إلى شأن عائلي عندما أخبرتني مكالمة من أخي أن ذلك التاجر هو قريبنا.
سامح فرج، هو ابن بنت عمة جدتي. اختصارًا كنا نعتبره ابن عمة أبي. لم تكن علاقتي الشخصية به قوية.
كان مفاجئًا لي أن مرّ عليّ أولاً خبر موت أحدهم داخل قسم شرطة قريب نسبيًا من مسكني باعتباره خبرًا غير فادح، ربما بسبب انفجار عداد القتلى الأيام الماضية وكثافة الأيام بالأحداث والإصابات والوفيات، ربما لأنه – بخلاف الأسماء – لم يتغير شيء جذريًا في جهاز الشرطة، وسقوط الضحايا يتوالى.
 ثم كان مفاجئًا لي أن أرى الموت في أقسام الشرطة يقترب مني بشكل شخصي بهذه الطريقة. اعتدت  السنتين الماضيتين أن أسمع الأخبار السيئة عن أصدقاء وأصحاب ومعارف شباب يُعتقلون أو يُحاكمون، وُيصابون أو يموتون في اشتباكات ومواجهات مع الشرطة أو الجيش.
ولكن الموت في أقسام الشرطة هو الجحيم المخصص لمن لا «ظهر» لهم. وكنت أظن أن عائلتنا  تحتمي بقدر من انتساب أجيالها الجديدة للطبقة الوسطى، ولكن حتى صدور تقرير الطب الشرعي وتحقيقات النيابة والتحقيقات الاستقصائية حول الحدث لا يمكنني أن أجزم بشيء.
 ولكنني لا أنكر أنني شعرت بقدر من الذعر اللحظي، لاقتراب فكرة الموت في أقسام الشرطة من عائلتي، والآن بعد ثورة كانت شرارة تفجرها الأساسية وسؤالها الأول هو تصاعد قضية مقتل خالد سعيد على يد الشرطة، ولكن ذلك ذكرني بالانتماء الطبقي المشابه لخالد سعيد، وكان ذلك عاملاً مساعدًا على انتشار قضيته بين الشباب الناشط من طبقات قريبة، وذكّرني أيضًا أن العدالة لم تَطُل حتى الآن قاتليه.
الذعر اللحظي يتلاشى عندما أرجع إلى المشاعر المضطربة الدائمة التي لازمت التفكير دائمًا «أننا مازلنا في ثورة». لا شيء مستقر. كل شيء متوقع. تحدي السلطة لا يأتي سريعًا بالحرية ولكن بأبشع تحدياتها.
أحاول تنحية انتمائي العائلي تمامًا  لكي لا يدفعني للتفكير والتحرك في هذه القضية بالذات بروح الانتقام لقريب. على كل حال ليس انتمائي العائلي بشيء يدفع مشاعري وسلوكي كثيرًا. في سرادق العزاء اكتشفت أني ألتقي كثيرًا من الأقارب من الأجيال الأكبر الذين لم أرهم منذ سنتين.
اتخذت قرارًا بشكل نصف واعٍ منذ يناير 
2011  بأن جيلنا يخوض معركة الآن، وأنه من الأفضل أن أتجنب الجدال ومحاولة إقناع الأجيال الأكبر ، الذين يشعرون بنضجهم واكتمالهم، بأن يشتركوا مع جيلنا الذي يحاول جاهدًا هدم عالمهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. حالة استنفار دائم لمدة عامين قطعتها فترات للراحة والسكينة ولكنها أيضًا وسط أبناء جيلي بلا توتر ولا شد ولا جذب مع الأجيال الأكبر وسط أيام، لا يمكن فيها أن يتجاهل اثنان الكلام في الأحوال العامة في أي مكان وأي لحظة.
في اللحظة التي أرسلت فيها لزملاء العمل في «المبادرة  المصرية للحقوق الشخصية» أخبرهم بصلتي بالفقيد، اكتشفت أن زملاء تابعوا القضية منذ يومين منذ تسرب الخبر، وأن محاميًا زميلاً تابع الجثمان من المستشفى إلى المشرحة وكان بجانب أسرته التي أبلغت باقي العائلة لاحقًا.
قريبي شقيق المتوفي عندما علم بأن المحامي الذي كان معه طوال الوقت زميلي، وأن أصدقاء لي تواجدوا كمتطوعين وحاولوا التوثيق والتصوير، كان مندهشًا أن يكون نفوذي وتحركي بهذه السرعة، هو لا يعلم أن العكس تمامًا هو الصحيح، أن المزاج الذي صنع الثورة هو أن هناك من كرس جهده وسرعة تحركه من أجل من لا يعرفونهم، الأغراب الأصدقاء الذين يهتمون بحياتهم وسلامتهم وحريتهم ويهرعون لنجدتهم والبحث عن حقهم. وتم اتهامهم من قبل «النظام» بالسعي للإثارة وتشويه سمعة البلاد لأغراض سياسية.
الأصدقاء المهتمون بذلك، من المهتمين أكثر بقضايا التعذيب، كانوا يتابعون القضية فور سماعهم للأنباء ويتواصلون مع محامي منظمتي «المبادرة» و«النديم»  الذين تواجدوا فورًا على الأرض هناك.  والأصدقاء من مجموعة «مصرّين» الذين حاولوا التصوير مع بعض أفراد أسرة الفقيد، ولكنهم رفضوا وقتها، قبل أن يعودوا للموافقة الآن.
الرفض ثم الموافقة كان مؤشرًا على جدل لا يزال يتفاعل. فالمتوفى وشقيقه هما من التيار السلفي، وشقيقه من قيادات الجمعية الشرعية ولم يكن لهما صلة بالنشاط السياسي. كانت تلك معرفتي بهم قبل انطلاق الثورة، الآن قريبي شقيق المتوفي من كوادر أحد الأحزاب السلفية، ولذلك كان كل هؤلاء من قيادات وكوادر الأحزاب الإسلامية من الإخوان والسلفيين والجماعة الإسلامية في قاعة العزاء مجاملة له. وكانت رسالة معظمهم إلى قريبي هي: التهدئة.
كان ذلك جانبًا من جدل عائلي. بعض أفراد العائلة من المنتمين للتيارات الإسلامية أو القريبين منها حائرون بين تصعيد مثل هذه القضية، قانونيًا وإعلاميًا، في حالة وجود دليل على تعذيب، وبين التهدئة، لأن التصعيد – مرة أخرى - سيستخدم «كإثارة سياسية» وتشويه لسمعة النظام «الجديد» بقيادة التيار الإسلامي، كما أن الأجيال الأكبر رغم حزنها ومصابها تفكر في «الاستقرار» رغم كل شيء.
هناك سوء تفاهم لا يمكن التفاهم بشأنه غالبًا، وهناك تفاهم ما بين البشر والكراسي ومواقع السلطة لا يمكن تفهمه من خارجها. وهناك من يريدون أن يجيبوا عن السؤال الأول للثورة  بإجابات لا علاقة لها بالسؤال، أو يطلبون منا الصبر حتى يتمكنوا من استكمال الإجابة من نفس المقرر بعد إضافة ديباجات جديدة.
رموز الأحزاب الحاكمة، ونصف الحاكمة، الذين تواجدوا معنا في قاعة العزاء، أطلق بعضهم على الفقيد بكل أريحية لقب «شهيد» وحدثنا بعضهم عن فضل موت الفجأة بالنسبة للمؤمن، وشددوا على أن العدالة قادمة، ولكن التهدئة ضرورة. ولم تكن تلك مفاجأة، وتلك الأيام نداولها بين الناس. والبقية في حياتنا.

13 January 2013

فضائل الاستعباط

الأيام الماضية، زار مصر شخصان تجمعهما دائرة الاهتمام بالفكر الديني وإن كانا في اتجاهين متعاكسين. أحدهما وجدت زيارته وكلماته اهتماما شعبيا وأثارت جدلا كبيرا في دوائر واسعة، والآخر اقتصر الاهتمام به والتفاعل معه والجدل مع كلماته على دوائر محدودة. وكان ذلك مؤشرا كبيرا على الحالة السائدة للتفكير الديني في مصر.
الأول هو محمد العريفي، الداعية السعودي السلفي، الذي أتى في أعقاب الاحتفاء الكبير بخطبته "فضائل مصر"،  والآخر هو المستشار عبد الجواد ياسين، القاضي المصري المقيم بالإمارات، الذي أتى لحضور فعاليات إطلاق أحدث كتبه "الدين والتدين"الصادر عن دار التنوير.
ربما كان كافيا أن كثيرا من القراء يعرفون بالفعل الشيخ العريفي وخطبته الشهيرة أو تناهت إليهم أخباره وأخبارها والجدل حولهما، بينما القليل فقط ربما يعرفون عن عبد الجواد ياسين وكتابه.
لو حاولت أن تفهم العلاقة بين الاحتفاء الحكومي والأزهري والشعبي الواسع الذي أحاط العريفي وخطبته أو حتى مسيرته الفكرية والدعوية فلا يمكنك إلا أن تتحسر على حالة البؤس التي ينحدر فيها التيار الرئيسي للتفكير الديني على كل المستويات، الشعبية والرسمية والعلمية.
 فالخطبة التي تخلو من أي اجتهاد أو إبداع ليست إلا ترديدا لنصوص جمعتها مصنفات تراثية تحت مسمى "فضائل البلدان"، ويبدو أن العريفي يحفظ بعضها جيدا عن ظهر قلب، أو يحفظ نسخة إلكترونية منها على الآي باد الذي يضعه أمامه وهو يخطب، ويستخدمها كأسطوانة في العلاقات العامة والمجاملات الدولية، فهو يرد على متصل من سلطنة عمان بفقرة عن "فضائل عمان"، وعند توجيه حديثه إلى السوريين يفتح على فصل "فضائل الشام"وعندما يوجه حديثه إلى اليمن يشغّل أسطوانة "فضائل اليمن".
وفي كل بلد تفتح طائفة من الجمهور أفواههم مذهولين من اكتشاف فضائل بلدهم، ربما لأنهم لا يعرفون شيئا من تاريخ بلدهم وربما لأنهم لا يقرأون تراثهم الديني أصلا فضلا عن أن يقرأوه بعين ناقدة.
ولكن الباب الذي لا يحب العريفي أن يقرأه في كتب «فضائل البلدان» هو باب «فضائل فارس»، لأنه ببساطة طائفي يبغض الشيعة ويحرّض عليهم مثل معظم السلفيين.
لو راجعت تاريخ الرجل ومواقفه، تجد أن الاهتمام الأليق به هو دراسته باعتباره نموذجا مأساويا يتخبط في ظلمات التفكير السلفي بكل سوءاته وعوراته، من طائفية ضيقة ضد الشيعة، ونظرة بائسة للمرأة، ومعاداة للخيال – انظر كتابه في خطر الرسوم المتحركة على عقيدة الناشئة– وتوزيعا لاتهامات العمالة والخيانة على مخالفيه، وتبريرا للاستقرار تارة ثم مناصرة للثورة تارة، بحسب مقتضى الحال، كما فعل بعض مشايخنا السلفيين الذين نهوا عن الاشتراك في مظاهرات الثورة ثم كتبوا دستورها وحاولوا قدر استطاعتهم أن يملأوه بالتقييد وتفريغ ضمانات الحريات من محتواها.
 ولكن ما صلة ذلك بموضوعنا؟ الصلة هي علاقة التفكير السلفي بفكرة التاريخ.
عشق الماضي وكراهية التاريخ
التوجس الشديد من حرية السلوك والتعبير ومحاولة فرض ضوابط وحدود للفاعلية الإنسانية هما توجس من كل ما يمكن أن يقود المجتمعات إلى تغيرات واجتهادات مخالفة لأوهام السلفيين عن المدينة الفاضلة التي يجب أن تحفظها «سلطة إسلامية» من حركة التاريخ وفاعلية الناس الحرة.
 وفي الوقت نفسه هناك معاداة للدعوة إلى التغيير الجذري للواقع عبر ثورات وانتفاضات ضد «السلطة» رغم مخالفتها البائنة للفكر السلفي وابتعاد الواقع عن المدينة الفاضلة بمنظار السلفيين – سبحان  الله - ولكن التمسك بالواقع الرديء خوفا من حدوث الأسوأ، وراءه حالة بائسة من الذعر من الفاعلية الإنسانية وحركة التاريخ ومحاولة التعامي عنها.
الاحتفاءبأدبيات من عينة «فضائل البلدان والشعوب» هي في جوانب كثير منها نماذج لحالة إنكار التاريخ. فهذه الأدبيات تأخذ نصوصا ومأثورات وحكايات عن الشعوب والبلدان، قيلت وحدثت في لحظة زمانية وسياق معين لتعتبرها فضيلة مطلقة تقال في كل زمان لأنها قيلت في سياق «نص مقدس» أو من «أحد السلف الصالح» أو اتصلت بتاريخ ينسب للإسلام، فتكتسب نفس أو بعض القداسة والديمومة والإطلاق.
 كما يقول العريفي:«فكم لمصر وأهلها من فضائل، ومزايا، وكم لها من تاريخ في الإسلام».
ويضيف مثالا: إن مصر فيها خزائن الأرض بشهادة ربنا جل وعلا لما قال عن يوسف عليه السلام 
(( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ))
أو إشارته لضرورة فخر المرأة المصرية لأن ماشطة آل فرعون التي نجّت النبي موسى كانت مصرية.
يا راجل؟
عندما تحتفي شعوب بصورتها وتاريخها بهذه البساطة والسذاجة فإنها تتوهم وجود فضائل جوهرية لها أصل وطني أو قومي تم اكتشافه في النص المقدس أو في التاريخ الجميل، فيغرق الحاضر بأكوام من الخطابيات الفارغة والتيه بأمجاد الأجداد أو لأن اسم أرضنا ظهر في القرآن وقيل إن فيه خزائن الأرض التي لا نعلم إن كانت ما زالت مليئة أم يجب علينا إعادة ملئها.

عندما تخرج هذه الأدبيات -  المنتزعة من سياقها التاريخي -  من نطاق المجاملات التي تستغرق دقائق والإشارات اللطيفة طلبا للود، فإنها تتحول إلى فقرة طويلة فارغة المعنى من تحيات ونقوط الأفراح الشعبية التي تهلل لإمبابة واللي منها، واليمن والجدعان اللي في اليمن، كما اعتاد الفنان العريفي أن يفعل.
ولكن يبدو أن الفنان العريفي لا يستطيع الاقتراب في خطبته التي قالها في مدينة الرياض في السعودية من فضائل «ثورة المصريين» وخروجهم في الشوارع بالملايين لإسقاط طاغية ونظام فاسد. ربما لأنها ليست مذكورة في الكتب التراثية، وربما لأن من شأن ذكر هذه الفضيلة المعاصرة في خطبة دينية في السعودية أن يغري جمهوره من السعوديين لا سمح الله بمحاولة استلهامها، ولا يمكن لأي خطاب سلفي أن يحاول أن يكون باعثا لهمة فاعلية إنسانية حرة تمضي في التاريخ قدما أو يكون داعية لتحرر الناس من استبداد الأفراد والأسر. حاشا لله.
 ولذلك فقد أرجأ فقرة نقوط «الثورة المصرية» إلى حين قدومه للصوان المصري لاستثارة مشاعر المعازيم المصريين بالفقرة الكاملة المعدّلة عن «فضائل مصر». كأن مصر كتلة واحدة وجوهر واحد عبر التاريخ، مثل معدن القصدير أو نبات الجرجير وليست أطيافا من البشر والتجارب والتحولات تشهد الآن صخبا وجدلا وصراعا.
التدين البائس
الأكثر بؤسا ومدعاة للأسف من حال الشيخ السعودي أن يأتي الاهتمام البالغ به والامتنان الكبير له والانتشاء العظيم بكلامه معبرا عن الحالة البائسة للتفكير الديني السائد الذي استقبله. وهذا البؤس هو ما يحاول عبد الجواد ياسين الحديث عنه في كتابه «الدين والتدين. التشريع والنص والاجتماع» الذي أطلقه متزامنا مع مولد العريفي، ومن الطبيعي ألا يلقي اهتماما مقاربا من جمهور الحالة البائسة.
مجمل الكتاب المهم هو تقديم محاولة أخرى – تضاف لسجل من الاجتهادات في هذا المجال – تسعى لقراءة وفهم حركة التاريخ وفاعلية البشر التي شكلت تاريخ «التدين» الإسلامي الذي يحمل ملامح تجربة البشر التاريخية في أماكنهم وزمانهم وسياقهم الاجتماعي، ولكن وقع التيار الرئيس من التفكير الإسلامي في فخ تحويل هذا «التدين» إلى «دين» ثابت ومطلق، متجاهلا أو جاهلا أثر حركة التاريخ وفاعلية البشر عليه في الماضي، ليكون هذا التجاهل أو الجهل أداة سلطة في وجه كل حركة قادمة لفاعلية البشر في الحاضر والمستقبل.
يرصد الكتاب جوانب التجاهل والجهل بالتاريخ وفاعلية البشر، الذي ينتهي إلى توسيع نطاق «الدين» ليشمل أطيافا من تفاصيل التدين والاجتماع الإنساني وتاريخه، لتكتسب صفة «الدين» وتكون مطلقة ومقدسة ودائمة وصالحة لكل زمان ومكان. كما يردد السلطويون الإسلاميون عن التشريع التاريخي الذي كان تفاعلا مع واقع الناس وقتها، ولكنه أصبح عندهم شيئا مطلقا خارج التاريخ يسمى «الشريعة الإسلامية»، وكما يردد العريفي نصوصا عن مآثر وأفضال بعض الناس والجماعات في التاريخ باعتبارها «فضائل البلدان».
ولذلك كان طبيعيا أن الجمهور الذي يناصر السلطويين الإسلاميين سيهلل بمنتهى الابتهاج للفنان العريفي وفقراته.
 ولكن بعض العزاء أن بعض التوجس والانتقاد العنيف الذي صاحب وجود العريفي كان بمثابة إعلان عن صوت مصريين كثر لم يعد ينطلي عليهم مثل هذه الفقرات. وأن اطلاعهم على سوءات التفكير الديني الراكدوسلطويته قد جعلهم يتوجسون من احتفاء مبالغ فيه بفقرة ترديد محفوظات فارغة المضمون. ليس "عداء لكل مظاهر حضور الدين ومنابره"أو "قلة أصل"كما ردد البعض من ناصبي الصوان ومحبي النقوط والتحيات جهلا وخلطا بين الدين والتدين، ولكن لأن تفكيرا يشاغلهم عبر عنه عبد الجواد ياسين قائلا: «المشكل الأساسي هو أن نمط التدين العام بحاجة إلي إصلاح، ولذلك فإنه يحق لنا أن نتوجس من أي طرح ديني -  يخلط الدين بالتدين -  قبل الدخول في التفاصيل». 
وفي كتابه المزيد من التفاصيل.

09 January 2013

من العبادة إلى التهلكة

من أين يستقي الجمهور «الرؤية الإسلامية للسياسة»؟
بعيدا عن الكوادر المنظمة من أعضاء الإخوان المسلمين والأحزاب السلفية، أشك أن كثيرا من عموم مؤيدي التيارات السلطوية الإسلامية قرأ الأدبيات المؤسسة للسلطوية الإسلامية ككتابات سيد قطب وحسن البنا، أو قرأ «العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية» للمسيري أو «الحريات العامة في الدولة الإسلامية» لراشد الغنوشي. 
يبدو لي أنهم مشبعون بشكل عام بخطاب سلطوي مبثوث وسط الخطاب الدعوي الإسلامي العام. هذا الخطاب العام ينهل من نبعين. النبع الأول هو إشارات ما في سيرة النبي وصحابته والتاريخ الإسلامي،  وبالأخص تاريخ الغزوات والفتوحات.
والنبع الثاني هو إشارات من نصوص القرآن والسنة ومأثورات السلف، لا تخص السياسة بشكل مباشر، ولكنها تتحدث عن الجماعة المسلمة التاريخية في عهد بعثة النبي أو الجماعة المسلمة بشكل عام.
هذه الإشارات تحمل ملامح مجتمعات تاريخية ودول تاريخية. ولكن الجانب الديني العاطفي في الخطاب يزاوج بين هذه الملامح بين رسالة الإسلام وبين سيرة النبي وأصحابه وتابعيه، فتكتسب قداسة في مشاعر الجمهور وأفكارهم.
 وربما كان الأسوأ أن تتم مزاوجة هذه الأفكار والمشاعر مع فكرة أخرى تنظر للجوانب السلطوية في الدولة الحديثة باعتبارها غاية الرقي والعصريّة والتنظيم وأهم أسباب القوة لدى الشعوب، وتنظر أصلا للتنظيم الاجتماعي باعتباره أداة قوة ومنافسة وصراع بين الشعوب والجماعات بدلا من أن يكون سعيا للتحرر والعدالة والمساواة والتعايش داخل الجماعات البشرية وبين بعضها البعض.
وبينما يشهد العالم صراعا وجدلا مستمرا حول «حدود ومعنى سلطة الدولة» بين أطياف من الرؤى تنقسم من أقصى اليمين، الذي يمثل نزعة سلطوية تبرر التفاوت وأشكال التقييد وتذكي النزعات الصراعات القومية والعقائدية، إلى اليسار بتنوعاته الذي يتبنى نزعة تحررية تسعى للمساواة وتقاوم أشكال التقييد والتفاوت وترفض النزعات والصراعات القومية والعقائدية، فإن الخيال الشعبي القريب من تيارات السلطوية الإسلامية يعيش في ظل تقديس فكرة «الدولة» بعد أن يضيف إليه ملامح تاريخية وإشارات دينية عاطفية تستدعي السلطوية والطائفية لتصبح «دولة إسلامية».
من العبادة إلى القيادة
وواحد من التعبيرات الأكثر بلاغة عن تجسيد هذا الخطاب الدعوي وزواجه بخطاب تيارات السلطوية الإسلامية كان بالنسبة لي كتاب «من الدعوة إلى الدولة» للدكتور صلاح الدين سلطان، الصادر في نوفمبر الماضي في إطار سلسلة «قضايا إسلامية» عن «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية» التابع لوزارة الأوقاف.
ولمن لا يعلم فإن د.صلاح سلطان كان وما زال واحدا من أهم علماء ودعاة الإخوان المسلمين، قبل أن يشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ورئاسة تحرير سلسلة «قضايا إسلامية» في أكتوبر الماضي، ليكون أول كتاب ينشره المجلس والسلسلة تحت قيادته كتابًا من تأليفه.
ولكن الأهم أن دكتور صلاح قد جمع في هذا الكتاب تجميعا وافيا للإشارات التي يمكن استخراجها من النصوص التي تتحدث عن العبادات مثل الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج ولكنها تشير إلى ضرورة القيادة للجماعة المسلمة، وبالتالي -  بالنسبة له -  ضرورة انتقال الجماعة المؤمنة من الدعوة التي تربّي الناس بهذه العبادات إلى تسلم قيادة دولة ثم قيادة العالم أجمع.
ومثالا على ذلك الجزء الخاص بالطهارة، الذي سماه د. صلاح سلطان: «مقاصد الطهارة في التأهيل العملي للعبادة مع القيادة والدعوة مع الدولة». وكنت أعتقد أن فقه الطهارة من الموضوعات الأبعد أن يستدل بها في مسائل القيادة والسلطة. ولكنه عند ذكر حديث النبي «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» - والحديث يعني  أن كل الأرض في الأصل طاهرة وتصلح كمسجد ومكان لصلاة المسلم – يقول المؤلف: «نستطيع أن نلمح هنا بشكل جلي كيف تؤهل أبواب الطهارة لقيادة الأرض كلها» لأنه قال «جعلت لي الأرَض». ويناقش نصوصًا أخرى لينتهي إلى أنها تشير بشكل لا لبس فيه إلى «أن الله جعل للرسول وأمته الأرض كلها للسير والمشي والضرب فيها والتطهر من ترابها والوضوء والاغتسال من مائها تطهرا،وتمكينا من الأرض كلها قيادة وريادة ..».
ونموذج الطهارة واحد من نماذج العبادات التي تجتمع كلها لتعبر عن «عقيدة الانتقال من العبادة إلى القيادة ومن الدعوة إلى الدولة» كما يقول في مقدمة الكتاب. وباقي فصوله أفكار مشابهة مستقاة من نصوص الصلاة والصيام والزكاة والحج.
من القيادة إلى الحرب العالمية
هذه الروح أصيلة وجوهرية في المناهج التربوية للإخوان المسلمين. بينما هي ثانوية وعارضة في خطاب الدعاة الآخرين، ولكنها موجودة بقدر ما. وربما كان ذلك أحد ملامح تميز دعوة الإخوان في الانتقال الفعال إلى السلطة، فهذه الإشارات وغيرها تعد أسلوبًا أساسيًا لحشد محبي الإخوان وأعضائهم عبر دمجهم في عملية تربوية دينية من الالتزام بالعبادات وقراءة السنة والسيرة، ولكنها في النهاية تربط هذه التربية الدينية  بمشروع السلطوية الإسلامية، وتحشدهم في اتجاه دعم الجماعة (هنا تتحول الجماعة المسلمة إلى جماعة الإخوان المسلمين) إلى تسلم القيادة والانتقال من الدعوة إلى الدولة.
يمكن هنا فهم أحد جوانب تفكير ومشاعر قطاعات غير قليلة من الجمهور مشبعة بإشارات هذا الخطاب الدعوي الذي ينتقل من العبادة إلى القيادة، لتتجسد فكرة السياسة عنده بكونها عملية دعم وتأييد هذه القيادة الربانية التي تدعي أن «دولتها» هي امتداد طبيعي وضروري لدعوة الإسلام.
مد الأمور على استقامتها يوضحه الكاتب في مقدمة الكتاب قائلا إن «جزءا من مقاصد العبادات أن نكون نحن القيادات التي تقود العالم إلى رشده وسعادته في الدارين». وهو يقصد بـ«نحن» الشعوب الإسلامية في مواجهة أهل الأديان الأخرى الذين يجب أن يدينوا لهم ويخضعوا لقيادتهم. و.الشعوب الإسلامية اختارت بإرادة حرة قيادات إسلامية» في اللحظة الراهنة كما يؤكد في المقدمة أيضًا.
هذه الروح التي تربط العبادة بالسياسة وتجعل منها مسرحًا لمعركة قيادة السلطويين الإسلاميين للدولة، ثم مسرحًا لمعركة قيادة المسلمين للعالم، وترى كل عدوان على المسلمين، مثله كمثل معارضة السلطويين الإسلاميين،  هي “حرب على الإسلام”بالضرورة، وتحاول أن تعكس الآية وتتخيل النموذج المأمول في حرب المسلمين/ السلطويين الإسلاميين من أجل الهيمنة على الآخرين.
 هذه الروح هي تجسيد لفلسفة "حمادة ابن أرض اللواء" في المقال الأسبق، بدلا من فلسفة "سنحيا كراما .. كلنا"التي كنت أتحدث عنها في المقال السابق.
 كنت مندهشا لأني أجد هذه الروح للمرة الأولى في كتاب تابع لوزارة الأوقاف، التي انتقلت من الخطاب المتخاذل للسلطة قبل الثورة إلى خطاب السلطوية الإسلامية بعد التمكين الإخواني. ولكن كان لابد للتمكين الإخواني أن يهبّ علينا بنفحات فكرة «أستاذية العالم» كما صاغها مؤسس الإخوان حسن البنا وهو يمزج بين ملامح دولة المسلمين الأولى مستلهما روح المشروعات الفاشيةكما قادها هتلر وموسوليني اللذين سماهما البنا «قادة النهضات الحديثة»، منبهرا بصعودهما ونجاحهما في كسب ثقة الشعوب وتوحيدها تحت قيادتهما، بإرادة حرة وديمقراطية، لتنطلق بعدها المشروعات الفاشية بهمة عالية تستثير عزة الشعوب بثقافتها وشعورها بتفردها وتميزها، وتستنفرها لرحلة تطمح لقيادة العالم، فتقوده بدلا من ذلك إلى التهلكة.

05 January 2013

الخروج





هناك شيء ما في مقبض باب الحمام. 

انفصل المقبض عن لسان الباب، أحاول أكثر من مرة كأنه يمكن أن يتراجع ويغير رأيه.

أبدأ في استيعاب الموقف. أنا وحدي في المنزل. نيفين لن تعود قبل ساعات. ليس معي الموبايل. شباك الحمام يطل على شرفة صغيرة تطل على المنور نستخدمها كمخزن، الشرفة الصغيرة بابها يفتح من المطبخ وهي مكدسة بالكراكيب. أنا محبوس في الحمام.

"محمد !" وقفت فوق التواليت وأخرجت رأسي من شباك الحمام وهتفت. لا أظن أن المنور سينقل صوتي من الدور الرابع إلى حجرته في الدور الأرضى، كما أنه عادة ما يتجاهل نداءي لكي يوفر على نفسه مشوارا فأضطر للنزول إليه. اكتشفت إني نسيت اسم جارتنا في نفس الدور، تذكرت إني نسيت اسمها لأنهم ينادونها بأم فلان، أم إيه؟  أم إيه؟ .. لا أذكر.

جلست على التواليت واكتشفت أنه لا توجد فوق الغسالة بجانبي أي صحف أو كوميكس، كما اعتدت أن أكومها فوق الغسالة من أجل قضاء الوقت فوق التواليت. تذكرت أن سحر - زوجة محمد البواب - قامت بتنظيف وترتيب الشقة قبل أيام. وكوّمت كل الصحف والأوراق في الصالة.

ما الذي أفعله الآن؟ 

بعد أن تجاوزت كل أفكار المحاولات والتسلية عدت إلى  الفكرة  التي خطرت لي في اللحظة الأولى ولكني تجاهلتها. فكرة الرواية التي بدأت في كتابتها في 2010. عن الفراغ والوحدة والكسل والتوازن النفسي الدقيق بلا يأس أو أمل. عن تأمل العالم من مسافة، تأمل شوارع مصر وهي تسقط في حالة من الانحطاط الاجتماعي المناسب للانحطاط الأخلاقي واسع النطاق، عن عالم يضطرب بالأسفل ويتبادل أفراده إطلاق الرصاص بسبب خلاف على مكان لركن السيارة، في الوقت نفسه الذي يقضي البطل - بطل؟ - أكثر وقته متجولا في أرجاء وحدته، ويموت مرارا بلا جدوى. 

في أحد مرات موته، لم يفلح البطل في فتح باب غرفة النوم. لماذا أصلا يغلق الباب وهو يعيش وحيدا ؟


ليس عنده تليفون، ولا يعرف اسم أي من الجيران. وقف فوق شنطة سفر. لا يوجد شيء مرتفع عن الأرض في غرفة النوم. لا سرير ولا كومود ولا كرسي. ومن فوق شنطة السفر كسر زجاج باب غرفة النوم، وحاول أن يمد ذارعه ليفتح من المقبض الخارجي، أخرج رأسه مع ذراعه ولكنه لم يتمكن من إدارة المقبض، انحشر في الفتحة الضيقة للشباك. حاول التملص بلا جدوى. وفي النهاية استسلم. وظل هكذا. وانتهى العالم.




تذكرت ذلك وأنا جالس على  التواليت، وتذكرت أني استغرقت في التفكير في أن كل ذلك المشهد يتوقف على ارتفاع الباب والمسافة بين فتحة شباكه وبين المقبض، وأبعاد الفتحة. ولكن في حالة البطل يمكن افتراض الأسوأ ببساطة. الرواية كلها تقوم على افتراض الأسوأ. كنت قد ضبطت مزاجي على ذلك الافتراض وضبطت توازنا نفسيا يبتعد بهذا الافتراض عن اليأس مسافة مناسبة، وعن الأمل طبعا. 

استعدت ذلك الضبط وانا أتجه إلى ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011. أصبحت أشعر بالابتذال كلما سمعت كلمة 25 يناير وأشعر به وأنا أكتبها. ولكن ما حدث أني تحركت بمزيج عظيم من المشاعر التي استعدتها ، مزيج من مشاعر الحب والحماس والاحتقار والازدراء والغضب والقرف والرغبة في العنف وفي العودة  سالما بلا خدش، وكان المدهش ان كل هذا المزيج من المشاعر لم يبتعد أبدا عن افتراض الأسوأ وحافظ على توازن متوتر بين اليأس والأمل. تبخر تماما مزاج بطل الرواية الوحيد البعيد وسط هذا الزحام.

ضبطت نفسي متوترا بشدة وأنا أتخيل أن أبقى في الحمام لساعات في انتظار عودة  نيفين لتكتشفني محبوسا في الحمام. وبدون أن أفكر  كثيرا في أبعاد فتحة شباك الحمام ولا في المسافة بين المقبض والفتحة، أدرت عيني سريعا وقررت أن غطاء خزانة التواليت هو الأداة المناسبة. انتزعته سريعا وهشمت زجاج شباك الحمام، أخرجت ذراعي من الفتحة وبحركة لا إرادية وقفت على أصابع قدميّ مما أعطاني طولا إضافيا قليلا مكنني من إخراج كل ذراعي ووصلت إلى المقبض الخارجي وفتحت الباب وخرجت.



لم ينته العالم.
ارتديت ملابسي وخرجت من الشقة وأنا أفكر في مكان أذهب إليه لفعل أي شيء. وقررت أن أعود لألملم شظايا الشباك المكسور في وقت لاحق.

02 January 2013

من السلفية إلى اليسار: سنحيا كرامًا.. «كلنا»

لماذا يا ترى قد تقوم بوابة جريدة «الرأسمالي» ساويرس بإنتاج بروفايل فيديو لأحد كتاب البوابة لتبرز فيه كونه «يساريا»، رغم ما بين اليسار والرأسمالية مما تعرفون جميعا.
هناك احتمال أول: أن الرأسمالي واليساري وكل هؤلاء من غير الإسلاميين هم في النهاية «إيد واحدة» في "الحرب على الإسلام".
والاحتمال الثاني هو أن تعرف أن «المصري اليوم» ليست مملوكة حصريًا لساويرس، كما تردد قنوات وصفحات السلطويين الإسلاميين ليل نهار، كما أنه إن أردت ألا ترى العالم خنادق متصارعة بينها صراع وجود، فإنك ستتخلص من تلك النظرة الساذجة لترى العالم، كما يراه الفيلسوف محمد مرسي، معقدا مثل المكرونة الاسباجتي.
سيجعلك ذلك تلاحظ في الفيديو أشياء ربما تبدو متناقضة، منها مثلا أنني أعيش في إمبابة وأجلس على شلتة على الأرض وأمامي طبلية. لكن أمامي على الطبلية لاب توب وعلى يميني فوق السماعات لاب توب آخر. ربما تقول إن اليسار تغير جدا عما شاهدته في فيلم «السفارة في العمارة» ولكن الحقيقة أن اليسار يبدو أحيانا كما رأيته في الفيلم، وأحيانا لا يكون له أدنى علاقة بما شاهدته.
 الحياة ليست فقط اسباجتي، ولكن عليها أرز وعدس وصلصة. هي في رأيي أقرب إلى الكشري. واللاب توب الآخر ساءت حالته من فترة طويلة فركنته فوق السماعات، كما أنه أصلا جاءني كهدية. ولكن لا أعتقد أن ذلك هو الأكثر إثارة للتساؤل في الفيديو. بالطبع الرحلة من السلفية لليسار هي الأكثر إثارة لأنها تبدو كانتقال بين خندقين متصارعين.
ولكنني في الحقيقة لا أعتقد أن الانتقال من السلفية إلى اليسار جاء انتقالا من خندق إلى خندق، وإنما انتقال بين زاوية نظر تجعل الحياة خنادق عقائدية متصارعة وتهتف: نحن «سنحيا كراما» وفق عقيدتنا، والآخرون سيحيون كرامًا ولكن وفق عقيدتنا أيضا، وبين زاوية نظر أخرى تقول: سنحيا كراما «كلنا»، كلُ كما يحب ويرضى لنفسه.
السلفية تبدو محاولة لاستخراج المكرونة من الكشري للعودة إلى النقاء الأول للمكرونة، بينما اليسار – كما أراه -  يقبل الكشري على علاته وعلى جمالياته – بحسب رؤيتك - وفي الطبق الخاص لكل واحد يمكنه أن يعادي المكونات الأخرى لأنه يريد مكرونة نقية وخالصة، بينما يمكن لزميله أن يتمتع بها في طبقه.
وما لا يمكننا أن نتفرق فيه، ويجب أن نجتمع بشأنه، مثلا، هو عملية إنتاج وتوزيع مكونات الكشري، فاليسار – كما أراه – يقترح اقتراحا بسيطا: ليكن لكل واحد الحرية في اختيار مكونات طبقه كلما كان ذلك ممكنًا. ولنوزع ذلك بالتساوي كلما كان ذلك ممكنا ولنراعِ أكثرنا حاجة وأقلنا قدرة على الإنتاج.
أنا أرى اليسار من الزاوية التييقترحها جيل دولوز كتعريف لليسار: أن تبدأ من الاهتمام بـ«الكل»، وأن تضع نفسك في مكان الأقلية والأضعف والأفقر والمختلف عن السائد. باختصار: سنحيا كراما .. كلنا.
من هذا المنظور ستكون معاناة إخوتك المحاصرين من أهل غزة هي مشكلتك وهمك، بالضبط كما أن مشكلة عمال المترو هي مشكلتك أيضا، وستتحمل يومًا تعيش فيه المدينة اختناقًا بسبب إضرابهم، ولن تتبرم من مشاركتهم المعاناة حتى يحصلوا على حقوقهم، وأيضا سيكون من همك حق أخيك البهائي في أن يكون مساويًا لأخيك من الأغلبية المسلمة، ومهموما بحق المرأة في رغبتها في العيش بمساواة مع الرجل طالما أرادت، وبحق أكثر «المتطرفين»، في رأيك، من الحياة وفق أفكاره طالما لم يفرضها سلطة على غيره.
الاهتمام بالكل من موضع الأقلية والأضعف والأفقر والأكثر اختلافا يجعلك ترى الديمقراطية اجتهادًا إنسانيًا من أجل تقليص السلطة وتوزيعها وضمان الحرية والمساواة لا كلعبة يفوز فيها الأكثر والأقوى ويؤكد سلطته. الديمقراطية من منظور يساري، كما يقول جاك رانسير: «هي مفتاح صواميل المساواة المحشور بين تروس السلطة».
لم أقرأ تعريف جيل دولوز وجالك رانسير إلا مؤخرا ولست متحمسا ليوتيوبيا المجتمع الاشتراكي الذي يحطم الرأسمالية وتنحل فيه كل المشكلات، ولست واثقا من ذلك، ولكني تحمست جدا من قبل ذلك لاقتراح الحرية والمساواة، ووجدته اقتراحًا مناسبًا لكي أنتقل من خندق السلطوية الإسلامية «السلفية» و«الإخوانية» الذي يفتقد  التعاطف «الكافي» مع الآخرين المختلفين، التعاطف «الكافي» لأعترف بحقهم في التفكير والاجتهاد معي لنحيا «كلنا» كرامًا ومتساوين. من ذلك الخندق يبدو هنالك «تعاطف دعوي» ينظر إلي الآخرين كموضوعات يريد لها الهداية، ويريد لها أن تحيا «كريمة» ولكن وفق اجتهاده الذي يراه عقيدة، ويرفق بها إن استسلمت لسلطته ويبطش بها ويخضعها إن قاومت سلطته.
انتقلت من ذلك الخندق إلى ساحة واسعة أمتلك فيها التعاطف الكافي لأرى عقيدتي بالنسبة لغيري اجتهادا عاديا، وأن أحترم ذلك، وأن أمارس معه الاجتهاد لننظر كيف نحقق أوسع مساحة حرية وأكثر الترتيبات ضمانا للمساواة، وأكثرها إنصافًا للأضعف الذي لا يملك القوة الكافية للمنافسة على السلطة والتفكير معنا في هذه الترتيبات وصياغتها.
كل اجتهاد يقترب من ذلك هو في رأيي اجتهاد من زاوية اليسار، وكل اجتهاد يحقق بعضًا من ذلك ويطيح بالبعض الآخر هو اجتهاد سلطوي ولو تسمى باسم الاشتراكية أو تسمى باسم الإسلام.
واحدة من أكثر الأفكار ضحالة هي أفكار جربناها ونفعت، أو جربناها وفشلت. في كل لحظة هناك اجتهاد إنساني مختلف تماما مهما استلهم من حكمة إلهية متجاوزة أو تجربة تاريخية باهرة.
 محاولة استعادة التجربة الباهرة النقية الخالصة التي تشكلت في عناية الحكمة الإلهية دون انتباه أنك تمارس اجتهادًا جديدًا في لحظة جديدة هي المأساة التي تعيش فيها السلطوية الإسلامية حاليا.
 وسابقًا بدت لي النزعة السلطوية هي أبعد عن أن تسع «تعاطفي» الذي هو مدخلي للتفكير في الشأن العام باعتباره علاقة مع آخر ند لي أرغب في العيش معه، وليس باعتبار أن السياسة هي مباراة الحصول على السلطة لتحقق مشروعًا يعيش فيه الآخر معك ككومبارس أو تلميذ ستقوم بتهذيبه وتعليمه، لكي يهتدي يوما ويصبح مثلك فخورا أنه أغلبية قوية ويهتف «سنحيا كراما»، انتقلت إلى الساحة الأوسع التي يمكن لـ«الكل» - سواء من ينتمي إلى الطرف الأقوى والأكثر أو من ينتمي إلى الطرف الأقل والأضعف والأكثر اختلافا – وكل فرد على حدة، أن يفكر أننا سنحيا كراما «كلنا».
أقول قولي هذا وأدعو الله أن يشرح  قلب الجميع، خاصة الرأسماليين أصحاب هذه الجريدة إلى سماحة اليسار. آمين.