26 September 2012

مشاهد حصرية من الفيلم المسيء للإسلام

فيم كنا نتحدث قبل أن يقرر عدد كبير من المسلمين أن يصبحوا مجاميع كومبارس لمنتج مغمور نشر مقاطع من فيلم تحت الإنشاء عن الإسلام؟ 
كنا نتحدث عن «الحماسة السلفية» التي تتقدم وتجر قاطرة «التفكير الديني الراكد»، وأعتقد أنه ظهر واضحا الأيام الماضية كيف تقدمت الحماسة السلفية فعلا وكيف انكشف مستنقع التفكير الديني الراكد كله في معركة خائبة ضد مقاطع من فيلم مجهول، ولكني لا أعتقد أن الأمر بلا فائدة. حتى هذا الفيلم البائس، أو بالأصح الفيلمين – الموجود على يوتيوب والموجود على أرض البلدان المسلمة -  ليسا بلا أدنى فائدة. فالحكمة ضالة المؤمن. هي  في الحقيقة ضالة المؤمن الذي يتقبل انتقاد إيمانه أو مراجعته. أما الكثير من المؤمنين بأديان أو الكفار بها فهم في الحقيقة أبناء دين واحد هو «ما وجدنا عليه آباءنا». وهو دين رائع وعظيم ومريح وبداخله كلام كثير عن تلك النعمة التي أنعم الله بها عليهم فولدوا على الدين الصحيح فلا حاجة بهم إلى مزيد من الحكمة في هذا الخصوص.
وبهذا الخصوص أود أن أتحدث أولا عن مقاطع هادفة من تلك المنشورة على  يوتيوب قبل أن أتحدث عن المشاهد الحصرية التي لا يبدو لي أن أحدا ينتبه لإساءتها البالغة للإسلام.
في الثلاثة عشرة دقيقة الموجدين على يوتيوب، هناك مشهد لأناس يخربون صيدلية مسيحي بينما الشرطة تتفرج والضابط يأمرهم بعدم التدخل وشيخ ملتح يقف على مسافة يتابع التخريب.
هذا المقطع الهادف من هؤلاء المسيئين ربما نجد حكمة فيه تنبهنا أن هناك بالفعل الكثير من المصريين المسيحيين يشعر بمرارة لأنه في كل أحداث العنف الطائفي التي وقعت في مصر كان هناك جموع تهاجم الكنائس أو بيوت المسيحيين أو محلاتهم، في حالات كثيرة  لم تتدخل الشرطة أو تأخرت أو أعلنت حمايتها للكنيسة فقط ونصحت المسيحيين بمغادرة منازلهم حرصا على حياتهم، كما حدث في دهشور مؤخرا. وفي كل الحالات لم يحاكم متهم واحد بتهمة  مهاجمة بيوت أو محلات مواطنين، وفي معظم الحالات شهدت جلسات الصلح العرفية شيوخا يمثلون «الجانب المسلم» ومثلت محاضر الصلح هذه مخرجا ومهربا لجموع المخربين من الغاضبين المسلمين.
المقطع مبالغ بعض الشيء لكن الواقع مسيء بما فيه الكفاية.
المشهد الثاني الهادف هو أيضا مبالغ فيه كثيرا، لكنه مشهد جامع يتضمن لقطات لأفعال للنبي فيما يخص الحث على الجهاد واتخاذ الأسرى من الأعداء عبيدا وإماء وأيضا أفعالا تخص العلاقة بين الرجال والنساء ووضع المرأة بشكل عام. ولا يمكنني التعليق على هذا  المشهد والحديث عن المشكلة فيما يتضمنه من أفكار إلا بالانتقال إلى المشهدين الحصريين الذين لا ينتبه أحد إلى إساءتهم الأبلغ.
المشهد الأول
الحكمة الإلهية إلى ناس 1 + لحظة زمنية 1  = خطاب وتشريعات 1  ( شرع من قبلنا، رسالات قبل الإسلام)
الحكمة الإلهية إلى ناس 2 + لحظة زمنية 2  = خطاب وتشريعات 2  (المنسوخ من شريعة الإسلام، ما تم تشريعه في لحظة وتم نسخه في أخرى)
الحكمة الإلهية إلى ناس 2 + لحظة زمنية 3  = خطاب وتشريعات 3 ( شريعة الإسلام الناسخة، ما تم تشريعه لاحقا لينسخ المنشوخ وشرع من قبلنا )
الحكمة الإلهية بعد وفاة النبي وناس 3 ولحظة زمنية 4   = خطاب وتشريعات 3
الحكمة الإلهية بعد وفاة النبي وناس 4 ولحظة زمنية 4 =  خطاب وتشريعات 3 مع اعتذارات تجميلية وتجديدات شكلية
أتى رجل عدل من نظارته الطبية وقال أنه بما أن الحكمة الإلهية يتغير خطابها وتشريعاتها بتغير المخاطبين ولحظتهم الزمنية التي تتضمن ثقاقة وملابسات تاريخية، إذن الخطاب والتشريعات ليسا أبديين، ويبدو انه من المنطقي أن نفكر في «خطاب وتشريعات 4 » يحاول أن يسترشد  بالحكمة الإلهية ويكوّن حكمة إنسانية تاريخية متنوعة ومتعددة تتجادل بدون ادعاء امتلاك الحكمة الإلهية بعد أن توقف الوحي  بدلا من الترقيع في خطاب وتشريعات 3.
لم يكن هذا الرجل أول من يقول ذلك، ولكنه ربما قالها بشجاعة وسمعه علماء الأزهر وعلماء وجماهير التيارات الإسلامية ومنهم الإخوان والسلفيين، فكفروه جميعا وترك وطنه زمنا ليمكنه أن يعيش في أمان. هذا الرجل يسمى نصر حامد أبو زيد.
أما التفكير الديني الراكد فما زالت  تتوالى عليه الأجيال واللحظات الزمنية بينما هو عاشق للحكمة الإلهية في تجليها في خطاب وتشريعات 3 » واعتبرها "ثوابت" مع تعديلات واعتذارات وتجميلات هنا وهناك في محاولة لتثبيت حكمة في أحد تنوعاتها الزمنية وبالطبع كانت هذه أبلغ إساءة للحكمة وخطابها وتشريعاتها.
المشهد الثاني
ساء حال الأمة الإسلامية وتساءل مفكروها: «لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟» وغير ذلك من الأسئلة وأخذوا يتسائلون إن كانت المشكلة في الفكر أم في التطبيق أم في الظروف السيئة.
وتوالت إجابات أغلبها اعتذارية تحاول عصر وليّ حروف وكلمات «خطاب وتشريعات 3 » فذهبت في المتاهات. لكن  حياة المسلمين استمرت في طريقها تحاكي حياة الأمم الأخرى وتنقل تنظيما اجتماعيا مبنيا على فلسفات وأفكار وخطابات وتشريعات من تجارب الأمم الأخرى ونشأت سلطات مبنية على هذه الهياكل بدون روحها. وفي المقابل عاشت الشعوب في حلم مجد تحقق في ظل «خطاب وتشريعات 3 » ونظرت للدولة الحديثة باعتبارها كائنا غريبا هجينا أو مستوردا أو غير مفهوم. 
 إلى أن أتى رجال قالوا المشكلة ليست في «خطاب وتشريعات 3 »، لكن المشكلة أن «خطاب وتشريعات 3 » لا يحكم، وكان هذا في رأيهم أن الله لا يحكم! والمسلمون حققوا المجد عندما حكموا به في لحظة زمنية 3. ولذلك فإن الحل هو أن نصل للسلطة باسم «خطاب وتشريعات 3 » لكي يكون لله السيادة والحكم. والدولة الحديثة ليست إلا أداة ووسيلة لهذه السيادة، مثل سائر الأدوات المستوردة. هؤلاء كانوا منظري الإسلام السياسي، حسن البنا وأبو الأعلى المودودي وغيرهم.
طبعا لدواعي التجريد أعتبر كل ما يقولونه عن التجديد ومواكبة المتغيرات هو اعتذارات شكلية أو تعديلات محدودة.
ولكن في النهاية هذان المشهدان وصلا بنا إلى أن يكون التيار الأساسي للتفكير الإسلامي هو تفكير ديني راكد يفتقر لشجاعة التجديد ولكنه يملك شجاعة طلب السلطة باسم أفكار راكدة يعتقد أنها الدين.
ربما لو عدنا للمشهد 2 من ملف مقاطع اليوتيوب الحمقاء سنجد «المسيئين» فرحين بهذا الركود. وفي مشهد يشرح أب لابنته كيف يتحول الإنسان لإرهابي يقوم بجريمة تخريب مملتكات مواطن من عقيدة أخرى بالرجوع «فلاش باك» إلى أيام بعثة النبي ليريها كيف أن أفكار جهاد الكفار وأسرهم واستعبادهم أو قتلهم أو دفعهم للجزية ودونية المرأة عن الرجل هي التي تحكم بعض مسلمي هذه اللحظة.
 يحاول التفكير الديني الراكدالاعتذار والتبرير والتعديل ولكن الحماسة السلفية ترفض ذلك وتعتبره هزيمة نفسية وما زال علماؤها المعاصرين يتحدثون عن «ديار الكفر» وعن عدم السفر إلا لضرورة ويقولون أن من شرائع الإسلام الثابتة مثلا جواز استرقاق الأسرى وقتال الكفار وقتل المرتد وتبعية المرأة للرجل وحبسها في مهام بعينها وتفضيل تركها لغيرها. وستظل تلك ثوابت لأن الاعتذارات والتعديلات مؤقتة أو عارضة.
ويبدو لي أنه في المجمل ستستمر إساءة معظم المسلمين لدينهم وللحكمة الإلهية التي يؤمنون بها وسيجدون دائما أنهم في معارك كثيرة تتقدمهم الحماسة السلفية الواثقة وسيجدون أرجلهم في مستنقع التفكير الديني الراكد الذي لم يقرر بعد الدخول في التاريخ.
 يبدو لي أن الإساءة الحقيقة للإسلام أن من حاول إنقاذ الحكمة الإلهية من هذه المهزلة تم تكفيره ولا يزال يحدث. ولا يبدو لي أن هناك فرصة  إلا بعد مراجعة سؤال ذلك «الكافر» الذي لم يطلب من المسلمين مثلا مراجعة اختيار الإسلام نفسه أو التساؤل بخصوصه. فمعظم أبناء دين «ما وجدنا عليه آباؤنا» لا يطيقون مثل هذه التساؤلات ولا هم من المؤمنين الذين يعتبرون الحكمة فعلا ضالتهم.
المهم هو «هوية» واحدة ثابتة جامعة للأمة كما في المشهد الأول، و«سلطة» تطبق هذه الهوية وتحميها كما في المشهد الثاني. أما الحكمة فهي التي يتم إهانتها والإساءة لها في المشهدين.

21 September 2012

معاناة العائلة غير المقدسة



عزيزي السيد الرئيس الدكتور محمد مرسي، عزيزي الدكتور الشيخ أحمد الطيب، أعزائي علماء الأزهر ومشايخ ودعاة المسلمين ومتابعيهم الغيورين ونشطاءهم المتحمسين وكُتابهم وإعلامييهم وسائر شبابهم وشيوخهم ونسائهم، وأخص بالذكر الإخوة في جماعة الإخوان المسلمين وذراعها والإخوة السلفيين وأذرعتهم ومن تبعهم وانتخبهم بحسن نية حتى يوم التمكين.
أنا أسكن في إمبابة، وعادة ما يقوم «عيّل» في الشارع بعمل طائش، كما يقوم العيال عادة بالأفعال الطائشة، وينتج عن ذلك أحيانًا أن البعض يقرر أن العالم كله يجب أن يعرف ما قام به ذلك العيل وأن رد الفعل يجب أن يكون هو البحث عن حصانات وضمانات ألا يجرؤ العيل على الإقدام مرة أخرى على الأفعال الطائشة، ويكون من نتيجة ذلك هو جمع من الناس يخلعون عادة ثيابهم عن النصف العلوي من أجسادهم ويتصارخون في وجوه بعضهم البعض وقد يحملون أسلحة بيضاء أو ملونة ويلوحون بها لبعضهم البعض، وقد يقع أحيانًا جرحى وقتلى.
في مثل هذه الأوقات أقوم بإغلاق النافذة بإحكام، لأن لدي أشياء جدية أو ممتعة أقوم بها بعيدًا عن العبث والحماقة التي تجري بالخارج، ولأنني لست شخصًا تافهًا ولا مهووسًا لكي أخطط لمنع الطيش من الوجود في العالم فإنني حتى لم أحاول التفكير فيما يحدث، ولكن يصلني بالطبع ما قاله الطفل الطائش من أكثر من مصدر، قد يكون البقال أو البواب أو المكوجي، وذلك لأن هذا العبث ينشر الطيش ويجعله أكثر بقاء في الذاكرة وفي كلام الناس ووسط أكبر عدد من الناس.
المشكلة أن هناك عائلة بعينها، أعتقد أنها تعاني من علة ما ذهنية أو نفسية، قد أدمنت هذه اللعبة لدرجة أنها تهيج كلها وتنزل عن بكرة أبيها في مواجهة العيل وحده دون أن تناصره عائلة تلعب دور المجنون الآخر، فينزل الرجال بالفانلات الداخلية يلوحون بالأسلحة والنساء يتصارخن ويلطمن، بينما بعض المهندمين منهم يلعبون دور العقلاء، يقترحون الذهاب إلى قسم الشرطة والمحكمة، وربما إضافة نصوص في الدستور وقوانين عالمية تضمن ألا تتكرر هذه الأفعال الطائشة.
 هذه العائلة أصبحت تقوم بكل طقوس المعركة دون طرف آخر إلا العيل الطائش. ورغم كل محاولات عائلة العيّل للتهدئة ومحاولة إفهامهم أن العيّل لا يمثل بالضرورة رأي عائلته كلها، وأنهم تحدثوا معه بهذا الشأن ولكنهم لا يمكن أن يعاقبوه بالقوة لأسباب ما، ورغم أنهم يُقبّلون الرؤوس والجباه ويرسلون الاعتذارات والتأكيدات على احترام العائلة التي تشعر بالمهانة من كلام العيّل، ويفعلون كل ما يمكن أن يفعلوه لتهدئة المجانين الذين يستثيرهم دائمًا كلام العيال، إلا أن هذه العائلة المُعتلة لا تهدأ وتريد ضمانات ألا يكرر العيّل فعلته.
 من خلعوا قمصانهم يريدن ممارسة التأديب بالذراع، ومن يرتدون ربطات العنق يريدونها بالذراع السياسية والقانون والدستور. هذه العائلة صارت مصدر إزعاج بائس لا معنى له، ورغم أنني أغلق النافذة كل مرة إلا أنه يسوؤني ما يقع من جرحى وقتلى حتى من بين هذه العائلة البائسة التي بدأ بعض أفرادها يضيقون منها ويغلقون نوافذهم هم أيضًا محاولين الابتعاد خطوات عن محيط التفاهة والعبث والحماقة.
 أحببت فحسب أن أشارككم إحدى مشاكل سكني في منطقة إمبابة، وأرجو ألا أكون قد أثقلت على سيادتكم وفضيلتكم وعلى عامة المسلمين والمسلمات بمشاكلي الشخصية.. والسلام.

نشر في بوابة "المصري اليوم" الخميس 20 سبتمبر

21 July 2012

طرف السجادة الحمراء أو الحقيقة وراء عمر سليمان


في الثامنة صباحا تقريبا من كل يوم، كان رجلا وحيدا يفتح البوابة ويرتب الكراسي والطاولات في الحديقة. وينظف السجاجيد الحمراء التي تصنع طريقا فوق السلم العريض من الممر إلى داخل الفيلا.

بعد ان ينظف السجاجيد المستطيلة كان يضعها بعناية بحيث تبدو وكأنها سجادة واحدة طويلة من أول السلم إلى آخره. فكرت كثيرا، وأنا أراقبه من نافذة مطبخ المكتب في انتظار غليان المياه لأشرب الشاي، أن شراء سجادة  واحدة بطول مناسب ستوفر وقتا طويلا للرجل، الذي كان يضطر أحيانا لطلوع السلم ونزوله أكثر من مرة والابتعاد قليلا ليلقي نظرة على محاذاتها عن بعد.

بعد أن ينتهي من  بعض الاعمال، التي يبدو أنه يقوم بها في داخل الفيلا، كان يخرج  ويجلس على كرسي في الحديقة تحت الشمس. ينتفض دائما عندما تأتي العاشرة صباحا بالظبط ويقف بجوار الباب،  تدخل السيارة السوداء في موعدها. تقف في الممر بالقرب من الكراسي، ينزل اللواء عمر سليمان وبيده كيس سندوتشات. تكمل السيارة طريقها إلى آخر الممر وتقف. لم ينزل السائق منها أبدا.

يتجه عمر سليمان إلى الكراسي ويجلس ويضع كيس السندوتشات أمامه على الطاولة. كثيرا ما لمحني أحدق فيه من نافذة الشباك فظل بصره مثبتا عليّ بلا أدنى حركة أخرى. فكرت دائما أنه ربما يفكر في قصتي وفي مج الشاي في بدي مثلما أفكر في قصته وفي كيس السندوتشات أمامه.
كان ذلك يستمر أحيانا كلعبة بلا معنى ولا مغزى إلى أن يقطعه ذلك الرجل الذي يأتي ويجلس بجانبه ومعه حزمة من الصحف. كان بصر سليمان يتجه إليه ويراقبه وهو يحاول أن يفك الحبل الذي يربط الحزمة. في مرة استعصت عليه وطالت محاولة الرجل في فك الحبل، فقام عمر سليمان وأمسك حزمة الصحف ورماها على الأرض ووضع إحدى قدميه عليها وباليد الأخرى فكها بسرعة كما يفعل بائعو الصحف المحترفون. وفي مرة أخرى لم تفلح هذه الطريقة فوضعها على الطاولة واستعمل أسنانه في قطع الحبل.
في النهاية كان الرجل يمسك الصحف ويتصفحها وهو يشير لعمر سليمان إلى أخبار وصور ويقرأ له بصوت مرتفع. كان عمر سليمان وقتها يفتح كيس السندوتشات ويتناول واحدا ويأكله، كان دائما يحاول أن يقدم نفس السندوتش للرجل لكنه كان دائما يهز رأسه ويربت على كتف اللواء، بالتأكيد كان يقول له: سبقتك يا سيادة اللواء.

كانت السندوتشات في عيش بلدي ومعها دائما قطع من المخلل. كان اللواء عمر سليمان يأكل ببطء ويحرك فكه بشكل ملحوظ يبدو لي من نافذتي. كنت كثيرا ما كنت أراه يتابع ببصره كلب أو قطة أو حركة الرجل الذي يضع السجاجيد وأعتقد أنه كان  يشرد تماما بينما الرجل يقرأ له من الصحف. 
في مرة قام  وذهب إلى ركن الحديقة ورمى بجانب قطة راقدة هناك قطعا من الخبز والمخلل، يبدو لي أنها كانت تلد وأثارت شفقته.  في تلك اللحظة أشار الرجل الذي يقرأ الصحف للرجل الذي يضع السجاجيد بيده يعني أنه لا يعرف ماذا يفعل اللواء، فأشار رجل السجاجيد إلى رجل الصحف مجموعة من الإشارات التي تعني بوضوح: يا عم نفض وكل عيش دا راجل أهبل.

في بعض الأحيان كان رجل الصحف يتوقف ويلفت انتباه عمر سليمان  بشدة  لشيء ما، فيهز سليمان رأسه كثيرا وهو يمضغ بحركة مميزة من فكه تشبه حركة فك نوع معين من الكلاب لا أدري اسمه، كان الرجل ينظر إليه ينتظر رد فعله، طال ذلك أحيانا واستغرق نصف ساعة  مثلا. وفي النهاية كان عمر سليمان يشير بإصبعه وينقر به مرتين على الصحيفة. فيُخرج الرجل من حقيبة معه "كاتر" ويقطع قصاصة من الصحيفة ويمدها لعمر سليمان، الذي يتوقف عن الأكل ويضع الساندوتش في الكيس ويخرج من جيبه مناديل يمسح بها يده وفمه ثم يعيد المناديل إلى جيبه ويتناول القصاصة من يد الرجل ويتأملها للحظات، بلغت أحيانا نصف الساعة أيضا، ثم يدسها في نفس الجيب الذي يخرج منه المناديل ويضعها فيه.

مرات كانت تمر لحظات وعمر سليمان ومعه رجل الصحف بلا أي تغيير ولا قص قصاصة ولا أي شيء مثير. كان اللواء أحيانا ما تتهدل رأسه خلفه على الكرسي ويذهب في النوم، وينتهي الرجل من مهمته ويرحل وهو يهز رأسه عجبا. وأحيانا أخرى كان اللواء يقف على  بعد خطوات يحدق في أرض الحديقة أو يحاول النظر للشمس رافعا يده أمام عينه أو محدقا في وأنا أحدق فيه من نافذتي.
كنت قد بدأت أقضي الكثير من الوقت في مراقبته من نافذة المطبخ. يستغرق مني إعداد الشاي ساعة متنقلا بين الغلاية وبين النافذة، وأحيانا كنت أقضي مثلهم أشرب الشاي وانا أتأمله. بعد الظهر كان آخرون يتوافدون بسياراتهم ويدخلون إلى الفيلا ويتحدثون إلى رجل السجاجيد ويشيرون إلى عمر سليمان فيذهب إليه ويخبره فيتوجه وراءهم إلى داخل الفيلا.

في مرة كان نائما واضطر الرجل لحمله وهو مستغرق تماما في النوم، ولكن عادة كان اللواء يقوم من مقعده ويسير من الحديقة إلى الممر حيث يضع يده في جيبه ويخرج المناديل الوسخة ويرميها على أرض الممر، فيما يبدو كان يحافظ على نظافة الحديقة الخضراء، وفي مرة من المرات يبدو لي أنه رمى قصاصات الأخبار أيضا.

تكرر كثيرا أن يتعثر اللواء في طرف السجادة الحمراء بعد درجتين أو ثلاث. كان ذلك مبررا إضافيا لكي أفكر أنه من الأجدى لهم أن يجدوا سجادة حمراء واحدة طويلة بدلا من القطع التي يتعثر اللواء عند تقاطعها.

في يوم ما لاحظت تعليق أعلام مصر بطول الفيلا، وكانت هناك صورة كبيرة لعمر سليمان بنظارة سوداء رافعا يده. شاهدت قبلها بأيام  مصورا يحاول أن يأخذ له صورة مناسبة ويعاني بسبب شرود اللواء في متابعة كلب أو قطة أو تحديقه فيّ وانا واقف في النافذة. اللحظة  التي نظر فيها اللواء إلى الشمس ورفع يده أمام عينه، رغم نظارة الشمس السوداء، أعتقد أن المصور وقتها أشار بإبهامه للواء وذهب إليه وجعله يشاهد شيئا في الكاميرا. حدق اللواء في الكاميرا لساعة إلا ربع قبل أن يربت على كتفه ويقبله في خده.

أعتقد أنها هذه الصورة التي علقوها في أعلى شرفة في الفيلا. ولكن اللواء شاهدها وهي تسقط بعدها بأيام وهو يأكل السندوتشات واستمر هو ورجل الصحف في التحديق فيها لساعة إلا ثلث قبل أن يأتي رجل السجاجيد ويحملها ويذهب إليهما ويريه الحبل المقطوع الذي كان يحملها. سكن الجميع للحظات ثم هز اللواء رأسه فأخذ رجل السجاجيد اللوحة ووضعها في الحقيبة الخلفية لسيارة اللواء.

في تلك الفترة كانت الفيلا نشيطة، وفي الحديقة وعلى الكراسي كانت اجتماعات كثيرة تجري، وكان اللواء دائما يأكل سندوتشاته ببطء ويقضم من المخلل ووكعادته يشرد في متابعة القطط والكلاب أو محاولة التحديق في الشمس أو  يبادلني النظرات المعتادة الخالية من التعبير.

مرة واحدة فقط كان مشهد مميز يجري هناك في هذه الفيلا الغريبة. خرج  واحد يجري من الفيلا وتدحرج على درجات السلم ووراءه خرج عمر سليمان يجري بسرعة أقل ولكن بخطوات واسعة. كانت رأسه مدفوسة قليلا في البذلة الرسمية التي يرتديها، كأنه يخفض رأسه يخشى الاصطدام بشيء أو أنه يحاول التركيز في هدفه.
 طارد اللواء عمر سليمان الرجل في أرجاء الحديقة ودارا أكثر من دورة حول الكراسي والطاولات. في النهاية كانت خطوات اللواء الواسعة كفيلة بأن يقترب من الرجل من الخلف فضربه بالشلوت من الوضع طائرا، فوضع الرجل يده على مؤخرته  وهنا توقف كلاهما. اقترب اللواء من الرجل وضربه شلوت آخر في عضوه الذكري، فانحنى الرجل متألما وسحبه اللواء من شعره وأجلسه على كرسي. ساعتها انتبهت أن في يد عمر سليمان آلة حاسبة. جلسا واللواء يجري عمليات بمنتهى البطء على الآلة وفي وسط البطء والسكينة يرفع كفه ويصفع الرجل ويبصق عليه. في نهاية الجلسة قام ورفعه من على الكرسه وخبطه "روسيّة" ورماه على أرض الحديقة وركله ثم جلس على ركبتيه ورفع رأسه إلى السماء وحدق تجاهي مباشرة. بدا لي أنه يبكي.

لم أر هذا الرجل ثانية، لكن استمرت حياة اللواء كما هي، السيارة وكيس السندوتشات ورجل السجاجيد ورجل الصحف والقصاصات والشرود والقطط والكلاب وتعثره المعتاد عند تقاطع السجاجيد. يقضي قليلا من الوقت بالداخل ثم يخرج ويتجه إلى السيارة التي لم ينزل سائقها أبدا فيركبها ويرحل.

المرة الأخيرة التي تعثر فيها كانت الأسوأ، كان نازلا ففقد توازنه تماما وظل يجدف بيده كأنه يسبح قبل أن ينقلب على وجهه ويتدحرج حتى وصل إلى أرض الممر. سكن تماما وظل المشهد هكذا لدقائق حتى خرج رجل السجاجيد وظل يحدق فيه لدقائق أيضا. رفع الرجل السجاجيد من على السلم وذهب بها إلى مكان ما خلف الفيلا ثم عاد واخرج موبايله والتقط صورة للواء ثم انهمك في موبايله، خمنت أنه يرسل الصورة عبر تويتر أو فيس بوك. أجرى مكالمة سريعة رفع فيها صوته بشكل ملحوظ كأنه يستغيث، وخلال دقائق كانت طائرة هليوكوبتر تهبط في الحديقة  ويخرج منها الرجل الذي كان يجري خلفه اللواء ويضربه، ومعه آخرون. 
توجهوا إلى جسده الساكن تماما. تفحصه أحدهم وهز رأسه لهم. الرجل الذي تلقى الشلوت سابقا ضرب رأس اللواء بالشلوت وبصق عليه ثم أخرج موبايله والتقط له صورة وانهمك هو الآخر في موبايله قليلا بينما حمل الباقين جسد عمر سليمان إلى الهليوكوبتر التي حملته وانطلقت بعيدا. 
صرخ الرجل المنهمك في موبايله تجاه الهليوكوبتر ثم أمسك موبايله وأخذ يصرخ فيه إلى أن عادت الهليوكوبتر وركبها وطارت ثانية.

رأيت رجل السجاجيد يأتي بالسجاجيد مرة أخرى ويضعها مكانها بدون عناية كبيرة ثم يذهب ويلتقط مناديل رماها اللواء في الممر بين السلم والحديقة ويهز رأسه ويتجه لرميها في سلة المهملات ثم يذهب إلى السيارة ويكلم السائق الذي لا ينزل أبدا فترحل السيارة هذه المرة بدون اللواء.

 كانت هذه آخر مرة أرى أحدا من كل هؤلاء في الفيلا. وظلت الكراسي والطاولات وأعلام مصر وبعض السيارات في مكانها وظللت أحدق فيها كل يوم وأنا أعد لنفسي الشاي وأشربه. وفي اليوم الأخير قبل أن ننتقل لمكتب آخر رأيت اثنين يجلسان بالقرب من البوابة، كما لاحظت أن دواسة لونها بني كانت موجودة في الممر عند بداية السجاجيد الحمراء.
 أخرجت موبايلي والتقطت صورة للذكرى وندمت أني لم ألتقط صورا لكل ما كان يحدث. ولكن نظرة اللواء المحدقة فيّ  لم تفارقني، كنت أحيانا أنفجر في الضحك لمجرد تخيلها.

20 June 2012

بالمستقبل متفائلين





في الحلم كنا غدا، الخميس، يوم إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، ولكننا كنا في تونس، أنا وآخرين أعرفهم. محتشدون في شارع بورقيبة بالقرب من مبنى وزارة الداخلية التونسية. نتطلع إلى الشاشات الكبيرة في المقاهي وشاشات أخرى ضخمة منصوبة خصيصا.
كنت واقفا بجوار لوحة إعلانات لشركة "تونيزيانا" أشرب الشاي في المج الذي أهدتني إياه هبة كتذكار من نيويورك عليه صورة وودي آلان. تذكرت كيف فشلت كل محاولاتي لتشغيل إنترنت الموبايل مع شريحة "تونيزيانا"، وكيف قضيت وقتا طويلا في مقارهم أمام لوحتهم الدعائية "بالمستقبل متفائلين" قبل أن يعلنوا لي مرة بعد مرة أن كل شيء على ما يرام بخصوص شريحتهم والإعدادات وفي الوقت نفسه لا أمل في تشغيل الإنترنت. 

قطعت أفكاري ضوضاء بدء المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة، الكل متوتر. توقعات بفوز مرسي. النتيجة: فوز شفيق. 
لحظة تم تفريغها سبقت الانفجار. وجدتني أطيح بالمج وأكسر لوحة الإعلانات، لا أستطيع أن أستبعد حنقي المسبق بسبب موضوع الإنترنت. ولكنني كنت غاضبا أكثر طبعا بسبب النتيجة. شفيق؟ ولم أكن وحدي. أحدهم كان بالفعل قد كسر الشاشة والآخر حمل كرسيا وأطاح به وسط الشارع. الشارع كله انفجر غضبا. 
حشود من جنود الشرطة فجأة ظهرت بيننا وكذلك حشود من السلفيين بقمصان سوداء. تتطور الاشتباكات وتندلع حرائق هنا وهناك. "الشعب يريد إسقاط النظام ... يا ولاد الوسخة!" . أفقد كل من أعرفهم وسط الجري والاشتباكات. أجد نفسي وسط مجموعة من السلفيين، كلهم يرتدون قمصانا سوداء. تطاردنا مجموعة من الجنود فنهرب إلى شارع جانبي. يخرج أحد السلفيين من حقيبته الجلدية زجاجة مولوتوف جاهزة مشتعلة. ويرميها باتجاه الجنود فيتراجعون. تشب النار في سيارة كانت بجوارهم. نتجه إليها ونقلبها ونتخذها ستارا. نرميهم بالطوب والمولوتوف وصوت رصاصهم يخبط جسم السيارة أمامنا. 
يهدأ التراشق قليلا. فينظر السلفيون إلي ويبدو لي أنهم يجدونني غريبا عنهم. يأتيني أحدهم ويحدثني بلهجة مصرية بها مسحة تونسية: عندكم في مصر الزمن متأخر أسبوع، لسه مش عارفين نتيجة تزوير الانتخابات. والإعلام الوسخ في كل مكان بيقول السلفيين بيحرقوا تونس علشان معرض فن تشكيلي. 


11 June 2012

عزيزي شريف عبد الشفيق .. حدثني أكثر عن الأصول الفقهية للشرمطة


تلقى أبى ذات يوم دعوة إلى اجتماع  يضم بعضا ممن يطلق عليهم "القيادات المحلية" في امبابة، وعندما سأل عن الحضور وجد أن هذا الاجتماع يضم  بعض أصحاب المناصب في الدولة وممثلي كبار العائلات بالإضافة لأعضاء سابقين في الحزب الوطني وبعضا من رجال الأعمال الذي كانت تربطهم علاقة عاطفية متقلبة بالحزب الوطني وعددا من المعرّصين المعروفين بكونهم "سماسرة انتخابات"،
وعندما قيل له أن هذا الاجتماع من أجل دعم حملة أحمد شفيق في امبابة سكت كثيرا ولم يجد ما يرد به علي من يدعونه سوى أن يسألهم: "هو إنتم ناويين تبطلوا شرمطة إمتى ؟"

بالأمس تذكرت ذلك الموقف الذي حدث قبل مؤتمر شفيق في امبابة الذي شرفت بمحاولة إفساده وكتبت لك بعده أطلب منك الرجوع إلى صوابك لأني لا أتخيلك بين هؤلاء المعرصين من بقايا الحزب الوطني الذين كانوا حوله يومها. اليوم أكتب إليك ثانية وأغلب ظني أنك قد تركت حملة شفيق وأن ذلك المنعطف الأخير من الشرمطة التي يقوم بها الفريق لم يترك لك هامشا للاختيار. 

صدقني، رغم أنك التففت حول كل ما حدثتك بشأنه عن شفيق، إلا أن ردك كان مهما جدا، سجلت منه نقاطا عديدا لأعود وأكتب عنها لاحقا، فلدي مشروع للكتابة عن كيف يبرر ولاد الوسخة مقاومتهم للثورات. نقاطك كانت ذكية حقا، تليق بذكي ضائع يعمل في خدمة ولاد الوسخة. نقاطك كانت نقدية وملهمة فعلا، ومن الضروري أن يقرأها جيدا كل من هو في الموقف الثوري لتساعده على ان يتخذ موقفا ثوريا أكثر اتساقا.

مثلا حديثك عن هؤلاء الإعلاميين الذين كانوا مقربين من النظام ومؤدبين معه ويقفون الآن وسط "الثوار"، حديثك عن كيف استبطن بعض "الثوار" اخلاق مبارك الذين عارضوه.  سخريتك من اختيار "الثوار" لعصام شرف بديلا عن شفيق، وهو ما كان بديلا فاشلا غير ثوري ولا إصلاحي ولا أي شيء. إشارتك حتى لألفاظي البذيئة باعتبارها من ميراث "بكابورت مبارك" الذي ورثه معارضوه. لانه في رأيك، أفسد مبارك النظام والمعارضة معا. إلا أنه لم يستطع إفساد جناح النظام الذي كان فيه شفيق، ولذلك اختار، مبارك، ذلك المفسد، شفيق، ذلك النظيف، ليكون رئيس وزراؤه بعد اندلاع الثورة ليكفر عن خطاياه بحق هذا الشعب ويأتي بالجناح النظيف في النظام لعل الله يغفر له خطاياه. 

أنا لن أناقشك في طهارة ذلك الجناح في السلطة ولا في طهارة قرار مبارك والمجلس العسكري بالإتيان به كرئيس للوزراء من أجل التغيير فعلا، فأنا لا أناقش الشرمطة.  
ولكني ساعترف لك فعلا أن صف "الثوار" به الكثير من المهرجين والمنافقين والمتسلقين والمتلبسين بكل الموبقات، ليس فقط لانهم جماعة بشرية عادية، ولكن تحديدا لأن "الموقف الثوري" أصبح ذا جاذبية في بعض الأوقات. وأصبح له بريق وقدر من "السلطة" تبرر للكثيرين التظاهر بالتواجد فيه. ولكن بالنسبة لي الموقف الثوري ليس مجسدا في تلك الجماعة التي تقف في الموقف الثوري إلا أن ظلت بشكل ما تنقد نفسها وتطهرها وتتساءل كل لحظة عن الموقف الثوري فعلا.

الجماعة التي تقف أو تحاول أن تقف في "الموقف الثوري"، وبينها بالطبع الطامع والمتسلق، ليست جماعة منزهة بل هي بالأساس ثورية لأنها تحاول بناء طريق جديد، وفي محاولتها هذه تخطيء وتتعثر كثيرا. وقد تضل أصلا عن "الموقف الثوري" وتعود وتبحث عنه. الثورة ليست من يحاولون أن يتحدثون باسمها دائما، ولكن من يحاولون أن يقفوا في موقفها ويتحروه.

هذه الجماعة التي يصفونها بـ"الثوار" وهم ليسوا كذلك "حصريا" لو تابعتها لوجدتها أشد عنفا في نقد سلوك بعضها عندما يكون ضد "الموقف الثوري" أو بخلافه أو يضعفه. وعندما يكون السلوك ضد "الموقف الثوري" تماما يحدث استبعاد ما ولو معنوي. تماما كما يطهر النظام نفسه من جيوب "الإصلاحيين" المترددين في حسم انحيازهم للنظام أو ممن يحاولون الإصلاح من داخل النظام. في اللحظة الحادة التي تصنعها الثورة داعية إلى طريق جديد، بعضهم يحسم أمره معها أو ضدها، كذلك فعل عصام شرف، الذي انحاز للثورة وسار في مسيراتها يوم 25 يناير بينما ظل شفيق آمنا مطمئنا تحت الجناح النظيف للنظام الفاسد، يمكنني أن أعترف بلا مشكلة أن عصام شرف فشل في أن يكون رئيس وزراء في موقف ثوري تحت حكم المجلس العسكري، ولأننا نجرب لاول مرة شخصية كانت تمثل حلا وسطا، قالت أنها من "الجناح الإصلاحي داخل النظام" قبل أن تنحاز للموقف الثوري، فإننا عرفنا الآن أن ذلك الحل كان خاطئا. هكذا ببساطة يا  عزيزي شريف. أما شفيق فقد كان خيارا من ولاد الوسخة الذي يحاولون إنقاذ النظام فبصقنا في وجوههم وبصقنا عليه وقلنا له خلي عندك دم يا ابن الوسخة وارحل مع اللي جابك. ولكن للشرمطة رجالها.


لماذا هذه الألفاظ البذيئة طيب؟ هناك مواقف بذيئة يا عزيزي شريف يصعب التعبير عنها بالألفاظ المهذبة، وهناك انفعال لا يمكن وصفه بألفاظ فصحى. هناك أمور يجب أن تصور كما هي في بذاءتها ويتم نقلها بأمانة، تماما كما نقل البلتاجي عن اللواء الرويني أنه قال يوم "موقعة الجمل" لمبارك: "لم الشراميط بتوعك".  

لقد أبلى الفريق شفيق حسنا في "لم شراميط مبارك" من كل ركن وكل صفيحة زبالة بعد ما تفرقوا بعد حل الحزب الوطني. وهذه الحملة التي جمعت شراميط مبارك من كل مكان ليس غريبا أن يكون سلوكها على هذه الدرجة من الشرمطة.

عندما حدثتك عن شفيق وعلاقته بمبارك كان معظم ردك عن هؤلاء الذي كانوا يتملقون مبارك ثم الآن يتملقون الثورة ، كان ردك هذا يحاول أن يقول "لسنا وحدنا شراميط مبارك، كل المجتمع شراميط نظام مبارك، هناك آخرون كثيرون كانوا أيضا شراميط لمبارك". 
منطق "يا عزيزي كلنا شراميط" في كلامك كان مبهرا، واستخدمته بذكاء ودرامية ويتسق مع خطاب شفيق بتاع "عاوزين ناكل عيش" أو "الإخوان كمان كانوا من النظام السابق"، هذا المستوى من الشرمطة كان عاديا بالنسبة لي ولكن كان المستوى الفائق هو أن ينتقل شفيق مع حملته إلى مستوى "تكلم القحبة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك".
وصل يا شريف إن شفيق وحملته يحاولوا بمساعدة شراميط الأمن والمخابرات وشراميط الإعلام اللي لمهم شفيق مرة تانية إنهم يتهموا الإخوان بالتورط في مهاجمة الثوار يوم "موقعة الجمل"؟   
أنا طبعا لن أناقش ذلك لأني كما قلت لا أناقش الشرمطة ولكني فقط أحاول أن أجعل الشرمطة واضحة وأن أسميها شرمطة.
صوتي لن أعطيه للإخوان،  الإخوان الذين يقفون أحيانا في الموقف الثوري ولكنى أراهم أبعد عن أن يكونوا في الموقف الثوري وهم في السلطة أو قريب منها. والثورة التي أردتها حرية وتحرر ومساواة  لا أقبل أن أجعلها خيارا يهدد حريات الناس وشعورهم بالمساواة والعدل إلى الدرجة التي تدفعهم لانتخاب ابن وسخة زي شفيق.
ولكن الأمر هنا مرة ثانية لا علاقة له بالثورة ولا بالموقف ولا بالإخوان الذي كنت أنت واحد منهم في يوم ما. الإخوان هم الذين هاجموا الثوار في التحرير يا شريف؟ 

لقد كنت أنوي أن أكتب إليك مهنئا إياك ومن معك في حملة شفيق وأقول لكم أنكم فعلا تبلون بلاء يناسب مقامكم، وأنكم في السلطة إن شاء الله ستتمكنون من ارتقاء مستويات أخرى من الشرمطة. ولكني الآن أظنك لا تحتمل الوصول لهذا الحد، صعب. أظنك الآن خارج الحملة تراجع كل لحظة قضيتها بداخلها. 
ولكن إن كنت ما زلت في الحملة، ومشارك في الوصول لهذا المستوى أو ساكت عنه،  فلا أملك إلا إن أقول لك يا شريف  يا عبد الشفيق: إنت هاتبطل شرمطة إمتى؟ 

09 June 2012

لماذا أحمد شفيق؟



ربما وجد الكثيرون فيه صورتهم، صورة الواقفين على مسافة مما يحدث يتقلبون بين التعاطف النسبي مع ما يحدث في الثورة وبين عدم الاستيعاب أحيانًا والرغبة أحيانًا أخرى في أن ينتهي كل هذا ونعود إلى «حياتنا الطبيعية».

يمثل أحمد شفيق لكثيرين صورة «رجل الدولة»، المسؤول الذي أدار مشاريع وليس مثل باقي المعارضين القادمين من ساحات النضال، البعض في مصر لا يزال يفكر في رجل دولة. كان بجانب مبارك ورئيس وزرائه وكان أحد محاولاته لفرملة الثورة؟ بالنسبة لكثيرين هذا شيء حميد.

يمثل شفيق لكثيرين صورة تشبههم، الصامتين داخل النظام من أجل أن «يأكلوا العيش» - كما عبر ببلاغة في مؤتمر صحفي له - الساكتين عن الفساد أو المشاركين فيه أو من يرونه يمر بجانبهم، ممن ليس لديهم أدنى خيال لتغيير ما يحدث بشكل جذري، ربما يفكر بعضهم في تغيير محدود لبعض الأشخاص والسياسات.

البعض يراه مثله كان من الكتلة الكبيرة الساكتة الساكنة التي تؤدي عملها وأقصى أمالها أن تكون ناجحة في «الكارير»، ومثلت لهم الثورة فترة من الغموض والمغامرة غير المحسوبة وذات الآثار الضارة على «الكارير».

البعض الآخر يرى فيه صورة الباشا، العسكري القديم، الذين يفكر في مصلحة الجميع وشفته ممتعضة في حزم ولهجته مستهينة وواثقة تستند إلى سلطة ما خفية تقبع وراءها. البعض لا يزال يفكر كالعبيد ويحب السيد ذا الشرف والحسب والنسب والتاريخ العسكري والمناصب في الدولة، طيب القلب أحيانًا، لكنه أحيانًا ينظر باحتقار لمن لا يفهمه ويوجه له الأوامر التي سيفهمها لاحقًا، يمكنه بهذه الطريقة أن يدير رعية عزبته ويفكر في مشروعات تستفيد من كونهم أنفار «يعملون بملاليم» كما عبر في أحد البرامج.

طريقة كلامه؟ الهذيان والهجص العملي عن المشروعات السياسية الاستثمارية بعيدًا عن عالم الأفكار مقنع لكثيرين ويشبه كلامهم عن السياسة باعتبارها طريقة لإدارة الشركات والمزارع.

وعود شفيق بالتصالح مع الجميع يبدو جذابًا بالنسبة لمشوشي الذهن الذين لا يعرفون أين يقفون تحديدًا. لا هم مع الثورة ولا ضدها. أو هم معها قليلاً أو ضدها كثيرًا أحيانًا. شخصيته المشوشة المثيرة للسخرية بالنسبة لكثيرين تشبه تشوش الكثيرين الذين أعياهم مشهد الثورة المعقد ولا يفهمون حماسة وانفعال وفخر أولئك الذين هم داخل هذا المشهد.

هؤلاء المشوشون الذين يقفون على مسافة يبدون أحيانًا تعاطفًا حذرًا أو عداوة شرسة، حسب تقلب الأحوال والمزاج. يبدو شفيق شبيهًا لهم وهو يبدو تارة تعاطفًا مع شباب الثورة والألتراس ويريد أن ينشئ لهم مراكز شباب ويوفر لهم بونبوني وأحيانًا أخرى يتوعدهم بسيناريو العباسية اللطيف من وجهة نظره.

المسخرة التي تبدو عليها حالة أحمد شفيق في نظر البعض، جعلته بالنسبة للبعض الآخر «واحد منهم» وسط حلقة المرشحين أصحاب الفرص التي تبدو كلها مندفعة باتجاه الثورة بمن فيهم عمرو موسى الذي يحاول مجاراة المعارضين،

لكن شفيق هو الحذر المشوش تجاه الثورة، المتعاطف والعدواني، العسكري والمدني، رجل الدولة المقرب أحيانًا والمستبعد وعلى مسافة من النظام أحيانًا. إنه صورة التشوش والهذيان وتجمع الطاقات المعادية للثورة التي تراوغ في إعلان ذلك أو المتبعة منها وتصرخ من ذلك وتزعق بالشكوى تريد الاحتماء بسلطة قريبة مما تعرفه. سلطة تعيد العالم إلى ما كان عليه أو أقرب إلى ما كان عليه، لا مانع من بعض الحديث عن التطهير والتحديث ومواجهة الفساد مثلما كان يتحدث مبارك. المهم أن تتوقف هذه المغامرة المرعبة ويعود إليهم العالم الذي يعرفونه.



من "بين صورتي خالد سعيد وأحمد شفيق" 

قلة أدب


مخبر حمساوي بتابع جولاتنا في شوارع غزة 

أشكر مصطفى الصواف وكيل وزارة الثقافة لدى ميليشيات حماس القمعية في غزة على اعترافاته التي سردها في رده على تقرير أخبار الأدب  عن احتفالية فلسطين للأدب. رغم أنه كان من اللائق أن يرد مندوب عن وزارة الأمن الداخلي لا وزارة الثقافة لكي يوضح لنا ملابسات اقتحام الحفل الختامي للاحتفالية. ولكن ربما كانت الثقافة في حكومة حماس تابعة للأمن الداخلي. 
 ولعل من يدفعون له أجره ليكون متقنا للدفاع عن التسلط بمعسول الأدب والكلام أن يراجعوا اختيارهم لأنه اعترف بكل انتقاداتنا بشكل باهر واعترف بدور حماس في جزء من الحصار المفروض على غزة وأهلها.
اعترف أنه يجب على زوار غزة أن يخبروا مخبري الأمن بكل تحركاتهم الشخصية لأن تلك هي الأعراف والتقاليد واعترف أن الأنشطة الثقافية يجب أن تمارس وفق ما تراه سلطة حماس من ضوابط. ولو كان إقامة حفل موسيقي بدون فصل بين  الجنسين ضد تقاليد الناس لكان الناس اعترضوا بدافع من ضميرهم وأخلاقهم ولكني أراه يتهم أهل غزة بانهم معدومي الأخلاق والضمير ويحتاجون شرطة حماس لكي تحميهم من الانحراف ولكي تعلمهم تقاليدهم وأخلاقهم التي لا يعرفونها. واعترف بأن مخبري حماس تجاوزوا باقتحام الحفل الختامي وإعاقته ولم يفلح في تبرير ذلك إلا بأن المتحدثين في الحفل أرادوا أن يعيشوا في غابة  بلا ضوابط !
ولعل حكومة حماس أن تحسم موقفها باعتذار أو اتهام أو أن تستأجر واحدا غيره يعرف كيف يكون تبرير أفعال المخبرين أو كيف يتقن اتهام الناس بدلا من الهذيان غير المفهوم عن الغابات.
ولعله من سوء أدبه وقلة فطنته أن يصف بعض كلماتنا في الحفل الختامي بسوء الأدب رغم التصفيق الحار التي قوبلت به هذه الكلمات، فهو بالتالي يصف جزء من شعبه بسوء الأدب. أو لعل لدى كل منا مفهوما مختلفا عن الأدب. فأنا فعلا لست مؤدبا من قبل سلطة مثل الصواف ولا مؤدبا تجاه السلطات القمعية، وكانت كلمتي بالفعل تدعو إلى تجاوز الأدب في التعامل مع السلطات القمعية التي تفرض الخضوع بالبندقية وتطالب الخاضعين بالأدب وتستأجر من يعلمون الناس ثقافة الأدب في مواجهة الظلم.
لعل "غير المؤدبين" من أهل غزة يتمكنون يوما من تعليم حكامهم وتابعيهم مثل الصواف بعض الأدب المفيد وترتد على المقاومين السابقين/ المخبرين الحاليين عاقبة ما يحاولون فرضه على الناس من أدب الخضوع والمهانة.